ابتدأ في طلب الحديث سنة تسع وسبعين، فكان يتأسف على عدم اجتماعه بأئمةٍ من المسلمين، منهم الإمامُ مالكُ بنُ أنسٍ إمامُ فى دار الهجرة، وحَمَّادٌ، وابنُ المبارك، وغيرُهم، وكان يقول: فاتني مالكٌ، فأخلف الله عليَّ سفيانَ بنَ عُيينة، وفاتني حَمَّادٌ، فأخلفَ الله عليَّ إسماعيلَ بن عُلَيَّة (١).
* وقد روى عن سفيانَ بنِ عيينةَ، والإمامِ الشافعي، ويزيدَ بنِ هارونَ، ويحيى بنِ سعيدٍ القطان، وإبراهيمَ بنِ سعدٍ، وهُشَيْمٍ، ووَكيعٍ، وإسماعيلَ بنِ عُلَيَّةَ، وعبدِ الرحمن بنِ مَهْدِي، وعبدِ الرزاقِ، وجريرِ بنِ عبدِ الحميدِ، ومُعْتَمِرِ بنِ سليمان، والقاضي أبي يوسفَ، وأبي الوليد الطيالسي، وأبي نُعَيْمٍ الفضلِ، وأبي عاصمٍ النبيل، وأبي بكرِ بنِ عَيَّاش، وخلائقَ لا يُحصون، ذكرهم الحافظ ابنُ الجوزيِّ وغيرُه على حروف المعجم (٢)، وقد سمع منهم الحديث في أقطار الأرض التي سار إليها ودخلها، منها مكةُ والمدينةُ واليمنُ والكوفةُ وبصرةُ والحجازُ والشامُ والثغورُ والسواحلُ والمغربُ والجزائرُ والعراقين (٣) جميعاً، وأرضُ فارسَ، وخراسانُ، والجبالُ والأطرافُ ومصرُ وغيرُها.
* وقد روى عنه من الأئمة ما لا يمكن حصرُه في مثل هذا الكتاب، حتى رؤى عنه من كبار أشياخه، فروى عنه: الإمامُ الشافعي، وعبدُ الرزاق الصنعانيُّ، وعبدُ الرحمن بن مَهْدي، ويزيدُ بن هارون، ويحيى بن آدم،
стр. 107
وأبو الوليد، ومعروفٌ الكَرْخِي، وعلي بنُ المديني، وأبو زُرعةَ، والبخاري، ومسلم، وأبو داودَ، وإبراهيمُ الحربي، وأبو زُرْعَةَ الرازي، وأبو زرعة الدمشقي، وأبو بكر الأثرم، وأبو بكر بن أبي الدنيا، وأبو القاسم البَغَوي، وأبو حاتم الرازي، وأحمد بن أبي الحواري، وموسى بنُ هارون، وحنبلُ بنُ إسحاق، وعثمانُ بنُ سعيدٍ الدارمي، وخلائقُ كثيرون، ذكرهم الحافظ أبو الفَرَج بنُ الجوزي على حروف المعجم (١) ..
وكان الإمام أحمد ﵁ محباً للعلم، مكثراً من الحديث، وكان يقول: ما تزوجت إلا بعدَ الأربعين (٢).
وكان ﵁ مكثراً من الشيوخ، حتى وقع له أنه أخذ عن ثلاثة من الشيوخ ثلاثَ مئةِ ألف حديث، وهذا القدرُ كافٍ في عُلُو مرتبته، وهم: بهزُ بنُ أسدٍ، وعفانُ، وأظنه قال: وَرَوْحُ بنُ عُبادة.
ومن عظيم ما اتصل بنا من حفظه: قولُ أبي زرعة الرازي: إن كتبه كانت اثني عشر حِمْلاً، وكان يحفظها كلَّها عن ظهر قلبه (٣).
وقال عبد اللهِ بنُ الإمام أحمدَ: سمعت أبا زُرعةَ يقول: كان أبوكَ يحفظ ألفَ ألفِ حديث (٤).
стр. 108
وقيل لأبي زرعةَ: من أحفظُ مشايخ المحدثين؟ قال: أحمد (١).
وقال عبدُ الوهاب الوراق: ما رأيت مثلَ أحمدَ بنِ حنبلٍ، قالوا له: وأي شيء بانَ لك من فضلهِ وعلمه على سائر مَنْ رأيتَ؟ قال: رجل سُئل عن ستين ألفَ مسألةٍ، فأجابَ فيها بأن قال فيها: حدثنا، وأخبرنا (٢).
قلت: قد انفرد الإمام أحمد ﵁ بثلاثِ مناقبَ لا أعلم من الأمة أحداً اشترك في واحدة منها:
الأولى: أنه أحاط بالسُّنة، ولا نعلم أحداً من الأئمة وصف غيره بها، وقد وصفه بها أئمةٌ من حفاظ المسلمين؛ كالحافظ ابن حجر العسقلاني، وغيره، وهذه رتبةٌ رفيعة، ودرجة منيعة، ودائرة وسيعة، وبالله التوفيق.
الثانية: ذكر الحافظ جلالُ الدين السيوطي في "ثمار منتهى العقول في منتهى النقول" (٣) ما نصه: انتهى الحفظُ لابن جريرٍ الطبري فريد [عصره] في علم التفسير، فكان يحفظ كتباً حمل ثمانين بعيراً، وحفظ ابن الأنباري في كل جمعة ألف كراس، وحفظ ثلاث مئة ألف بيت من الشعر استشهاداً للنحو، وكان الإمام الشافعي يحفظ من مرة أو نظرة، وابن سينا الحكيمُ حفظَ القرآنَ في ليلة واحدة، وأبو زُرعةَ كان يحفظ ألفَ ألفِ حديث، والبخاري حفظَ عشرها، وقال: والكل من بعض محفوظ الإمام أحمد بن حنبل ﵁، انتهى.
стр. 109
الثالثة: أنه سئل عن ستين ألف قضية، فأجاب عن جميعها بـ: حدثنا، وأخبرنا، وهذا ما لا يدخل تحت وُسْع أحدٍ من المجتهدين، فضلاً عن غيرهم، ولقد سُئل كثير من الأئمة عن أقلَّ من معشار عشرها، فأحجم عن الجواب عن أكثرها (١)، وإلى هذا أشار الإمام الصرصري في لامِيته بقوله: [من الطويل]
حَوَى أَلْفَ أَلْفٍ مِنَ أَحاديثِ أُسْنِدَتْ ... وأَثْبَتَها حِفْظاً بِقَلْبٍ مُحَصِّلِ
أجابَ على سِتِّينَ ألفَ قَضِيَّةٍ ... بِأَخْبَرَنا لا مِنْ صَحائِفِ نُقَّلِ
وكَانَ إِماماً فِي الحَدِيثِ وحُجَّةً ... لِنَقْلِ صَحِيحٍ ثَابِتٍ ومُعَلَّلِ
وكَانَ إِمَاماً في كِتَابٍ وسُنَّةٍ ... وعِلْمٍ وزُهْدٍ كامِلٍ وتَوَكُّلِ (٢)
وأقول: ينبغي أن يلحق بما ذكر رابعةٌ: وهي ما ذكره الحافظ ابن الجوزي وغيرُه من الأئمة: أنه لما تُوفي الإمام أحمدُ بنُ حنبل ﵁، أسلمَ يومَ موتِه عشرون ألفاً من اليهود والنصارى والمجوس (٣)،
стр. 110
وأشار إلى هذه الإمام الصرصري في لاميته بقوله:
وَعِشْرُونَ أَلْفاً أَسْلَمُوا حِينَ عَايَنُوا ... جِنَازَتَهُ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مُضَلَّلِ
وصَلَّى عَلَيْهِ أَلْفُ أَلْفِ مُوَحِّدٍ ... وسِتُّ أَمْيِ أَلْفٍ فَأَعْظِمْ وَأَكْمِلِ
فَقَدْ بانَ بَعْدَ المَوْتِ لِلنَّاسِ فَضْلُهُ ... كَمَا كَانَ حَيًّا فَضْلُهُ ظاهرٌ جَلِي
أَقَرَّ لَهُ بالفَضْلِ أَعْيانُ وَقْتِهِ ... وأَثْنَوا عَلَيْهِ بِالثَّنَاءِ المُبَجَّلِ
وقد أكثر الأئمةُ من الثناء على الإمام أحمد، فقال الإمام الشافعي: خرجت من بغداد وما خَلَّفت فيها أحداً أورعَ ولا أتقى ولا أفقه -وأظنه قالَ: ولا أعلمَ- من أحمدَ بنِ حنبل (١).
وقال: ما خلفت بالعراق أحداً يشبه أحمدَ (٢).
وقال الربيع: قال لنا الشافعي: أحمدُ إمامٌ في ثمانِ خِصالٍ: إمامٌ في الحديث، إمام في الفقه، إمام في اللغة، إمام في القرآن، إمام في الفقر، إمام في الزهد، إمام في الورع، إمام في السنة (٣).
стр. 111
وقال الشافعي لأحمد: يا أبا عبد الله! إذا رأيتَ الحديثَ الصحيح فأخبرني حتى أذهبَ إليه.
