← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

الحديث الأول عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِحْدَى صَلَاتَي العَشِيِّ، قَالَ ابنُ سِيرِينَ: وَسَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا، قَالَ: فَصَلَّى بنَا رَكْعَتَينِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ إِلى خَشَبةٍ مَعْرُوضَةٍ في المَسْجِدِ، فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا، كَأَنَّه غَضْبَانُ، وَوَضَعَ يَدَه اليُمْنَى عَلَى اليُسْرَى، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابعِهِ، وخَرَجَتِ السَّرَعَانُ مِنْ أَبْوَابِ المَسْجِدِ، فَقَالُوا: قَصُرَتِ الصَّلَاةُ، وفي القَوْمِ أَبو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَفِي القَوْم رَجُلٌ في يَدَيْهِ طُولٌ، يُقَالُ لَهُ: ذُو اليَدَيْنِ، فَقَالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! أَنَسِيتَ، أَمْ قَصُرَتِ الصَّلَاةُ؟ قَالَ: لَمْ أَنْسَ، ولَمْ تُقْصَرْ، فَقَالَ: أَكَمَا يَقُولُ ذُو اليَدَيْنِ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، فَتَقَدَّمَ، فَصَلَّى مَا تَرَكَ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كبَّرَ، وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ، أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَكَبَّرَ، ثُمَّ كبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُوْدِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، وَكبَّرَ، فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَنُبِّئْتُ: أَنَّ عِمْرَانَ بنَ حُصَيْنٍ، قَالَ: ثُمَّ سَلَّم (١).

стр. 1122

(عن) أبي بكر (محمد بن سيرين) الإمام المشهور البصري، ووالده سيرين مولى أنس بن مالك، يكنى: أبا عمرة، كاتَبَهُ مولاه أنس، فعتق بالأداء؛ كما تقدم في ترجمة أخيه أنس. وكان محمد بن سيرين إمامًا في التفسير، والفقه، والحديث، وتعبير الرؤيا، والزهد، والورع.

стр. 1123

قال ابن قتيبة في "المعارف": وكانت أمه تسمى: صفية، مولاة أبي بكر الصديق ﵁. روى عن أنس، وأبي هريرة، وسمع من ابن عمر حديثًا، أو حديثين، وسمع عمران بن حصين، وعبد اللَّه بن الزبير، وعدي بن حاتم، وغيرهم من الصحابة، وسمع من كثير من التابعين. وقال هشام: أدرك الحسن البصري من أصحاب النبي ﷺ مئة وعشرين، وأدرك ابن سيرين ثلاثين منهم. روى عنه: الشعبي، وأيوب، وقتادة، وسليمان التيمي، وخلائق. قال ابن قتيبة: ولد لابن سيرين ثلاثون ولدًا من امرأة واحدة، ولم يبق منهم غير عبد اللَّه بن محمد، وقضى عنه ابنه هذا ثلاثين ألف درهم، فما مات عبد اللَّه حتى صار ماله ثلاث مئة ألف درهم. واتفقوا على أن ابن سيرين توفي بالبصرة، سنة عشر ومئة، بعد الحسن بمئة يوم. قال حماد بن زيد: مات الحسن أول رجب، سنة عشر، وصليت عليه، ومات ابن سيرين لتسع مضين من شوال، سنة عشر، قيل: إنه ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان ﵁ (١).

стр. 1124

(عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر (﵁ قال: صلى بنا رسول اللَّه ﷺ )؛ في هذا تصريح بحضور أبي هريرة ﵁ ذلك. ويؤيده: ما في رواية الإمام أحمد، ومسلم، وغيرهما عن أبي هريرة ﵁، قال: بينما أنا أصلي مع رسول اللَّه ﷺ (١). وفيه: رد على الطحاوي، في حمله قوله: صلى بنا؛ على المجاز، وأن المراد: صلى بالمسلمين؛ متمسكًا بما قاله الزهري، وهو أن القصة لذي الشمالين المستشهد ببدر، قبل إسلام أبي هريرة بأكثر من خمس سنين (٢). والصواب: أنها لذي اليدين؛ وهو غير ذي الشمالين؛ كما جزم به في "الفتح" (٣)، وأبو عبد اللَّه الحاكم، والبيهقي (٤)، وغيرهم. وقال الإمام النووي، في "الخلاصة": إنه قول الحفاظ، وسائر العلماء، إلا الزهري، واتفقوا على تغليطه (٥). وقال أبو عمر: وأما قول الزهري: إن ذا اليدين هو ذو الشمالين، فلم يتابع عليه، ولم يعول على ما قاله في ذلك أحد، فليس قوله: إنه المقتول ببدر، حجة؛ فقد تبين غلطه في ذلك، انتهى (٦).

стр. 1125

(إحدى صلاتي العَشِي) -بفتح العين المهملة، وكسر الشين المعجمة، وتشديد الياء-: الظهر، أو العصر". (قال) محمد (بن سيرين: وسماها أبو هريرة) ﵁، (ولكن نسيت أنا). وفي رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة، عندهما: صلى بنا النبي ﷺ الظهر، أو العصر؛ بالشك (١). وجزم البخاري عنه، في باب الإمامة: أنها الظهر (٢)؛ وكذا مسلم، في رواية له (٣). وفي أخرى عند مسلم، الجزمُ من أبي هريرة: بأنها العصر (٤). والشك الواقع بين الظهر والعصر من أبي هريرة؛ كما تبين من رواية عون، عن محمد بن سيرين، عند النسائي، ولفظه: قال أبو هريرة: صلى النبي ﷺ إحدى صلاتي العشي، قال أبو هريرة: لكن نسيت (٥). فبين أبو هريرة أن الشك منه، وكأنه رواه في كثير من الروايات على الشك، وربما غلب على ظنه أنها الظهر، فجزم بها، ومرة، أنها العصر، فجزم بها. وأما قول ابن سيرين: وسماها أبو هريرة، ولكني نسيت أنا، وفي لفظ

