* أصول الفقه:
- "الواضح في أصول الفقه" لابن عقيل.
- "القواعد والفوائد الأصولية" لابن اللحام.
- "شرح مختصر التحرير" لأحمد البعلي المتوفَّى سنة (١١٨٩).
* السيرة النبوية:
- "سيرة النبي ﷺ " للشمس الشامي المتوفى سنة (٦٠٠ هـ).
- "السيرة الحلبية" للبرهان الحلبي.
- "الوفا بأحوال المصطفى" لابن الجوزي.
* التراجم والتاريخ:
- "المعارف" لابن قتيبة.
- "الاستيعاب" لابن عبد البر، وقد نقل الشارح ﵀ في موضع واحد عن مختصره المسمى:
- "روضة الأحباب في مختصر الاستيعاب" للأذرعي.
- "منتخب المنتخب" لابن الجوزي.
- "أُسد الغابة" لابن الأثير.
- "جامع الأصول - قسم التراجم" لابن الأثير.
- "تهذيب الأسماء واللغات" للنووي.
- "تهذيب الكمال" للمِزِّي.
- "تجريد أسماء الصحابة" للذهبي.
- "وَفَيات الأعيان" لابن خَلِّكان.
стр. 72
- "الإنس الجليل في تاريخ القدس والخليل" للعُلَيمي.
- "نَظْم رجالِ العمدة" للبرماوي.
* وقد نقل الشارح ﵀ في مقدمة كتابه في ترجمة الإمام أحمد عن:
- "مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي.
- "طبقات الحنابلة" لابن أبي يعلى.
- "مناقب الأئمة الأربعة" للشيخ مرعي.
* المبهمات:
- "مبهمات العمدة" للبرماوي، وقد كان الشارح ﵀ ينقل أحياناً عن "فتح الباري" لابن حجر في تعيين المبهم.
* اللغة وغريب الحديث:
"المطالع" لابن قُرْقُول، وقد أكثر عنه.
- "تهذيب المطالع" لابن خطيب الدهشة، وقد نقل عنه في موضعين.
- "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير، وأكثرَ عنه.
- "المُطلع على أبواب المقنع" لابن أبي الفتح، ونقل عنه كثيراً المصطلحاتِ الفقهيةَ، والشرعية أحياناً.
- "القاموس المحيط" للفيروزأبادي، وقد أكثر عنه في شرح مفردات اللغة.
* التعريف بالأماكن:
- "معجم البلدان" لياقوت الحموي.
стр. 73
* الكتب والأجزاء والرسائل المنثورة:
- "مثير العزم الساكن" لابن الجوزي. وقد أكثر من نقل الآثار والأحكام عنه في أبواب الحج.
- "الآداب الشرعية" لابن مفلح، وقد أخذ عنه جملةً من الأحكام والآداب.
- "ترك الغضب وكظم الغيظ" للإمام الناصر لدين الله أبي العباس أحدِ خلفاء بني العباس.
- "السواك" لأبي شامة.
- "تذكرة أولي الألباب في الجامع للعجب العجاب" لداود الأنطاكي.
- "تحقيق الرجحان في صيام يوم الشك من رمضان" لمرعي الحنبلي.
- "تشويق الأنام في الحج إلى بيت الله الحرام" لمرعي الحنبلي.
- "زيارة المشاهد والقبور" لمرعي الحنبلي.
- "حسن التسليك في حكم التشبيك" للسيوطي.
- "فتح الرحمن في تفسير القرآن" لمُجير الدين العُلَيمي (١).
* مؤلفات الشارح ﵀ التي ذكرها في شرحه، ونقل عنها أحياناً، وأحال في الرجوع عليها:
- "غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب".
стр. 74
- "تحبير الوفا في سيرة المصطفى".
- "معارج الأنوار في سيرة النبي ﷺ المختار"، وهو شرح نونية الصرصري.
- "بغية النُّسَّاك في فضل السواك".
- "قرع السياط في قَمْع أهلِ اللواط".
* كما نقل الشارح ﵀ في مواضع من كتابه عن شيخه عبد القادر التغلبي، والشهاب المنيني الحنفي، وغيرهما.
стр. 75
المبحث السادس
منزلة الكتاب العلمية
وفيه مطلبان:
* المطلب الأول: أهمية الكتاب ومزاياه:
١ - يعد هذا الكتاب هو الأولَ من بين شروح العمدة المطبوعة الذي تناولَ بيانَ فقه إمام السنة أحمد بن حنبل ﵀ بالطرح والتدليل على مسائله، وتوضيح وترجيح مسائل المذهب، والتي جاء كتاب المصنف لتقويتها واعتمادها.
٢ - نقلُ المعتمَد في مذهب الإمام أحمد من الكتب المعتمدة في المذهب، بطريقة ميسرة للحفظ والدراسة.
٣ - الإكثارُ من نُقول كلام شيخ الإِسلام ابن تيمية، وابن القيم، وترجيحاتهما، ويعد بهذا الأولَ من بين شروح العمدة المخطوطة والمطبوعة.
٤ - الاعتمادُ على محققي العلماء؛ كالحافظ ابن حجر، وغيره في تحرير مذاهب الأئمة، وما تنازع فيه الناس من مشكلات الحديث ومبهماته.
٥ - امتيازُ الشارح ﵀ بحسن الجمع، والتلفيقِ بين كلام العلماء، حتى إنه يأتي أحياناً بكلامِ أكثرَ من خمسة علماءَ في سياق واحد،
стр. 76
فيظهر وكأنه جملة واحدة، وهذا من محاسن الشرح القليلةِ الوجودِ في غيره.