وفي رواية أخرى: أنه قال لأحمد: أنت أعلمُ بالأخبار الصحاح منا، فإذا كان خبرٌ صحيحٌ، فأعلمْني به حتى أذهبَ إليه، كوفياً كان أو مصرياً أو شامياً، ذكر ذلك البيهقي وغيره (١).
ومما امتدحه به الإمامُ الشافعي بالبيتين المشهورين، وهما: [من الكامل]
قَالُوا يَزُورُكَ أَحْمَدٌ وتَزُورُهُ ... قُلْتُ الفَضَائِلُ لا تُفَارِقُ مَنْزِلَهْ
إِنْ زَارَنِي فَبِفَضلِهِ أَوْ زُرْتُهُ ... فَلِفَضْلِهِ فَالفَضْلُ في الحالَيْنِ لَهْ (٢)
قال الشيخ العلامة الشيخ مرعي في "مناقب الأئمة المجتهدين":
ويقال: إن الإمام أحمدَ أجابه بقوله: [من البسيط]
إنْ زُرْتَنا فَبِفَضْلٍ مِنْكَ تَمْنَحُنَا ... أَوْ نَحْنُ زُرْنَا فَلِلْفَضْلِ الَّذِي فِيكَا
فَلاَ عَدِمْنَا كِلاَ الحَالَيْنِ مِنْكَ ولاَ ... نَال الَّذِي يَتَمَنَّى فِيكَ شَانِيكَا
وقال عبد الرزاق: رحل إلينا أربعةٌ من رؤساء الحديث: الشاذكوني -وكان أحفظَهم للحديث-، وابنُ المديني -وكان أعرفَهم باختلافه-، ويحيى بنُ معين -وكان أعلمَهم بالرجال-، وأحمدُ بنُ حنبلٍ -وكان أجمَعهم لذلك كله- (٣).
وفي هذا منقَبةٌ عظيمة للإمام أحمدَ؛ حيث إن هؤلاء الأربعةَ أعظمُ من
стр. 112
رحل إلى عبد الرزاق، وأعظمُهم الإمامُ أحمد، وقد قال: ما قدم علينا أحدٌ يشبه أحمد (١).
وكذلك يزيد بن هارون لم يكن لأحد أشدَّ تعظيماً منه لأحمدَ بنِ حنبل، كان يُقعده إلى جنبه، وكان يوقره ولا يُمازحه، حتى ضحك إنسانٌ بحضرة يزيد بن هارون، وأحمدُ حاضر، فغضبَ يزيدُ وقال: أتضحكون وأحمدُ هاهنا؟! (٢)
وقال وكيع: ما قدم الكوفةَ مثلُ أحمد (٣).
وقال عبد الرحمن بنُ مهدي: أحمدُ أعلمُ الناس بحديث سفيان (٤)، وقال: من أراد أن ينظر إلى ما بين كتفي الثوري، فلينظر إلى هذا -يعني: الإمامَ أحمدَ- (٥).
وقال يحيى بنُ سعيدٍ القَطانُ: ما قدم عليَّ مثلُ أحمدَ، ويحيى بنِ معين (٦).
وقال أيضاً: ما قدم علي أحدٌ من بغداد أحبُّ إليَّ من أحمد (٧).
стр. 113
وقال لمن ذكر أحمد: أتذكر حبراً من أحبار هذه الأمة؟ (١)
وقال عليُّ بنُ المَديني: اتخذت أحمدَ إماماً فيما بيني وبين الله - تعالى -، ومَنْ يقوى على ما يقوى عليه أحمد (٢)؟
وقال أيضاً: إذا ابتليتُ بشيء، فأفتاني أحمد بن حنبل، لم أبال إذا لقيت ربي كيف كان (٣).
وقال أيضاً: أحمد سيدنا (٤).
وسئل التحديثَ فقال: إن سيدي أحمدَ أمرني ألا أحدث إلا من كتاب (٥).
وقال أيضاً: أحمد عندي أفضل من سعيد بن جبير في زمانه؛ إذ كان لسعيد نَظيرٌ، وليس لهذا نظير (٦).
وقال: حفظ الله أحمد، هو اليومَ حجةُ الله على خلقه (٧).
стр. 114
وقال: قد أيد الله هذا الدين برجلين لا ثالثَ لهما: أبو بكر يومَ الردة، وأحمدُ يوم المحنة (١).
وقال أيضاً: ما قام أحدٌ من الإسلام بعد رسول الله ﷺ ما قام أحمد، فقيل له: ولا أبو بكر؛ فقال: ولا أبو بكر؛ فإنه كان له أعوانٌ، ولم يكن لأحمدَ أعوان (٢).
والثناء على الإمام أحمد أزيدُ من [أن] يذكر، وأكثر من أن يحصر، وورعه وزهده وإعراضه عن الدنيا معروف، وكان ﵁ إذا رأى نصرانياً، غمض عينيه، فقيل له في ذلك، فقال: لا أقدر أن أنظر إلى من افترى على الله كذباً (٣)، وكان يُؤْثِر الخمولَ، فلا يحب أن يجريَ له ذكر.
ودخل عليه عمه يوماً ويدُه تحت خَده، فقال له: ما هذا؟ فرفع رأسه وقال: طوبى لمن أخمل ذكره (٤).
وكان يقول: الأعمالُ بخواتيمها، وكان كثيراً ما يقول: رب سلِّم سلِّمْ (٥).
وقال ابنه عبد الله: سمعت أبي يقول: وددت أَني نجوتُ من هذا الأمر كَفافاً، لا علي ولا لي (٦).
стр. 115
وقال: كان أبي يصلي كل يوم وليلة ثلاث مئةِ ركعة، فلما ضعف، صلى مئة وخمسين، قال: ولما كبر أبي، زادَ في الاجتهاد (١).
وكان للإمام أحمد كراماتٌ ظاهرة، وحالات باهرة؛ كان بعضُهم يكتب عندَه، فانكسر قلمُه، فأعطاه قلماً آخر، فروي أنه وضعه على نخلة لم تكن تحملُ فحملت.
وسئل الدعاءَ لمُقْعَدَةٍ فقال: نحنُ أحوج إلى الدعاء، ثم دخلَ فدعا لها، فلما ذهب السائل إلى المرأة، دق عليها الباب، فخرجت برجليها وفتحت، فقالت: قد وهب الله - تعالى - العافيةَ (٢).
واحترق بيتٌ بما فيه، فلم يسلَمْ من الحريق إلا ثوبُ الإمام أحمدَ، فنظروا فإذا هو على السرير، والنار قد أكلت ما حولَه ولم تتعرضْ له.
وكم له من كرامة! كيف لا وقد قال للكرى: مَهْ، وأطاع مولاه، وشكره على ما أولاه، وناداه فما رد نداه، وأعطاه ما توخاه، ودفع عنه ما آذاه، - فرضوانُ الله عليه وعلى من والاه -.
وقد قال قتيبةُ وأبو حاتم: إذا رأيتَ الرجلَ يحب الإمام أحمدَ بنَ حنبلٍ، فاعلمْ أنه صاحبُ سُنة (٣).
قال أبو محمدٍ جعفرُ بنُ أحمدَ بنِ حسينٍ السراجُ البغداديُّ في الإمام أحمدَ ﵁: [من الطويل]
سَقَى اللهُ قَبْراً حَلَّ فيهِ ابْنُ حَنْبَلٍ ... مِنَ الغَيْثِ وَسْمِيًّا على إِثْرِهِ وَلِي
عَلَى أَنَّ دَمْعِي فِيهِ رَوَّى عِظَامَهُ ... إِذَا فاضَ مَا لَمْ يَبْلَ مِنْهَا ومَا بَلِي
فَلِلَّهِ رَبِّ النَّاسِ مَذْهَبُ أَحْمَدٍ ... فَإِنَّ عَلَيْهِ ما حَيِيتُ مُعَوَّلِي
دَعَوْهُ إِلَى خَلْقِ القُرَانِ كَمَا دَعَوا ... سِوَاهُ فلَمْ يَسْمَعْ وَلَمْ يَتَأَوَّلِ
ولا رَدَّهُ ضَرْبُ السِّيَاطِ وسَجْنُهُ ... عن السُّنَّةِ الغَرَّاءِ والمَذْهَبِ الجَلِي
ولَمَّا يَزِدْهُمْ والسِّيَاطُ تَنُوشُهُ ... فَشَلَّتْ يَمِينُ الضَّارِبِ المُتَبَتِّلِ
على قَوْلهِ القُرْآنُ وَلْيَشْهَدِ الوَرَى ... كَلامُكَ يارَبَّ الوَرَى كَيْفَمَا تُلِي
فَمَنْ مُبْلِغٌ أَصْحَابَهُ أَنَّنِي بهِ ... أُفَاخِرُ أَهْلَ العِلْمِ في كل مَحْفَلِ
وأَلْقَى بهِ الزُّهَّادَ كُلَّ مُطَلِّقٍ ... مِنَ الخوفِ دُنياهُ طَلاَقَ التَّبَتُّلِ
لَقَدْ عاشَ في الدُّنْيا حَمِيداً مُوَفَّقاً ... وَصارَ إِلى الأُخْرَى إلى خَيْرِ مَنْزِل
وإنِّي لأَرْجُو أَنْ يَكُونَ شَفِيعَ مَنْ ... تَوَلَّاهُ مِنْ شَيْخٍ ومِنْ مُتَكَهِّلِ
ومِنْ حَدَثٍ قَدْ نَوَّرَ اللهُ قَلْبَهُ ... إذا سَأَلوا عَنْ أَصْلِهِ قالَ حَنْبَلِي (١)
وحج الإمام أحمدُ ﵁ خمسَ حجات، ثلاث حجج ماشياً، واثنتين راكباً، وأنفق في بعض حجاته عشرين درهماً.