стр. 1126

عن ابن سيرين؛ عند البخاري، وغيره: وأكبر ظني العصر (١)؛ فهو شك آخر من ابن سيرين؛ وذلك أن أبا هريرة حدثه بها معينة، كما عينها لغيره، ويدل على أنه عينها له: ما ذكرنا عنه. وقد حكى النووي عن بعض المحققين أنهما قضيتان (٢)، والصحيح: أن قصة أبي هريرة واحدة، وقد علم وجه الجمع بين الروايات مما ذكرنا. (قال) أبو هريرة ﵁: (فصلى بنا) رسول اللَّه ﷺ (ركعتين، ثم سلم، فقام إلى خشبة) -بالتحريك، أي: بفتح الخاء، والشين المعجمتين، بعدهما موحدة-: ما غلظ من العيدان (٣). (معروضة)؛ أي: موضوعة بالعرض، وفي لفظ: ثم قام إلى خشبة، في مقدم المسجد (٤) -بتشديد الدال المفتوحة-؛ أي: في جهة القبلة. (في المسجد)، وفي لفظ: ثم أتى جذعًا، في قبلة المسجد (٥). (فاتكأ عليها)، وفي لفظ: "فاستند إليها" (٦). (كأنه غضبان)؛ لما يرى عليه من أثر الوجوم، وفي لفظ: فاستند إليها مغضبًا (٧)، والغضب -بالتحريك-: ضد الرضا؛ وهو غليان الدم وهيجانه؛ لإرادة الانتقام (٨).

стр. 1127

(ووضع) ﷺ (يده اليمنى على اليسرى)، وفي رواية: فوضع يده عليها (١)؛ أي: على الخشبة، ولا منافاة بين الروايتين؛ لاحتمال أن يكون وضعهما كذلك، ثم وضعها على الخشبة، وإنما أفردها؛ لكونها المباشرة للخشبة، أو باعتبار وقتين. (وشبك) ﷺ (بين أصابعه)؛ أي: أدخل أصابع يديه بعضها في بعض. قال الحافظ ابن حجر: هذا دال على جواز التشبيك في المسجد، وإذا جاز في المسجد؛ فهو في غيره أجوز (٢). وترجم له البخاري: باب: تشبيك الأصابع في المسجد، وغيره، وأورد فيه حديث أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إن المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضًا، وشبك بين أصابعه" (٣). ووقع في بعض نسخ البخاري، عن ابن عمر ﵄، قال: شبك النبي ﷺ أصابعه، قال الحافظ مغلطاي: هذا الحديث، ليس موجودًا في أكثر نسخ الصحيح. وقال الحافظ ابن حجر: هو ثابت في رواية حماد بن شاكر، عن البخاري. قال ابن بطال: مقصود البخاري بهذه الترجمة: معارضة ما ورد في

стр. 1128

النهي عن التشبيك في المسجد، وقد وردت فيه مراسيل، ومسند [ة]؛ من طرق غير ثابتة. وقال ابن المنير: التحقيق أنه ليس بين الأحاديث تعارض؛ إذ المنهي عنه: فعله على وجه العبث. وجمع الاسماعيلي: بأن النهي مقيد بما إذا كان في الصلاة، أو قاصدًا إليها، أو منتظر الصلاة؛ إذ منتظر الصلاة في حكم المصلي. وقيل: إن حكمة النهي عنه لمنتظر الصلاة: أنه يجلب النوم؛ وهو من مظان الحدث. وقيل: لأن صورته تشبه صورة الاختلاف؛ فكره ذلك لمن هو في حكم الصلاة، حتى لا يقع في المنهي عنه؛ وهو قوله ﷺ للمصلين: "ولا تختلفوا، فتختلف قلوبكم" (١). وقال مغلطاي: إنه ليس بين حديث النهي عن التشبيك، وبين تشبيكه ﷺ بين أصابعه، معارضة؛ لأن النهي إنما ورد عن فعله في الصلاة، أو في المضي إليها، وفعله ﷺ للتشبيك ليس في صلاة، ولا في المضي إليها -أي: ولا في حال انتظاره لها-؛ فلا معارضة إذًا، وبقي كل حديث على حاله، انتهى (٢). وقد روى أبو داود، من حديث كعب بن عجرة، مرفوعًا: "إذا توضأ أحدكم، فأحسن الوضوء، ثم خرج عامدًا إلى المسجد، فلا يشبكن بين يديه؛ فإنه في صلاة"، ورواه الإمام أحمد، والترمذي (٣).

стр. 1129

وفي حديث أبي هريرة، مرفوعًا: "إذا توضأ أحدكم في بيته، ثم أتى المسجد، كان في صلاة حتى يرجع؛ فلا يقل هكذا، وشبك بين أصابعه"، رواه الحاكم (١). فإن كان في المسجد بعد فراغه من صلاته، وليس يريد صلاة أخرى، ولا ينتظرها، فلا يكره؛ لحديث ذي اليدين؛ كما نبه عليه الحافظ السيوطي في "حسن التسليك في حكم التشبيك" (٢)، والله أعلم. (وخرجت السرعان)، وفي لفظ: "وخرج سرعان الناس" (٣)؛ والسرعان -بالمهملات المفتوحة-: هم الذين يتسارعون إلى الشيء، ويقدمون عليه بسرعة (٤). وفي "القاموس": وسرعان الناس -محركة-: أوائلهم المستبقون إلى الأمر، ويسكن (٥). وقال عياض: ضبطه الأصيلي في البخاري: سُرْعانُ الناس -بضم السين المهملة، وإسكان الراء، ووجه أنه جمع سريع؛ كقفيز وقُفزان، وكثيب وكُثبان (٦).