٦ - التعقبُ والاستدراك على العلماء بعبارة حسنة، وعلم متين.
٧ - وقوف الشارح ﵀ على نسخ كثيرة لكتاب المصنف "العمدة"، مما يزيد في قوة الشرح وتقديمه.
* المطلب الثاني: المآخذ على الكتاب:
١ - اختصارُ الشارح -رحمه لله- الكلامَ على بعض الأحاديث، وإغفالُ بعض المهمات المتعلقة به (١).
٢ - اختصارُ الشارح لكلام العلماء أحياناً يوقعه في أوهام عدة (٢).
٣ - إكثارُ الشارح من نُقول الأئمة ومذاهب الفقهاء من غير مَظانِّها (٣).
٤ - إغفالُ الشارح الكلامَ على المباحث الأصولية المتعلقة بالأحاديث إلا في القليل النادر (٤).
٥ - إطالةُ الشارح ﵀ للتراجم، وتكرارُ بعضها في مواطن أخرى (٥).
٦ - الإكثارُ من النُّقول من كتبٍ بعينها؛ كـ"فتح الباري" لابن حجر (٦)،
стр. 77
و"إرشاد الساري" للقسطلاني (١) و"الشرح الكبير" لابن أبي عمر (٢) , و"الإقناع" للحجاوي (٣).
* * *
стр. 78
المبحث السابع
وصف النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق
تم الاعتماد في تحقيق هذا السِّفْر الجليل على نسخة المكتبة الظاهرية بدمشق، والمؤلفة من جزأين، وعلى نسخة (برنستون)، والتي تحتوي على الجزء الثاني من الكتاب، والمنقولةِ عن النسخة الظاهرية .. وفيما يلي وصف كلِّ منهما:
* النسخة الأولى:
وهي من محفوظات المكتبة الظاهرية بدمشق، والمنقولة إلى مكتبة الأسد الوطنية تحت رقم (٨١٨٠)، وتتألف من جزأين.
* أما الجزء الأول منهما:
فيقع في (٣٠٥) ورقة، وفي كل ورقة خمسة وعشرون سطراً، وفي كل سطر اثنتا عشرة كلمة تقريباً. وقد كتبت العناوينُ الرئيسة من الكتب والأبواب والتنبيهات وألفاظ الحديث المشروح باللون الأحمر.
وقد جاء على طرة الكتاب: اسمُ الكتاب ومصنفه، وفهرستُ الكتب والأبواب الموجودة في هذا الجزء، وعليه خَتْم الظاهرية، وعليه كتب: وقف نقيب السادة الأشراف محمد سعيد آل حمزة للمكتبة الظاهرية.
وهذه النسخة قد كتبت في حياة مؤلفها، نسخها حسن بن السيد
стр. 79
هاشم بن السيد عثمان بن سليمان بن حسن الحنبلي الجعفري الحسني، في الثامن والعشرين من شهر رمضان، سنة سبع وستين ومئة وألف للهجرة النبوية، كما أثبت في آخر الجزء الأول.
وقد سقط من الجزء الأول شرحُ الحديث الأول والثاني، كما أن فيه خمسة خروم اُخر بمقدار لوحة واحدة في كل منهما، وقد تمَّ استدراك بعض تلك الخروم من المصادر التي كان ينقل عنها الشارح. وقد أثرت الرطوبةُ في بعض ورقات المخطوط.
* وأما الجزء الثاني من الكتاب:
فيبدأ من الورقة (٣٠٦)، وينتهي بالورقة (٥٦٤)، وقد ابتدأ فيه بكتاب: البيوع، وجاء في آخره: "قال شارحه العابدُ الشيخُ محمدٌ السفاريني: هذا ما قصدتُ جمعَه على "عمدة الأحكام"، وكان الفراغ من جمعه في نابُلُسَ المحميةِ لليلتين بقيتا من شعبان سنة سبع وستين ومئة وألف.
وكان الفراغ من كتابة هذه النسخة المباركة سنة تسع وستين ومئة وألف، وهي بخط السيد حسن بن هاشم بن عثمان بن سليمان بن حسن الحنبلي الجعفري النابلسي أيضاً.
وفي آخر هذه النسخة إجازة بخط الإمام السفاريني ﵀ لمحمد زيتون، وهو ابن ناسخ هذا المخطوط حسن بن هاشم الحنبلي الجعفري النابلسي.
وفي هذا الجزء خرمان بمقدار ورقة واحدة في كل منهما، وقد استدركا من نسخة (برنستون)، وبالله التوفيق.
وهذه النسخة تم الرمز لها بحرف "ظ".
стр. 80
* النسخة الثانية:
وهي النسخة المحفوظة في (برنستون)، وعدد أوراقها (٣٥٨) ورقة، وفي كل ورقة (٢٥) سطراً، وفي كل سطر (١٢) كلمة تقريباً. وتحتوي على الجزء الثاني من الكتاب، وتبدأ من كتاب: البيوع، وتنتهي بكتاب: العتق، الحديث الأخير منه.
وتمتاز هذه النسخة بحسن الخط والوضوح، وهي منقولة عن نسخة الظاهرية المتقدم ذكرها، وفيها سقط في مواضع عدة، وتصحيفٌ وتحريف كبيران.
وقد قام بنسخها محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن محمد النجدي الحنبلي سنة أربعين ومئتين وألف، كما أثبت ذلك في آخر الكتاب.
وقد كان لوجود هذه النسخة الأثرُ الكبير في حلِّ جملة من الإشكالات القائمة في نسخة الظاهرية في جزئها الثاني، وكذا في استدراك الخُروم، كما لا يخفى ما فيها من التصحيف والتحريف الذي أشير إليه.