وكان ﵁ شيخاً أسمرَ طُوالاً، يخضبُ رأسه ولحيته بالحناء وهو ابنُ ثلاث وستين سنة خضاباً ليس بالقاني، وكان حسنَ الوجه، في لحيته شعراتٌ سود، وكانت ثيابه غِلاظاً، إلا أنها بِيضٌ.
стр. 118
وقال ابنه عبد الله: ما مشى أبي في سوق قط.
وكان ﵁ أصبرَ الناس على الوَحْدة، ولم يره أحدٌ إلا في المسجد، أو حضور جنازة، أو عيادة مريض (١).
وعن حسين بن إسماعيل قال: سمعت أبي يقول: كان يجتمع في مجلس أحمد زُهاءُ على خمسةِ آلاف أو يزيدون، أقل من خمسِ مئة يكتبون، والباقون يتعلمون منه حسن الأدب وحسن السمت (٢).
وقال أبو بكر المطوعي: قد اختلفتُ إلى الإمام أحمدَ اثنتي عشرةَ سنةً وهو يقرأ "المسند" على أولاده، فما كتبتُ منه حديثاً واحداً، وإنما كنت أنظرُ إلى هَدْيه وأخلاقه وآدابه (٣).
وكان ﵁ مُهاباً جداً، حتى قالَ الحسنُ بنُ أبي أحمدَ والي الجسرِ: دخلت على فلان وفلان -وذكر السلاطين- ما رأيتُ أهيبَ من أحمدَ بنِ حنبلٍ، صرت إليه أكلمه في شيء، فوقعت عليَّ الرعدةُ حين رأيتُه من هَيبته.
قال المَرُّوذِيُّ: ولقد طرقه الكلبي صاحبُ السر ليلاً، فمن هيبته لم يقرعوا عليه بابه، ودقوا باب عمه، قال الإمام أحمد: فسمعت الدق، فخرجت إليهم (٤).
стр. 119
وقال عبدوس: رآني أبو عبد الله يوماً ضاحكاً، فأنا أستحييه إلى اليوم (١).
وعن خلف بن سالم قال: كنا في مجلس يزيدَ بنِ هارون، فمزحَ يزيدُ مع مُستمليه، فتنحنح أحمدُ بنُ حنبل، فضرب يزيدُ بيده على جبينه، وقال: ألا أعلمتموني أن أحمد هاهنا حتى لا أمزح؟! (٢)
وكان إسماعيلُ بنُ عُلَيَّةَ إذا أُقيمت الصلاة، قال: هاهنا أحمد بن حنبل، فقولوا له يتقدم فيصلي بهم (٣).
وضحك أصحابُه يوماً، فقال: أتضحكونَ وعندي أحمدُ بنُ حنبل؟! (٤).
وقال أبو داود: مجالسةُ أحمدَ بنِ حنبلٍ مجالسة الآخرة، لا يُذكر فيها شيء من أمر الدنيا، ما رأيت أحمدَ بنَ حنبلٍ ذكرَ الدنيا قَط (٥).
وقال: لم يكن أحمدُ يخوض في شيء مما يخوض فيه الناس من أمر الدنيا، فإذا ذُكر العلم، تكلم (٦).
وقال أبو الحسين بنُ المنادي: سمعت جَدِّي يقول: كان أحمدُ من أحيا
стр. 120
الناس، وأكرمِهم نفساً، وأحسنهم عشرة وأدباً، كثيرَ الإطراق والغَضِّ، معرضاً عن القبيح واللغو، لا يُسمع منه إلا المذاكرةُ بالحديث، وذكرُ الصالحين والزهاد، في وقار وسكون ولفظٍ حسن، وإذا لَقِيَه إنسانٌ، بَشَّ به، وأقبل عليه، وكان يتواضعُ للشيوخ تواضعاً شديداً، وكانوا يكرمونه ويعظمونه (١).
وقال ﵁: أُمرنا أن نتواضعَ لمن نتعلم منه (٢).
وكان من دعائه ﵁: اللهم كما صُنْتَ وجهي عن السجود لغيرك، فصنْ وجهي عن المسألة لغيرك (٣).
وكان من دعائه: اللهم لا تُكثر علينا فنطغى، ولا تُقلل علينا فننسى، وهبْ لنا من رحمتك وسَعَة رزقك ما يكون بلاغاً لنا وغنًى من فضلك (٤).
وكان يدعو في دُبر كل صلاة: اللهم إني أسألك مُوجباتِ رحمتك، وعزائمَ مغفرتك، والغنيمةَ من كل بِرّ، والسلامةَ من كل إثم، والفوزَ بالجنة، والنجاةَ من النار، ولا تدعْ لنا ذنباً إلا غفرته، ولا همًّا إلا فرجته، ولا حاجة إلا قضيتها (٥).
وكان من دعائه: اللهم لا تشغلْ قلوبنا بما تكفلْتَ لنا به، ولا تجعلْنا في رزقك خَوَلاً لغيرك، ولا تمنعْنا خيرَ ما عندك بِشَرِّ ما عندَنا، ولا تَرَنا حيثُ
стр. 121
نهيتَنَا، ولا تَفْقِدْنا من حيثُ أمرتنا، أعزَّنا ولا تذلَّنا، أعزنا بالطاعة، ولا تذلنا بالمعاصي (١).
وقال لمن طلب منه أن يزوِّده بالدعاء عند خروجه إلى سفر: قلْ: يا دليلَ الحيارى! دُلني على طريق الصادقين، واجعلني من عبادك الصالحين (٢).
وتُوفي الإمام أحمدُ ﵁ صدرَ النهار من يوم الجمعة الثاني عشر من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومئتين، وله سبع وسبعون سنة، وكان مرضُه تسعةَ أيام وبعضَ العاشر، ولما مات، صاح الناسُ، وعلَت الأصواتُ بالبكاء حتى كأن الدنيا قد ارتجَّتْ.
قال عبدُ الله بنُ الإمامِ أحمدَ: وقعدَ الناسُ، فخفنا أن ندعَ صلاةَ الجمعة، فأشرتُ عليهم، فأخبرتهم أنا نخرجه بعدَ صلاة الجمعة (٣).
قال المَرُّوذي. لما أردتُ غسلَه، جاء بنو هاشم، فاجتمعوا في الدار خلقاً كثيراً، فأدخلناه البيت، وأرخينا الستر، وجللناه بثوب حتى فرغنا من أمره، ولم يحضره أحدٌ غريب، فلما فرغنا من غسله، وأردنا أن نكفنه، غلبنا عليه بنو هاشم، وجعلوا يبكون عليه، ويأتون بأولادهم فيبكون عليه ويقبلونه (٤).
стр. 122
وأرسل ابنُ طاهر أكفاناً، قال المروذي: فرددتُها، وقال له رجل: قد أوصى أن يُكفن في ثيابه، فكفناه في ثوب كان له مروزي أراد أن يقطعه، فزدنا فيه وجبرناه ثلاثَ لفائفَ (١).
وكان عند الإمام أحمد ﵁ ثلاثُ شعرات من شعر النبي ﷺ ، فأوصى أن يجعل في كل عين شعرة، وعلى لسانه شعرة (٢).
قال المروذي: ووضعناه على السرير، وشددناه بالعمائم، وحُملت جنازته، وصلى عليه محمدُ بنُ عبد الله بن طاهر (٣).
وحزر مَنْ حضر جنازته من الرجال بمئةِ ألف، ومن النساء بستين ألفاً، غير من كان في الطرق وفي السفن وعلى السطوح، وقيلَ أكثرُ من ذلك، وقد بالغَ بعضُهم حتى ذكر ما لا يقبله العقل.
وقد قال عبد الوهاب الوراق: ما بلغنا أنه كان للمسلمين جمعٌ أكثر منهم على جنازة الإمام أحمدَ بنِ حنبل إلا جنازةً في بني إسرائيل (٤).
وعن أبي الحسن التميمي عن أبيه، عن جده: أنه قال: حضرتُ جنازةَ الإمام أحمدَ، قالَ: فمكثتُ طولَ الأسبوع رجاءَ أن أصل إلى قبره، فلم أصل من ازدحام الناس عليه، فلما كان بعد أسبوع، وصلتُ إلى القبر (٥).