стр. 1130

(من أبواب المسجد) متعلق بخرج، (فقالوا: قَصُرَت الصلاة؟) -بضم صاد قصرت، وفتحها على صيغة-، وفي رواية: أقصرت؟ (١) بزيادة همزة الاستفهام. (وفي القوم) الحاضرين لتلك الصلاة (أبو بكر) الصديق (وعمر) الفاروق ﵄، (فهابا أن يكلماه) -يعني: النبي ﷺ ؛ أي: غلب عليهما احترامه وتعظيمه عن إظهار نوع الاعتراض عليه، وفي لفظ: فهاباه (٢)، بزيادة الضمير. (وفي القوم رجل في يديه طول، يقال له: ذو اليدين)؛ لطول يديه، واسمه: الخرباق -بكسر الخاء المعجمة، وسكون الراء، بعدها موحدة، فقاف آخر الحروف-؛ كما جاء التصريح به كذلك، في رواية لمسلم، وأبي داود، والنسائي (٣). وقيل: الخرباق لقب له، واسمه: عمرو بن عبد عمرو بن نَضْلة -بفتح النون، وسكون الضاد المعجمة-، ومن هنا وقع لابن شهاب الزهري: أنه ذو الشمالين؛ لأن هذا اسم ذي الشمالين، وخالفه الناس؛ كما تقدم.

стр. 1131

وخرباق: رجل حجازي، من بني سُلَيم -بضم السين، وفتح اللام-، باتفاق (١). (فقال: يا رسول اللَّه! أنسيت، أم قصرت الصلاة؟) -بفتح القاف، وضم الصاد-، وإنما سكت الشيخان، ولم يسألاه؛ لكونهما هاباه؛ كما مر، مع علمهما أنه سيبين أمر ما وقع؛ وكأنه كان بعد النهي عن السؤال. ولم ينفرد ذو اليدين بالسؤال؛ فعند أبي داود، والنسائي، بإسناد صحيح، من حديث معاوية بن حُدِيج -بضم الحاء، وكسر الدال المهملتين، فياء ساكنة، فجيم-: أنه سأله عن ذلك طلحة بن عبيد اللَّه (٢)، ولكنه ذكر فيه: أنه كان بقيت من الصلاة ركعة، ويجوز أن تكون العصر، فيوافق حديث عمران بن حصين؛ فيكون قد سأله طلحة مع الخرباق -أيضًا-. فـ (ـقال) ﷺ : (لم أنس)؛ أي: قال ذلك بحسب ظنه واعتقاده، لا في نفس الأمر. (ولم تُقْصَر) -بضم أوله، وفتح ثالثه-، ولأبي ذر: -بفتح أوله، وضم ثالثه-؛ وهذا صريح في نفي النسيان، ونفي القصر. وهو نفس الرواية التي عند مسلم: "كل ذلك لم يكن" (٣)؛ وهو أشمل من: "لم يكن كل ذلك"؛ لأنه من باب تقوي الحكم، فيفيد التأكيد في المسند، والمسند إليه، بخلاف

стр. 1132

الثاني؛ إذ ليس فيه تأكيد أصلًا، ولذا أجابه بقوله كما في مسلم: قد كان بعض ذلك يا رسول اللَّه (١). وفي رواية من سياق حديث أبي هريرة، من رواية ابن سيرين، قال: بلى قد نسيت (٢)؛ لأنه لما نفى الأمرين، وكان مقررًا عند الصحابي أن السهو غير جائز عليه في الأمور البلاغية، جزم بوقوع النسيان، لا القصر، وفائدة جواز السهو في مثل هذا: بيان الحكم الشرعي إذا وقع مثله لغيره (٣). وفي رواية: فقال ﷺ : "ما يقود ذو اليدين؟ "، قالوا: صدق، لم تصل إلا ركعتين (٤)، وفي لفظ: (فقال) ﷺ : ("أكما يقول ذو اليدين؟ "، فقالوا: نعم)، وفي لفظ: فقال: "أصدق ذو اليدين؟ "، فقالوا: نعم يا رسول اللَّه. (فتقدم) إلى مصلاه، (فصلى ما ترك)، وفي لفظ: فصلى ركعتين (٥)، بانيًا على ما سبق، بعد أن تذكر، أنه لم يتمها؛ كما رواه أبو داود في بعض طرقه، قال: ولم يسجد سجدتي السهو، حتى يقنه اللَّه ذلك؛ فلم يقلدهم في ذلك (٦)، إذ لم يطل (٧). (ثم) بعد فراغه من التشهد الأخير الذي أتى به بعد إتيانه بما ترك (سلم،

стр. 1133

ثم) بعد سلامه (كبر، وسجد) للسهو (مثل سجوده) للصلاة (أو أطول) منه، (ثم رفع رأسه) من السجود، (فكبر، ثم كبر، وسجد) سجدة ثانية (مثل سجوده) الأول (أو أطول) منه، (ثم رفع رأسه) من السجدة الثانية، (وكبر). وظاهره: الاكتفاء بتكبيرة السجود، ولا يشترط تكبيرة الإحرام؛ وهو قول الجمهور. وحكى القرطبي: أن قول مالك لم يختلف في وجوب السلام بعد سجدتي السهو، قال: وما يتحلل منه بسلام؛ لابد له من تكبيرة الإحرام (١). وقد روى أبو داود، من طريق حماد بن زيد، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين؛ في هذا الحديث، قال: فكبر، ثم كبر، وسجد للسهو، قال أبو داود: لم يقل أحد: فكبر، ثم كبر، إلا حماد بن زيد (٢)؛ فأشار إلى شذوذ هذه الزيادة، انتهى (٣). (فربما سألوه)؛ يعني: ابن سيرين، فقالوا: (ثم سلَّم؟) النبي ﷺ . قال: (فنبئت: أن عمران بن حصين) ﵁، وفي لفظ: أخبرت عن عمران بن حصين (٤): أنه (قال: ثم سلم). قال سلمة بن علقمة لمحمد بن سيرين: في سجدتي السهو تشهد؟

стр. 1134

قال: ليس في حديث أبي هريرة تشهد (١)، ومفهومه: أنـ[ـه]، رواه من غير حديث أبي هريرة (٢). ويؤيده: حديث عمران بن الحصين، عند أبي داود، والترمذي، وابن حبان، والحاكم: أن النبي ﷺ صلى بهم، فسها، فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم (٣). وهذا معتمد المذهب: أنه متى سجد بعد السلام، تشهد، وفاقًا لأبي حنيفة، ومالك التشهدَ الأخير، وقيل: لا يتشهد؛ واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية؛ كسجوده قبل السلام -ذكره في "الخلاف" إجماعًا-، ولا يُحْرِم له (٤). وسجود السهو وما يقول فيه، وما بعد الرفع منه: كسجود الصُّلْب؛ لأنه أطلقه في الحديث؛ فلو خالف، أعاده بنيته (٥). وذكر بعضهم: أنه يندب له أن يقول فيهما: سبحان من لا ينام ولا يسهو، قال النووي -من الشافعية-: وهو لائق بالحال (٦). * * *

стр. 1135

الحديث الثاني عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُحَيْنَةَ -وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، وَلَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ، وانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ، كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ، فسجد سجدتين قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ (١).

