← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

فإن قلت: لِمَ لَمْ تقولوا بقطع الصلاة بمرور المرأة، والحمار؛ كما قلتم بالكلب الأسود؟! فالجواب: لما يأتي من حديثي ابن عباس، وعائشة- ﵃، ولما روى الإمام أحمد، وابن ماجه: أن النبي ﷺ كان يصلي في حجرة أم سلمة، فمرت ابنة أم سلمة بين يديه، فقال بيده هكذا، فمضت، فلما صلى رسول اللَّه ﷺ ، قال: "هن أغلب" (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الصواب: أن المرأة، والحمار؛ كالكلب الأسود البهيم في قطع الصلاة بمرورها بين المصلي وبين سترته، أو قريبًا منها؛ لثبوت ذلك في الصحيح، ولا شيء يعارضه - (٢)، كما سننبه عليه في حديث ابن عباس قريبًا-، والله أعلم. * * *

стр. 1157

الحديث الثالث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: أَقْبَلْتُ رَاكبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاحْتِلَامَ، وَرَسولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بالنَّاس بمنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ، فَنَزَلْتُ، فَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، وَدَخَلْتُ في الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ (١).

стр. 1158

(عن عبد اللَّه بن عباس ﵄، قال: أقبلت راكبًا على حمار أتان) -بالتاء المثناة-: الحمارة، ولا تقل أتانة، وثلاث آتن؛ مثل عَناق، و [أ] عْنُق (١). (وأنا يومئذ [قد] ناهزت)؛ أي: قاربت (الاحتلام)؛ وذلك أن عمره كان لما توفي النبي ﷺ خمس عشرة سنة؛ كما رجحه الإمام أحمد، وقيل: ثلاث عشرة سنة، وقيل: عشرة (٢). (ورسول اللَّه ﷺ يصلي بالناس بمنى)، وذلك في حجة الوداع. وشذ ابن عيينة فقال: بعرفة (٣)، وشك معمر، فقال: في حجة الوداع، أو الفتح (٤). والحق: أنه بمنى في حجة الوداع (٥). (إلى غير جدار) متعلق بـ: "يصلي"، ولا ينفي غير الجدار، إلا أن إخبار ابن عباس عن مروره بهم، وعدم إنكار هـ[ـم] لذلك مشعر بحدوث أمر لم يعهدوه، فلو فرض هناك سترة أخرى غير الجدار، لم يكن لهذا الإخبار فائدة؛ إذ مروره حينئذ لا ينكره أحد أصلًا (٦).

стр. 1159

قال ابن عباس: (فمررت بين يدي بعض الصف)، وفي لفظ: حتى سرت بين يدي الصف الأول (١)، (فنزلت) عن الأتان، (فأرسلت الأتان ترتع)؛ أي: ترعى، يقال: رتع؛ كمنع: رتعًا، ورتوعًا، ورِتاعًا -بالكسر-: أكل وشرب ما شاء في خصب وسَعَة، أو هو الأكل والشرب رغدًا في الريف (٢). (ودخلت في الصف) أصلي معه، (فلم ينكر ذلك)؛ أي: مروري بالأتان بين يدي بعض الصف (عليَّ أحد)؛ لا رسول اللَّه ﷺ ، ولا أصحابه. قال ابن دقيق العيد: استدل ابن عباس بترك الإنكار، ولم يستدل بترك إعادتهم للصلاة؛ لأن ترك الإنكار أكثر فائدة (٣). وتوجيهه: أن ترك الإعادة يدل على صحتها فقط، لا على جواز المرور، وترك الإنكار يدل على جواز المرور وصحة الصلاة معًا. ويستفاد منه: أن ترك الإنكار حجة على الجواز، بشرط انتفاء الموانع من الإنكار، وثبوت العلم بالاطلاع على الفعل. واستدل بهذا الحديث على: أن مرور الحمار لا يقطع الصلاة؛ فيكون ناسخًا لحديث أبي ذر -الذي ذكرناه قريبًا- في كون مرور الحمار يقطع الصلاة، وكذا المرأة، والكلب الأسود؛ فإن مرور الحمار محقق في حال مرور ابن عباس وهو راكبه.

стр. 1160

ورد ذلك؛ لكونه إنما مر بين يدي بعض الصف، وسترة الإمام سترة لمن خلفه (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية، في "الفتاوى المصرية": الصواب: أنه إذا مر الكلب الأسود، والمرأة، والحمار بين يدي المصلي دون سترة، أو قريبًا منه: أنه يقطع صلاته؛ فإنه قد ثبت ذلك عن النبي ﷺ في "الصحيح"، ولم يعارضه شيء. فإن ما سوى هذا الحديث -يعني: حديث أبي ذر- إنما فيه: أنه ﷺ صلى إلى امرأة لم تمر أمامه، وأن الحمار مر بين يدي بعض الصف، وحكم اللبث خلاف المرور؛ باتفاق العلماء، وسترة الإمام سترة لمن خلفه، انتهى (٢). * * *

