← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

الثاني: يجب قضاء الفوائت؛ وفاقًا، على الفور؛ خلافًا للشافعي. قال في "الفروع": نص على الفورية الإمام أحمد، إن لم يتضرر في بدنه، أو معيشة يحتاجها؛ وهذا ظاهر قوله ﷺ : "إذا ذكرها". وإنما تحول ﷺ بأصحابه لما ناموا، وقال: "إن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان" (١)؛ لأنه سنة كفعل سنة قبل الفرض -يعني: فلا ينافي الفورية-، ويجوز التأخير لغرض صحيح؛ كانتظار رفقة، أو جماعة للصلاة (٢). قال المجد في "منتقى الأحكام"، في قوله ﷺ : "من نسي الصلاة، فليصلها إذا ذكرها؛ فإن اللَّه قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] ": فيه: أن الفوائت يجب قضاؤها على الفور، وأنها تقضى في أوقات النهي، وغيرها. فال: وفيه دليل على أن شرع من قبلنا شرع لنا، ما لم يرد نسخه (٣). ويجب الترتيب في قضاء الفوائت؛ خلافا للشافعي. وقيل: في خمس؛ وفاقًا لأبي حنيفة، ومالك. والدليل على اعتبار الترتيب: أنه ﷺ رتب (٤)، وفعله بيان لمجمل

стр. 1192

الأوامر المطلقة، وهي تشمل الأداء والقضاء، مع عموم قوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" (١)، وتقدم ذلك، واللَّه أعلم. الثالث: دل قوله ﷺ : "لا كفارة لها، إلا ذلك": على أن من مات، وعليه صلاة: أنها لا تقضى عنه، ولا يطعم عنه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: لا تسقط الصلاة بحج، ولا بتضعيف صلاة في المساجد الثلاثة، ولا غير ذلك؛ إجماعًا، وقال: إن عجز، فمات بعد التوبة، غفر له، واللَّه تعالى الموفق (٢). * * *

стр. 1193

الحديث الخامس عَنْ جَابر بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ﵁ كانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُوْلِ اللَّهِ ﷺ عشَاءَ الآخِرَةِ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلى قَوْمهِ، فَيُصَلِّي بِهِم تِلْكَ الصَّلاةَ (١).

стр. 1194

(عن) أبي عبد اللَّه (جابر بن عبد اللَّه) ﵄: (أن معاذ بن جبل ﵁)، ومعاذ أحد السبعة الذين شهدوا العقبة، وبعثه النبي ﷺ إلى اليمن قاضيًا ومعلمًا، وجعل إليه قبض الصدقات من العمال الذين من اليمن، وهو معاذ -بالذال المعجمة- بن جبل بن عمرو بن أوس، الخزرجي الأنصاري، أبو عبد الرحمن، أسلم وهو ابن ثمان عشرة سنة، وشهد بدرًا، والمشاهد كلها؛ وهو أحد الذين جمعوا القرآن على عهد النبي ﷺ ؛ وهم أربعة: معاذ، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، متفق عليه (١)، والمراد: من الأنصار. روي: أن النبي ﷺ قال له: "واللَّه يا معاذ! إني أحبك"، قال: واللَّه! أنا أحبك يا رسول اللَّه، قال: "فلا تَدَعْ أن تقول دبرَ كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك" (٢). مات ﵁ بناحية الأردن، في طاعون عمواس، وعَمواس

стр. 1195

بفتح العين-: قرية بين الرملة وبيت المقدس، نسب الطاعون إليها؛ لأنه أول ما نجم منها (١). وكانت وفاة معاذ ﵁ سنة ثمان عشرة؛ وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، وكان قد أمره عمر ﵁ بعد أبي عبيدة بن الجراح، وقبره في شرقي غَوْر بَيْسان، قبلي الخان المعروف بخان معاذ؛ وهو مشهور يُزار ويقصد. روى عنه: عمر، وابنه، وابن عباس، وأنس، وغيرهم. وهو حامل لواء الفقهاء إلى الجنة، وهو أعلم الصحابة بالحلال والحرام. روي له عن رسول اللَّه ﷺ : مئة حديث، وسبعة وخمسون حديثًا؛ اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بحديث (٢). (كان) معاذ بن جبل ﵁ (يصلي مع رسول اللَّه ﷺ ). زاد