وهذه النسخة تم الرمز لها بحرف "ب".
وبالجملة: قد كملت النسختان بعضهما، فخرج النص -بتوفيق الله- صحيحاً مستقيماً، وبالله التوفيق.
стр. 81
المبحث الثامن
بيان منهج التحقيق
١ - نسخ الأصل المخطوط بالاعتماد على نسخة الظاهرية، وذلك بحسب رسم وقواعد الإملاء الحديثة.
٢ - معارضة المنسوخ بالمخطوط مراتٍ عدةً؛ للتأكد من صحة النص واستقامته.
٣ - معارضة المنسوخ والمخطوط معاً بالمصادر التي نقل عنها الشارح حسب الجهد والطاقة، والإشارة إلى الأخطاء التي وقعت في المخطوط من خلال هذه المعارضة؛ وذلك بإثبات الصواب في النص، وجعلِه بين معكوفين، والإشارة إلى الخطأ في حواشي هذا الشرح.
٤ - الزيادة في مواضع عدة ما كان النص لا يقوم إلا به، وجعل هذه الزيادة بين معكوفين.
٥ - إثبات الفروق الهامة في الجزء الثاني من الكتاب بين نسختي الظاهرية و (برنستون).
٦ - ضبط أحاديث المتن بالشكل الكامل، وضبط نص الكتاب ما أشكل من ضبطه؛ تيسيراً لمطالعته من كل قارئ وطالب.
стр. 82
٧ - إدخال علامات الترقيم المعتادة على النص، ووضع الكتب والمصنفات بين قوسي تنصيص لتمييزها.
٨ - إثبات أحاديث المتن في رأس صفحة جديدة، بالاستعانة بطبعات متن "العمدة"؛ لكون الشارح لم يثبتْها بنصِّها في شرحه، وإنما قسمها إلى فقرات ومفردات، والموازنةُ بين ما طبع من متن "العمدة"، وما أثبته الشارحُ في شرحه، وتقديمُ ما ذكره من ألفاظ العمدة، فخرج بذلك نص العمدة مقابَلاً على الأصول الكثيرة التي نقل عنها الشارح.
٩ - عزوُ الآيات القرآنية الكريمة إلى مواضعها من الكتاب العزيز، وإدراجها برسم المصحف الشريف، وجعلُ العزوِ بين معكوفين في صلب الكتاب بذكر اسم السورة ورقم الآية.
١٠ - تخريج الأحاديث النبوية، وهو قسمان:
أ - أحاديث المتن:
١ - تخريج الحديث من الكتب الستة، واستقصاءُ طرقِ الحديث وألفاظه عندهم؛ بذكر رقم الحديث، والكتابِ، والباب اللذين ورد فيهما.
٢ - ذكر صاحب اللفظ الذي ساقه المصنف.
٣ - الاستدراك على كلام المصنف في عزوه الحديث إلى "الصحيحين" إن كان ثَمَّتَ استدراك، بكلام الأئمة والحفاظ الذين تكلموا على أحاديث "العمدة".
ب - أحاديث الشرح:
١ - الالتزام بتخريج ما يعزوه الشارح في النص، والإضافة عليه إن كان هناك مقتضٍ لذلك.
стр. 83
٢ - إن كان الحديث في "الصحيحين"، أو في أحدهما، تم العزو إليهما دون غيرهما، وذلك بذكر رقم الحديث، والكتاب والباب، والتنبيه إلى صاحب اللفظ، وذكرِ اسم الصحابي الذي روى الحديث إن لم يذكره الشارح.
٣ - إن كان الحديث في "السنن الأربعة"، أو أحدها، فيتم العزو إليها بذكر رقم الحديث، والكتاب والباب، وصاحبِ اللفظ، وذكر اسم الصحابي إن لم يذكر في الأصل، وقد يضاف إليها -أحياناً- تخريجاتُ كتبِ السنة المشهورة؛ كـ"مسند الإمام أحمد"، و"صحيح ابنِ حبّان"، و"معاجم الطبراني"، وغيرها مما يقتضيه الحال.
٤ - إن لم يكن الحديث في الكتب الستة، تم تخريجه بذكر المصدر، ورقم الحديث، أو الجزء والصفحة، مع ذكر اسم الراوي إن لم يذكر في الأصل.
١١ - ذكر مصادر شرح الحديث، والتي أخذ الشارح من بعضها في أثناء شرحه، وذلك لتقريب وتذليل عمل الباحثين والمطالعين للعمدة، بالرجوع إلى شروح هذه الأحاديث للتوسع والاطلاع والإفادة، ولعلَّ هذا كان سابقةً في تحقيق الأعمال العلمية الحديثية، وبالله التوفيق.
١٢ - تخريج الآثار الواردة عن السلف الصالح؛ بذكر اسمِ المصدر، ورقم الأثر، أو الجزء والصفحة.
١٣ - توثيق تراجم الصحابة بذكر المصادر والمراجع التي اعتنت ببيان أحوالهم وأخبارهم، ونحوِ ذلك، بالاعتماد على الأمهات والمصادر الرئيسة في هذا الباب.
١٤ - توثيق ما يذكره الشارح من مفردات اللغة وغريب الحديث من
стр. 84
الكتب التي صرح باسمها، أو التي لم يصرِّحْ بها، ونقلَها عنها.
١٥ - عزو كل قول إلى قائله، سواء صرَّح الشارح بذكر القائل، أو الكتاب الذي أخذ منه، أو لم يصرح.
١٦ - تخريج الأبيات الشعرية بالإحالة على الديوان إن كان للشاعر ديوان مطبوع، وإلا فبالإحالة إلى كتب العربية وأمهات المصادر التي اعتنت بذلك، دون الاستقصاء.