стр. 123
وكان الإمام أحمدُ ﵁ يقول: بيننا وبين أهل البدع الجنائز (١)، فأظهرَ اللهُ صدقَ مقالته، وأوضحَ ما منحَه من كرامته، فرضي الله تعالى عنه وعن أشياخه وأتباعه ومحبيه، وعن سائر العلماء والأئمة وأتباعهم بإحسان.
ومما يروى للإمام أحمدَ من الشعر، ما رواه ابنُ الجوزي بسنده عن أحمدَ بن يحيى ثعلبٍ - وهو من أصحابه ونَقَلة مذهبِه -: أنه أولَ ما دخل عليه قالَ له الإمام أحمدُ: فيم تنظر؟ قال: في النحو والعربية، فأنشده: [من الطويل]
إِذَا ما خَلَوْتَ الدَّهرَ يَوْماً فَلا تَقُلْ ... خَلَوْتُ، ولكِنْ قُلْ: عَلَيَّ رَقِيبُ
ولا تَحْسَبَنَّ اللهَ يَغْفُلُ سَاعَةً ... وَلا أَنَّ مَا يَخْفَى عَلَيْهِ يَغِيبُ
لَهَوْنا عَنِ الأَيَّامِ حَتَّى تَتَابَعَتْ ... ذُنُوبٌ عَلَى آثَارِهِنَّ ذُنُوبُ
فَيَا لَيْتَ أَنَّ اللهَ يَغْفِرُ ما مَضَى ... وَيَأْذَنُ فِي تَوْبَاتِنَا فَنَتُوبُ
إِذَا مَا مَضَى القَرْنُ الَّذِي أَنْتَ فِيِهمُ ... وَخُلِّفْتَ فِي قَرْنٍ فَأَنْتَ غَرِيبُ (٢)
وسُمع يوماً يقول: [من البسيط]
تَفْنَى اللَّذَاذَةُ مِمَّنَ نَالَ صَفْوَتَها ... مِنَ الحَرَامِ وَيَبْقَى الإِثمُ والعارُ
تَبْقَى عَوَاقِبُ سُوءٍ مِنْ مَغَبَّتِهَا ... لا خَيْرَ في لَذَّةٍ مِنْ بَعْدِها النَّارُ (٣)
стр. 124
ورُوي من قوله في عليِّ بنِ المدينيِّ ﵀ لما أجاب في المحنة: [من الكامل]
يا بْنَ المَدِيِنيِّ الَّذِي عُرِضَتْ لَهُ ... دُنْيَا فَجَادَ بِدِينِهِ لِيَنَالَهَا
مَاذَا دَعَاكَ إِلَى انْتِحَالِ مَقَالَةٍ ... قَدْ كُنْتَ تَزْعُمُ كَافِراً مَنْ قَالَها
أَمْرٌ بَدَا لَكَ رُشْدُهُ فَتَبِعْتَهُ ... أَمْ زَهْرَةُ الدُّنْيَا أَرَدْتَ نَوَالَهَا
وَلَقَدْ عَهِدْتُكَ مَرَّةً مُتَشَدِّداً ... صَعْبَ المَقَادَةِ لِلَّتي تُدْعَى لَهَا
إِنَّ المُرَزَّأَ مَنْ يُصَابُ بِدِينِهِ ... لا مَنْ يُرَزَّأُ ناقَةً وفِصَالَهَا (١)
ويُروى أن الإمامَ أحمدَ ﵁ كتب للإمام الشافعي ﵁: [من الكامل]
إِنْ نَخْتَلِفْ نَسَباً يُؤَلِّفْ بَيْنَنَا ... أَدَبٌ أَقَمْنَاهُ مُقَامَ الوَالِدِ
أَوْ يَفْتَرِقْ مَاءُ الْوِصَالِ فَوِرْدُنَا ... عَذْبٌ تَحَدَّرَ مِنْ إِناءٍ وَاحِدِ (٢)
ومن كلام الإمامِ أحمدَ ﵁: إن لكل شيءٍ كرماً، وكرمَ القلوب الرضا عن الله - تعالى - (٣).
وقال: عزيزٌ عليَّ أن تُذيبَ الدنيا أكبادَ رجالٍ وَعَتْ صُدورُهم القرآنَ (٤).
стр. 125
وقال له الإمام عليُّ بنُ المديني: أوصني، قالَ: الزمِ التقوى، وانصبِ الآخرةَ أمامَك (١).
وسُئل عن الفتوة، قال: هي تركُ ما تهوى لما تخشى (٢).
وسُئل يوماً: كيف أصبحتَ؟ قال: كيف أصبحَ مَنْ ربُّه يطالبه بأداء الفرض، ونبيُّه يطالبه بأداء السنة، والملَكان يطالبانه بتصحيح الأعمال، ونفسُه تطالبُه بهواها، وإبليسُ يطالبه بالفحشاء، وملَكُ الموت يطالبه بقبض روحه، وعيالُه يطالبونه بالنفقة؟! (٣)
وقد مُدِحُ الإمامُ أحمدُ ورُثي بقصائدَ جمةٍ، وأثنى عليه جَهابِذَةُ اللغة بما يطولُ ذكره، ويعسُر سَبْرُه، فهذا التنويه يناسبُ ما نحن فيه.
وأما ذكرُ محنتِه ومتعلقاتِها، وأيامه وواقعاتها، وأحوالِه ومُفرداتها، وذكْرُ تصانيفه ومصنفاته، وحفظه وورعه وزهده، وتزويجه وزوجاته وأولاده، وغير ذلك من متعلقات ترجمته؛ فيُطلب من غير هذا المحل، فقد أُفردت ترجمتُه بالتأليف؛ فألف الحافظ البيهقي فيها مجلداً، وألف الحافظُ ابنُ الجوزي فيها مجلدين، وألف عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ اللهِ الخزرجي المالكي جزءاً، وغيرُهم من علماء الإسلام، والله ولي الإنعام.
* * *
стр. 126
الفَصْلُ الثَّاني
في ترجمة مؤلّف "العمدة " (١)
هو أبو محمد الإمامُ عبدُ الغنيِّ بنُ عبدِ الواحدِ بنِ عليِّ بنِ سرورِ بنِ رافعِ بنِ حسنِ بنِ جعفرٍ الجمَّاعيليُّ، المقدسيُّ، الحافظُ، الزاهدُ، تقيُّ الدين، حافظُ وقتِه ومحدِّثُه وإمامُه، الحنبليُّ، الأثريُّ.
وُلد بجمّاعيلَ من جبلِ "نابُلُسَ" من الأرض المقدسة، سنة إحدى وأربعين وخمس مئة.
قال الإمام الحافظ الضياءُ: أظنه في ربيع الآخرِ من السنة، كما حدثتني والدتي قالت: الحافظُ أكبرُ من أخي الموفق بأربعة أشهر، ومولدُ الموفق في شعبانَ من السنة المذكورة.
وقال الحافظ المنذري: ذكر أصحابُه عنه ما يدل على أن مولدَه سنة
стр. 127
أربع وأربعين وخمس مئة، وكذا ذكر ابن القطيعي في "تاريخه"؛ أنه سألَ الحافظَ عبدَ الغني عن مولده؛ فقال: إما في سنة ثلاث، أو في سنة أربع وأربعين وخمس مئة.
قال الحافظُ ابنُ رجبٍ: والأظهرُ أنه سنة أربع.
وقدم "دمشقَ" صغيراً بعد الخمسين، فسمعَ بها من أبي الحازم بن هلال، وأبي المعالي بن صابر، وأبي عبدِ الله محمدِ بنِ حمزةَ بنِ أبي جميلٍ القرشي، وغيرهم، ثم رحل إلى "بغدادَ" سنة إحدى وستين هو والإمام الموفقُ، فأقاما ببغداد أربع سنين، وكان الإمام الموفقُ ميلُه إلى الفقه، والحافظُ ميلُه إلى الحديث، فنزلا على الشيخ قطبِ دائرةِ الوجود سيدِنا الشيخِ عبدِ القادر - قدسَ اللهُ سره -، فكان يراعيهما، ويحسنُ إليهما، وقرأ عليه شيئاً من الحديث والفقه.
وحكى الإمامُ الموفَّق أنهما أقاما عنده نحوَ أربعين يوماً، ثم مات، وأنهما كانا يقرأن عليه كل يوم درسين من الفقه، فيقرأ هو من "الخرقي"، والحافظ من كتاب "الهداية".
قال الحافظ الضياء: وبعد ذلك اشتغلا بالفقه والخلاف على ابن المَنِّي، وصارا يتكلمان في المسألة، ويناظران، وسمعا من أبي الفتح بن البَطي، وأحمدَ بنِ المعتز الكوفي، وأبي بكر بن الناقور، وهبة الله بنِ الحسنِ بنِ هلالٍ الدقاق، وأبي زرعة، وغيرِهم، ثم عادا إلى "دمشق".
