← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وسُئل مرةً أخرى في معنى ذلك فأجاب: أما فقدانُ ما يجدُه من الحلاوة واللذة، فلا يكون دليلاً على عدم القبول - إن شاء الله تعالى -، فإن المبتدىء يجد ما لا يجد المنتهي، فإنه ربما ملت النفس وسئمت لتطاول الزمان وكثرة العبادة، وقد رُوي عن رسول الله ﷺ أنه كان ينهى عن كثرة العبادة، والإفراط فيها، ويأمر بالاقتصاد؛ خوفاً من الملل، وقد رُوي أن أهل اليمن لما قدموا المدينة، جعلوا يبكون، فقال أبو بكر ﵁: وهكذا كُنا حتى قستِ القلوبُ (١). وسُئل عن يزيدَ بنِ معاويةَ، فأجاب بما حاصله: من لم يحبه، لا يلزمْه ذلك؛ لأنه ليس من الصحابة الذين صحبوا رسول الله ﷺ ؛ فيلتزم محبتهم إكراماً لصحبتهم، وليس ثم من أمر يمتاز به عن غيره من خلفاء التابعين؛ كعبد الملك وبنيه، قال: وإنما يمنع من التعرض للوقوع فيه؛ خوفاً [من] السبق إلى أبيه، وسداً لباب الفتنة. وقال الحافظ: رُوي عن إمامنا أحمد أنه قال: من قال: الإيمان مخلوقٌ، فهو كافر، ومن قال: قديم، فهو مبتدع. قال: وإنما كفر من قال بخلقه؛ لأن الصلاة من الإيمان، وهي تشتملُ على قراءة، وذكرِ اللهِ ، ومن قال بخلق ذلك، كفر، وتشتملُ على قيام وقعود، وركوع وسجود وسكوت، ومن قال بقدم ذلك، ابتدع. وسُئل عن دخول النساء الحمامَ، فأجاب: إذا كان للمرأة عذرٌ، فلها أن تدخل لأجل الضرورة، والأحاديثُ في هذا أسانيدُها متقاربة، قد جاء النهي

стр. 142

والتشديد في دخولهن، وجاءت الرخصة للنفَساء والسقيمة، والذي يصح عندي أنها إذا دخلت من عذر، فلا بأس- إن شاء الله تعالى -، وإن استغنت عن الدخول، وكان لها عنه غَنَاء، فلا تدخل، وهذا رأينا في أهلنا، ومن يأخذ بقولنا، نسأل الله التوفيق والعافية. * * * فائدة: قد روينا "العمدة" وسائرَ مصنفات الحافظ عبد الغني - رحمه الله تعالى - عن عدة من أشياخنا، منهم - بل من أجلهم -: الثلاثةُ أشياخ المعمرين: الشيخُ عبدُ القادر التغلبي الحنبلي، والشيخُ عبدُ الغني النابلسي العارفُ، والشيخُ عبدُ الرحمنِ المجلدُ الحنفي، عن شيخ الإسلام تقي الدين عبدِ الباقي البعلي مفتي السادة الحنابلة بدمشق المحروسة، وهو والدُ أبي المواهب، عن الشيخ شمسِ الدين محمدٍ الميدانيِّ، قال: أخبرنا الشيخُ شهابُ الدين أحمدُ الطيبي الكبير، أخبرنا أبو البقاء كمال الدين السيدُ ابنُ حمزة، عن أبي العباس أحمدَ بنِ عبد الهادي، أخبرنا التاجُ بنُ بردس، قال: أخبرنا عبدُ الدائم، عن الإمام الحافظ عبد الغني المقدسي، بها. ولي بكتبه عدة أسانيدَ، منها العالي والنازل. وقد رويت "عمدة الأحكام" على عدة من الأعلام، فقرأتها روايةً ودرايةً بطرفيها على شيخنا القدوةِ عبدِ الرحمن المجلد الحنفي المعمَّر، وقد روى عن مشايخَ من المتقدمين، ومن أعلى أسانيدِه عن النجم الغزي، عن والدِه البدر، عن القاضي زكريا، عن الحافظ ابنِ حجرٍ العسقلاني - رحمه الله تعالى -، وأسانيدُه معلومة، وهذا أوان الشروع في المقصود.

стр. 143

[كتاب الطهارة] الحديث الثالث (١) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ، وأَبي هُرَيْرَةَ، وعَائِشَةَ ﵃، قَالُوا: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ" (٢).

стр. 144

* عن أبي هريرةَ، وعائشةَ، وعبدِ الله بنِ عمرِو بنِ العاصِ، قال: رجعنا مع رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة، حتى إذا كنا بالطريق، تعجل قومٌ عند العصر، فتوضؤوا وهم عِجالٌ، فانتهينا إليهم وأعقابُهم تلوح لم يمسَّها الماء، فقال رسول الله ﷺ : "وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النارِ، أَسْبِغُوا الْوُضوءَ" (١). وفي "الصحيحين" من حديثه: تخلف عنا النبيُّ ﷺ في سفر سافرناه، فأدركَنا وقد حضرتْ صلاةُ العصر، فجعلْنا نمسحُ على أرجلنِا، فنادى: "وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النارِ" (٢). وقال البخاري: فأدركَنا وقد أرهقنا العصر، فجعلْنا نتوضأُ ونمسحُ على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: "وَيْلٌ للأَعْقابِ مِنَ النَّارِ" مرتين، أو ثلاثاً، وترجم له: (باب: غسل الرجلين، ولا يمسح على القدمين) (٣). وخرجه في كتاب: العلم، وترجمَ عليه (باب: من رفع صوته

стр. 145

بالعلم) (١)، وترجم عليه أيضاً: (باب: من أعاد الحديث ليفهم) (٢). وفي "صحيح مسلم" من حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً لم يغسلْ عَقِبَه (٣)، فقال: "ويلٌ للأعقابِ من النارِ" (٤)، وفي لفظ: "وَيْلٌ للعَراقيبِ من النارِ" (٥). وأخرجه البخاري عن أبي هريرة - أيضاً - بلفظ: أسبغوا الوضوءَ؛ فإن أبا القاسم ﷺ قال: "ويلٌ للأعقابِ من النار" (٦)، ولم يقل: رأى رجلاً لم يغسلْ عقبه، ولا ذكر العراقيب. وفي هذه الأحاديت من الوعيد الشديد ما يفيدُ وجوبَ غسل الرجلين، ويمنعُ صحة المسح حيثُ لا حائل شرعي على القدمين، ولا يمسح على النعلين. وما رُوي أن بعض الصحابة مسح عليهما، ويروى في ذلك حديث مرفوع أخرجه أبو داود وغيره (٧)، فمدفوع بما ذكرنا، وبما نقل الإمام