١٧ - وضع الأوزان الشعرية للأبيات المذكورة في الشرح بين معكوفين في صلب النص.
١٨ - التعريف ببعض الكلمات الغريبة وأسماء الأماكن التي ذكرها الشارح من مصادرها.
١٩ - التعريف بالكتب غير المطبوعة بذكر اسم المؤلف، ووفاته، ومادة كتابه إن وجدت.
٢٠ - ترجمة بعض الأعلام من الفقهاء والمحدثين والمصنفين غير المشهورين.
٢١ - تزيين هذا التحقيق ببعض الفوائد والإيضاحات والاستدراكات التي منَّ الله بها أثناء تحقيق هذا السفر الجليل.
٢٢ - كتابة مقدمة للكتاب، مشتملة على ترجمة وافية للمؤلف، ودراسة للكتاب.
٢٣ - تذييل الكتاب بفهارس علمية متعددة.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، ومنه تُرجى السَّانحات.
стр. 85
صور المخطوطات
стр. 86
صورة لوحة الغلاف من الجزء الأول من نسخة "ظ"
стр. 87
صورة اللوحة الأولى من الجزء الأول من نسخة "ظ"
стр. 88
صورة اللوحة الأخيرة من الجزء الأول من نسخة "ظ"
стр. 89
صورة لوحة الغلاف من الجزء الثاني من نسخة "ظ"
стр. 90
صورة اللوحة الأولى من الجزء الثاني من نسخة "ظ"
стр. 91
صورة اللوحة الأخيرة من الجزء الثاني من نسخة "ظ"
стр. 92
صورة لوحة الغلاف من الجزء الثاني من نسخة "ب"
стр. 93
صورة اللوحة الأولى من الجزء الثاني من نسخة "ب"
стр. 94
صورة اللوحة الأخيرة من الجزء الثاني من نسخة "ب"
стр. 95
كشف اللثام شرح عمدة الأحكام
تأليف
الإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن سالم السفاريني النابلسي الحنبلي
المولود سنة (١١١٤ هـ) - والمتوفى سنة (١١٨٨ هـ) - رحمه الله تعالى -
[المجلد الأول]
اعتنى به تحقيقا وضبطا وتخريجا
نور الدين طالب
стр. 96
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 97
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي شرح صدورَ أهل الحديث لمعرفة أدلة الأحكام، ونَضَّرَ وجوهَهم في القديم والحديث، فصاروا في الملة كمصابيح الظلام، وأراد بهم خيراً إذ فقههم في الدين، وألهمهم رشدَهم وشحذَ منهم الأفهام، وسلك بهم المحجة البيضاء، وبَتَّكَ بهم أهل البدع، فماتوا غماً وغيظاً، وأرغم منهم المعاطسَ وعالت بهم الآلام.
فكم من بدعة لهم زَيَّفوها، وضلاله لهم هَيَّفوها، وزلة كشفوها, ولم يبلغوا في الدين المرام، وكم من سُنةٍ أظهروها، وحكمة حَرَّروها، ومُحْدَثَة بَوَّروها، وشِرْعة طهَّروها، وجلَوا عنها بالبراهين الواضحةِ القَتام، وكم رموا بسهام شُهبهم الثاقبةِ مَرَدَةَ شياطينهم الراقبة فانخنسوا بشبههم اللاغبة في مهاوي هواهم ومخازي الظلام، فهم أئمة الهدى، ومصابيح الدجا، وحصنٌ لمن التَجا، وقدوة الأنام، قد بذلوا نفوسهم النفيسة، لغسل وجه السُّنة من كل بِدعة ودَسيسة، وفتشوا عن كل علة وتدليسة، وزلة محدَثة وخَصلة خسيسة، حتى ضحكت بهم السنة، وأسفرت بالابتسام.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ضِدَّ ولا ندَّ ولا وزيرَ ولا مشير، تعالى الله وتقدس عما يقول الطعام، شهادةً أَدخرها لديه ليوم تُعض فيه البَنان، وتعبس فيه الوجوه، وتزل فيه الأقدام، وأشهد أن محمداً
стр. 98
عبده ورسوله وحبيبه وخليله، صفوة العالم وخلاصةُ بني آدم، وأفضلُ من حج وجاهد وزكى وصلى وصام، بعثه الله على حينِ فترةٍ من الرسل ووحشةٍ من الدين، وقد طبق الكفرُ الأنام.
فاليهود قد لهجوا بالمكر والتخليق، ونسبة الباري لما لا يليق، حتى يناجون الله الحي القيوم في صلواتهم بقولهم: تنبه يا نوم (١)، ومن مثل هذه الخرافات التي تنبو عن سماع مثلها الأفهام، وأعلنوا بنسبة الأنبياء والمرسلين والعظماء والصديقين إلى ما نزه الله مناصبهم العَلِيَّة، وعصمهم من كل زلة وأَذِيَّة، ومعضلة وبَلِيَّة، وطهرهم على الدوام.
والنصارى مع كفرهم الخبيث، دانوا بالشرك والتثليث، وكلا الطائفتين بدلوا وحرفوا، وضلوا وأضلوا، وانحرفوا عن الصراط المستقيم إلى طرق الضلال والظلام.
وبقية الناس كانوا حينئذ من بين عابد كوكب، ومن بين عابدِ جنيٍّ ونارٍ تَلَهَّب، فكل حزب قد اتخذ إلهَه هواه من الأوثان والأصنام.