ثم رحل الحافظ سنة ست وستين إلى "مصر" و"الإسكندرية"، وأقام هناك مدة، ثم عاد، ثم رجع إلى "الإسكندرية" سنة سبعين، وسمعَ بها من الحافظ السلفي، وأكثر عنه حتى قيل: لعله كتبَ عنه ألفَ جزء، وسمع من غيرِه أيضاً، وسمع بمصرَ من أبي محمد بن بري النحْوي وجماعة، ثم عاد
стр. 128
إلى "دمشق"، ثم سافر بعد السبعين إلى "أصبهان"، وكان قد خرج إليها وليس معه إلا قليلُ فُلوس، فسهل اللهُ له من حَمَلَه وأنفقَ عليه، حتى دخل "أصبهان"، وأقام بها مدة، وسمع بها الكثير، وحصل الكتبَ الجيدةَ، ثم رجعَ وسمع بهمدان من عبد الرزاق بن إسماعيل الفرماني، والحافظ أبي العلاء، وغيرهما، وبأصبهان من الحافظين أبي موسى المديني، وأبي سعد الصائغ، وطبقتهما، وسمع بالموصل من خطيبها أبي الفضل الطوسي، وكتب بخطه المتقن ما لا يوصف كثرةً، وعاد إلى "دمشق"، ولم يزل ينسخ ويصنفُ ويحدثُ ويفيدُ المسلمين ويعبدُ الله - تعالى -، حتى توفاه الله على ذلك.
وقد صنف في فضائل الحافظ وسيرته: الحافظُ ضياءُ الدين في جزأين، وذكر أن الفقيهَ مكي بنَ عمرَ بنِ نعمةَ المصريَّ جمع فضائله أيضاً.
قال الحافظ الضياءُ: كان شيخُنا الحافظُ لا يكادُ أَحد يسأله عن حديث إلا ذكره، وبينه، وذكر صحته أو سقمَه، ولا يُسأل عن رجل إلا قالَ: هو فلان بن فلان الفلاني، ويذكر نسبه.
قال الحافظُ ابنُ رجبٍ: قال الحافظُ الضياء: كان الحافظُ عبدُ الغني أميرَ المؤمنين في الحديث.
قال: وسمعتُ شيخَنا الحافظَ عبدَ الغني يقول: كنت يوماً بأصبهان عندَ الحافظ أبي موسى، فجرى بيني وبين بعض الحاضرين منازعةٌ في حديث، فقال: هو في "صحيح البخاري"، فقلت: ليس هو فيه، قال: فكتب الحديثَ في رقعة، ورفعها إلى الحافظ أبي موسى يسأله عنه، قال: فناولني الحافظ أبو موسى الرقعةَ، وقال: ما تقول هل هذا الحديث في البخاري أم لا؟ فقلت: لا، فخجل الرجل وسكت.
стр. 129
قال: وقد رأيتُ فيما يرى النائمُ وأنا بمدينة "مرو" كأَن الحافظَ عبدَ الغني جالسٌ، والإمامُ محمدُ بنُ إسماعيلَ البخاريُّ بين يديه يقرأ عليه من جزء أو كتاب، وكان الحافظُ يرد عليه شيئاً، أو ما هذا معناه.
قال: وسمعت أبا الطاهر إسماعيلَ بنَ ظفر النابلسي يقول: جاء الحافظ - يعني: عبدَ الغني -، فقال رجلٌ حلفَ بالطلاق: إنك تحفظُ مئَة ألفِ حديث، فقال: لو قال أكثرَ، لصدقَ.
قال الحافظ الضياء: وشاهدت الحافظَ - غير مرة - بجامع "دمشق"، يسألُه بعضُ الحاضرين، وهو على المنبر: اقرأْ لنا أحاديثَ من غير الجزء، فيقرأ الأحاديت بأسانيدها عن ظهرِ قلبه.
قال: وسمعتُ أبا سليمانَ بنَ الحافظِ يقول: سمعتُ بعضَ أهلنا يقول: إن الحافظَ سُئِلَ: لم لا يقرأُ الأحاديث من غير كتاب؟ فقال: إني أخافُ العُجْبَ.
وقال التاج الكندي - يعني: أبا اليُمْن -: لم يكن بعدَ الدارقطني مثلُ الحافظِ عبد الغني، وقال: لم ير الحافظُ عبدُ الغني مثلَ نفسِه، وقال: رأيتُ ابنَ ناصرٍ، والحافظَ أبا العلاءِ الهمداني، وغيرَهما من الحفاظ؛ ما رأيتُ أحفظَ من عبدِ الغني المقدسي.
وقال أبو نزارٍ الإمامُ ربيعةُ بنُ الحسنِ اليمني الشافعي: رأيتُ الحافظ السلَفي، والحافظَ أبا موسى، وكان الحافظُ عبدُ الغني بنُ عبد الواحد أحفظَ منهما.
قال الحافظ ضياءُ الدين المقدسي: وأنشدنا إسماعيلُ بن مظفرٍ، قالَ: أنشدنا أبو نزارٍ ربيعةُ بنُ الحسن، في الحافظِ عبدِ الغني المقدسي: [من البسيط]
يا أَصْدَقَ النَّاسِ في بَدْوٍ وفي حَضَرٍ ... وَأَحْفَظَ الناسِ فيما قالَتِ الرُّسُلُ
стр. 130
إِنْ يَحْسُدُوكَ فلا تَعْبَأْ بِقَائِلِهِمْ ... هُمُ الغُثَاءُ وأَنْتَ السَّيِّدُ البَطَلُ
قالَ: وأنشدَنا: [من الكامل]
إِنْ قِيسَ عِلْمُكَ في الوَرَى بِعُلومِهِمْ ... وَجَدُوكَ سَحْبَاناً وَغَيْرُكَ باقِلُ
قال الحافظ الضياء: وشاهدتُ بخط الحافظ أبي موسى المديني على كتاب "تبيين الإصابة لأوهامٍ حصلت في معرفة الصحابة" الذي أملاه الحافظُ عبدُ الغني، وقد سمعه عليه أبو موسى، وأبو سعيدٍ الصائغُ، وأبو العباس بنُ ينال، وخلقٌ كثير.
يقول أبو موسى - عفا الله عنه -: قَلَّ مَنْ قدمَ علينا من الأصحاب يفهمُ هذا الشأن كفهم الشيخِ الإمامِ أبي محمدٍ عبدِ الغني بنِ عبدِ الواحدِ المقدسيِّ - زاده الله توفيقاً -، وقد وُفِّقَ لتبيين هذه الغلطات، ولو كان الدارقطني وأمثالُه في الأحياء، لصوبوا فِعْلَه، وقَل من يفهم في زماننا كما فهم - زاده اللهُ علماً وتوفيقاً -.
قال الحافظ الضياء: وكل مَنْ رأينا من المحدثين، ممن رأى إفادةَ عبد الغني، وجرى له ذكرُ حفظهِ ومذاكرتهِ؛ قالَ: ما رأينا مثلَه، أو نحوَ هذا.
قال الضياء: وسمعتُ الحافظَ يقول: كنتُ عند ابن الجوزي يوماً، فقال: وزيره ابن محمد الغَساني؟ فقلتُ: إنما هو وزيره، فقالَ: أنتم أعرفُ بأهلِ بلدكم.
وذكره ابن النجار في "تاريخه"، فقال: حدث بالكثير، وصنف تصانيفَ حسنةً في الحديث، وكان غزيرَ الحفظ، من أهل الإتقان والتجويد، قائماً بجميع فنون الحديث، عارفاً بقوانينه وأصوله، وعلله، وصحيحه وسقيمه،
стр. 131
وناسخه ومنسوخه، وغريبه ومُشْكله، وفقهه ومعانيه، وضبطِ أسماء رواته، ومعرفة أحوالهم.
وكان ﵁ كثيرَ العبادة، وَرِعاً، متمسكاً بالسنة على قانون السلَف.
ولم يزل بدمشق يحدثُ، وينتفعُ به الناسُ، إلى أن تكلم في الصفات والقرآن بشيء أنكره عليه أهل التأويل من الفقهاء والمتكلمين، وعُقد له مجلسٌ بدار السلطان، حضره القضاةُ والفقهاء، فأصر على قوله، فأُخرج إلى مصرَ، وأقام بها إلى حين وفاته.
وكان ﵁ يصلي كل يوم وليلة ثلاث مئة ركعة، وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، دُعِي إلى أن يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، فامتنع، فمُنع من التحديث بدمشق، فسافر إلى مصر، فأقام بها إلى أن مات ﵁.
وقال أبو عبد الله محمدُ بن مبارك الجويني المحدثُ: ما سمعت السلَفي يقول لأحد: الحافظ، إلا لعبد الغني المقدسي.
وقال بعض المصريين: ما كنا إلا مثلَ الأموات، حتى جاء الإمامُ الحافظُ عبدُ الغني، فأَخْرَجنا من القبور.
وقال أبو الحسن علي بنُ نجا الواعظ بالقَرافة - على منبره -: قد جاء الإمامُ الحافظُ عبدُ الغني، وهو يريد أن يقرأ الحديث، فأشتهي أن تحضروا مجلسه ثلاثَ مراتٍ، وبعدها أنتم تعرفونه، وتحصُلُ لكم الرغبة، فجلس أولَ يوم بجامع القَرافة، فقرأ أحاديث بأسانيدها، عن ظهرِ قلبه، وقرأ جزءاً، ففرحَ الناسُ بمجلسه فرحاً كثيراً، فقال ابنُ نجا: قد حصل الذي كنتُ أريدُه في أولِ مجلس، وبكى الناس حتى غُشِيَ على بعضهم.