стр. 146

الطحاوي من الإجماع على عدم إجزاء المسح على الخفين إذا تخرَّقا حتى يبدو القدمان، فكذلك النعلان لا يُغيِّبان القدمين (١). قال الحافظ ابن حجر: وهو استدلال صحيح، لكنه منازع في نقل الإجماع المذكور، انتهى (٢). وقد خالف في ذلك الشيعة، فجوزوا مسح القدمين. قال ابن خزيمة: لو كان المسح مؤدياً للفرض، لما تَوَعد عليه بالنار. (٣) وقد تواترت الأخبار عن النبي المختار ﷺ في صفة وضوئه؛ أنه غسل رجليه، كما ستقف عليه - إن شاء الله تعالى -، وهو المبيِّن لأمر الله، ولم يثبت عن أحد من الصحابة خلافُ ذلك، إلا عن علي، وابنِ عباسٍ، وأنسٍ ﵃، وقد ثبت عنهمُ الرجوعُ عن ذلك. فقد قال عبدُ الرحمن بنُ أبي ليلى: اجتمع أصحابُ رسول الله ﷺ على غسل القدمين، رواه سعيدُ بنُ منصور (٤). وأما احتجاجُهم بقراءة الجر في ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] عطفاً على ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، فالجوابُ عن ذلك مع ما ذكر من قول النبي ﷺ ، وفعلِه المُعين الغَسْلَ من وجوه: الأول: أنه قُرىء: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]-بالنصب- عطفاً على

стр. 147

﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وقيل: إنه معطوف على محل برؤوسكم؛ كقوله تعالى: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٠]-بالنصب-. الثاني: أن المسح في الآية محمول على مشروعية المسح على الخفين، فحملوا قراءة الجر على مسح الخفين، وقراءة النصب على غسل الرجلين. وقد قرر ذلك أبو بكر بنُ العربي تقريراً حسناً، فقالَ ما ملخصُه: ما ظاهرهُ التعارض إن أمكنَ العملُ بكلٍّ، وجبَ، وإلا، عُملَ بالقدر الممكن، ولا يتأتى الجمعُ بين الغَسْل والمسح في عضو واحد في حالة واحدة؛ لأنه يؤدي إلى تكرار المسح؛ لأن الغَسْلَ يتضمن المسح، والأمرُ المطلَقُ لا يقتضي التكرار، فبقي أن يُعمل بهما في حالين؛ توفيقاً بين القراءتين، وعملاً بالقدر الممكن، وقيل: إنما عطفت على الرؤوس الممسوحة؛ لأنها مَظِنَّةٌ لكثرة صبِّ الماء عليها، فلمنعِ الإسراف عُطفت، وليس المرادُ أنها تُمسح حقيقة، ويدل على هذا قولُه - تعالى -: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]؛ لأن المسح رخصة، فلا يُقَيد بالغاية (١). الثالث: أن المسح يطلَقُ على الغَسْل الخفيف، يُقال: مسح على أطرافه؛ لمن توضأ، ذكره أبو زيدٍ اللغوي، وابن قُتيبةَ، وغيرُهما، والله أعلم (٢). تنبيهان: الأول: روى هذا الحديثَ من الصحابة جماعةٌ منهم - غير الذين ذكرهم المصنف -رحمه الله تعالى -: جابرٌ، رواه الإمام أحمدُ، وابنُ ماجه (٣)،

стр. 148

ومُعيقيبٌ، رواه الإمامُ أحمدُ أيضاً (١)، وخالدُ بنُ الوليدِ، ويزيدُ بنُ أبي سفيانَ، وشُرَحْبِيلُ بنُ حَسَنَةَ، وعَمْرو بنُ العاص، كلُّ هؤلاء ﵃ سمعوه من رسول الله ﷺ ، رواه ابن ماجه (٢)، وعبدُ الله بن الحارث، رواه الإمام أحمدُ، والدارقطني - كما تقدم -، والحاكم (٣)، وعن ليث عن عبد الرحمن بن سابط، أو عن أخي أبي أمامة، قال: رأى رسولُ الله ﷺ قوماً على أعقاب أحدِهم مثلُ موضعِ الدرهم، أو مثلُ موضع ظُفْرٍ لم يُصبه الماء، قال: فجعل رسولُ الله ﷺ يقول: "ويلٌ للأعقابِ منَ النار"، قال: وكان أحدُهم ينظر، فإذا رأى بعقبه موضعاً لم يُصبه الماء، أعادَ وضوءه، رواه البيهقي في "سننه" (٤)، فالحديث متواترٌ كما أشار إليه الحافظ جلال الدين السيوطي - رحمه الله تعالى - (٥).

стр. 149

الثاني: ظاهرُ صنيع المصنف - قدس الله روحه - أن الحديث مما اتفق عليه الشيخان من حديث كُل واحدٍ من عبد الله بن عمرو، وأبي هريرة، وعائشة الصديقة ﵃، هو في جانب عبد الله بن عمرو وأبي هريرة حقٌّ، وأما حديثُ أم المؤمنين عائشةَ الصديقة، فلم يخرجه البخاري، وإنما أخرجه مسلمٌ، ولفظه: عن سالم مولى شدادٍ، قال: دخلتُ على عائشةَ زوجِ النبي ﷺ يوم تُوفي سعدُ بنُ أبي وقاص، فدخلَ عبدُ الرحمن بنُ أبي بكر ﵄، فتوضأ عندها، فقالت: يا عبدَ الرحمن! أسبغِ الوضوءَ؛ فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ويلٌ للأعقابِ من النارِ" (١). قال الحافظُ عبدُ الحق في "الجمع بينَ الصحيحين": ولم يخرجِ البخاري هذا الحديث عن عائشةَ، وأخرجه من حديثِ عبدِ الله بن عمرٍو ﵃ (٢). * * *

стр. 150

الحديث الرابع عن أبي هريرةَ ﵁: أَنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَجْعَلْ في أَنْفِهِ مَاءً، ثُمَّ لْيَنْتَثِرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، وَإِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلْيَغْسِلْ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا في الإِنَاءِ ثَلاَثاً؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ" (١)، وفي لفظٍ لمسلمٍ: "فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمَنْخِرَيْهِ مِنَ

стр. 151

الماءِ" (١)، وفي لفظ: "مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ" (٢) * * * (عن أبي هريرة) عبدِ الرحمن بنِ صَخْرٍ (﵁: أن رسولَ الله ﷺ قال: إذا) ظرفٌ لما يُستقبل من الزمان متضمنَةٌ معنى الشرط، وتختص بدخولها على الجملة الفعلية، وتدخل على الماضي كثيراً، وعلى المضارع دون ذلك، ولا تعمل الجزمَ إلا في الضرورة؛ كقول الشاعر (٣): [من الكامل]

стр. 152

اِسْتَغْنِ مَا أَغنَاك رَبُّكَ بِالْغِنَى ... وَإِذَا تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ فَتَجَمَّلِ (تَوَضأَ أَحَدُكُمْ) معشرَ المسلمين الوضوءَ الشرعي (فَلْيَجْعَلْ في أَنْفِهِ) المعلومِ، وهو المَعْطِسُ، والجمع: آنافٌ وأُنوف وأُنُفٌ (ماءً) مفعولُ يجعلْ، وهو جوهرٌ سيالٌ يتلون بلونِ إنائه، ويُجمع على: مِياه، وهمزتُه منقلبةٌ عن هاء، فأصلُه: مَوْهٌ، وجمعه في القِلة: أَمْواهٌ، وهو اسمُ جنسٍ، وإنما يُجمع لكثرة أنواعه، وسقطت لفظة "ماء" من البخاري في غير رواية أبي ذر، وكذا اختلف رواة "الموطأ" في إسقاطِها، وذكرِها، وثبتت لمسلم من رواية سفيانَ عن أبي الزناد (١)، (ثُم) بعدَ استنشاقه به، وهو إدخالُه في الأنف (لْيَنْتَثِرْ)، كذا لأبي ذرٍّ والأصيلي بوزن: ليفتعلْ، ولغيرهما "ثُم لِيَنْثُرْ" بمثلثة مضمومة بعد النون الساكنة، والروايتان لأصحاب "الموطأ" - أيضاً -. قال الفراء: يُقال: نَثَرَ الرجلُ وانْتَثَرَ واسْتَنْثَرَ: إذا حرك النَّثْرَةَ، وهي طرفُ الأنف في الطهارة (٢)، وفيه دليلٌ لوجوب الاستنشاق، وهو مذهبُنا، خلافاً لمالكٍ والشافعي في الطهارتين، ولأبي حنيفةَ في الصغرى. قال عبدُ اللهِ بنُ الإمامِ أحمدَ ﵄: قال أبي: رُوي عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ : أنه قال: "اسْتَنْثِرُوا مَرَّتَيْنِ