فجاء هذا النبي الكريم، بالكتاب والحكمة والدين القويم، وهدى الخلق إلى الصراط المستقيم، وبين لكل فريق أن ما هم عليه أضغاثُ أحلام، لا بل ظلماتٌ بعضُها فوق بعض، إذا أخرجَ المرءُ يدَه لم يكدْ يراها لشدة الظلْمة وظلمة الأوهام، فجاهد في الله حق جهاده، ومهد قواعدَ الدين على وَفْق مُراده، ودخل الناس في دين الله أفواجاً بعد السبْي والسلْب والقتل والضرب والإقدام والإحجام، فانقشع ظلام الكفر وذلت أكباشُه، وانصدعَ ركنُ التثليث وولت أوباشُه، وتلألأ نورُ هدي في قلوب ذوي الاهتداء، واستعلن الحق من "فاران" وطبق الأغوارَ والأنجاد، والسهولَ
стр. 99
والآكام، فصلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه، وأنصاره وأضرابه وأصهاره وأحبابه، ما شفى ترياقُ الهدى مريض الهوى، وانمحقَ بمصابيح الاهتداء غياهب الظلام.
أما بعد:
فهذا شرح لطيف على "عمدة الأحكام"، تصنيف الإمام الحافظ المتقن العلامة الهمام محيي السنة أبي عبد الله عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي المقدام، سألنيه بعض أصحابي بعد قراءته لها عليَّ مع جماعة من ذوي الأفهام، فتعللْتُ بأنها قد شرحها جماعةٌ من الأئمة الأعلام؛ كالإمام تقي الدين بن دقيق العيد، والعلامة ابن الملقن، وغيرِهما من كل حافظ قَمْقام، فما عُبوري بين تلك البحور بهذه البلالة التي لا تطفىء صَدى الأُوام، وما ظهوري بين تلك الشموس بهذه الدُّبالة التي لا ظهورَ لها إلا في حَنادِس الفحام، وهل أنا إلا مثلُ جالب جزيرة من البقل في سوق الجواهر والعطر، وكالأبكم العجمي يبدي فصاحة لدى العرب العرباء من ضِئْضِئ النَّضْر.
ثم إني أعلم أن معالم العلم قد انطمست، ومآثر الفهم قد اندرست، وشموس الفضل قد غَرَبَتْ، وكواكب النقل قد أَفَلَتْ، ولم يبق من العلوم إلا اسمُها، ولا من الفهوم إلا رسمُها، وربع العلم المأهولُ أصبح خالياً، وغصنُه اليانع أمسى ذاوياً، وواديه صَوَّحَ قَشيبهُ، وذوى رطيبُه، ويبس يانعُه، ودرس جامعُه، وقد مشت يدُ الضياع على العلم وحَمَلَتِه، وعلى الفضلِ وَنَقَلَتِه، فلا زمان مسعد، ولا سلطان مساعد، ولا ماجدٌ مُنجد، ولا كريمٌ من الإخوان مُعاضِد.
وليت شعري هل شرحي لهذا الكتاب في هذا العصر، إلا مثلُ من فتح حانوته ليبيع سِلَعه بعد العصر؟!
стр. 100
فقال السائل: أما كونُ الكتاب قد شرحه الجَمُّ الغفير من ذوي الألباب، فهذا بمنزلة الجواهر عند الملوك، فما نفع الفقير بذلك والمعدم الصعلوك، كيف ونحن بَبْلَدَحَةٍ قفراء، ومهمَهَةٍ غبراء، قد تقلصت ضروعها، وغار يَنْبوعها، وجفت علماؤها مذ جفت أناملُ كرمائها، ثم إنا ننتحل عليك بيانَ وجه الدلالة من الحديث، على الحكم الذي ذكره الحافظ من غير ترييث، وبيان اختلاف الأئمة في الأحكام، وذكر تراجم ما وقع في الكتاب من الأعلام، وما قصدنا بهذا الانتحال والاختراع، إلا العلمَ بأحوال الرجال والانتفاع.
فقلت لهم في الجواب: أجل من لم يجد ماءً يتيمم بالتراب، هذا مع اعترافي بقلة البضاعة، وعدم حذقي في هذه الصناعة، وقلة المواد، وعزة الخِل المُواد، ولكني أستمد العونَ، وتسهيلَ السبيل من الله ممد الكون، فهو حسبي ونعم الوكيل، وسميته بـ:
"كَشْفُ اللثَام شرح عمْدة الأحكام "
ولأقدمْ أمام المقصود مقدمةً تشتمل على فصلين:
стр. 101
الفَصْلُ الأَوَّلُ
في ترجمة الإمام أحمد
لكون "العمدة" مسوقةً لأدلة مذهبه، ولذكره له فيها، فأقول:
هو الإمام المبجَّل أبو عبد الله أحمدُ بنُ محمدِ بنِ حنبلِ بنِ هلالِ بنِ أسدِ بنِ إدريسَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ حَيَّانَ -بفتح الحاء المهملة وتشديد التحتية وبعد الألف نون- بنِ عبدِ الله بنِ أنسِ بنِ عوفِ بنِ قاسط بنِ مازنِ بنِ شيبانَ بنِ ثعلبةَ بنِ عُكابةَ بنِ صعبِ بنِ عليِّ بنِ بكرِ بنِ وائلِ بنِ قاسطِ بنِ هِنْب -بكسر الهاء وإسكان النون وبعدها موحدة- بنِ أَفْصى -بالفاء والصاد المهملة- بنِ دعمي بنِ جديلةَ بنِ أسدِ بنِ ربيعةَ بنِ نزارِ بنِ مَعَدِّ بنِ عدنانَ، الشيبانيُّ المروزيُّ البغداديُّ.