стр. 1196

مسلم، من رواية منصور، عن عمرو بن دينار، عن جابر: (عشاء الآخرة) (١)، فكأن العشاء هي التي كان يواظب فيها على الصلاة مرتين، (ثم يرجع) معاذ بعد فراغه من الصلاة خطف رسول اللَّه ﷺ (إلى قومه) من بني سلمة، (فيصلي بهم تلك الصلاة). وفي روايةٍ: "ثم يرجع، فيؤم قومه" (٢)، وللبخاري في "الأدب": فيصلي بهم الصلاة (٣)؛ أي: المذكورة. وفي هذا رد على من زعم أن المراد بالصلاة التي كان يصليها مع النبي ﷺ غير الصلاة التي كان يصليها بقومه (٤)، وفي رواية: فصلى ليلة مع النبي ﷺ العشاء، ثم أتى قومه فأمهم (٥)، وفي رواية الشافعي: ثم يرجع، فيصليها بقومه في بني سلمة (٦)، وفي رواية الإمام أحمد: ثم يرجع، فيؤمنا (٧). [قوله] "فصلى ليلة مع النبي ﷺ العشاء" [كذا في معظم] وفي لفظ عند أبي عوانة، والطحاوي: "فصلى بأصحابه المغرب" (٨)؛ وكذا لعبد الرزاق (٩).

стр. 1197

ثم أتى قومه، فأمهم، فافتتح بسورة البقوة، فانحرف رجل فسلم، ثم صلى وحده وانصرف، فقالوا له. أنافقت يا فلان؟! قال: لا واللَّه، ولآتين رسول اللَّه ﷺ ، فلأخبرنه، فأتى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه! إنا أصحاب نواضح، نعمل بالنهار، وإن معاذًا صلى معك العشاء، ثم أتى فاستفتح بسورة البقرة، فأقبل رسول اللَّه ﷺ على معاذ: "أفتان أنت؟! اقرأ بكذا، واقرأ بكذا"، قال أبو الزبير، عن جابر: "اقرأ: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، ﴿وَالضُّحَى﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (١)؛ فإنه يصلي وراءك الكبير، والضعيف، وذو الحاجة" (٢)، وفي لفظ: "أتريد أن تكون فتانًا يا معاذ؟! " (٣). واختلف في الرجل، فقيل: اسمه حزم، أو حازم، وقيل: إنه حرام بن ملحان خال أنس بن مالك، وقيل: اسمه سليم، ووقع عند ابن حزم: أن اسمه سَلْم -بفتح أوله، وسكون اللام-؛ وكأنه تصحيف من سليم (٤). وفي هامش "تنقيح التحقيق": عن معاذ بن رفاعة، عن سليم -رجل من بني سلمة-: أنه أتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه! إن معاذًا يأتينا بعدما ننام، ونكون في أعمالنا في النهار، فينادي بالصلاة، فنخرج إليه، فيطول

стр. 1198

علينا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "يا معاذ! لا تكن فتانًا؛ إما أن تصلي معي، وإما أن تخفف على قومك" رواه الإمام أحمد (١). قال الإمام المجد في "المنتقى": وقد احتج به بعض من منع اقتداء المفترض بالمتنفل. قال: لأنه يدل على أنه متى صلى معه، امتنعت إمامته، وبالإجماع لا يمتنع بصلاة النفل معه، فعلم أنه أراد بهذا القول: صلاةَ الفرض، وأن الذي كان يصلي معه كان ينويه نفلًا، كذا قال (٢). فإنه يبعد من معاذ أن يصلي مع النبي ﷺ نافلة، ويصلي بقومه فريضة، وقد قال ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة" (٣). وقد نص الإمام أحمد على صحة ائتمام المفترض بالمتنفل في رواية أبي داود (٤)، وإسماعيل بن سعيد، قال صاحب "المغني": وهو أصح (٥). وقال في "الشرح الكبير": اختلف عن الإمام أحمد في صحة اقتداء المفترض بالمتنفل: فنقل عنه حنبل، وأبو الحارث: أنه لا يصح، اختاره أكثر الأصحاب؛ وهو قول الزهري، ومالك، وأبي حنيفة، وغيرهم، واحتجوا بحديث: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا" متفق عليه (٦).