стр. 153

بالِغَتَيْنِ أَوْ ثَلاثاً" (١)، قال أبي: أنا أذهبُ إلى هذا؛ لأمر النبي ﷺ (٢). والأمرُ في قواعد المذهب إذا كان مجرداً عن قرينةٍ حقيقةٌ في الوجوبِ شرعاً، أو باقتضاءِ وضع اللغة أو الفعل. ويأتي الكلام على المضمضة والاستنشاق - إن شاء الله تعالى -. (وَمَنِ اسْتَجْمَرَ)؛ أي: استنجى بالأحجار، قاله الجوهري (٣)، قال ابنُ الأنباري: الجِمارُ عند العرب: الحجارةُ الصغارُ، وبه سميت جِمارُ مكةَ (٤)، ومن تراجم البخاري: بابُ: الاستنجاء بالحجارة (٥)، أرادَ بها الرد على مَنْ زعم أن الاستنجاء مختص بالماء، والاستجمارُ الشرعي مسحُ محل البولِ والغائط بحجرٍ طاهرٍ مُباحٍ مُنْقٍ، ونص الإمامُ أحمدُ ﵁: لا يستجمر في غير المخرَج (٦)، والمذهبُ: في الصفحتين والحشفة، ما لم يتعد الخارجُ موضعَ العادة، فيجبُ الماء للمتعدي فقط. (فَلْيُوتِرْ)؛ أي: يتحرى أن يكون استجمارُه وِتراً، والوَتْرُ: الفَرْدُ -بفتح الواو وكسرها- لغتانِ مشهورتان نقلهما الزجَّاجُ وغيره (٧)، يعني: يكون

стр. 154

عددُ المسحات ثلاثاً، أو خمساً، أو فوق ذلك، وحاصلُ المذهبِ أن الإنقاء وهو بالحجر: ألا يبقى أثرٌ يزيلُه غير الماء، وبالماء: عَوْدُ المحل كما كانَ، واجبٌ، واستيفاء ثلاث مسحات واجبٌ، فإن حصل بها الإنقاء، وإلا زيد حتى ينقي، فإن حصل بوتر، فلا زيادة، والأسنُّ زيادته ليقطعَه على وترٍ، والواجبُ تثليثُ المسحات, لا الحجرِ، ولا بد أن تعم كل المسحة المحل -على المعتمد-، ولم يشترط أبو حنيفة ومالكٌ التثليثَ، والحديثُ حجة لنا - كالشافعية - عليهما؛ لظاهر أمرِه ﷺ ، لكن هذا الحديث لا يدل على الإيتار بالثلاث، إلا أنه يؤخذ تعيينها من بقية الأحاديث، ففي "صحيح مسلم": عن سلمان ﵁ قال بعض المشركين- وهم يستهزئون - لسلمانَ: إني أرى صاحبَكم يعلمكم حتى الخِراءَةَ، قال سلمانُ: أَجَلْ، أمرنا ألا نستقبل القبلة، ولا نستنجيَ بأيماننا، ولا نكتفيَ بدون ثلاثة أحجار ليس فيها رَجيعٌ ولا عظمٌ، ورواه الإمام أحمد (١). وروى الإمام أحمدُ، والدارقطني، وغيرُهما، عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: "إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ لِحَاجَتِهِ، فَلْيَسْتَطِبْ بِثَلاثَةِ أَحْجَارٍ، فإنها تُجْزِيهِ" (٢). وفي "البخاري": عن عبدِ الله بنِ مسعودٍ ﵁ قال: أتى النبيُّ ﷺ الغائطَ، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدتُ حجرين،

стр. 155

والتمستُ الثالثَ فلم أجدْه، فأخذتُ رَوْثَةً، فأتيتُه بها، فأخذ الحجرينِ، وألقى الروثةَ، وقال: "هذا رِكْسٌ" (١). وذكره الدارقطني في "سننه"، وقال فيه: وألقى الروثة، وقال: "إِنها رِجْسٌ، ائْتِني بِحَجَرٍ" (٢). وأخرجه الإمام أحمدُ في "مسنده" عن ابنِ مسعودٍ، وفيه: وألقى الروثةَ، وقال: "إِنها رِكْسٌ ائتِني بحجرٍ" (٣)، ورجالُه ثقاتٌ أثباتٌ. فسقط احتجاجُ الإمام الطحاوي من أئمة محدثي الحنفية باستدلاله بإلقاء الروثة على عدم اشتراط الثلاثة، قال: لأنه لو كان مشترطاً، لطلب ثالثاً (٤). على أن في استدلاله من حيثُ هو نَظَرٌ؛ لاحتمال أن يكون اكتفى بالأمر الأول في طلب الثلاثة، ولم يجد الأمر بطلب الثالث، أو اكتفى بطرف أحدهما عن الثالث؛ لأن المقصودَ بالثلاثة أن يمسحَ بها ثلاثَ مسحات، وذلك حاصلٌ ولو بواحد، والدليل على صحته: أنه لو مسح بطرفٍ واحدٍ ورماه؛ فجاء شخصٌ آخرُ فمسح بطرفه الآخرِ، لأجزأَهما بلا خلاف (٥). والحاصلُ: اعتبار التثليث في الاستجمار، وبه قال إمامنا الإمام أحمدُ،

стр. 156

والإمام الشافعي، وأصحاب الحديث؛ لِما ذكرنا من الأحاديث. قال الخطابي: لو كان القصدُ الإنقاءَ فقط؛ لخلا اشتراطُ العدد عن الفائدة، فلما اشترط العدد لفظاً، وعلم الإنقاء فيه معنى، دل على إيجاب الأمرين، ونظيرُه العِدةُ بالأقراءِ؛ فإن العدد يشترط ولو تحققت براءة الرحمِ بقَرْءٍ واحد (١). غريبة: حمل بعضُ العلماء الاستجمارَ على استعمال البَخور للتطيب؛ فإنه يقالُ فيه: تَجَمَّرَ واستجْمَرَ؛ فقد روي عن الإمام مالك، قال القاضي عياض: اختلف قولُ مالكٍ وغيرِه في معنى الاستجمار في هذا الحديث، فقيل: هذا يعني الذي فسرناه أولاً، وقيل: المرادُ به في البخور: أن يأخذَ منهُ ثلاثَ قطع، أو يأخذَ منه ثلاثَ مرات، يستعمل واحدة بعد أخرى، والأول أظهر، انتهى (٢). (وَإِذَا اسْتَيْقَظَ): استفعل؛ من اليقظة، والاستيقاظُ هو الانتباهُ (أَحَدُكُمْ) معشرَ المكلفين (مِنْ نَوْمِهِ)، قال بعضُهم: حقيقةُ النوم: استرخاءُ البدن، وزوالُ الاستشعار، وخفاء كلام مَنْ عندَه، والنعاسُ مقدمتُه (٣)، وهو ريح لطيفٌ يأتي من قِبَلِ الدماغ يغطي على العين، ولا تصل إلى القلب، فإذا وصلت إلى القلب، كانت نوماً، فيختص الحكمُ بالنوم دون النعاس، ولو كثيراً.