стр. 132
وقال الإمامُ نجمُ بنُ الإمامِ عبدِ الوهاب بنِ الإمامِ أبي الفَرَجِ الحنبلي - وقد حضرَ مجلسَ الحافظِ عبد الغني -: يا تقي الدينِ! واللهِ لقد حملتَ الإسلام، وأقسمُ لو أمكنني ما فارقتُك، ولا مجلساً من مجالسك.
وقال الحافظ الضياء: سألتُ خالي الإمامَ موفق الدين عن الحافظ عبد الغني، فكتبَ بخطه، وقرأتُه عليه: كان جامعاً للعلم والعمل، وكان رفيقي في الصبا، وفي طلب العلم، وما كنا نستبق إلى خير إلا سبقني إليه، إلا القليل، وكمل اللهُ فضيلتَه بابتلائِه بأذى أهل البدعةِ، وعداوتهم إياه، وقيامِهم عليه، ورُزق العلمَ وتحصيلَ الكتب الكثيرة، إلا أنه لم يُعَمَّرْ حتى يبلغَ غرضَه في روايتها ونشرِها - رحمه الله تعالى -.
قال الحافظ الضياء: كان شيخُنا الحافظُ ﵀ لا يكادُ يُضيعُ شيئاً من زمانه بلا فائدة، فإنه كان يصلي الفجرَ، ويلقنُ الناسَ القرآنَ، وربما قرأ شيئاً من الحديث، فقد حفظْنا منه أحاديثَ جمة تَلَقيناها، ثم يقوم ويتوضأُ، ويصلي ثلاثَ مئةِ ركعةٍ، بالفاتحة والمعوذتينِ، إلى قبيلَ وقتِ الظهر، ثم ينام نومةً يسيرة إلى وقت الظهر، ثم يصلي الظهر، ويشتغل إما بالتسميع للحديث، أو بالنسخ إلى المغرب، فإن كان صائماً، أفطر بعدَ المغرب، وإنْ كان مفطراً، صلى من المغرب إلى عشاء الآخرة، فإذا صلى العشاءَ الآخرةَ، نامَ إلى نصفِ الليل أو بعدَه، ثم قام كأن إنساناً يُوقظه، فيتوضأُ ويصلي لحظة، ثم يتوضأُ ويصلي كذلك، ثم يتوضأُ ويصلي إلى قرب الفجر، فربما توضأَ في الليلة سبعَ مراتٍ أو ثمانيةً أو أكثرَ، فإذا قيل له في ذلك، قال: ما تطيب لي الصلاةُ إلا ما دامت أعضائي مرطبة، ثم ينام نومةً يسيرةً إلى الفجر، وهذا دأبُه، وكان لا يكاد يصلي صلاتين مفروضتين [بوضوءٍ واحدٍ]، وكان يستعمل
стр. 133
السواك كثيراً، حتى كأن أسنانه البَرَدُ، وكان قد وضعَ الله له الهيبةَ في قلوب الخلق.
ذكروا أن الحافظ لما دخل على الملك العادل في مصر، قام له، فلما كان اليومُ الثاني من دخوله عليه، إذ الأمراءُ قد جاؤوا إلى الحافظ، فقالوا: آمنا بكراماتِك يا حافظُ، وذكروا أن العادل قال: ما خِفْتُ من أحد ما خفتُ من هذا، فقلنا: أيها الملك! هذا رجل فقيهٌ أَيش خفتَ من هذا؟ قال: لما دخل، ما خُيل إلي إلا أنه سَبُعٌ يريدُ أن يأكلَني، فقلتُ: هذه كرامةٌ للحافظ. قال الحافظ الضياء: وما أعرف أحداً من أهل السنة رأى الحافظَ إلا أحبه حباً شديداً، ومدحَه مدحاً كثيراً.
قال أبو الثناء محمودُ بنُ سلامةَ الحراني: كان الحافظ بأصبهانَ، فيصطف الناسُ في السوق فينظرون إليه، وقال: لو أقام الحافظُ بأصبهانَ مدةً، وأراد أن يملكَها، لَمَلَكها، يعني: من حبهم له، ورغبتِهم فيه.
قال الحافظ الضياءُ: ولما وصلَ إلى مصرَ أخيراً، كنا بها، وكان إذا خرج يومَ الجمعة إلى الجامع لا نقدرُ نمشي معه من كثرة الخلق، يتبركون به، ويجتمعون حوله.
قال الحافظ الضياء: كان الحافظُ عبدُ الغني ليس بالأبيضِ الأمهق، بل يميل إلى السمرة، حسنَ الشعر، كَثَّ اللحية، واسعَ الجبين، عظيمَ الخَلْق، تامَّ القامة، كأن النورَ يخرج من وجهه، وكان قد ضعُف بصرُه من كثرة البكاء والنسخ والمطالعة، وكان حسنَ الخُلُق، رأيتُه وقد ضاقَ صدرُ بعض أصحابِه في مجلسه وغضبَ، فجاء إلى بيته، وترضاه وطيب قلبَه، وكان سخياً جواداً كريماً، لا يدخر ديناراً ولا درهماً، ومهما حصل له أخرجَه.
قال الإمام الموفق عنه: كان جواداً يُؤثر بما تصلُ إليه يده سراً وعلانيةً.
стр. 134
وللحافظ كراماتٌ كثيرةٌ منقولةٌ بالأسانيد، وكان يقول: أبلغُ ما سأل العبدُ ربه ثلاثةُ أشياء: رضوانُ الله ، والنظرُ إلى وجهه الكريم، والفردوسُ الأعلى.
وقال الحافظ عبدُ الغني ﵁: رأيت النبي ﷺ في النوم يمشي وأنا أمشي معه، إلا أن بيني وبينه رجلاً.
قال الضياء: وسمعت أبا العباس أحمدَ بنَ عبد الله المحول حكى عن رجل فقيه، وكان ضريراً، وكان يبغض الحافظ، فرأى النبي ﷺ في النوم، ومعه الحافظُ، ويده في يده، جاء مع عمرو بن العاص وهما يمشيان، والحافظُ يقول له: يا رسول الله! حدثْتُ عنك بالحديثِ الفلاني، والنبي ﷺ يقول: صحيح، ويقول: حدثت عنك بالحديث الفلاني، والنبي ﷺ يقول: صحيح، حتى عددتُ مئةَ حديثِ، قال: فأصبحَ فتابَ من بُغْضه.
قال: وسمعت الحافظَ أبا موسى بنَ الحافظ عبدِ الغني قال: حدثني رجل من أصحابنا قال: رأيت الحافظَ في النوم يمشي مستعجلاً، فقلت: إلى أين؟ قال: أزورُ النبي ﷺ ، فقلت: وأين هو؟ قال: في المسجد الأقصى، فإذا النبي ﷺ وعنده أصحابه، فلما رأى الحافظَ، قام له النبي ﷺ وأجلسه إلى جنبه، قال: فبقي الحافظُ يشكو إليه ما لقيَ ويبكي ويقول: يا رسول الله! كذبت في الحديثِ الفلاني والحديث الفلاني، والنبي ﷺ يقول: صَدَقْتَ يا عبدَ الغني ﵁.
ومن تصانيف الحافظ عبد الغني: كتاب "المصباح في عيون الأحاديث الصحاح" ثمانية وأربعون جزءاً، يشتمل على أحاديث الصحيحين، وكتاب "نهاية المراد من كلام خير العباد" في السنن، نحو مئتي جزء، كتاب
стр. 135
"اليواقيت" مجلدة، كتاب "الآثار المرضية في فضائل خير البرية" أربعة أجزاء، كتاب "الروضة" أربعة أجزاء، كتاب "الذكر" جزآن، كتاب "الإسراء" جزآن، كتاب "التهجد" جزآن، كتاب "الصفات" جزآن، "محنةُ الإمام أحمد" ثلاثة أجزاء، كتاب "ذم الربا" جزء كبير، "ذم الغِيبة" جزء ضخم، "فضائل مكة" أربعة أجزاء، كتاب "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" جزء، "فضائل رمضان" جزء، كتاب "الأربعين"، كتاب "الأربعين" آخر، وكتاب "الأربعين من كلام رب العالمين"، و"أربعين" أخرى بسند واحد، كتاب "اعتقاد الإمام الشافعي" جزء كبير، كتاب "الحكايات" سبعة أجزاء، وكتاب "غيبة الحفاظ في تحقيق مشكل الألفاظ" في مجلدين، وأجزاء أخرجها من الأحاديث والحكايات، كان يقرؤها في المجالس، تزيد على مئة جزء، وجزء في "مناقب عمر بن عبد العزيز"، هذه كلها بالأسانيد.