هكذا ذكره ابن خَلِّكان في تاريخه "وَفَيَات الأعيان"، وقال: هذا هو الصحيح في نسبه، وقيل: إنه من بني مازنِ بنِ ذُهْلِ بنِ شيبانَ بنِ ثعلبةَ بنِ عُكابةَ.
قال ابن خَلكان: وهو غلط (١).
وهذا الذي قال عنه ابنُ خلكان: إنه غلطٌ؛ هو الذي اعتمده الخطيب
стр. 102
الحافظ البغدادي (١)، والحافظ البيهقي، وابنُ عساكر (٢)، وابنُ طاهر (٣)، وقدمه في "المُطْلِعِ" (٤) وغيره، والذي اعتمده ابنُ خلكان قاله عباسٌ الدوري (٥)، وابنُ ماكولا (٦)، ومشى عليه الإمامُ الموفق في "المغني" (٧).
وهما شيبانان، أحدُهما: شيبانُ بنُ ثعلبةَ بنِ عُكابةَ بنِ صعبِ بنِ عليِّ بنِ بكرِ بنِ وائلٍ، والآخرُ: شيبانُ بنُ ذُهْلِ بنِ ثعلبةَ بنِ عُكابةَ، وذهلُ بنُ ثعلبةَ المذكورُ هو عم ذهلِ بنِ شيبان.
وفي هذا النسب منقَبَةٌ عظيمة، ورتبةٌ جليلة جسيمة من جهتين:
إحداهما: اجتماعُ نسبه بنسب سيدِ العالَم ﷺ في نزار؛ فإن نزاراً كان له أربعة بنين، منهم مُضَرُ، ونبينا ﷺ من ولده، ومنهم ربيعة، وإمامُنا ﵁ من ولده.
قال ابنُ قتيبةَ في "المعارف": أما أنمارُ بنُ نزار، فولد خثعمَ، وبجيلةَ، وصاروا باليمن، وأما مضرُ، وربيعةُ، فإليهما ينسَبُ ولدُ نزار، وهما الصريح من ولد إسماعيل، انتهى (٨).
стр. 103
والثانية: أن الإمام أحمدَ من صميم العرب، ومن صريح ولد إسماعيل ﵇، وبالله التوفيق (١).
* وكان أبو إمامنا محمدُ بنُ حنبلٍ واليَ "سَرَخْسَ"، وكان من أبناء الدعوة العباسية، تُوفي وله ثمانون سنة، وكانت وفاته سنة تسع وسبعين ومئة، فكان للإمام أحمد يومئذٍ خمس عشرة سنة؛ فإن أمه حملت به بـ "مرو"، وقدمت "بغداد" وهي حامل به، ولما قدم أبواه "نهروان" في مجيئهما من "مرو"، صادفهما أعرابي على جسر نهروان على ناقةٍ له، فلما رأى أمه وهي حاملٌ به، قال لها: أيتها المرأة! احفظي ما في بطنك، فسيكون له شأن، فلما قدمت بغداد، وضعته، فنشأ بها، وَوِلَيْته أمه، وهي -كما قال ابن بَطَّةَ- شيبانية (٢)، واسمها صفيةُ بنتُ ميمونِ بنِ عبدِ الله الشيبانيِّ من بني عامر، نزل أبوه بهم، فتزوجها، وجدُّها عبدُ الملك بن سوادةَ بنِ هندٍ الشيبانيُّ من وجوه بني شيبان، تنزل به قبائل العرب للضيافة، فحاز سيدُنا الإمامُ أحمدُ ﵁ شرفَ النسَبين، وكمل له بأصليه الشرِيفَينِ تمام الشرَفَين.
* ولد الإمام أحمد ﵁ سنة أربع وستين ومئة في يوم الجمعة في شهر ربيع الأول، وتوفي ﵁ يوم الجمعة سنة إحدى وأربعين ومئتين، وله سبع وسبعون سنة، ودُفن ببغداد، وقبره الآن قد وارته الدجلة ﵁.
* وكان رجلاً ربعةً من الرجال، حسنَ الوجه، حسنَ الهيئة، يَخْضِب بالحِناء خضاباً ليس بالقاني، في لحيته شعراتٌ سود، وثيابه بِيضٌ، يلبَسُ
стр. 104
العِمامة والإزار، والغليظَ الأبيض من الثياب، ولبس في الشتاء قميصين وجبةً ملونةً، وربما لبس قميصاً وفرواً، وربما لبس الفرو فوق الجبة في البرد الشديد، ويلبس العمامة فوق القَلَنْسوة، وربما لبس القلنسوةَ بغير عِمامة، ولبس السراويل والرداء، ولم يُرَ لابساً طيلساناً قط، ولم يُرْخ كُمًّا في مشيه، وكانت سراويله فوق كعبه، وخضب لحيته ورأسه بالحناء وهو ابن ثلاث وستين سنة، وكان لا يخوض في شيء من أمور الناس، ذا وقار وسكينة، مِنْ أحيا الناس وأكرمِهم نفساً، وأحسنهم عشرة وأدباً، كثيرَ الإطراقِ وغضِّ البصر، معرِضاً عن اللغو، لا يُسْمَع منه إلا المذاكرةُ بالحديث، وذكر الصالحين.
قال الإمام أبو داود: كانت مجالس الإمام أحمدَ مجالسَ آخرة، لا يُذكر فيها شيء من أمر الدنيا، قال: وما سمعته ذكر الدنيا قَط (١).
وقال ثعلبٌ في صفته: رأيت رجلاً كأن النار توقد بين عينيه (٢).
وقال عبد الملك الميموني: ما أعلم أني رأيت أحداً أنضرَ ثوباً ولا أشدَّ تعاهداً لنفسه في ثيابه وشعر رأسه وبدنه من الإمام أحمد بن حنبل (٣).