стр. 1199

والثانية: تصح، نقلها عنه إسماعيل بن سعيد، وأبو داود؛ وهذا قول عطاء، والأوزاعي، والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر. وقال شيخنا -يعني: موفق الدين بن قدامة-: وهي أصح، واحتج بقصة معاذ هذه، وبصلاة النبي ﷺ بأصحابه بكل طائفة ركعتين، كان يسلم فيهما بعد كل ركعتين (١)؛ فلا جرم تكون الثانية نفلًا في حقه ﷺ ؛ وهي في حق الصحابة فرض (٢). وفي "الفروع": ولا يصح ائتمام مفترض بمتنفل، اختاره الأكثر؛ وفاقًا لأبي حنيفة، ومالك. وعنه: بلى؛ اختاره في "النصيحة"، و"التبصرة"، وشيخنا -يعني: شيخ الإسلام ابن تيمية-، والشيخ -يعني: الإمام الموفق-؛ وفاقًا للإمام الشافعي، وذكر وجهًا: لحاجة؛ نحو كونه أحق بالإمامة، واللَّه أعلم (٣). * * *

стр. 1200

الحديث السادس عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: كنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شِدَّةِ الحَرِّ، فَإذَا لَمْ يَسْتَطعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ مِنَ الأَرْضِ، بَسَطَ ثَوْبَهُ، فَسَجَدَ عَلَيْهِ (١).

стр. 1201

(عن) أبي حمزة (أنس بن مالك ﵁، قال: كنا نصلي) الصلوات المكتوبة، وغيرها (مع رسول اللَّه ﷺ في شدة الحر)، ومثله شدة البرد (فإذا لم يستطع أحدنا) -معشر أصحاب رسول اللَّه ﷺ (أن يمكن جبهته من الأرض)؛ لشدة حرارتها الناشئة عن شدة الحر، (بسط)؛ أي: فرش (ثوبه)، وفي لفظ عند البخاري: طرف الثوب (١) (فسجد عليه)، وفي لفظ عند البخاري، في أبواب: العمل في الصلاة: سجدنا على ثيابنا (٢). وروى الإمام أحمد، عن ابن عباس ﵄، قال: لقد رأيت رسول اللَّه ﷺ في يوم مطير، وهو يتقي الطين إذا سجد بكساء عليه، يجعله دون يديه إلى الأرض إذا سجد (٣). وروى الإمام أحمد -أيضًا-، عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن، قال: جاءنا النبي ﷺ ، فصلى بنا في مسجد بني الأشهل، فرأيته واضعًا يديه في ثوبه إذا سجد (٤)، ورواه ابن ماجه، وقال: على ثوبه (٥). وقال البخاري: قال الحسن: كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة، ويداه في كميه (٦).

стр. 1202

قال في "الفروع": ومباشرة المُصَلَّى (١) بشيء منها؛ أي: أعضاء السجود، ليس ركنًا في ظاهر المذهب؛ وفاقًا لأبي حنيفة، ومالك، ففي كراهة حائل [متصل]، حتى طين كثير، وحكي: حتى لركبتيه: روايتان، وعنه: بلى بجبهته؛ وفاقًا للشافعي، وعنه: ويديه، ولا يكره لعذر؛ نقله صالح وغيره (٢). وفي "الإقناع": فلو سجد على مُتَّصِل به غيرَ أعضاء السجود؛ كَكَوْرِ عمامته (٣)، وكُمِّه، وذيله، ونحوه، صحت، ولم يكره لعذر؛ كحَرٍّ أو برد ونحوه. ويكره كشفُ الركبتين كستر اليدين، انتهى (٤). وهذا ظاهر حديث أنس؛ فإنه ظاهر في استعمال الثياب، وكذا غيرها في الحيلولة بين المصلي وبين الأرض؛ لاتقاء حرها، وكذا بردها. وفيه دليل على: جواز السجود على الثوب المتصل به المُصلِّي؛ كما هو مذهب الجمهور، وحمله الشافعي على المنفصل عن المُصلَّى (٥). ولا ريب أن الحديث المذكور مع ما ذكرنا من الأحاديث، يدل على أنه متصل بالمُصلِّي كما لا يخفى.