стр. 1161

الحديث الرابع عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَرِجْلَايَ في قِبْلَتِهِ، فَإذَا سَجَدَ، غَمَزَني، فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، وإذَا قَامَ، بَسَطْتُهُمَا، وَالبيوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ (١). * * *

стр. 1162

(عن) أم المؤمنين (عائشة) الصديقة بنت الصديق (﵂، وعن أبيها-، (قالت): (كنت أنام بين يدي رسول اللَّه ﷺ , ورجلاي في قبلته)، وفي لفظ قالت: "كان رسول اللَّه ﷺ يصلي صلاته من الليل, وأنا معترضة بينه وبين القبلة" (١). (فإذا سجد) رسول اللَّه ﷺ ، (غمزني)، قال في "القاموس": غمزه بيده، يغمزه: شِبْهُ نَخَسَه (٢). وفي "النهاية": الغمز: العصرُ، والكبس باليد، ومنه حديث عمر: أنه دخل عليه، وعنده غُلَيّم أسود، يغمز ظهره (٣). وبعضهم فسر الغمز في بعض الأحاديث بالإشارة؛ كالرمز بالعين، أو الحاجب، أو اليد (٤). قال في "القاموس": وغمزه بالعين، والجفن، والحاجب: أشار (٥). (فقبضت رجلي) من قبلته، (وإذا قام، بسطتهما)؛ كما كانا أولًا، قبل قبضي لهما، قالت: (والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح) مشعولة. وفي لفظ: أن عائشة ﵂ ذكر عندها ما يقطع الصلاة:

стр. 1163

الكلب، والحمار، والمرأة، فقالت عائشة: قد شبهتمونا بالحمير والكلاب! ولقد رأيت رسول اللَّه ﷺ يصلي وأنا على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة (١). فاستدلوا: بأن هذا ناسخ لحديث أبي ذر، قال في "الفتح": مع أن حديث عائشة واقعة حال يتطرق إليها الاحتمال، بخلاف حديث أبي ذر، فإنه مسوق بسياق تشريع العام. وقد أشار ابن بطال إلى أن ذلك -أي: كونه كان يصلي، وعائشة بينه وبين القبلة- كان من خصائصه ﷺ ؛ لأنه كان يقدر أن يملك إربه على ما لا يقدر عليه غيره (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنما يعارض حديث أبي ذر وما وافقه أحاديث صحيحة غير صريحة، وصريحة غير صحيحة، فلا يترك العمل بحديث أبي ذر الصريح، بالمحتمل -يعني: حديث عائشة، وما وافقه- (٣). والفرق بين المار وبين الدائم في القبلة: أن المرور حرام، بخلاف الاستقرار؛ نائمًا كان، أم غيره، فهكذا يقطع مرورها دون لبثها (٤).

стр. 1164

والحاصل: أن معتمد المذهب: اختصاص القطع بالكلب الأسود، دون المرأة، والحمار. وعند الشيخ: كل من الثلاثة يقطع الصلاة، والله تعالى أعلم (١). * * *

стр. 1165

باب جامع لأحكام متفرقة وذكر فيه تسعة أحاديث: * * *

стр. 1166

الحديث الأول عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ الأَنْصَارِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ، فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ" (١).

стр. 1167

(عن أبي قتادة) الحارث (بن ربعي الأنصاري) السَّلَمي -بفتح السين المهملة-، نسبة إلى أحد أجداده (﵁)، وكان يدعى بفارس رسول اللَّه ﷺ ، وتقدمت ترجمته في باب الاستطابة. (قال: قال رسول اللَّه ﷺ : إذا دخل أحدكم) -معشر الصحابة، ومن بعدهم من أمة الإجابة- (المسجد) "أل" فيه: للعهد، أو الجنس؛ أي: أي مسجد كان. (فلا يجلس) صرح جماعة بأنه: إذا خالف وجلس، لا يشرع له التدارك. وفيه: رواه ابن حبان، من حديث أبي ذر ﵁: أنه دخل المسجد، فقال له النبي ﷺ : "أركعت ركعتين؟ "، قال: لا، قال: "قم، فاركعهما" (١)، وترجم عليه ابن حبان: أن تحية المسجد، لا تفوت بالجلوس (٢). وفي "الفروع" للعلامة ابن مفلح، في داخل المسجد والإمام يخطب: وإن جلس-يعني: الداخل-: قام فأتى بها -أي: تحية المسجد-، أطلقه أصحابنا، ويتوجه احتمال: تسقط من عالم، ومن جاهل لم يعلم عن قرب.