стр. 157

(فَلْيَغْسِلْ يَدَيْهِ) تثنية يد، وحقيقتها إلى الكوع، ويقال فيه: كاعٌ، وهو طرف الزَّنْدِ الذي يلي الإبهام، وطرفُه الذي يلي الخنصرَ كُرْسوعٌ، والذي يلي الوسطى رُسْغٌ، وإنما دخل الزندُ في الوضوء بقيدِ: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، ويكون غسل يديه (قَبْلَ أَنْ يَدْخِلَهُما) أو إحداهما (في الإِناءِ)؛ أي: الوعاءِ الذي فيه الماء إذا كان يسيراً دون القُلتين، ولا بد من تكرار غسلِهما (ثلاثاً) من المرات بنيةٍ شُرطت، وتسميةٍ وجبتْ، ثم علل ﷺ ذلك بقوله: (فَإِن أَحَدَكُمْ لا يَدْرِي)؛ أي: لا يعلم، فإن الدراية تُرادفُ العلمَ (أَيْنَ) ظرفُ مكان (باتَتْ) من البيتوتة، والمبيت إنما يكون بالليل دون النهار، فلهذا خُص الحكمُ بالنوم ليلاً (يَدُهُ) (١). ولأبي داود: "فَإِنَّهُ لا يَدْري أَيْنَ باتَتْ، أَوْ أَيْنَ كانَتْ تَطُوفُ يَدُهُ" (٢)؛ أي: من جسده. قال الشافعي: كانوا يستجمرون وبلادُهم حارةٌ، فربما عرقَ أحدُهم إذا نام، فيحتمل [أن] تطوف يدُه على المحل، أو على بَثْرةٍ، أو دمِ حيوان، أو قَذَرٍ غير ذلك (٣). وتعقبه أبو الوليد الباجي بأن ذلك يستلزمُ الأمرَ بغسل ثوبِ النائم (٤)؛ لجواز ذلك عليه، وأجيبَ بأنه محمولٌ على ما إذا كان العرق في اليد دون المحل، وأن المستيقظَ لا يريد غمسَ ثوبه في الماء حتى يؤمرَ بغسله،

стр. 158

بخلافِ اليد؛ فإنه يحتاج إلى غمسِها، قال الحافظُ ابن حجر: وهذا أقوى الجوابين (١). تنبيهات: أحدها: أخذ الإمام أحمد ﵁ بظاهر هذا الحديث، فأوجب غسل اليدين من نوم ليل ناقض لوضوء في أصح الروايتين عنه، وأنه تعبدي؛ كغسل الميت، فتشترط النيةُ، وتجب التسميةُ في الأصح، والأصح لا يجزىء عن نيةِ غسلهما نيةُ الوضوء؛ لأنها طهارة مفردة لا من الوضوء، وقيل: معلل بوهم النجاسة؛ كجعل العلة في النوم استطلاق الوِكاءِ بالحدث، وهو مشكوكٌ فيه، وقيل: بمبيت يده ملابسة للشيطان، وكونُه تعبدياً هو المذهب. ودليل الوجوب ظاهرُ الحديث؛ لأن الأمر يقتضيه، وهو مذهب ابن عمر، وأبي هريرة ﵃، وقول الحسن. وعنه: إنه مستحب لا واجب، وهو اختيار الخرقي، وقدمه في "الرعايتين" (٢)، و"الحاوي" (٣)، قال المجد: وهو الصحيح، واختاره الموفق والشارحُ.

стр. 159

قال شيخ الإسلام ابنُ تيميةَ: اختاره الخرقي وجماعة (١)، وصححه في "التصحيح"، و"النظم" , و"مجمع البحرين"، واختاره ابن عبدوس (٢)، وبه قال الجمهور, منهم: عطاء , والأوزاعي , وأبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وإسحاق , وابن المنذر؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. قال زيدُ بنُ أسلمَ: تفسير هذا: إذا قمتم من النوم (٣)، ولأن القائم من النوم داخل في عموم الآية، وقد أمره الله تعالى بالوضوء من غير غسل الكفين في أوله, والأمر يقتضي الإجزاء بفعل المأمور به، ولأنه قائم من نوم، فأشبه القائم من نوم النهار, وعليه: فالأمر في الحديث محمولٌ على تأكيد الاستحباب، كما في حديث أبي هريرة مرفوعاً: "إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ، فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ على خَياشِيمِهِ" متفق عليه (٤). ويدل على إرادة الاستحباب بقليله باحتمال النجاسة ووهمها، وذلك يقتضي الاحتياطَ والاحترازَ على سبيل الندب لا الوجوب؛ لما تقرر في الشرع أن طَرَيان الشك على يقين الطهارة لا يؤثر فيها، وإنما خُص بنوم الليل؛ لأنه يطول غالباً، ويتجرد له، فيكون وهمُ النجاسة فيه أظهرَ، فتأكد

стр. 160

الاستحبابُ له، وأيضاً جاء في لفظٍ صحيح: "إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَأَرَادَ الطَّهُورَ، فَلا يَضَعَنْ يَدَهُ في الإناءِ حَتَّى يَغْسِلَها" (١)، وهذا يدل على أنه أرادَ به غسلَ اليد المسنونَ عندَ الوضوء؛ لأنه قيده بحالة إرادة الوضوء، وعلى القول بالوجوب هو واجبٌ بنفسه، يجوز تقدمُه على الوضوء بالزمن الطويل، ويُفرد بنية وتسمية، وهذا خلاف ظاهر النص؛ ولأن الوجوبَ لا يجوزُ أن يكون عن نجاسة؛ لطهارتهما بالإجماع، ولا عن حدث؛ لأنه لا يكفي غسلُهما في جملة الأعضاء بنية الحدث، ولا يجزيهما غسلةٌ واحدة، وكونه تعبدياً ينافيه تعليلُه في الحديث، وتعليلُ الأمر التعبدي على خلاف الظاهر، فعُلم أنه سنةٌ لا واجب، والمذهب الأَولُ. الثاني: لو غمس يَدَه المستيقظُ من نومِ ليلٍ ناقضٍ لطهارته قبل غسلِها ثلاثاً، هل يؤثر غمسُها في الماء، أو لا؟ فيه عن الإمام أحمد ﵁ روايتان: إحداهما: أنه يسلب الماءَ اليسيرَ الطهوريةَ، قدمه في "الفروع" (٢) و"ناظم المفردات"، وهو منها. قال ابن منجا في "النهاية" (٣): عليه أكثر الأصحاب.