ومن الكتب بلا أسانيد: كتاب "الأحكام" على أبواب الفقه، في ستة أجزاء، كتاب "العمدة"- هذا - في الأحكام مما اتفق عليه الشيخان البخاري ومسلم، كتاب "دُرر الأثر" على حروف المعجم، تسعة أجزاء، كتاب "سيرة النبي ﷺ " جزء كبير، كتاب "النصيحة في الأدعية الصحيحة" جزء، كتاب "الاقتصاد في الاعتقاد" جزء، كتاب "تبيين الإصابة لأوهام حصلت في معرفة الصحابة" الذي ألفه أبو نعيم الأصبهاني، جزء كبير، كتاب "الكمال في معرفة الرجال" يشتمل على رجال الصحيحين والسنن الأربع، في عشر مجلدات، وفيه أسانيد، وغير ذلك.
وقد امتُحن وأُوذي وأُخرج من الشام إلى مصر، وكان قد سأل ربه - تعالى - أن يرزقه مثل حال الإمام أحمد، فرزقه الصلاة، ثم ابتُلي بعد ذلك بالمحنة، وأُوذي.
стр. 136
قال الحافظ الضياء: ثم إن الحافظ ضاق صدرُه، فخرج من "دمشق"، ومضى إلى "بعلبك"، فأقام بها مدة يقرأ الحديث، ثم توجه إلى مصر، ولم يعلم أصحابُنا بسفره، فبقي مدة في "نابلس" يقرأ الحديث، قال الضياء: وهذا ما سمعته من أصحابنا، وكنت أنا بمصر، ثم ارتحل إلى مصر.
وقال الحافظ أبو موسى - ولد الحافظ عبد الغني -: مرض والدي - رحمه الله تعالى - في ربيع الأول سنة ست مئة مرضاً شديداً منعه من الكلام والقيام، واشتد به مدة ستةَ عشرَ يوماً، قال: وكنت كثيراً ما أسأله: ما تشتهي؟ فيقول: أشتهي الجنة ﵀ لا يزيد على ذلك، فلما كان يوم الإثنين، جئت إليه، وكان عادتي أبعث من يأتي كل يوم بكرةَ النهار بماء حار من الحمام، يغسل به أطرافه، فلما جئنا بالماء على العادة، مد يدَه، فعرفنا أنه يريد الوضوء، فوضأْته وقت صلاة الفجر، ثم قال: يا عبد الله! قم فصل بنا وخفف، فقمتُ فصليتُ بالجماعة، وصلى معنا جالساً، فلما انصرفَ الناس، جئتُ فجلست عند رأسه، وقد استقبلَ القبلةَ، فقال لي: اقرأ عندَ رأسي سورة يس, فقرأتُها، فجعل يدعو الله وأنا أُؤَمن، فقلتُ: هاهنا دواءٌ قد عملناه تشربُه، فقال: يا بني! ما بقي إلا الموتُ، فقلت: ما تشتهي شيئاً؟ قال: أشتهي النظرَ إلى وجه الله - تعالى -، قلت: ما أنتَ عني راضٍ؟ قال: بلى واللهِ أنا عنكَ راضٍ وعن إخوتِك، وقد أجزتُ لك ولإخوتك ولابن أخيك إبراهيمَ.
قال الحافظ الضياء: وسمعتُ أبا موسى يقول: أوصاني أبي عند موته: لا تضيعوا هذا العلمَ الذي تعبْنا عليه -يعني: الحديث- فقلتُ: ما توصي بشيء؟ قال: ما لي على أحدٍ شيءٌ، قلت: توصيني بوصية؟ قال: يا بني! أوصيك بتقوى الله، والمحافظةِ على طاعته، فجاء جماعةٌ يعودونه،
стр. 137
فسلموا عليه، فرد عليهم، وجعلوا يتحدثون، ففتح عينيه وقال: ما هذا الحديث؟! اذكُروا الله، قولوا: لا إله إلا الله، فقالوها ثم قاموا، فجعل يذكرُ الله ويحركُ شفتيه بذكره، ويشير بعينيه، فدخل رجلٌ فسلم عليه وقال: أما تعرفني يا سيدي؟ قال: بلى، فقمتُ لأناوله كتاباً من جانب المسجد، فرجعت وقد خرجتْ روحُه، وذلك يوم الإثنين الثالث والعشرين من شهر ربيعٍ الأولِ سنةَ ست مئة، وبقي ليلة الثلاثاء في المسجد، واجتمع الغدَ خلقٌ كثير من الأئمة والأمراء، ما لا يحصيهم إلا اللهُ .
قال ولدُه: ودفناه يومَ الثلاثاء بالقَرافة مقابلَ قبرِ الشيخِ أبي عمرِو بنِ مرزوقٍ في مكانٍ ذكرَ لي خادمُه عبدُ المنعم أنه كان يزور ذلك المكانَ، ويبكي فيه إلى أن يبل الحَصى، ويقول: قلبي يرتاح إلى هذا المكان - رحمه الله تعالى، ورضيَ عنه، وألحقه بنبينا محمد ﷺ .
ورثاه غيرُ واحد من العلماء، منهم الإمامُ أبو عبدِ الله محمدُ بنُ سعدٍ المقدسي الأديبُ بقصيدةٍ طويلةٍ أَولُها قولُه: [من البسيط]
هذَا الذِي كُنْتُ يَوْمَ البَيْنِ أَحْتَسِبُ ... فَلْيَقْضِ دَمْعُكَ عَنِّي بَعْضَ ما يَجِبُ
يا سائِرِينَ إلى مِصْرٍ بِرَبِّكُمُ ... رِفْقاً عَلَيَّ فَإِن الأَجْرَ مُكْتَسَبُ
قُولُوا لِساكِنِها حُيِّيتَ مِنْ سَكَنٍ ... يا مُنْيَةَ النَّفْسِ ماذا الصَّدُّ والغَضَبُ
بالشَّامِ قَوْمٌ وفي بَغْدَادَ قد أَسِفُوا ... لا البُعْدُ أَخْلَقَ بَلْواهُمْ وَلا الحِقَبُ
قَدْ كُنْتَ بِالْكُتْبِ أَحْياناً تُعَلِّلُهُمْ ... فَاليومَ لا رُسُلٌ تَأْتي وَلا كُتُبُ
أُنْسِيتَ عَهْدَهُمُ أَمْ أَنْتَ في جَدَثٍ ... تَسْفِي وَتَبْكي عَلَيْكَ الريحُ والسُّحُبُ
بَلْ أَنْتَ في جَنَّةٍ تَجْني فَواكِهَها ... لا لَغْوَ فيها وَلا غَوْلٌ وَلا نَصَبُ
يا خَيْرَ مَنْ قالَ بَعْدَ الصَّحْبِ: حَدَّثَنا ... ومَنْ إليهِ التُّقَى والدينُ يَنْتَسِبُ
لَوْلاكَ ماتَ عَمُودُ الدينِ وانْهَدَمَتْ ... قَواعِدُ الحَقِّ وَاغْتالَ الهُدَى عَطَبُ
قال الحافظ الضياء: سمعتُ أبا إسحاقَ إبراهيمَ بنَ محمودٍ البعليَّ قال: جاء قومٌ من التجار إلى الشيخ العماد وأنا عندَه، فحدثوه أن النورَ يُرى على قبر الحافظِ عبدِ الغني كل ليلةٍ، أو كل ليلةِ جمعةٍ.
قال: وسمعتُ الحافظَ أبا موسى بنَ الحافظ قال: حدثني صنيعةُ الملكِ هبةُ اللهِ بنُ علي بنِ حيدرةَ، قال: لما خرجتُ للصلاة على الحافظ؛ لَقِيَني هذا المغربي، وأشارَ إلى رجل معه، فقال لي: أين تروحُ؟ قلتُ: إلى الصلاة على الحافظ، فجاء معي وقال: أنا رجلٌ غريبٌ، ورأيتُ البارحةَ في النوم كأني في أرض، وفيها قومٌ عليهم ثيابٌ بيضٌ، وهم كثيرون، فقلت: مَنْ هؤلاء؟ فقيل لي: هؤلاء ملائكةُ السماء نزلوا لموتِ الحافظ عبد الغني، فقلتُ: وأين هو؟ فقيل لي: اقعد عندَ الجامعِ حتى يخرج صنيعةُ الملك، فامضِ معه، قال: فلقيتُه واقفاً عندَ الجامع.
قال: وسمعتُ الإمامَ أبا العباسِ أحمدَ بنَ محمدِ بنِ عبدِ الغني سنة اثنتي عشرةَ وست مئة قال: رأيتُ البارحةَ الكمالَ -يعني: أخي عبد الرحيم، وكان توفي تلك السنة- في النوم، وعليه ثوب أبيضُ، فقلت له: يا فلانُ! أين أنت؟ قال: في جنة عَدْنٍ، قلت: أيما أفضلُ الحافظُ عبدُ الغني أو الشيخُ أبو عمر؟ فقال: ما ندري، وأما الحافظُ، فكل ليلةِ جمعةٍ يُنصب له كرسي تحت العرش، ويُقرأ عليه الحديثُ، ويُنثر عليه الدر والجوهر، وهذا نصيبي منه، وكان في كُمه شيء، وقد أمسك بيده على رأسها.