стр. 1168

وأطلق الشافعية سقوطها به -أي: الجلوس-، وحمله بعضهم على العالم. وعند الحنفية: لا تسقط بالجلوس، وأن الجالس يُخيَّر بين صلاته أولًا، وعند انصرافه، انتهى (١). وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح": قال المحب الطبري: يحتمل أن يقال: وقتها قبل الجلوس وقتُ فضيلة، وبعده وقتُ جواز، ويقال: وقتها قبله أداء، وبعده قضاء. ويحتمل أن تحمل مشروعيتهما بعد الجلوس على ما إذا لم يطل الفصل. قال في "الفتح": وحديث أبي قتادة -هذا- ورد على سبب؛ وهو: أن أبا قتادة دخل المسجد، فوجد النبي ﷺ جالسًا بين أصحابه، فجلس معهم، فقال له ﷺ : "ما منعك أن تركع ركعتين؟ "، قال: رأيتك جالسًا، والناس جلوس، قال: "إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يركع ركعتين" أخرجه مسلم (٢). وعند ابن أبي شيبة، من وجه آخر، عن أبي قتادة: "أعطوا المساجد حقها"، قيل له: وما حقها؟ قال: "ركعتين قبل أن تجلس" (٣). (حتى)؛ أي: إلى أن (يصلي ركعتين)، فلا تحصل تحية المسجد بأقل

стр. 1169

من ركعتين، ولا بصلاة جنازة، وتجزىء راتبة، وفريضة -ولو فائتتين- عن تحية المسجد، وإن نوى التحية والفرض، فظاهر كلامهم حصولهما؛ كما في "الإقناع" (١)، وغيره. قال في "الإقناع": وإن جلس قبل فعلها -يعني: تحية المسجد-، قام، فأتى بها إن لم يَطُلِ الفصلُ (٢). قال في "الفروع": ومن دخل المسجد في الخطبة -يعني: خطبة الجمعة-، لم يمنع من التحية، خلافًا لأبي حنيفة، ومالك، ولا يزيد عليهما حينئذ، وفاقًا، ويوجز فيهما؛ أطلقه الإمام أحمد، والأكثر. وقال صاحب "المغني" (٣)، و"التلخيص"، و"المحرر" (٤): إن لم تفته معه تكبيرة الإحرام. ولا تستحب التحية للإمام -يعني: إذا دخل المسجد ليخطب-؛ لأنه لم ينقل؛ ذكره أبو المعالي، وغيره (٥). تنبيه: لا تستحب تحية المسجد؛ وفاقًا. وقال داود وأصحابه: تجب؛ لظاهر الأحاديث الواردة بالأمر بها، كما في "الفروع" (٦).

стр. 1170

قال في "الفتح": اتفق أئمة الفتوى على أن الأمر في ذلك للندب، ونقل ابن بطال، عن أهل الظاهر: الوجوب، والذي صرح به ابن حزم عدمُه (١). ومن أدلة عدم الوجوب: قوله ﷺ للذي رآه يتخطى: "اجلس فقد آذيت" (٢)، ولم يأمره بصلاة؛ قاله الطحاوي (٣)، وغيره. قال الطحاوي -أيضًا-: والأوقات التي نهي عن الصلاة فيها، ليس هذا الأمر بداخل فيها (٤). قال في "الفتح": هما عمومان تعارضا؛ الأمر بالصلاة لكل داخل من غير تفصيل، والنهي عن الصلاة في أوقات مخصوصة، فلا بد من تخصيص أحد العمومين؛ فذهب جمع إلى تخصيص النهي وتعميم الأمر، وهو الأصح عند الشافعية. قلت: وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد (٥)، واعتمدها شيخ الإسلام ابن تيمية (٦)، وجمع، وذهب جمع إلى عكسه؛ وهو قول الحنفية، والمالكية (٧). ومعتمد مذهب الحنابلة.

стр. 1171

نعم، تفعل تحية المسجد إذا دخل والإمام يخطب يوم الجمعة، ولو كان وقت قيام الشمس، قبل الزوال، بلا كراهة، على معتمد المذهب (١)، والله أعلم. * * *

стр. 1172

الحديث الثاني عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁، قَالَ: كُنَّا نَتَكَلَّمُ في الصَّلَاة، يُكَلِّمُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ وَهُوَ إِلَى جَنْبِهِ فِي الصَّلَاةِ، حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فَأمِرْنَا بالسُّكُوتِ، ونُهِينَا عَنِ الكَلَامِ (١).

стр. 1173

(عن) أبي عمرو، وقيل: أبي عامر (زيد بن أرقم) بن زيد بن قيس بن النعمان بن مالك، الأنصاري الخزرجي (﵁)، يعد في الكوفيين؛ لأنه نزل الكوفة، وابتنى بها دارًا، ومات بها أيام المختار، سنة ست وستين، وقيل: ثمان وستين. استصغره النبي ﷺ يوم أحد، وكان يتيمًا في حجر عبد اللَّه بن رواحة، ويقال: أول مشاهده المريسيع؛ وهو الذي رفع إلى رسول اللَّه ﷺ قول عبد اللَّه بن أبي ابن أبي سلول: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]، وقال له النبي ﷺ : "وفَّت أذنك" (١). شهد مع علي ﵁ صفين؛ وهو معدود من أصحابه. روى عنه: أنس، وابن عباس ﵃، ومن التابعين: ابن أبي ليلى، وأبو عمرو الشيباني، وأبو إسحاق السبيعي، وغيرهم. روي له عن رسول اللَّه ﷺ سبعون حديثًا؛ اتفقا على أربعة، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بستة (٢).