стр. 1136

(عن) أبي محمد (عبد اللَّه) بن مالك (بن بحينة) -بضم الباء الموحدة، وفتح الحاء المهملة، وسكون المثناة تحت، فنون، فهاء تأنيث- بنت الأرث؛ كما تقدم ﵁، وعن أبيه-. قال الحافظ: (وكان) -يعني: عبد اللَّه بن بحينة- (من أصحاب النبي ﷺ )؛ وكذا قال البخاري (١). (أن النبي ﷺ صلى بهم الظهر)؛ هكذا أفصح بأنها الظهر، وفي بعض الروايات: أنه قال: صلى لنا رسول اللَّه ﷺ ركعتين من بعض الصلوات (٢)، (فقام في الركعتين الأوليين) من صلاة الظهر. (ولم يجلس)؛ أي: ترك التشهد مع قعوده المشروع له، المستلزم تركُه تركَ التشهد. (فقام الناس معه) إلى الثالثة، زاد الضحاك بن عثمان، عن الأعرج عند ابن خزيمة: فسبحوا به، فمضى في صلاته (٣). واستنبط منه: أن من سها عن التشهد الأول حتى قام إلى الركعة، ثم

стр. 1137

ذكر، لا يرجع؛ فقد سبحوا به ﵊، فلم يرجع؛ لتلبسه بالفرض، فلم يبطله للسنة (١). وحاصل معتمد المذهب: أن من نهض تاركًا للتشهد الأول؛ إما أن يتذكر قبل أن يستتم قائمًا، أو بعد استتمامه قائمًا، وقبل الشروع في القراءة. أو لا يتذكر إلا بعد قيامه وشروعه في القراءة. فإن تذكر قبل أن يستتم قائمًا: وجب عليه؛ ليرجع، فيأتي بالتشهد؛ لأنه واجب، ولم يتلبس في فرض مقصود؛ فوجب الرجوع إليه. وإن استتم قائمًا، ولم يشرع في القراءة: جاز له الرجوع والمضي، لكن المضي أولى؛ لأنه قد تلبس بركن، وهو القيام، إلا أنه غير مقصود لذاته، بل لأجل القراءة، نعم يكره له الرجوع والحالة هذه. وأما إن شرع في القراءة: امتنع عليه الرجوع؛ لأنه تلبس في ركن مقصود لذاته، وهو القراءة، فإن رجع عالمًا ذاكرًا: بطلت صلاته، وناسيًا أو جاهلًا: لم تبطل، ولم يعتد بما أتى به بعد رجوعه، وعليه سجود السهو في الكل (٢). (حتى)، وفي لفظ: "فلما" (٣)، ([إذا] قضى) ﵊ (الصلاة)؛ أي: فرغ منها، ما عدا تسليم التحليل؛ بدليل قوله: (وانتظر الناس)، وفي لفظ: ونظرنا (٤) (تسليمه) ﵊.

стр. 1138

(كبر، وهو جالس)؛ أي: أتى بالتكبير في حال جلوسه، (فسجد سجدتين) للسهو؛ كسجدتي صلب الصلاة (قبل أن يسلم). وفي لفظ: كبر قبل التسليم، فسجد سجدتين، وهو جالس (١). (ثم سلم)، وسلم الناس معه بعد ذلك. قال الأزهري: وفعله قبل السلام هو آخر الأمرين من فعله ﵇؛ ولأنه لمصلحة الصلاة، فكان قبل السلام؛ كما لو نسي سجدة منها. وفي الحديث من الفقه: - أن سجود السهو سجدتان، وإن كثر السهو. - وأنه يكبر لهما؛ كما يكبر في غيرهما من السجود. - وأن المأموم يتابع إمامه، ويلحقه سهو إمامه؛ فإن سجد، لزمه متابعته، فإن تركها عمدًا، بطلت صلاته، وإن لم يسجد إمامه، فعليه هو؛ على النص (٢). تنبيهات: * الأول: سجود السهو يشرع لزيادة أو نقص، لا لعمد؛ خلافًا للشافعي، ولشك في الجملة، لا إذا كثر حتى صار كوسواس؛ بنفل وفرض سوى صلاة جنازة، وسجود تلاوة، وشكر، وسهو (٣). وحاصل معتمد المذهب: وجوب سجود السهو؛ لما يبطل عمدُه

стр. 1139

الصلاةَ، وللَّحْنِ يُحيل المعنى سهوًا أو جهلًا؛ إلا ما محلُّ أفضليته بعد السلام. وحاصل المذهب: جواز سجود السهو قبل السلام وبعده؛ لكن إن سلم قبل إتمامها سهوًا -وفي "الإقناع": عن نقص ركعة، فصاعدًا-، فمحل أفضليته بعد السلام، وإلا، فقبله (١). * الثاني: قال [في] "تنقيح التحقيق": سجود السهو قبل السلام، إلا في موضعين: أحدهما: إذا سلم من نقصان. قلت: وهذا معتمد. الثاني: إذا شك الإمام، وقلنا: يتحرى، على رواية، قلت: وهذا مرجوح، بل عليه أن يبني على اليقين، وهو الأقل، ويسجد للسهو، والأولى كون سجوده قبل السلام. وقال مالك: إن كان من نقصان، كان قبل السلام، وإن كان من زيادة، فبعده. وقال أبو حنيفة، وداود: كله بعد السلام. وقال الشافعي: كله قبل السلام (٢). ونصَّ الإمام أحمد: أنه يستعمل كل حديث فيما يرد فيه، وما لم يرد فيه شيء، يسجد فيه قبل السلام (٣).