стр. 161

وقال في "مجمع البحرين": هذا المنصوص للحديث، فإنه لو لم يؤثر غمسُها في الماء، لم يكن للحديث فائدة، فأما غمسُ يدِ المستيقظ من نوم النهار، فلا يؤثر، روايةً واحدةً، وسَوَّى الحسنُ بينهما (١)، ولنا: أن الحديث دل على تخصيص نوم الليل بقوله: "لا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ"، والمبيت إنما يكون في الليل خاصة، ولا يصح قياسُ نوم النهار عليه؛ لأن الغسلَ وجبَ تعبداً، فلا تصح تعديتُه، وأيضاً الليلُ مَظِنةُ الاستغراقِ في النوم فيه، وطول مدته، فاحتمالُ ما يحدثُ لليد فيه أكثرُ من نوم النهار. قال الإمام أحمد ﵁ في رواية الأثرم: الحديثُ في المبيت بالليل، فأما النهار، فلا بأسَ (٢). الثالث: يتفرع على رواية وجوب غسل اليدين، وأن غمسها في الماء اليسير يؤثر فيه، مسائل: منها: لا بد -على المذهب المعتمد- من غمس كل اليد، ولو بلا نية، أو بعضِها بنية. ومنها: غمسُها بعد غسلها دون الثلاث؛ كغمسها قبل غسلها؛ لبقاء النهي على الأصح. ومنها: لا فرق بين أن يكون النائم مطلقَ اليد، أو مشدودَها، أو في جراب، أو بات مكتوفاً؛ لعموم الأخبار، ولأن الحكم إذا تعلق بالمظنة تسقط حكم الحكمة؛ كالعدة الواجبة لاستبراء الرحم في حق الصغيرة، والآيسة.

стр. 162

ومنها: الحكم يخص اليدَ دون بقية الأعضاء من رِجْل وفم. ومنها: لا أثر لغمسِها في مائعٍ طاهر في الأصح، كما في "الفروع" (١) وغيره. الرابع: اتفق الأربعةُ على أنه لو غمس يده، لم ينجس الماءُ. وقال إسحاقُ بنُ راهويه، وداودُ الظاهري، والطبري: ينجُس الماء، واستدل لهم بما ورد من الأمر بإراقته، لكنه حديث ضعيف أخرجه ابن عدي (٢)، وهو رواية عندنا. الخامس: ظاهرُ صنيع المصنف - رحمه الله تعالى - أن لفظة "ثلاثاً" من متفق الشيخين، وليس كذلك، بل هي مما انفرد به مسلم عن البخاري. قال الحافظ عبد الحق في "الجمع بين الصحيحين": "إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلا يَغْمِسْ يَدَهُ في الإناءِ حَتى يَغْسِلَهَا ثَلاثاً؛ فإنهُ لا يَدْري أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ"، وفي لفظٍ. "فَلْيُفْرِغْ عَلَى يَدِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ في إِنائِهِ؛ فَإِنهُ لا يَدْرِي فِيمَ باتَتْ يَدُهُ" (٣)، لم يقل البخاري: ثَلاثاً، وقالَ: "قبلَ أن يُدْخِلَها في وَضوئِهِ"، وفي بعض طرقه: "في الإناء" (٤).

стр. 163

وفي "شرح الوجيز" (١) لم يذكر البخاري ثلاثاً (٢)، والله أعلم. وقال الحافظ - قدس الله رُوحَه -: (و) روي (في لفظٍ) (لـ) ـلإمام (مسلم) في "صحيحه": (إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْتَنْشِقْ)؛ أي: يجذب الماء، (بِمَنْخِرَيْهِ) تثنيةُ مَنْخِر: ثَقْب الأنفِ، كما في "الصحاح"، وقد تكسر ميمه إِتباعَاً لكسرة الخاء، والمنخورُ لغةٌ فيه (٣). قال في "المصباح": المَنْخِر- وزان: مسجدٍ -: خَرْقُ الأَنْفِ، وأصلُه: موضعُ التنخيرِ، وهو الصوتُ من الأنف، يُقال: نَخَرَ يَنْخُر؛ من باب قتل يقتُل: إذا مدَّ النفَس من الخياشيم، وكسرُ الميم للإتباع لغةٌ، ومثله: مِنْتِن، قالوا: ولا ثالثَ لهما (٤). وفي "القاموس": المنخر -بفتح الميم والخاء، وبكسرهما وضمهما، وكمجلس، ومُلْمول -: الأنفُ. ونخرة الأنف: مقدمته، أو خرقه، أو ما بين المنخرين، أو أرنبته (٥). (مِنَ الماءِ) متعلق بيستنشق؛ أي: يجذب الماء بالنفَسِ إلى أقصى الأنف، ولا يجعلهُ سُعوطاً. (وفي لفظ) له: (مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ) بدل

стр. 164

فليستنشقْ، من الاستنثارِ: وهو إخراجُ الماء من الأنف بالنفَس بعد استنشاقه، وهو جذبُه الماء بنَفَسه، فللداخلِ استنشاقٌ، وللخارج استنثارٌ. تنبيه: ظاهر صَنيعِ الحافظ ﵀ أن هذا السياق حديثٌ واحد، وهو ظاهرُ صنيع البخاري، وليس كذلك في "الموطأ"، وقد أخرجه أبو نعيم في "المستخرَج من الموطأ" رواية عبدِ الله بنِ يوسفَ شيخِ البخاري مفرقاً، وكذا أخرجَ مسلمٌ الحديث الأولَ من طريق ابن عُيينةَ عن أبي الزناد، والثاني من طريق المغيرة بنِ عبدِ الرحمن عن أبي الزناد. وكأنَّ الإمام البخاري يرى جواز جمعِ الحديثين إذا اتحد سندُهما في سياق واحد، كما يرى جواز تفريق الحديث الواحد إذا اشتمل على حكمين مستقلين، والله أعلم (١). * * *

стр. 165

الحديث الخامس عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ في المَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ" (١)، ولمسلمٍ: "لا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ في المَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ" (٢). * * *

стр. 166

(عن أبي هريرةَ ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: لا يَبُولَنَّ) نهيٌ مؤكَّد بالنون الثقيلة، والبولُ معروفٌ، يقال: بال الإنسان والدابة يبول بَوْلاً ومَبالاً، فهو بائل، والجمعُ أبوال. (أَحَدُكُمْ) معشرَ الأمة من كل مكلف، ويتناولُ وليَّ الصغير؛ لتأثيرِ بولهِ في الماء اليسير بإتلافه، (في الماءِ الدائِمِ)؛ أي: الساكن، (الذِي لا يَجْرِي) قيلَ: إنه تفسيرٌ للدائم، وإيضاحٌ لمعناه، وقيل: احترزَ به عن راكدٍ يجري بعضُه؛ كالبِرَكِ، وقيلَ: احترزَ به من الدائم؛ لأنه جارٍ من حيثُ الصورةُ، ساكنٌ من حيثُ المعنى، ولهذا لم يذكر القيدَ في رواية: "الراكد" (١) بدلَ الدائمِ. قال ابن الأنباري: الدائمُ منَ الأضداد، يقال للساكن والدائر (٢)، فعلى هذا قوله: "لا يجري" صفة مخصِّصَةٌ لأحد معنيي المشترك، وقيل: الدائم والراكد مقابلان للجاري، لكن الدائمَ هو الذي له نبعٌ، والراكد الذي لا نبعَ له. (ثُم يَغْتَسِلُ) بضم اللام على المشهور، وقال ابن مالك: يجوزُ الجزمُ عطفاً على "يبولَن"؛ لأنه مجزومُ الموضع بلا الناهية، ولكنه بُني على الفتح لتوكيده بالنون (٣)، ومنع ذلك القرطبي؛ لأنه لو أراد ذلك، لقال: ثم لا يغتسلَنَّ، فحينئذٍ يتساوى الأمران في النهي عنهما؛ لأن المحل الذي