стр. 1174

(قال) -أي: زيد بن أرقم ﵁: (كنا نتكلم في الصلاة)، وفي رواية: "إن كنا لنتكلم" (١) -بتخفيف النون، بعد الهمزة المكسورة ولام التأكيد- في الصلاة على عهد النبي ﷺ ، (يكلم الرجل صاحبه)، وفي لفظ البخاري: يكلم أحدنا صاحبه بحاجته (٢)، (وهو إلى جنبه في الصلاة)، وفي لفظ: "يسلم بعضنا على بعض" (٣). (حتى)؛ أي: إلى أن (نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]). وفي البخاري: حتى نزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٤) [البقرة: ٢٣٨]. (فأمرنا) -بضم الهمزة- (بالسكوت)؛ أي: عما كنا نفعله، يعني: أمرنا رسول اللَّه ﷺ بذلك، (ونهينا) -ببنائه لما لم يسم فاعله- للعلم به؛ وهو رسول اللَّه ﷺ (عن الكلام) (٥) في الصلاة؛ يعني: من غير جنسها، فأل -

стр. 1175

في الكلام-: للعهد الراجع إلى قوله: يكلم الرجل منا صاحبه بحاجته. وفي حديث معاوية بن الحكم ﵁، في "صحيح مسلم"، وغيره: "إن هذه الصلاة" (١)، وفي لفظ: "إن صلاتنا هذه (٢) لا يصلح فيها شيء من كلام الناس"، وفي لفظ: "لا يحل" (٣) مكان "لا يصلح" (٤)، "إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن"، أو كما قال ﷺ . وفي حديث ابن مسعود ﵁ في "الصحيحين": كنا نسلم على النبي ﷺ ؛ وهو في الصلاة، فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي، سلمنا عليه، فلم يرد علينا، وقال: "إن في الصلاة شغلًا" (٥). زاد في رواية أبي وائل: "إن اللَّه تعالى، يُحْدِث من أمره ما يشاء،

стр. 1176

وإن اللَّه تعالى قد أحدث: أن لا تكلموا في الصلاة" (١). زاد في رواية كلثوم الخزاعي: "إلا بذكر اللَّه". واحتج بهذا الحديث على أن الأمر بشيء ليس نهيًا عن ضده، وإلا لما أحتاج إلى قوله: "ونهينا عن [الكلام] " (٢). وأجيب: بأن دلالته على ذلك دلالة التزام؛ فذكر لكونه أصرح (٣). ولا يخفى: أن مقتضى ما ذكرنا من الأحاديث: أن نسخ الكلام في الصلاة إنما كان بالمدينة؛ لأن الآية مدنية باتفاق، فتعين أن المراد بقول ابن مسعود: فلما رجعنا من عند النجاشي؛ يعني: من الهجرة الثانية، وأيضًا: لم يكونوا يجمعون بمكة إلا نادرًا (٤). تنبيه: الذي استقر عليه المذهب: بطلانُ الصلاة بالكلام لغير مصلحة الصلاة؛ كقوله: يا غلام! اسقني، ونحوه، وإن تكلم يسيرًا لمصلحتها: لم يبطل؛ على ما قدمه في "الإقناع" (٥). ومعتمد المذهب: بلى؛ كما جزم به المنقِّح (٦)، و"المنتهى" (٧)، وغيرهما؛ ككلامه في صلبها، ولو مكرهًا، إلا إن تكلم مغلوبًا على

стр. 1177

الكلام، مثل إن سلم سهوًا، أو نام فتكلم، أو سبق على لسانه حالَ قراءته كلمةٌ لا من القرآن، أو غلبه سعال، أو عطاس، أو تثاؤب؛ فبان حرفان. وإن قهقه، بطلت، ولو لم يَبنِ حرفان؛ لا إن تبسم، وإن نفخ، أو انتحب لا من خشية اللَّه تعالى، أو تنحنح من غير حاجة، فبان حرفان، فككلام، ويكره استدعاء البكاء كالضحك (١). وفي "الفروع": وإن وجب -أي: الكلام- لخائف تلف شيء، وتعين الكلام، بطلت، وقيل: لا؛ وفاقًا للشافعي؛ كإجابته ﷺ (٢). ومعتمد المذهب: تجب إجابته ﷺ ، وتفسد الصلاة بها. وعند مالك: لا تبطل بالكلام مكرهًا، أو ناسيًا. وعند الشافعي: لا تبطل به ناسيًا، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1178

الحديث الثالث عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵃، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِذَا اشْتد الحَرُّ، فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ؛ فَإن شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّم" (١).