стр. 1140

وحاصل المذهب: ما قدمنا من جواز الأمرين. وعند الشافعي: أن سجود السهو، من حيث هو شرع: سنة. وأوجبه مالك لنقص. وأوجبه أبو حنيفة: لجهر، وإخفات، وسورة، وقنوت، وتشهدين؛ كزيادة ركن، كركوع فأكثر؛ خلافًا لمالك. وأبطلها مالك بالزيادة بما فوق نصفها، والله أعلم (١). * الثالث: يجب سجود السهو لزيادة ركن فعلي من قيام، أو قعود، أو ركوع، أو سجود، أو شك، ونحو ذلك. ويسن لإتيانه بقولٍ مشروعٍ في غير محله سهوًا، نعم تبطل بتعمد السلام، مع كونه ركنًا قوليًا، فلو تشهد في قيامه، أو قرأ نحو الفاتحة في محل تشهده، أو قرأ سورة فيما بعد الأوليين: سن له أن يسجد للسهو. ويباح إن ترك مسنونًا سهوًا. ويحرم سجود السهو بلا موجب له، أو ما ذكرنا؛ لأنه زيادة سجود في الصلاة، فتبطل بعمده، واللَّه تعالى الموفق (٢). * * *

стр. 1141

باب المرور بين يدي المصلي أي: النهي عن ذلك، وما ورد فيه من التغليظ عن حضرة الرسول اللَّه ﷺ . وذكر الحافظ- رحمه اللَّه تعالى- في هذا الباب: أربعة أحاديث. * * *

стр. 1142

الحديث الأول عَنْ أَبِي جُهَيْمِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الأَنْصَارِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ يَعْلَمُ المَارُّ بَيْنَ يَدَيِ المُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ مِنَ الإِثْم، لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ، خَيرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ". قَالَ أَبُو النَّضَرِ: لَا أَدْرِي أقَالَ: أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ شَهْرًا أَوْ سَنةً (١).

стр. 1143

(عن أبي جهيم) -بضم الجيم، وفتح الهاء، على التصغير- واسمه عبد اللَّه (بن الحارث بن الصِّمَّة)، -بكسر الصاد المهملة وتشديد الميم-، وقيل: ابن جهيم بن الحارث، وقيل: الحارث، وقيل: أبو الجهم -بالتكبير- (الأنصاري)؛ وهذا هو الأصح في نسبه، واسمه. وفي "البرماوي": أن أباه من كبار الصحابة (﵁)، وعن أبيه، وعن سائر أصحاب رسول اللَّه أجمعين (١). (قال: قال رسول اللَّه ﷺ : لو يعلم المار بين يدي المصلي)؛ أي: أمامه بالقرب منه، وإنما عبر باليدين، لكون أكثر الشغل يقع بهما، واختلف في تحديد ذلك: فقيل: إذا مر بينه وبين مقدار سجوده. وقيل: بينه وبين قدر رمية حجر وقيل: بينه وبين قدر ثلاثة أذرع (٢). وهذا معتمد المذهب؛ حيث لا سترة؛ فإن كانت: فبينه وبين سترته ولو بعد منها؛ خلافًا للشافعي (٣). (ماذا عليه من الإثم)؛ وهذه الزيادة، يعني: "من الإثم"، في رواية الكشميهني، خاصة، من "صحيح البخاري" (٤)، والحديث في "الموطأ" بدونها (٥).

стр. 1144

قال ابن عبد البر: لم يختلف على مالك في شيء منه (١)؛ وكذا رواه باقي الستة، وأصحاب المسانيد والمستخرجات بدونها. قال في "الفتح": ولم أرها في شيء من الروايات مطلقًا، لكن في "مصنف ابن أبي شيبة" -يعني: "من الإثم"- فيحتمل أن يكون ذُكرتْ في أصلِ البخاري حاشيةً؛ فظنها الكشميهني أصلًا؛ لأنه لم يكن من أهل العلم، ولا من الحفاظ. وقد عزاها المحب الطبري في ["الأحكام"] (٢) للبخاري، وأطلق؛ فعيب ذلك عليه، وعلى صاحب "العمدة" في إيهامه أنها في "الصحيحين". وأنكر ابن الصلاح في "مشكل الوسيط" على من أثبتها في الخبر، فقال: لفظ الإثم ليس في الحديث صريحًا. ولما ذكره النووي في "شرح المهذب" بدونها، قال: في رواية رويناها في "الأربعين" لعبد القادر الهروي: "ماذا عليه من الإثم" (٣). (لكان أن يقف أربعين)، يعني: أن المار لو يعلم مقدار الإثم الذي يلحقه من مروره بين يدي المصلي، لاختار أن يقف المدة المذكورة؛ حتى لا يلحقه ذلك الإثم.

стр. 1145

(خيرًا)، جواب "لو" المقدرة، لا المذكورة، بل التقدير: لو يعلم ما عليه، لوقف أربعين، ولو وقف أربعين، لكان خيرًا له، كذا في "الفتح". قال: وليس هذا التقدير متعينًا (١). (له)؛ أي: المار بين يدي المصلي. (من أن يمر بين يديه)؛ أي: المصلي، وأبهم العدد؛ تفخيمًا للأمر وتعظيمًا. قال الكرماني: وخص الأربعين بالذكر؛ لأن الأربعة أصل جميع الأعداد، فلما أريد التكثير، ضربت في عشرة؛ ولأن كمال أطوار الإنسان بأربعين؛ كالنطفة، والمضغة، والعلقة، وكذا بلوغ الأَشُدّ، ويحتمل غير ذلك، انتهى. وفي "صحيح ابن حبان"، من حديث أبي هريرة ﵁، مرفوعًا: "لكان أن يقف مئة عام؛ خيرًا له، من الخطوة التي خطاها" (٢). وهذا مشعر بأن إطلاق الأربعين للمبالغة في تعظيم الأمر، لا لخصوص عدد معين؛ لأن التقييد بالمئة، وقع بعد التقييد بالأربعين، زيادة في تعظيم الإثم على المار؛ لأنهما لم يقفا معًا، إذ المئة أكثر من الأربعين، والمقام مقام زجر وتخويف، فلا يناسب أن يتقدم ذكر المئة على الأربعين؛ بل