стр. 167

تواردا عليه شيءٌ واحد، وهو الماء. قال: فعدولُه عن ذلك يدل على أنه لم يردِ العطفَ، بل نبه على مآلِ الحال، والمعنى: أنه إذا بال فيه، قد يحتاجُ إليه، فيمتنعُ انتفاعُه منه (١). ومثله قولُه ﷺ : "لا يَضْرِبَنَّ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ ضَرْبَ الأَمَةِ، ثُم يُضاجِعُها" (٢)، فتمتنع؛ لإساءته عليها، فلا يحصل له مقصودُه، وتقديرُ اللفظ: ثم هو يضاجعُها. وفي الحديث يكون المعنى: ثم هو يغتسلُ منه؛ أي من ذلك الماء الدائم الذي بال فيه. قال الحافظُ ابنُ رجبٍ - في بعض تعاليقه - في قوله ﷺ : "لا يَجْلِدْ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ، ثُم يُضَاجِعُها مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ" (٣) يضاجعُها هو بالرفع، ومعناه التعليل؛ للنهي عن الضرب المبرح، وتقديره: وهو يضاجعُها، كأنه يقول: كيف يجلدُها وهو بصددِ أن يجامعَها في آخر الليل، فربما تعذر عليه ذلك لما أساء من عشرتها، قال: ولا تجوز فيه الرواية بالسكون عطفاً على النهي.

стр. 168

قال القرطبي في "شرح مسلم": [لم] يروه أحدٌ بالسكون، ولا يتخيله أحد (١)، يشير إلى أنه لا يصح في المعنى، قال الحافظ ابن رجب: بخلاف قوله ﷺ : "لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ في الماءِ الدائِمِ، ثُم يَغْتَسِلْ منهُ"؛ فإنه قد روي بالجزم عطفاً على يبولَنَّ، قال: والفرقُ بينهما أن النهي عن الاغتسال بعد البول مناسبٌ لما فيه من فساد الماء ونجاسته به، أو خشيةَ حصول الوسواس إذا اغتسل عقب البول، فربما أصابه من أجزاء البول قبلَ استهلاكه، وهذا المعنى منعكس في المجامعة بعد الضرب؛ لأنه قد يحصل به حينئذ تَلافي الضرب، وهو من باب إحسان العشرة بعدَ الإساءة، والحسنة تمحو السيئةَ. (ولمسلم) ﵁ من حديث جابرِ بنِ عبدِ الله ﵄، عن رسول الله ﷺ : أنه نهى أن يُبالَ في الماء الراكد (٢)، وفي رواية لمسلم أيضاً من حديث أبي هريرة ﵁: (لا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ في الماءِ الدائِمِ وهُوَ جُنُبٌ)، فقيلَ: كيف نفعلُ يا أبا هريرة؟ قال: يتناولُه تناولاً (٣)، فدل على أن المنع من الانغماس فيه لئلا يُصَيِّرَهُ مستعمَلاً، فيمتنعُ على الغير الانتفاعُ به، والصحابي أعلمُ بمورد الخطاب من غيره، وهذا من أقوى الأدلة على أن الماء المستعملَ غيرُ طَهورٍ. وروى أبو داود النهيَ عنهما في حديث واحد؛ ولفظُه: "لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ في الماءِ الدائِمِ، وَلا يَغْتَسِلْ فيهِ مِنَ الجَنابَةِ" (٤). واستدل بعض الحنفية على تنجيس الماء المستعمَل؛ لأن البولَ

стр. 169

ينجسه، فكذلك الاغتسالُ، وقد نهى عنهما معاً، وهو للتحريم، فيدل على النجاسة فيهما، ورد بأنها دلالة اقترانٍ، وهي ضعيفةٌ، وعلى تقدير تسليمها، فلا يلزمُ التسويةُ، فيكون النهيُ عن البول لئلا ينجسه، وعن الاغتسالِ فيه لئلا يسلبه الطهوريةَ. تنبيهات: الأول: ظاهرُ الحديث أن غيرَ بولِ الآدمي لا يساويه في الحكم، وهو قولٌ في المذهب، بل هي أشهرُ الروايتين عن الإمام أحمد ﵁، نقلاً من أن بولَ الآدمي وعَذِرَتَهُ ينجسُ الماءَ الكثير كالقليل، ولا فرقَ بين كونِه يتغير به أو لا. قال القاضي: اختارَها الخرقي وشيوخُ أصحابنا (١). قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ: اختارها أكثرُ المتقدمين (٢). قال الزركشي: وأكثرُ المتوسطين؛ كالقاضي، والشريف، وابن البنا، وابن عبدوس، وغيرهم (٣)؛ لظاهر هذا الحديث، ونحوه من الأحاديث الصحيحة، اللهم إلا أن يكون الماءُ الذي وقع فيه بولُ الآدمي أو عَذِرَتُه مما يشق نزحُه مثلَ مصانعِ طرقِ مكة، والأوديةِ المتعذرِ نزحُها، فلا تنجسُ، قولاً واحداً، والمعتمَدُ في المذهب أن حكم البول والعذرة حكم غيرهما، اختار هذه الرواية الإمامُ ابنُ عقيلٍ، وأبو الخطابِ، والموفقُ، والمجدُ. قال شيخُ الإسلام: اختارها أكثرُ المتأخرين (٤)، وهي مذهب إسحاق،

стр. 170

وأبي عبيد، وأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأكثرِ أهل العلم، قال صاحبُ "المحرر" (١): وهي الصحيحةُ؛ لقول النبي ﷺ : "إِذَا بَلَغَ الماءُ قُلَّتَيْنِ، لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ" (٢)، وخبر بئر بضاعة (٣) يلقى فيه عذر الناس (٤)، ولأن نجاسة بول الآدميين لا تزيدُ على نجاسة بول الكلب والخنزير، وهو لا ينجس القلتين، فبولُ الآدمي أولى، وحديث أبي هريرة محمولٌ على ما دون القلتين؛ بدليلِ أنه عطف عليه الغُسْلَ من الجنابة في رواية الإمام أحمد، ومسلم، وأبي داود (٥)، وقد أجمعنا على جواز الاغتسال بالكثير،