وقد ذكروا له مناماتٍ عظيمةً وكراماتٍ جسيمةً ﵀، ورضي عنه -. وقد سمع الحديث من الحافظ خلقٌ كثير، وحدَّث بأكثرِ البلاد التي دخلها؛ كبغداد، ودمشق، ومصر، ودمياط، وأصبهان، ونابلس، وبعلبك، والإسكندرية، وغيرها.
стр. 140
وروى عنه خلقٌ كثير، منهم ولداه: أبو الفتح، وأبو موسى، وعبد القادر الزهاوي، والإمام موفق الدين، والحافظُ الضياء، وابنُ خليل، والفقيهُ اليونيني، وأحمد بنُ عبدِ الدائم، وعثمانُ بن مكي الشارعي، وغيرهم.
قال الحافظ ابن رجب في "الطبقات": وآخرُ مَنْ سمع منه: محمدُ بنُ مهلهل الحسني، وآخرُ من روى عنه: أحمدُ بنُ أبي الخير سلام الحدادُ.
ومن فتاوى الحافظ عبد الغني أنه سُئل عن حديث: "مَنْ قالَ لا إلهَ إلا اللهُ دخلَ الجنةَ" (١) هل هو منسوخ؟ فأجاب: بل هو محكم ثابت، زِيدَ فيه وضُم إليه شروطٌ أُخَرُ، وفرائضُ فرضها الله - تعالى - على عباده، وذكر قولَ الزهري في ذلك.
وسُئل عمنْ كان في زيادة من أحواله، فحصل له نقصٌ، فأجاب: أما هذا، فيريد المجيب عنه أن يكون من أرباب الأحوال وأصحاب المعاملة، وأنا أشكو إلى الله تقصيري وفُتوري عن هذا وأمثاله من أبواب الخير، وأقولُ وبالله التوفيقُ: إن من رزقه الله خيراً من عمل، أو نورَ قلب، أو حالةً مرضيةً في جوارحه وبدنه، فلْيحمدِ الله عليها، ولْيجتهدْ في تقييدِها بكمالها، وشُكرِ الله عليها، والحذرِ من زوالها بزلة أو عثرة، ومن فقدَها، فليكثرْ من الاسترجاعِ، ويفزعْ إلى الاستغفار والاستقامة، والحزنِ على ما فاته، والتضرع إلى ربه، والرغبة إليه في عودها إليه، فإن عادتْ، وإلا عاد إليه ثوابُها وفضلها - إن شاء الله -.
стр. 141
وسُئل مرةً أخرى في معنى ذلك فأجاب: أما فقدانُ ما يجدُه من الحلاوة واللذة، فلا يكون دليلاً على عدم القبول - إن شاء الله تعالى -، فإن المبتدىء يجد ما لا يجد المنتهي، فإنه ربما ملت النفس وسئمت لتطاول الزمان وكثرة العبادة، وقد رُوي عن رسول الله ﷺ أنه كان ينهى عن كثرة العبادة، والإفراط فيها، ويأمر بالاقتصاد؛ خوفاً من الملل، وقد رُوي أن أهل اليمن لما قدموا المدينة، جعلوا يبكون، فقال أبو بكر ﵁: وهكذا كُنا حتى قستِ القلوبُ (١).
وسُئل عن يزيدَ بنِ معاويةَ، فأجاب بما حاصله: من لم يحبه، لا يلزمْه ذلك؛ لأنه ليس من الصحابة الذين صحبوا رسول الله ﷺ ؛ فيلتزم محبتهم إكراماً لصحبتهم، وليس ثم من أمر يمتاز به عن غيره من خلفاء التابعين؛ كعبد الملك وبنيه، قال: وإنما يمنع من التعرض للوقوع فيه؛ خوفاً [من] السبق إلى أبيه، وسداً لباب الفتنة.
وقال الحافظ: رُوي عن إمامنا أحمد أنه قال: من قال: الإيمان مخلوقٌ، فهو كافر، ومن قال: قديم، فهو مبتدع.
قال: وإنما كفر من قال بخلقه؛ لأن الصلاة من الإيمان، وهي تشتملُ على قراءة، وذكرِ اللهِ ، ومن قال بخلق ذلك، كفر، وتشتملُ على قيام وقعود، وركوع وسجود وسكوت، ومن قال بقدم ذلك، ابتدع.
وسُئل عن دخول النساء الحمامَ، فأجاب: إذا كان للمرأة عذرٌ، فلها أن تدخل لأجل الضرورة، والأحاديثُ في هذا أسانيدُها متقاربة، قد جاء النهي
стр. 142
والتشديد في دخولهن، وجاءت الرخصة للنفَساء والسقيمة، والذي يصح عندي أنها إذا دخلت من عذر، فلا بأس- إن شاء الله تعالى -، وإن استغنت عن الدخول، وكان لها عنه غَنَاء، فلا تدخل، وهذا رأينا في أهلنا، ومن يأخذ بقولنا، نسأل الله التوفيق والعافية.
* * *
فائدة:
قد روينا "العمدة" وسائرَ مصنفات الحافظ عبد الغني - رحمه الله تعالى - عن عدة من أشياخنا، منهم - بل من أجلهم -: الثلاثةُ أشياخ المعمرين: الشيخُ عبدُ القادر التغلبي الحنبلي، والشيخُ عبدُ الغني النابلسي العارفُ، والشيخُ عبدُ الرحمنِ المجلدُ الحنفي، عن شيخ الإسلام تقي الدين عبدِ الباقي البعلي مفتي السادة الحنابلة بدمشق المحروسة، وهو والدُ أبي المواهب، عن الشيخ شمسِ الدين محمدٍ الميدانيِّ، قال: أخبرنا الشيخُ شهابُ الدين أحمدُ الطيبي الكبير، أخبرنا أبو البقاء كمال الدين السيدُ ابنُ حمزة، عن أبي العباس أحمدَ بنِ عبد الهادي، أخبرنا التاجُ بنُ بردس، قال: أخبرنا عبدُ الدائم، عن الإمام الحافظ عبد الغني المقدسي، بها. ولي بكتبه عدة أسانيدَ، منها العالي والنازل.
وقد رويت "عمدة الأحكام" على عدة من الأعلام، فقرأتها روايةً ودرايةً بطرفيها على شيخنا القدوةِ عبدِ الرحمن المجلد الحنفي المعمَّر، وقد روى عن مشايخَ من المتقدمين، ومن أعلى أسانيدِه عن النجم الغزي، عن والدِه البدر، عن القاضي زكريا، عن الحافظ ابنِ حجرٍ العسقلاني - رحمه الله تعالى -، وأسانيدُه معلومة، وهذا أوان الشروع في المقصود.
стр. 143
[كتاب الطهارة]
الحديث الثالث (١)
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ، وأَبي هُرَيْرَةَ، وعَائِشَةَ ﵃، قَالُوا: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ" (٢).
стр. 144
* عن أبي هريرةَ، وعائشةَ، وعبدِ الله بنِ عمرِو بنِ العاصِ، قال: رجعنا مع رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة، حتى إذا كنا بالطريق، تعجل قومٌ عند العصر، فتوضؤوا وهم عِجالٌ، فانتهينا إليهم وأعقابُهم تلوح لم يمسَّها الماء، فقال رسول الله ﷺ : "وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النارِ، أَسْبِغُوا الْوُضوءَ" (١).
وفي "الصحيحين" من حديثه: تخلف عنا النبيُّ ﷺ في سفر سافرناه، فأدركَنا وقد حضرتْ صلاةُ العصر، فجعلْنا نمسحُ على أرجلنِا، فنادى: "وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النارِ" (٢).
وقال البخاري: فأدركَنا وقد أرهقنا العصر، فجعلْنا نتوضأُ ونمسحُ على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: "وَيْلٌ للأَعْقابِ مِنَ النَّارِ" مرتين، أو ثلاثاً، وترجم له: (باب: غسل الرجلين، ولا يمسح على القدمين) (٣).
وخرجه في كتاب: العلم، وترجمَ عليه (باب: من رفع صوته
стр. 145
بالعلم) (١)، وترجم عليه أيضاً: (باب: من أعاد الحديث ليفهم) (٢).
وفي "صحيح مسلم" من حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً لم يغسلْ عَقِبَه (٣)، فقال: "ويلٌ للأعقابِ من النارِ" (٤)، وفي لفظ: "وَيْلٌ للعَراقيبِ من النارِ" (٥).
وأخرجه البخاري عن أبي هريرة - أيضاً - بلفظ: أسبغوا الوضوءَ؛ فإن أبا القاسم ﷺ قال: "ويلٌ للأعقابِ من النار" (٦)، ولم يقل: رأى رجلاً لم يغسلْ عقبه، ولا ذكر العراقيب.
وفي هذه الأحاديت من الوعيد الشديد ما يفيدُ وجوبَ غسل الرجلين، ويمنعُ صحة المسح حيثُ لا حائل شرعي على القدمين، ولا يمسح على النعلين.
وما رُوي أن بعض الصحابة مسح عليهما، ويروى في ذلك حديث مرفوع أخرجه أبو داود وغيره (٧)، فمدفوع بما ذكرنا، وبما نقل الإمام