وكان يحب الفقراء، ويعرض عن أهل الدنيا، وكان حسنَ الخلق، دائم البِشْر، لينَ الجانب، ليس بفظٍّ ولا غليظ، يحب في الله، ويُبغض في الله، ويحب لمن أحبهُ ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لها، لا تأخذه في الله لومة لائم، حسن الجوار، يؤذَى فيتحمل، وكان أصبرَ الناس على الوَحْدة،
стр. 105
فكان لا يُرى إلا في مسجدٍ، أو جنازة، أو عيادة مريضٍ، وكان يكره المشي في الأسواق، وكان يقول: أشتهي ما لا يكون؛ أشتهي مكاناً ليس فيه أحد (١).
وقال: ما أبالي ألا يراني أحد ولا أراه، وإن كنت لأشتهي رؤيةَ عبد الوهاب (٢).
وقال: الخلوةُ أَرْوَحُ لقلبي (٣).
وقال: أريد [أن] أنزل بمكة، فألقي نفسي في شِعْب من الشعاب حتى لا أُعرف (٤).
وكان يقال: لم يكن أشبهَ برسول الله ﷺ من أصحابه هدياً وسمتاً من عبد الله بن مسعود ﵁، وكان أشبهَ النَّاس بهدي عبدِ الله وسمته علقمةُ بن قيس، وكان أشبهَ الناس بعلقمةَ إبراهيمُ النخعي، وكان أشبهَ الناس بإبراهيمَ منصورُ بنُ المعتمر، وكان أشبه الناس بمنصورٍ سفيانُ الثوري، وكان أشبهَ الناس بسفيانَ وكيعُ بنُ الجراح.
قال محمدُ بنُ يونسَ: وكان أشبهَ الناس بوكيعٍ الإمامُ أحمدُ بنُ حنبلٍ - رضوان الله عليهم أجمعين - (٥).
* واعلم أنه لا شُبهةَ عند أئمة الدين بأن الإمام أحمد إمامُ السنة، وأنه أجمعُ الأئمة بل الأمة حديثاً، وقد روت عنه أئمة الأمصار، قديماً وحديثاً.
стр. 106
ابتدأ في طلب الحديث سنة تسع وسبعين، فكان يتأسف على عدم اجتماعه بأئمةٍ من المسلمين، منهم الإمامُ مالكُ بنُ أنسٍ إمامُ فى دار الهجرة، وحَمَّادٌ، وابنُ المبارك، وغيرُهم، وكان يقول: فاتني مالكٌ، فأخلف الله عليَّ سفيانَ بنَ عُيينة، وفاتني حَمَّادٌ، فأخلفَ الله عليَّ إسماعيلَ بن عُلَيَّة (١).
* وقد روى عن سفيانَ بنِ عيينةَ، والإمامِ الشافعي، ويزيدَ بنِ هارونَ، ويحيى بنِ سعيدٍ القطان، وإبراهيمَ بنِ سعدٍ، وهُشَيْمٍ، ووَكيعٍ، وإسماعيلَ بنِ عُلَيَّةَ، وعبدِ الرحمن بنِ مَهْدِي، وعبدِ الرزاقِ، وجريرِ بنِ عبدِ الحميدِ، ومُعْتَمِرِ بنِ سليمان، والقاضي أبي يوسفَ، وأبي الوليد الطيالسي، وأبي نُعَيْمٍ الفضلِ، وأبي عاصمٍ النبيل، وأبي بكرِ بنِ عَيَّاش، وخلائقَ لا يُحصون، ذكرهم الحافظ ابنُ الجوزيِّ وغيرُه على حروف المعجم (٢)، وقد سمع منهم الحديث في أقطار الأرض التي سار إليها ودخلها، منها مكةُ والمدينةُ واليمنُ والكوفةُ وبصرةُ والحجازُ والشامُ والثغورُ والسواحلُ والمغربُ والجزائرُ والعراقين (٣) جميعاً، وأرضُ فارسَ، وخراسانُ، والجبالُ والأطرافُ ومصرُ وغيرُها.
* وقد روى عنه من الأئمة ما لا يمكن حصرُه في مثل هذا الكتاب، حتى رؤى عنه من كبار أشياخه، فروى عنه: الإمامُ الشافعي، وعبدُ الرزاق الصنعانيُّ، وعبدُ الرحمن بن مَهْدي، ويزيدُ بن هارون، ويحيى بن آدم،
стр. 107
وأبو الوليد، ومعروفٌ الكَرْخِي، وعلي بنُ المديني، وأبو زُرعةَ، والبخاري، ومسلم، وأبو داودَ، وإبراهيمُ الحربي، وأبو زُرْعَةَ الرازي، وأبو زرعة الدمشقي، وأبو بكر الأثرم، وأبو بكر بن أبي الدنيا، وأبو القاسم البَغَوي، وأبو حاتم الرازي، وأحمد بن أبي الحواري، وموسى بنُ هارون، وحنبلُ بنُ إسحاق، وعثمانُ بنُ سعيدٍ الدارمي، وخلائقُ كثيرون، ذكرهم الحافظ أبو الفَرَج بنُ الجوزي على حروف المعجم (١) ..
وكان الإمام أحمد ﵁ محباً للعلم، مكثراً من الحديث، وكان يقول: ما تزوجت إلا بعدَ الأربعين (٢).
وكان ﵁ مكثراً من الشيوخ، حتى وقع له أنه أخذ عن ثلاثة من الشيوخ ثلاثَ مئةِ ألف حديث، وهذا القدرُ كافٍ في عُلُو مرتبته، وهم: بهزُ بنُ أسدٍ، وعفانُ، وأظنه قال: وَرَوْحُ بنُ عُبادة.