стр. 171

وارتفاع الحدث به، فكذلك في المعطوف عليه، مع أنه لا بد من تخصيص حديث أبي هريرة بدليل ما لا يمكن نزحُه، وما لا تبلغ إليه حركة النجاسة فهو متروك العموم بالإجماع، وإذا لم يكن بد من تخصيصه وتقييد عمومه، فبالقلتين المنصوص عليهما أولى مما لم يرد به نص ولا إجماع، ولأنه لو تساوى الحديثان، لوجب العدولُ إلى القياس على سائر المائعات، والله الموفق. الثاني: النهي ضد الأمرِ، وصيغة (لا) حقيقة في دلالتها على التحريم؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]، ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ [آل عمران: ١٣٠]، ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩]، ولا تصرف عن حقيقتها إلا بقرينة، وحمله الإمام مالك على الكراهة؛ ليصح حكمُ الحديث في القليل والكثير غير المستثنى بالاتفاق وهو المستبحر، مع حصول الإجماع على تحريم الاغتسال بعد تغير الماء بالبول، فهذا لا يلتفت على حمل اللفظ الواحد على معنيين مختلفين، وهي مسألة أصولية، وقد يقال على هذا: إن حالة التغير مأخوذة من غير هذا اللفظ، فلا يلزم استعمالُ اللفظ الواحد في معنيين، وهذا متجه، إلا أنه يلزم منه التحريم في هذا الحديث، فإن جعلنا النهي التحريم، كان استعماله في الكراهة والتحريم استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه، والأكثرون على منعه، قاله ابن دقيق العيد (١). الثالث: لا خصوصيةَ للنهي عن الغسل من الماء الدائم الذي بال فيه، بل الوضوء في معناه، وقد ورد مصرَّحاً به في رواية من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: "لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ في الماءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ"

стр. 172

رواه الترمذي (١)، ولو لم يرد، لكان معلوماً قطعاً؛ لاستواء الطهارتين في الحكم لفهم المعنى، إذ القصدُ التنزُّهُ عن التقرب إلى الله - تعالى - بالمستقذَرات. الرابع: ورد في رواية البخاري: "ثُم يَغْتَسِلُ فيهِ"، وفي رواية مسلم: "ثُم يَغْتَسِلُ مِنْهُ"، قال ابن دقيق العيد: معناه مختلفٌ، يفيد كل واحد حكماً بطريق النص، وآخرَ بطريق الاستنباط، ولو لم يرد، لاستويا (٢). قال الحافظُ ابنُ حجرٍ: وجهُه أن الروايةَ بلفظ "فيه" تدل على منع الانغماس بالنص، وعلى منع التناوُلِ بالاستنباطِ، والروايةُ بلفظِ "منه" بعكس ذلك، وكله مبني على أن الماء ينجُس بملاقاة النجاسة، والله أعلم (٣). الخامس: قالَ ابنُ دقيقِ العيد: مما يُعْلَمُ بطلانُه قطعاً ما ذهبَ إليه الظاهريةُ الجامدةُ من أن الحكمَ مخصوصٌ بالبولِ في الماء، حتى لو بالَ في كوزٍ وصبه في الماءِ لم يضر عندَهم، وكذا لو بال خارجَ الماءِ فجرى البولُ إلى الماء، والعلمُ القطعي حاصلٌ ببطلان قولِهم؛ لاستواء الأمرين في الحصول في الماء، وأن المقصودَ اجتنابُ ما وقعت فيه النجاسةُ من الماء، وليس هذا من محال الظنون، بل هو مقطوع به، انتهى (٤). * * *

стр. 173

الحديث السادس عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ، فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعاً" (١)، ولِمُسْلِمٍ: "أُولاهُنَّ بالتُّرَابِ" (٢). وله في حديثِ عبدِ اللهِ بنِ مُغَفَّلٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ في الإِنَاءِ، فَاغْسِلُوهُ سَبْعاً، وعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بالتُّرَابِ" (٣).

стр. 174

(عن أبي هريرةَ ﵁: أن رسولَ الله ﷺ قال: إِذَا شَرِبَ) كذا هو في "الموطأ" (١)، وتبعه البخاري، وقد ذكره مسلمٌ - أيضاً -، في لفظ: "إِذَا شَرِبَ" (٢)، والمشهورُ عن أبي هريرة من رواية جمهورِ أصحابه عنه: "إِذَا وَلَغَ"، وهو المعروفُ في اللغة، يقال: ولَغ يلَغ - بالفتح فيهما -: إذا شربَ بطرفِ لسانه، أو أدخلَ لسانَه فيه فحرَّكه، وقال ثعلب: هو أن يُدخلَ لسانَه في الماء وغيرِه من كل مائعٍ فيحرِّكَهُ، زادَ ابنُ درستويه: شربَ أو لم يشربْ، وقال مكي: إذا كانَ غير مائع، يقالُ: لعقه، قال المُطَرَّزِي: فإن كان فارغاً، يقال: لَحَسَهُ (٣). وادعى ابنُ عبد البر أن لفظ "شرب" لم يروه إلا مالكٌ، وأن غيره رووه بلفظ: "وَلَغَ" (٤). قال الحافظ ابن حجر: وليس كذلك، فقد رواه ابنُ خُزيمةَ وابنُ المنذر

стр. 175

من طريقين عن هشامِ بنِ حسان بلفظِ: "إذا ولغ" (١)، كذا أخرجه مسلم وغيره من طرقٍ عنه، ورواه عن أبي الزناد شيخ مالكٍ بلفظِ: "إذا شرب"، ورواه ابن عمر، أخرجه الجوزقي (٢)، وكأن أبا الزناد حدث باللفظين؛ لتقاربهما في المعنى، لكن الشرب أخص من الولوغ، فلا يقوم مقامه. ومفهوم الشرط في قوله: "إذا ولغ" يقتضي قصرَ الحكم على ذلك، نعم إذا قلنا: إن الأمر بالغسل للتنجيس يتعدى الحكم إلى ما إذا لحس أو لعق مثلاً، ويكون ذكر الولوغ للغالب، ويلحق في الحكم بقية أعضائه؛ لأن فمه أشرفُها، فالباقي من باب أولى على الصحيح، وللخصم أن ينفصل عن هذا بأن فمه محل استعمال النجاسة (٣). (الكَلْبُ): فاعل "شرب"، وهو الحيوان المعروف، شديدُ الرياضة، كثير الوفاء، وهو لا سَبُعٌ ولا بهيمةٌ، حتى كأنه من الخلق المركب؛ لأنه لو تم له طباع السبعية، ما ألف الناس، ولو تم له طباع البهيمية، ما أكل لحم الحيوان، لكن في الحديث إطلاق البهيمية عليه في قول الصحابة ﵃: يا رسول الله! إن لنا في البهائم أجراً؟ قال: "نَعَمْ، فِي كُلِّ كَبدٍ حَرَّى رَطْبَةٍ أَجْرٌ"، من حديث المرأة التي سقت الكلب، رواه البخاري ومسلم (٤).

стр. 176

وفي بعض طرق البخاري: "في كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ" (١). ولا فرق في الحكم بين كون الكلب أهلياً أو سلوقياً- نسبة إلى سلوق مدينة باليمن، تنسب إليها الكلاب السلوقية -، وكلاهما في الطبع سواء، وفي طبعه احتلام، وتحيض إناثه. (في إناءِ)؛ أي: وعاء (أَحَدِكمْ) معشرَ الأمة، ظاهره العموم في كل آنية، ومفهومه يخرج الماء المستنقع مثلاً، وبه قال الأوزاعي مطلقاً، لكن إذا قلنا بأن الغسل للتنجيس كما هو المشهور، يجري الحكم في القليل من الماء دون الكثير، ويلغي اعتبار الإضافة التي في "إناء أحدكم"؛ لعدم توقف الطهارة على ملكه. يؤيد المشهور ما في الرواية الصحيحة عند مسلم وغيره: "طَهُورُ إِناءِ أَحَدِكُمْ" (٢) (فَلْيَغْسِلْهُ)؛ أي: الإناءَ، وهو متروك اعتبار الظاهر؛ لعدم توقف طهارته على أن يكون هو الغاسل، زاد مسلم والنسائي من طريق علي بن مُسْهر، عن الأعمش، عن أبي صالح وأبي رزين، عن أبي هريرة في هذا الحديث: "فَلْيُرِقْهُ" (٣)، وهو يقوي القول: بأن الغسل للتنجيس؛ إذ المُراقُ أعمُّ من أن يكون ماء أو طعاماً، فلو كان طاهراً، لم يؤمر بإراقته؛ للنهي عن إضاعة المال، لكن قال. النسائي: لا أعلم أحداً تابع عليَّ بنَ مُسْهر على زيادة: "فليرقه" (٤)، وقال