стр. 1146

المناسب: أن يتأخر، ومميز الأربعين: إن كان هو السنة، ثبت المدعى، أو ما دونها، فمن باب أولى (١). وفي "مسند البزار"، من طريق ابن عيينة، التي ذكرها ابن القطان: "لكان أن يقف أربعين خريفًا" (٢). (قال أبو النضر): هو من كلام الإمام مالك، وليس من تعليق الشيخين. واسم أبي النضر-بفتح النون، وسكون الضاد المعجمة-: سالم بن أمية، القرشي مولى عمر بن عبيد اللَّه بن معمر التيمي القرشي المدني، يعد في التابعين، وأكثر رواياته عنهم. روى عنه: مالك، والثوري، وابن عيينة، وكان رجلًا صالحًا، مات في خلافة مروان بن محمد، وكان ثقة، قال خليفة بن الخياط: توفي سنة تسع وعشرين ومئة، روى له الجماعة (٣). (لا أدري أقال) بهمزة الاستفهام -يعني: النبي ﷺ : (أربعين يومًا، أو) أربعين (شهرًا، أو) أربعين (سنة). وفي "الموطأ": أن كعب الأحبار قال: "لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه، لكان أن يخسف به، خيرًا له من أن يمر بين يديه" (٤).

стр. 1147

تنبيهات: الأول: وقع في رواية أبي العباس، من طريق الضحاك بن عثمان، عن أبي النضر: "لو يعلم المار بين يدي المصلي، والمصلَّى" (١)؛ فحمله بعضهم على ما إذا قصَّر المصلي في دفع المار، أو بأن صلى في الشارع. وفي "الفتح": يحتمل أن يكون قوله: "والمصلَّى" -بفتح اللام-؛ أي: بين يدي المصلي من داخل سترته، وهذا أظهر، والله أعلم (٢). الثاني: قال النووي: في هذا الحديث دليل على تحريم المرور؛ فإن معنى الحديث [معناه] (٣): النهي الأكيد، والوعيد الشديد (٤). قال في "الفتح": ومقتضى ذلك أن يعد في الكبائر (٥). الثالث: ظاهر عموم النهي: في كل مصل، وخصه بعض المالكية بالإمام، والمنفرد، لأن المأموم، لا يضره من مر بين يديه، لأن سترة إمامه سترة له، والتعليل المذكور لا يطابق المدعى؛ لأن السترة تفيد رفع الحرج عن المصلي، لا عن المار. قال في "الفروع" في قوله: "وسترة الإمام سترة لمن خلفه"؛ معنى ذلك: فيما إذا مرَّ ما يبطلها -يعني: الصلاة-؛ من نحو الكلب الأسود البهيم؛ فإنه إذا مر بين يدي المأموم، لا تبطل صلاته؛ لأن سترة الإمام سترة

стр. 1148

له، وأما في نهي الآدمي عن المرور: فعلى ظاهره. وقال صاحب "النظم": لم أر أحدًا تعرض لجواز مرور الإنسان بين يدي المأمومين، فيحتمل جوازه اعتبارًا بسترة الإمام لهم حكمًا؛ ويحتمل اختصاص ذلك بعدم الإبطال؛ لما فيه من المشقة على الجميع. قال في "الفروع": ومراده: عدم التصريح به، وقد قال القاضي عياض المالكي: اختلفوا في سترة الإمام؛ هل هي سترة لمن خلفه، أم هي سترة له خاصة، وهو سترة لمن خلفه، مع الاتفاق على (١) أنهم مصلون إلى سترة (٢)؟. ولمسلم، عن أبي هريرة، مرفوعًا: "إنما الإمام جُنَّة" (٣) -أي: الترس-، يمنع من نقصٍ لصلاة المأموم؛ لا أنه يجوز المرور قُدَّامَ المأموم على ما سبق (٤). الرابع: ذكر ابن دقيق العيد: أن بعض الفقهاء -أي: المالكية- قسم أحوال المار في الإثم وعدمه إلى أربعة أقسام: يأثم المار دون المصلي، وعكسه، يأثمان جميعًا، وعكسه. فالصورة الأولى: أن يصلي إلى سترة في غير مشرع، وللمار مندوحة، فيأثم المار دون المصلي. والثانية: أن يصلي في مشرع مسلوك بغير سترة، أو متباعدًا عن السترة،

стр. 1149

ولا يجد المار مندوحة، فيأثم المصلي دون المار. الثالثة: مثل الثانية، لكن يجد المار مندوحة، فيأثمان جميعًا. الرابعة: مثل الأولى، لكن لا يجد المار مندوحة، فلا يأثمان جميعًا (١). قلت: كلام علمائنا يخالف هذا التقسيم. قال في "الفروع": ويحرم؛ وفاقًا لمالك، وللشافعي، وذكره غير واحد من الحنفية، [ويكره] المرور بين المصلي وسترته ولو بعد منها خلافًا للشافعي، وكذا بين يديه قريبًا في الأصح؛ خلافًا للشافعي -أيضًا-؛ وهو ثلاثة أذرع، وقيل: العرف، لا موضعُ سجوده. وقيل: يكره المرور، لا أنه يحرم؛ وفاقًا لأبي حنيفة، نعم، إن احتاج إلى المرور في مكان ضيق، لم يرده. وقيل: بلى، وتكره الصلاة هناك ولا تحرم، والله أعلم (٢). * * *

стр. 1150

الحديث الثاني عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إذَا صَلَّى أَحَدُكمْ إلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلْيَدْفَعْهُ، فَإنْ أَبَى، فَلْيُقَاتِلْهُ؛ فَإنَّمَا هُوَ شَيْطَان" (١).