стр. 1179

(عن) أبي عبد الرحمن (عبد اللَّه بن عمر) بن الخطاب، (و) عن، (أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر (﵃، عن النبي ﷺ : أنه قال: إذا اشتد)، أصله: اشتدد -بوزن افتعل- من الشدة، ثم أدغمت إحدى الدالين في الأخرى (١). (الحر) ضد: البرد؛ كالحرور -بالضم-، والحرارة؛ كذا في "القاموس" (٢). وفي "المطالع": الحَرور -بفتح الحاء:- هو الحر الشديد استعاره بالنهار والليل، وأما السموم، فلا تكون إلا نهارًا مع الشمس؛ قاله أبو عبيدة. وقال الكسائي والأصمعي: الحر [ور]: هي السموم، انتهى (٣). (فأبردوا) -بقطع الهمزة، وكسر الراء-، أي: أخروا إلى أن يبرد الوقت، يقال: أبرد: إذا دخل في البرد، كأظهر: إذا دخل في الظهيرة؛ ومثله في المكان: أنجد: إذا دخل نجدًا، وأتهم: إذا دخل تهامة (٤). والأمر بالإبراد للندب، وقيل: للإرشاد، وقيل: للوجوب؛ حكاه عياض (٥)، وغيره، وغفل [الكرماني] فنقل الإجماع على عدم الوجوب.

стр. 1180

نعم، قال جمهور أهل العلم: يستحب تأخير الظهر في شدة الحر إلى أن يبرد الوقت، وينكسر الوهج. وخصه بعضهم بالجماعة، فأما المنفرد: فالتعجيل في حقه أفضل، وهذا قول أكثر المالكية والشافعية، لكن خصه الشافعي بالبلد الحارة (١). ومعتمد مذهبنا: يسن الإبراد؛ بأن تؤخر صلاة الظهر في شدة الحر حتى ينكسر، ولو صلى وحده. قال في "الفروع": في صلاة الظهر: يستحب تعجيلها بأن يتأهب لها بدخول الوقت. وذكر الأزجي قولًا: [لا] يتطهر قبله إلا مع حر؛ وفاقًا لأبي حنيفة، ومالك. وقيل: لقاصد جماعة، قال جماعة: ليمشي في الفيء، وقيل: في بلد حار؛ وفاقًا للشافعي. وفي "الواضح": لا بمسجد سودق، انتهى (٢). وفي "الفتح"، عن مذهب الشافعية: لو كان الجماعة مجتمعين، أو كانوا يمشون في كِنّ؛ فالأفضل في حقهم التعجيل. والمشهور عن الإمام أحمد: التسوية من غير تخصيص ولا قيد، وهو قول إسحاق، والكوفيين، وابن المنذر. فإن قلت: كيف هذا، مع حديث خباب عند مسلم: شكونا إلى رسول اللَّه ﷺ حر الرمضاء في جباهنا، وأكفنا، فلم يُشْكِنا (٣)؛ أي: لم يزل

стр. 1181

شكوانا، مع الأحاديث الدالة على فضيلة أول الوقت، وبأن الصلاة حينئذ أكثر مشقة؛ فتكون أفضل؟ فالجواب عن حديث خباب: بأنه محمول على أنهم طلبوا تأخيرًا زائدًا عن وقت الإبراد؛ وهو زوال حر الرمضاء، وذلك قد يستلزم خروج الوقت؛ فلذلك لم يجبهم، أو هو منسوخ بأحاديث الإبراد؛ فإنها متأخرة عنه. واستدل الطحاوي: بحديث المغيرة بن شعبة، قال: كنا نصلي مع رسول اللَّه ﷺ الظهر بالهاجرة، ثم قال لنا: "أبردوا بالصلاة"، الحديث؛ وهو حديث رجاله ثقات، رواه الإمام أحمد، وابن ماجه، وصححه ابن حبان (١). ونقل الخلال، عن الإمام أحمد: أنه قال: هذا آخر الأمرين من رسول اللَّه ﷺ (٢). وجمع بعضهم بين الحديثين: بأن الإبراد رخصة، والتعجيل أفضل؛ وهذا على رأي من قال: بأنه أمر إرشاد، وعكسه من جعل الأمر للندب. وأما الجواب عن أحاديث فضيلة أول الوقت، فإنها عامة، أو مطلقة، والأمر بالإبراد خاص؛ فهو مقدم. وأما زعم من زعم: أن التعجيل أكثر مشقة، فيكون أفضل؛ فلا التفات له؛ لأن الأفضلية لم تنحصر في الأشق، بل قد يكون الأخف أفضل؛ كما في قصر الصلاة في السفر.

стр. 1182

وأما قول من قال: معنى "أبردوا": صلوا في أول الوقت؛ أخذًا من برد النهار، وهو أوله؛ فهو تأويل بعيد، ويرده قوله: "فإن شدة الحر من فيح جهنم"؛ فإن التعليل المذكور يدل على أن التأخير هو المطلوب، واللَّه أعلم (١). (عن الصلاة)، "أل" في الصلاة: للعهد؛ أي: صلاة الظهر، وفي لفظ: "بالصلاة" (٢)، وأما لفظة "عن"؛ فهي رواية الكشميهني، قيل: إنها زائدة، ومعنى أبردوا: أخروا؛ على سبيل التضمين، أو أنها بمعنى الباء، أو على أصلها؛ وهي للمجاوزة؛ أي: تجاوزوا وقتها المعتاد إلى أن تنكسر شدة الحر (٣)، وجاء في حديث أبي سعيد الخدري التصريح بصلاة الظهر (٤). (فإن شدة الحر) تعليل لمشروعية التأخير المذكور، وهل الحكمة فيه دفع المشقة؛ لكونها قد تسلب الخشوع؟ وهذا أظهر، أو كونها الحالة التي ينشر فيها العذاب؟ ويؤيده حديث عمرو بن عنبسة (٥)، عند مسلم، حيث قال له: "أقصر عن الصلاة عند استواء الشمس؛ فإنها ساعة تسجر فيها جهنم" (٦). واستشكل: بأن الصلاة مظنة وجود الرحمة، ففعلها مظنة لطرد العذاب، فكيف أمر ﷺ بتركها؟! وأجيب: بأن التعليل إذا جاء من جهة