стр. 177

حمزة الكناني: إنها غير محفوظة، وقال ابن عبد البر: لم يذكرها الحفاظ من أصحاب الأعمش؛ كأبي معاوية وشعبة (١)، وقال ابن منده: لا تُعرف عن النبي ﷺ بوجه من الوجوه إلا عن علي بن مسهر بهذا الإسناد. قال الحافظ ابن حجر: ورد الأمر بالإراقة أيضاً من طريق عطاء، عن أبي هريرة مرفوعاً، أخرجه ابن عدي (٢)، لكن في رفعه نظر، والصحيح أنه موقوف. وكذا ذكر الإراقةَ حمادُ بنُ زيد، عن أيوبَ، عن ابن سيرينَ، عن أبي هريرة موقوفاً، وإسناده صحيح، أخرجه الدارقطني (٣)، وغيره، انتهى (٤). قال الحافظ ابنُ عبدِ الهادي في كتابه "تنقيح التحقيق على أحاديث التعليق": روى الدارقطنيُّ من طريق عليِّ بنِ مُسْهِرٍ، عن الأعمش، عن أبي صالح وأبي رزين، عن أبي هريرة مرفوعاً، "إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ في إناءِ أحدِكُمْ، فَلْيُهْرِقْهُ ولْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ" (٥). وظاهر قوله: "فليغسله" يقتضي الفورَ، لكن حمل الجمهور الفورية على الاستحباب، إلا لمن أراد أن يستعمل ذلك الإناء (٦) (سبعاً)؛ أي: سبع مرات، ولم يقع في رواية مالك التتريب، ولا ثبت في شيء من الروايات

стр. 178

عن أبي هريرة، إلا عن ابن سيرين، على أن بعض أصحابه لم يذكره، وروي أيضاً عن الحسن، وأبي رافع عند الدارقطني (١)، وعبد الرحمن والد السُّدّي عند البزار (٢)، واختلف الرواة عن ابن سيرين في محل غسلة التتريب، فـ (لمسلم) وغيره من طريق هشامِ بنِ حسانَ، عنه: (أولاهن)؛ أي: الغسلات، تكون (بالتراب)، وهي رواية الأكثر عن ابن سيرين، وقال سعيد بن بشير عنه: "أولاهن" أيضاً، أخرجه الدارقطني (٣)، وقال أبان عن قتادة: "السابعة" أخرجه أبو داود (٤)، والشافعي عن سفيان، عن أيوب، عن ابن سيرين: "أُولاهُنَّ أو أُخراهُنَّ" (٥)، وفي رواية السدي "إحداهُنَّ" (٦)، وكذا في رواية هشامِ بنِ عروةَ، عن أبي الزناد، (وله)؛ أي: لمسلمٍ (في حديث عبد الله بن مُغَفّل) ﵁ بضم الميم، وفتح الغين المعجمة، وتشديد الفاء فلام - ابن عبد غنم بن عفيف المزني، من ولد طابخة بن إلياس بن مضر، يجتمع مع النبي ﷺ في إلياس بن مضر، يكنى: أبا سعيد، وقيل: أبا عبد الرحمن، أحد البكائين الذين نزل فيهم: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [التوبة: ٩١] الآية، وذكر ابن ماكولا أن لأبيه مغفّل صحبة أيضاً، وكذلك ابن عبد البر في "الاستيعاب"، ولكنه مات عام الفتح بطريق مكة قبل أن يدخلها، ولهم أخ آخر من الصحابة

стр. 179

يسمّى: عبد الله بن مغفل بن عبد نُهْم -بضم النون وسكون الهاء فميم- خزاعي، وعبد الله صاحب الترجمة ﵁ نزل البصرة، يروي عنه الحسن البصري كثيراً. روي له عن النبي ﷺ ثلاثة وأربعون حديثاً، اتفقا على أربعة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بهذا الحديث. توفي ﵁ بالبصرة بآخر خلافة معاوية سنة ستين، وقيل: سنة تسع وخمسين، وصلّى عليه أبو برزة الأسلمي بوصية منه، وهو أحد العشرة الذين أرسلهم عمر ﵁ وعنهم - على البصرة يفقهون الناس (١). قال ﵁: (إن رسول الله ﷺ قال: إذا وَلَغَ الكلبُ) الألف واللام فيه للجنس؛ أي: أيّ كلب ولغ (في الإناءِ)؛ أي: في أي إناء، أو للعهد، (فاغسِلُوهُ)؛ أي: الإناءَ الذي ولغ فيه الكلب (سَبْعاً) من المرات، نعم كل غسلة ما باشره الكلب، والمائع حيث كان دون القلتين، (وَعَفِّروهُ)؛ أي: الإناءَ (الثامنةَ)؛ أي: في الغسلة الثامنة؛ (بالترابِ) الطَّهورِ على المعتمد من المذهب.

стр. 180

وروى حديث عبد الله بن مغفل أيضاً: الإمام أحمد (١)، وغيره، وطريق الجمع بين هذه الروايات أن يقال: "إحداهن" مبهمة، و"أولاهن" معينة، ولفظة "أو" وإن كانت في نفس الخبر، فهي للتخيير، فمقتضى حمل المطلق على المقيد: أن يُحمل على إحداهما؛ لأنَّ فيه زيادة على الرواية المعينة، وهو الذي صرح به علماؤنا (٢). قال في "شرح الوجيز": وله استعمالُ الترابِ في أي غسلة شاء، إذا أتى عليه من الماء ما يزيلُه ليحصل المقصودُ منه. وفي "الفروع": وتُغسلُ نجاسةُ كلب، نص عليه؛ وفاقاً للشافعي، وقيل: ولوغه؛ وفاقاً لمالك، تعبداً سبعاً؛ وفاقاً لمالك والشافعي، بتراب في أي غسلةٍ شاء، وهل الأولة أولى أو الأخيرة أو سواء؟ فيه روايات (٣). قلت: الذي استقر عليه المذهب كونُ التراب في الأولى أولى؛ ليأتي الماء من بقية الغسلات عليه، فينظف المحل منه بإزالة أثره عنه، ونص الشافعي في "الأم" على التخيير، وكذا "البويطي"، وصرح به المرعشي وغيرُه من الشافعية، وذكره ابنُ دقيقِ العيدِ والسبْكِي بحثاً، وهو منصوصٌ، نبه عليه الحافظُ ابنُ حجرٍ في "شرح البخاري" (٤)، وإن كانت لفظة "أو" شكاً من الراوي؛ فروايةُ مَنْ عَيَّنَ ولم يشكَّ أولى من رواية من أَبْهَمَ أو شَك، فيبقى النظرُ في الترجيح بين روايةِ "أولاهن"، ورواية "السابعة"،
следующие страницы →