стр. 1151

(عن أبي سعيد) سعد بن مالك (الخدري ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: إذا صلى أحدكم) - معشر المسلمين، (إلى شيء يستره) من: جدار، أو سارية، أو عصا، أو نحوها، وعرضها أعجب إلى الإمام أحمد؛ لقوله ﷺ : "ولو بسهم" (١) يقارب طول ذراع (٢). (من الناس) متعلق بيستره؛ أي: يستره من مرور الناس بين يديه. (فأراد أحد) من الناس (أن يجتاز)؛ أي: يمر ويسلك (بين يديه)؛ يعني: دون سترته؛ أي: بينه وبين سترته (فليدفعه)، ولمسلم: "فليدفع في نحره" (٣). قال القرطبي: بالإشارة ولطيف المنع، (فإن أبى) أن يرجع عن المرور، وصمم عليه؛ (فليقاتله)؛ أي: يزيد في دفعه الثاني أشدَّ من الأول، وأجمعوا على أنه لا يلزمه أن يقاتله بالسلاح؛ لمخالفة ذلك لقاعدة الإقبال على الصلاة، والاشتغال بها، والخشوع فيها (٤). قال في "الفروع": ويستحب رد المار؛ اتفاقًا، وتنقض صلاته إن تركه قادرًا. وعنه: يجب رده، وإن غلبه، لم يردَّه؛ وفاقًا، وإن أبى، دفعه،

стр. 1152

خلافًا لأبي حنيفة. فإن أصر، فله قتاله -على الأصح-، ولو مشى؛ خلافًا لمالك (١). فإن خاف فساد صلاته، لم يكرر دفعه، ويَضْمَنهُ -على الأصح-؛ أي: حيث كرر الدفع، بحيث تفسد الصلاة؛ لكثرته (٢). (فإنما هو)؛ أي: المار بين يدي المصلي بينه وبين سترته، أو كان لا سترة له، ومر قريبًا منه في ثلاثة أذرع فأقل (شيطان)؛ أي: فعلُه فعلُ الشيطان؛ لأنه أبى إلا التشويش على المصلي، وإطلاق الشيطان على المار من الإنس سائغ شائع، وقد جاء في القرآن قوله تعالى ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢]. وقال ابن بطال: في هذا حديث جواز إطلاق لفظ الشيطان على: من يفتن في الدين، وأن الحكم للمعاني، دون الأسماء؛ لاستحالة أن يصير المار شيطانًا، بمجرد مروره، انتهى. وهو مبني على أن لفظ الشيطان يطلق حقيقة على الجني، ومجازًا على الإنسي؛ وفيه بحث، ويحتمل أن يكون المعنى: فإنما الحامل له على ذلك الشيطان. ويؤيده ما في رواية الإسماعيلي: "فإن معه الشيطان" (٣)، ونحوه

стр. 1153

لمسلم، من حديث ابن عمر ﵄، بلفظ: "فإن معه القرين" (١). تنبيهات: الأول: قال ابن أبي جمرة في قوله: "فإنما هو شيطان": إن المراد بقوله: "فليقاتله": المدافعة اللطيفة، قال: لا حقيقة القتال؛ لأن مقاتلة الشيطان، إنما هي بالاستعاذة، والتستر عنه بالتسمية، ونحوها، وإنما جاز الفعل اليسير في الصلاة؛ للضرورة، فلو قاتله حقيقة المقاتلة، لكان أشد على صلاته من المار. وهل المقاتلة لخلل يقع في صلاة المصلي بسبب المرور، أو ليدفع الإثم عن المار؟ استظهر ابن أبي جمرة الثاني، وقال غيره: بل الأول أظهر (٢). وقد روى ابن أبي شيبة، عن ابن مسعود ﵁: إن المرور بين يدي المصلي يقطع نصف صلاته (٣). وروى أبو نعيم، عن عمر ﵁: لو يعلم المصلي ما ينقص من صلاته بالمرور بين يديه، ما صلى إلا إلى شيء يستره من الناس (٤). فهذان الأثران مقتضاهما: أن الدفع يتعلق بصلاة المصلي لخلل فيها، ولا يختص بالمار، وهما، وإن كانا موقوفين لفظًا، فحكمهما حكم الرفع؛

стр. 1154

لأن مثلهما، لا يقال من الرأي؛ كما في "الفتح" (١)؛ وهذا مقتضى نص الإمام أحمد: أن المرور ينقص صلاة المصلي (٢). الثاني: لو غلب المار على المصلي، ومرَّ، لم يردَّه من حيث جاء، أو يكن محتاجًا، أو في مكة المشرفة، فلا يرد المار، وتكره الصلاة في موضع يحتاج فيه إلى المرور. ونقل [بكر] (٣): يكره المرور بين يديه، إلا بمكة لا بأس به، انتهى (٤). الثالث: يجزىء كون السترة جدارًا، أو شيئًا شاخصًا؛ كحربة، أو آدمي غير كافر، أو بهيم، أو غير ذلك، مثل آخرة الرحل تقارب طول ذراع، فأكثر؛ فأما قدرها في الغلظ، فلا حد له، فقد تكون غليظة؛ كالحائط، أو دقيقة؛ كالسهم. ويستحب قربه منها قدر ثلاثة أذرع من قدميه، وانحرافه عنها يسيرًا. فإن لم يجد شاخصًا، وتعذر غرز عصًا، ونحوها، وضعُها بالعرض أعجبُ إلى الإمام أحمد من وضعها طولًا، ويكفي خيط، ونحوه، وما اعتقده سترة. فإن لمن يجد، خَطَّ خطًا؛ كالهلال، لا طولًا، خلافًا للشافعي. قال غير واحد: ويكفي، وعنه: يكر [هـ] الخط؛ وفاقًا لأبي حنيفة، ومالك (٥).