стр. 1183

الشرع، وجب قبوله، وإن لم يفهم معناه. واستنبط له الزين بن المنير معنًى مناسبًا، فقال: وقت ظهور أثر الغضب، لا ينجع فيه الطلب، إلا ممن أذن له فيه، والصلاة لا تنفك عن كونها طلبًا، ودعاء، فناسب الإقصار عنها حينئذ، واستدل بحديث الشفاعة؛ حيث اعتذر الأنبياء كلهم للأمم: بأن اللَّه غضب غضبًا، لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، سوى نبينا ﷺ ؛ فلم يعتذر، بل طلب؛ لكونه أذن له في ذلك (١). ويمكن أن يقال: سجر جهنم فيحها، وفيحها سبب وجود شدة الحر؛ وهو سبب المشقة التي هي مظنة سلب الخشوع؛ فناسب ألا يصلَّى فيها. لكن يرد عليه: أن سجرها موجود في جميع السنة، والإبراد يختص بشدة الحر. ويمكن أن يقال: الحكمتان في ذلك متغايرتان؛ فحكمة الإبراد المشقة، وحكمة الترك وقت سجرها؛ لكونه وقت ظهور أثر الغضب (٢). (من فيح)؛ أي: من سعة انتشارها (جهنم)، وتنفسها؛ ومنه: مكان أفيح، أي: متسع (٣)؛ وهذا كناية عن شدة استعارها. وظاهره: أن مثار وهج الحر في الأرض من فيح جهنم حقيقة، وقيل:

стр. 1184

هو من مجاز التشبيه؛ أي: كأنه نار جهنم في الحر. والأول أولى (١)، ويؤيده الحديث الذي فيه: "أن النار اشتكت إلى ربها، فأذن لها بنفسين: نفس في الصيف، ونفس في الشتاء" فشدة الحر من فيح جهنم، وشدة البرد من زمهريرها، وهو حديث صحيح في البخاري، ومسلم، وغيرهما (٢). * * *

стр. 1185

الحديث الرابع عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، عن النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ نَسِيَ صَلَاةً، فَلْيصلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، لَا كَفارَةَ لَها إِلَّا ذَلِكَ: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] " (١). ولمسلمٍ: "مَن نَسيَ صَلاةً، أَوْ نَامَ عَنْها، فَكَفَّارَتهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا" (٢).

стр. 1186

(عن) أبي حمزة (أنس بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ ): أنه (قال: من نسي صلاة) من الصلوات الخمس، (فليصلها)، وفي لفظ البخاري: "فليصل" بحذف المفعول، قال في "الفتح": في جميع الروايات، قال: ورواه مسلم: "فليصلها"؛ وهو أبين للمراد (١) (إذا ذكرها) في أي وقت كان، ولا يؤخرها إلى الغد (لا كفارة لها)؛ أي: الصلاة المنسية (إلا ذلك)؛ أي: أن يصليها عند ذكره لها، ولا يعيد إلا تلك الصلاة؛ لأن الواجب خمس صلوات، لا أكثر، فمن قضى الفائتة، كمل عدد المأمور به؛ وهذا مقتضى ظاهر الخطاب من قول الشارع ﷺ : "فليصلها"، ولم يذكر زيادة، وقال -أيضًا-: "لا كفارة لها إلا ذلك"، فاستفيد من هذا الحصر؛ أن لا تجب غير إعادتها. وذهب الإمام مالك: إلى أن من ذكر -بعد أن صلى صلاة- أنه لم يصل التي قبلها؛ فإنه يصلي التي ذكر، ثم يصلي التي كان صلاها؛ مراعاة للترتيب. وأما حديث أبي قتادة، عند مسلم، في قصة النوم عن الصلاة؛ حيث قال: "فإذا كان الغد، فليصلها عند وقتها" (٢) من كون ظاهره يقتضي: إعادة المقضية مرتين: عند ذكرها، وعند حضور مثلها من الوقت الآتي؛ فمتروك الظاهر.