ومن عظيم ما اتصل بنا من حفظه: قولُ أبي زرعة الرازي: إن كتبه كانت اثني عشر حِمْلاً، وكان يحفظها كلَّها عن ظهر قلبه (٣).
وقال عبد اللهِ بنُ الإمام أحمدَ: سمعت أبا زُرعةَ يقول: كان أبوكَ يحفظ ألفَ ألفِ حديث (٤).
стр. 108
وقيل لأبي زرعةَ: من أحفظُ مشايخ المحدثين؟ قال: أحمد (١).
وقال عبدُ الوهاب الوراق: ما رأيت مثلَ أحمدَ بنِ حنبلٍ، قالوا له: وأي شيء بانَ لك من فضلهِ وعلمه على سائر مَنْ رأيتَ؟ قال: رجل سُئل عن ستين ألفَ مسألةٍ، فأجابَ فيها بأن قال فيها: حدثنا، وأخبرنا (٢).
قلت: قد انفرد الإمام أحمد ﵁ بثلاثِ مناقبَ لا أعلم من الأمة أحداً اشترك في واحدة منها:
الأولى: أنه أحاط بالسُّنة، ولا نعلم أحداً من الأئمة وصف غيره بها، وقد وصفه بها أئمةٌ من حفاظ المسلمين؛ كالحافظ ابن حجر العسقلاني، وغيره، وهذه رتبةٌ رفيعة، ودرجة منيعة، ودائرة وسيعة، وبالله التوفيق.
الثانية: ذكر الحافظ جلالُ الدين السيوطي في "ثمار منتهى العقول في منتهى النقول" (٣) ما نصه: انتهى الحفظُ لابن جريرٍ الطبري فريد [عصره] في علم التفسير، فكان يحفظ كتباً حمل ثمانين بعيراً، وحفظ ابن الأنباري في كل جمعة ألف كراس، وحفظ ثلاث مئة ألف بيت من الشعر استشهاداً للنحو، وكان الإمام الشافعي يحفظ من مرة أو نظرة، وابن سينا الحكيمُ حفظَ القرآنَ في ليلة واحدة، وأبو زُرعةَ كان يحفظ ألفَ ألفِ حديث، والبخاري حفظَ عشرها، وقال: والكل من بعض محفوظ الإمام أحمد بن حنبل ﵁، انتهى.
стр. 109
الثالثة: أنه سئل عن ستين ألف قضية، فأجاب عن جميعها بـ: حدثنا، وأخبرنا، وهذا ما لا يدخل تحت وُسْع أحدٍ من المجتهدين، فضلاً عن غيرهم، ولقد سُئل كثير من الأئمة عن أقلَّ من معشار عشرها، فأحجم عن الجواب عن أكثرها (١)، وإلى هذا أشار الإمام الصرصري في لامِيته بقوله: [من الطويل]
حَوَى أَلْفَ أَلْفٍ مِنَ أَحاديثِ أُسْنِدَتْ ... وأَثْبَتَها حِفْظاً بِقَلْبٍ مُحَصِّلِ
أجابَ على سِتِّينَ ألفَ قَضِيَّةٍ ... بِأَخْبَرَنا لا مِنْ صَحائِفِ نُقَّلِ
وكَانَ إِماماً فِي الحَدِيثِ وحُجَّةً ... لِنَقْلِ صَحِيحٍ ثَابِتٍ ومُعَلَّلِ
وكَانَ إِمَاماً في كِتَابٍ وسُنَّةٍ ... وعِلْمٍ وزُهْدٍ كامِلٍ وتَوَكُّلِ (٢)
وأقول: ينبغي أن يلحق بما ذكر رابعةٌ: وهي ما ذكره الحافظ ابن الجوزي وغيرُه من الأئمة: أنه لما تُوفي الإمام أحمدُ بنُ حنبل ﵁، أسلمَ يومَ موتِه عشرون ألفاً من اليهود والنصارى والمجوس (٣)،
стр. 110
وأشار إلى هذه الإمام الصرصري في لاميته بقوله:
وَعِشْرُونَ أَلْفاً أَسْلَمُوا حِينَ عَايَنُوا ... جِنَازَتَهُ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مُضَلَّلِ
وصَلَّى عَلَيْهِ أَلْفُ أَلْفِ مُوَحِّدٍ ... وسِتُّ أَمْيِ أَلْفٍ فَأَعْظِمْ وَأَكْمِلِ
فَقَدْ بانَ بَعْدَ المَوْتِ لِلنَّاسِ فَضْلُهُ ... كَمَا كَانَ حَيًّا فَضْلُهُ ظاهرٌ جَلِي
أَقَرَّ لَهُ بالفَضْلِ أَعْيانُ وَقْتِهِ ... وأَثْنَوا عَلَيْهِ بِالثَّنَاءِ المُبَجَّلِ
وقد أكثر الأئمةُ من الثناء على الإمام أحمد، فقال الإمام الشافعي: خرجت من بغداد وما خَلَّفت فيها أحداً أورعَ ولا أتقى ولا أفقه -وأظنه قالَ: ولا أعلمَ- من أحمدَ بنِ حنبل (١).
وقال: ما خلفت بالعراق أحداً يشبه أحمدَ (٢).
وقال الربيع: قال لنا الشافعي: أحمدُ إمامٌ في ثمانِ خِصالٍ: إمامٌ في الحديث، إمام في الفقه، إمام في اللغة، إمام في القرآن، إمام في الفقر، إمام في الزهد، إمام في الورع، إمام في السنة (٣).