стр. 1155

ولا تجزىء -على معتمد المذهب- سترة مغصوبة؛ فالصلاة إليها كالقبر، وتجزىء سترة نجسة (١). الرابع: لو مر بين المصلي وبين سترته، أو لم يكن له سترة، فمر بين يديه قريبًا كلب أسود بهيم -وهو ما لا لون فيه سوى السواد-، بطلت صلاته، لا بمرور امرأة، وحمار، وبغل، وشيطان، وسِنَّور أسود، ولا بالوقوف، والجلوس قدامه (٢). وهو من المفردات، لحديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: "يقطع الصلاةَ: المرأةُ، والكلبُ، والحمار" رواه الإمام أحمد، وابن ماجه (٣). ورواه مسلم، وزاد: "ويقي من ذلك مثلُ مؤخرة الرحل" (٤). ورواه الإمام أحمد، وابن ماجه، من حديث عبد اللَّه بن مغفل (٥)، ورواه الجماعة إلا البخاري، عن عبد اللَّه بن الصامت، عن أبي ذر، بنحوه، قال ابن الصامت: قلت: يا أبا ذر! ما بال الكلب الأسود، من الكلب الأحمر، من الكلب الأصفر؟! قال: يا بن أخي! سألتُ رسول اللَّه ﷺ كما سألتني، فقال: "الكلب الأسود شيطان" (٦).

стр. 1156

فإن قلت: لِمَ لَمْ تقولوا بقطع الصلاة بمرور المرأة، والحمار؛ كما قلتم بالكلب الأسود؟! فالجواب: لما يأتي من حديثي ابن عباس، وعائشة- ﵃، ولما روى الإمام أحمد، وابن ماجه: أن النبي ﷺ كان يصلي في حجرة أم سلمة، فمرت ابنة أم سلمة بين يديه، فقال بيده هكذا، فمضت، فلما صلى رسول اللَّه ﷺ ، قال: "هن أغلب" (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الصواب: أن المرأة، والحمار؛ كالكلب الأسود البهيم في قطع الصلاة بمرورها بين المصلي وبين سترته، أو قريبًا منها؛ لثبوت ذلك في الصحيح، ولا شيء يعارضه - (٢)، كما سننبه عليه في حديث ابن عباس قريبًا-، والله أعلم. * * *

стр. 1157

الحديث الثالث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: أَقْبَلْتُ رَاكبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاحْتِلَامَ، وَرَسولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بالنَّاس بمنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ، فَنَزَلْتُ، فَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، وَدَخَلْتُ في الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ (١).

стр. 1158

(عن عبد اللَّه بن عباس ﵄، قال: أقبلت راكبًا على حمار أتان) -بالتاء المثناة-: الحمارة، ولا تقل أتانة، وثلاث آتن؛ مثل عَناق، و [أ] عْنُق (١). (وأنا يومئذ [قد] ناهزت)؛ أي: قاربت (الاحتلام)؛ وذلك أن عمره كان لما توفي النبي ﷺ خمس عشرة سنة؛ كما رجحه الإمام أحمد، وقيل: ثلاث عشرة سنة، وقيل: عشرة (٢). (ورسول اللَّه ﷺ يصلي بالناس بمنى)، وذلك في حجة الوداع. وشذ ابن عيينة فقال: بعرفة (٣)، وشك معمر، فقال: في حجة الوداع، أو الفتح (٤). والحق: أنه بمنى في حجة الوداع (٥). (إلى غير جدار) متعلق بـ: "يصلي"، ولا ينفي غير الجدار، إلا أن إخبار ابن عباس عن مروره بهم، وعدم إنكار هـ[ـم] لذلك مشعر بحدوث أمر لم يعهدوه، فلو فرض هناك سترة أخرى غير الجدار، لم يكن لهذا الإخبار فائدة؛ إذ مروره حينئذ لا ينكره أحد أصلًا (٦).

стр. 1159

قال ابن عباس: (فمررت بين يدي بعض الصف)، وفي لفظ: حتى سرت بين يدي الصف الأول (١)، (فنزلت) عن الأتان، (فأرسلت الأتان ترتع)؛ أي: ترعى، يقال: رتع؛ كمنع: رتعًا، ورتوعًا، ورِتاعًا -بالكسر-: أكل وشرب ما شاء في خصب وسَعَة، أو هو الأكل والشرب رغدًا في الريف (٢). (ودخلت في الصف) أصلي معه، (فلم ينكر ذلك)؛ أي: مروري بالأتان بين يدي بعض الصف (عليَّ أحد)؛ لا رسول اللَّه ﷺ ، ولا أصحابه. قال ابن دقيق العيد: استدل ابن عباس بترك الإنكار، ولم يستدل بترك إعادتهم للصلاة؛ لأن ترك الإنكار أكثر فائدة (٣). وتوجيهه: أن ترك الإعادة يدل على صحتها فقط، لا على جواز المرور، وترك الإنكار يدل على جواز المرور وصحة الصلاة معًا. ويستفاد منه: أن ترك الإنكار حجة على الجواز، بشرط انتفاء الموانع من الإنكار، وثبوت العلم بالاطلاع على الفعل. واستدل بهذا الحديث على: أن مرور الحمار لا يقطع الصلاة؛ فيكون ناسخًا لحديث أبي ذر -الذي ذكرناه قريبًا- في كون مرور الحمار يقطع الصلاة، وكذا المرأة، والكلب الأسود؛ فإن مرور الحمار محقق في حال مرور ابن عباس وهو راكبه.

стр. 1160

ورد ذلك؛ لكونه إنما مر بين يدي بعض الصف، وسترة الإمام سترة لمن خلفه (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية، في "الفتاوى المصرية": الصواب: أنه إذا مر الكلب الأسود، والمرأة، والحمار بين يدي المصلي دون سترة، أو قريبًا منه: أنه يقطع صلاته؛ فإنه قد ثبت ذلك عن النبي ﷺ في "الصحيح"، ولم يعارضه شيء. فإن ما سوى هذا الحديث -يعني: حديث أبي ذر- إنما فيه: أنه ﷺ صلى إلى امرأة لم تمر أمامه، وأن الحمار مر بين يدي بعض الصف، وحكم اللبث خلاف المرور؛ باتفاق العلماء، وسترة الإمام سترة لمن خلفه، انتهى (٢). * * *
следующие страницы →