стр. 1187

بل صرحوا: بأنه غلط، مع أن اللفظ المذكور ليس صريحًا في ذلك؛ لاحتمال أن يريد بقوله: "فليصلها عند وقتها"؛ أي: الصلاة التي تحضر، لا أنه يريد أن يعيد التي صلاها بعد خروج وقتها. لكن في رواية أبي داود، من حديث عمران بن حصين، في هذه القصة: "من أدرك منكم صلاة الغداة من غد [صالحًا]، فليقض معها مثلها" (١). ولفظ أبي داود في حديث أبي قتادة: "فليصلها حين يذكرها، ومن الغد للوقت" (٢). قال الخطابي: لا أعلم أحدًا قال بظاهره وجوبًا، قال: ويشبه أن يكون الأمر فيه للاستحباب؛ لتحرز فضيلة الوقت في القضاء، انتهى (٣). قال في "الفتح": لم يقل أحد من السلف باستحباب ذلك -أيضًا-، بل عدوا الحديث غلطًا من راويه؛ وحكى ذلك: الترمذي وغيره، عن البخاري (٤). ويؤيد ذلك: ما رواه النسائي، من حديث عمران بن حصين: أنهم قالوا: يا رسول اللَّه! ألا نقضيها لوقتها من الغد؟ فقال ﷺ : "لا، ينهاكم اللَّه عن الربا، ثم يأخذه منكم!! " (٥).

стр. 1188

قال قتادة -الراوي عن أنس-: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤])، وفي لفظ من حديث أنس، عند مسلم، بعد قوله: "فليصلها إذا ذكرها؛ فإن اللَّه تعالى يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ " (١) , وفي بعض الروايات، عن أبي ذر، في كتاب البخاري: "للذكرى"؛ بلامين، وفتح الراء، بعدها ألف مقصورة (٢) -، ووقع عند مسلم، من طريق يونس: أن الزهري كان يقرؤها كذلك (٣). وقد اختلف في ذكر هذه الآية؛ هل هي من كلام قتادة، أو هي من قول النبي ﷺ ؟ الأصح: الثاني (٤)،-كما سيأتي قريبًا-. (ولمسلم)، دون البخاري: (من نسي صلاة، أو نام غيرها؛ فكفارتها أن يصليها، إذا ذكرها)، وفي رواية له، من طريق المثنى، عن قتادة، عن أنس ﵁، قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا رقد أحدكم عن الصلاة، أو غفل عنها؛ فليصلها إذا ذكرها، فإن اللَّه تعالى يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ " (٥). وظاهر هذا: أن الجميع من مرفوع كلام النبي ﷺ . واستدل به على: أن شرع من قبلنا شرع لنا، إذا قص علينا، ولم ينسخ، وهو معتمد مذهبنا؛ لأن المخاطب بهذه الآية: موسى ﵇.

стр. 1189

قال في "الفتح": وهو الصحيح في الأصول، ما لم يرد ناسخ (١). قلت: وكأنه أراد بالصحيح: عنده، وأما عند الشافعية: فليس شرعُ من قبلنا شرعًا لنا. واختلف في المراد بقوله تعالى: ﴿لِذِكْرِي﴾ , فقيل: المعنى: لتذكرني فيها، وقيل: لأذكرك بالمدح، وقيل: إذا ذكرتها؛ أي: لتذكري لك إياها؛ وهذا يعضد قراءة من قرأ: "للذكرى". وقال النخعي: اللام للظرف، أي: إذا ذكرتني (٢)، أي: إذا ذكرت الصلاة، فقد ذكرتني؛ فإن الصلاة عبادة لله تعالى، فمتى ذكرها العبد، ذكر المعبود؛ فكأنه أراد: لذكري الصلاة. قال التوربشتي (٣): الأولى أن يقصد إلى وجه يوافق الآية والحديث، وكأن المعنى: أقم الصلاة لذكرها؛ لأنه إذا ذكرها، ذكر اللَّه تعالى، [أ] ويقدر المضاف؛ أي: لذكر صلاتي [أ] وذكر الضمير فيه موضع الصلاة؛ لشرفها (٤). تنبيهات: الأول: تمسك بدليل الخطاب من قوله ﷺ : "من نسي صلاة ... إلخ" من قال: إن العامد لا يقضي الصلاة؛ لأن انتفاء الشرط، يستلزم انتفاء

стр. 1190

المشروط؛ فيلزم منه: أن من لم ينس، لا يصلي. ومن قال: يقضي العامد، تمسك بأن ذلك يستفاد من مفهوم الخطاب؛ فيكون من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى؛ لأنه إذا وجب القضاء على الناسي، مع سقوط الإثم ورفع الحرج عنه، فالعامد أولى. وادعى بعضهم أن وجوب القضاء على العامد يؤخذ من قوله: "نسي"؛ لأن النسيان يطلق على الترك، وسواء كان عن ذهول، أم لا؛ ومنه قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]. ويقوي ذلك قوله: "لا كفارة لها"، والنائم والناسي لا إثم عليهما. قال في "الفتح": وهو بحث ضعيف؛ لأن الخبر بذكر النائم ثابت، وقد قال: "لا كفارة لها"، والكفارة قد تكون عن الخطأ، كما تكون عن العمد، والقائل بأن العامد لا يقضي، لم يرد أنه أخف حالًا من الناسي، بل يقول: إنه لو شرع له القضاء، لكان هو والناسي سواء، والناسي غير مأثوم، بخلاف العامد؛ فالعامد أسوأ حالًا من الناسي، فكيف يستويان؟! ويمكن أن يقال: إن إثم العامد بإخراجه الصلاة عن وقتها باق عليه ولو قضاها، بخلاف الناسي؛ فإنه لا إثم عليه مطلقًا، ووجوب القضاء على العامد بالخطاب الأول؛ لأنه قد خوطب بالصلاة، وترتبت في ذمته؛ فصارت دينًا عليه، والدين لا يسقط إلا بأدائه؛ فيأثم بإخراجه لها عن الوقت المحدود لها، ويسقط عنه الطلب بأدائها، فمن أفطر من رمضان عامدًا؛ فإنه يجب عليه أن يقضيه مع بقاء إثم الإفطار عليه؛ قاله في "الفتح" (١).

стр. 1191

الثاني: يجب قضاء الفوائت؛ وفاقًا، على الفور؛ خلافًا للشافعي. قال في "الفروع": نص على الفورية الإمام أحمد، إن لم يتضرر في بدنه، أو معيشة يحتاجها؛ وهذا ظاهر قوله ﷺ : "إذا ذكرها". وإنما تحول ﷺ بأصحابه لما ناموا، وقال: "إن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان" (١)؛ لأنه سنة كفعل سنة قبل الفرض -يعني: فلا ينافي الفورية-، ويجوز التأخير لغرض صحيح؛ كانتظار رفقة، أو جماعة للصلاة (٢). قال المجد في "منتقى الأحكام"، في قوله ﷺ : "من نسي الصلاة، فليصلها إذا ذكرها؛ فإن اللَّه قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] ": فيه: أن الفوائت يجب قضاؤها على الفور، وأنها تقضى في أوقات النهي، وغيرها. فال: وفيه دليل على أن شرع من قبلنا شرع لنا، ما لم يرد نسخه (٣). ويجب الترتيب في قضاء الفوائت؛ خلافا للشافعي. وقيل: في خمس؛ وفاقًا لأبي حنيفة، ومالك. والدليل على اعتبار الترتيب: أنه ﷺ رتب (٤)، وفعله بيان لمجمل

стр. 1192

الأوامر المطلقة، وهي تشمل الأداء والقضاء، مع عموم قوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" (١)، وتقدم ذلك، واللَّه أعلم. الثالث: دل قوله ﷺ : "لا كفارة لها، إلا ذلك": على أن من مات، وعليه صلاة: أنها لا تقضى عنه، ولا يطعم عنه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: لا تسقط الصلاة بحج، ولا بتضعيف صلاة في المساجد الثلاثة، ولا غير ذلك؛ إجماعًا، وقال: إن عجز، فمات بعد التوبة، غفر له، واللَّه تعالى الموفق (٢). * * *

стр. 1193

الحديث الخامس عَنْ جَابر بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ﵁ كانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُوْلِ اللَّهِ ﷺ عشَاءَ الآخِرَةِ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلى قَوْمهِ، فَيُصَلِّي بِهِم تِلْكَ الصَّلاةَ (١).

стр. 1194

(عن) أبي عبد اللَّه (جابر بن عبد اللَّه) ﵄: (أن معاذ بن جبل ﵁)، ومعاذ أحد السبعة الذين شهدوا العقبة، وبعثه النبي ﷺ إلى اليمن قاضيًا ومعلمًا، وجعل إليه قبض الصدقات من العمال الذين من اليمن، وهو معاذ -بالذال المعجمة- بن جبل بن عمرو بن أوس، الخزرجي الأنصاري، أبو عبد الرحمن، أسلم وهو ابن ثمان عشرة سنة، وشهد بدرًا، والمشاهد كلها؛ وهو أحد الذين جمعوا القرآن على عهد النبي ﷺ ؛ وهم أربعة: معاذ، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، متفق عليه (١)، والمراد: من الأنصار. روي: أن النبي ﷺ قال له: "واللَّه يا معاذ! إني أحبك"، قال: واللَّه! أنا أحبك يا رسول اللَّه، قال: "فلا تَدَعْ أن تقول دبرَ كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك" (٢). مات ﵁ بناحية الأردن، في طاعون عمواس، وعَمواس

стр. 1195

بفتح العين-: قرية بين الرملة وبيت المقدس، نسب الطاعون إليها؛ لأنه أول ما نجم منها (١). وكانت وفاة معاذ ﵁ سنة ثمان عشرة؛ وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، وكان قد أمره عمر ﵁ بعد أبي عبيدة بن الجراح، وقبره في شرقي غَوْر بَيْسان، قبلي الخان المعروف بخان معاذ؛ وهو مشهور يُزار ويقصد. روى عنه: عمر، وابنه، وابن عباس، وأنس، وغيرهم. وهو حامل لواء الفقهاء إلى الجنة، وهو أعلم الصحابة بالحلال والحرام. روي له عن رسول اللَّه ﷺ : مئة حديث، وسبعة وخمسون حديثًا؛ اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بحديث (٢). (كان) معاذ بن جبل ﵁ (يصلي مع رسول اللَّه ﷺ ). زاد
следующие страницы →