стр. 1203

وفي الحديث: جواز العمل القليل في الصلاة، ومراعاة الخشوع فيها؛ لأن الظاهر أن صنيعهم ذلك لإزالة التشويش العارض من حرارة الأرض المُذْهِبة للخشوع، واللَّه أعلم (١). * * *

стр. 1204

الحديث السابع عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ النبي ﷺ : "لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ في الثَّوْبِ الوَاحِدِ، لَيْسَ عَلَى عاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ" (١). (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر (﵁، قال: قال النبي ﷺ : لا يصلي) قال ابن الأثير: كذا هو في "الصحيحين" بإثبات الياء، ووجهه: أن لا نافية؛ وهو خبر بمعنى النهي (٢).

стр. 1205

قال في "الفتح": ورواه الدارقطني في "غرائب مالك"، من طريق الشافعي، عن مالك؛ بلفظ: "لا يصلِّ" -بغير ياء-، ومن طريق عبد الوهاب، بلفظ: "لا يصلينَّ" -بزيادة نون التوكيد-، ورواه الإسماعيلي، من طريق الثوري، عن أبي الزناد، بلفظ: نهى رسول اللَّه ﷺ (١). (أحدكم) -معشر الصحابة، ومن بعدهم من سائر الأمة- (في الثوب الواحد، ليس على عاتقه)، وهو ما بين المنكبين. إلى أصل العنق (٢)؛ وهو مذكر، وحكي تأنيثه (٣)، وفي لفظ لمسلم: "ليس على عاتقه" (٤) (منه)؛ أي: الثوب (شيء)، والمراد: أنه لا يتزر في وسطه، ويشد طرفي الثوب في حقويه؛ بل يتوشح بهما على عاتقيه؛ ليحصل الستر لجزء من أعالي البدن (٥). قال في "الفروع": وستر المنكبين شرط في ظاهر المذهب، قال القاضي: وعليه أصحابنا، وعنه: واجب، وعنه: سنة؛ وفاقًا للثلاثة، انتهى (٦).

стр. 1206

ومعتمد المذهب: يشترط في فرض الرجل مع -ستر العورة-: ستر جميع أحد عاتقيه بشيء من اللباس، ولو وصف البشرة، فلا يجزىء حَبْلٌ، ونحوه (١)؛ لهذا الحديث. قال الكرماني في "شرح البخاري": ظاهر النهي يقتضي التحريم، لكن الإجماع منعقد على جواز تركه، كذا قال. وهو ذهول فاحش، وقد نقل ابن المنذر، عن محمد بن علي -يعني: محمد الباقر- عدم الجواز، وكلام الترمذي يدل على ثبوت الخلاف -أيضًا- (٢). وعقد الطحاوي له بابًا في "شرح المعاني" (٣)، ونقل المنع عن ابن عمر، ثم عن طاوس، والنخعي، ونقله غيره عن ابن وهب، وابن جرير. وجمع الطحاوي بين أحاديث الباب بأن الأصل أن يصلي مشتملًا، فإن ضاق، اتزر (٤). ونقل السبكي وجوبَ ذلك عن نص الشافعي، واختاره. لكن المعروف في كتب الشافعية خلافه (٥). فظهر وهم الكرماني -سامحه اللَّه تعالى-. * * *

стр. 1207

الحديث الثامن عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا، فَلْيَعْتَزِلْنَا، لْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا، وَلْيَقْعُدْ في بَيْتِهِ"، وَأُتِيَ بقِدْرٍ فِيهِ خُضَرَاتٌ مِنْ بقولٍ، فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا، فَسَأَلَ، فَأُخبِرَ بمَا فِيهَا مِنَ البُقُولِ، فَقَالَ: "قَرِّبُوهَا" إلى بَعْضِ أَصْحَابهِ، فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ أَكْلَهَا، قَالَ: "كُلْ؛ فَإِنِّي أُناجِي مَنْ لَا تُنَاجِي" (١).

стр. 1208

(عن جابر بن عبد اللَّه ﵄)، (عن النبي ﷺ ): أنه (قال: من أكل). قال ابن بطال: هذا يدل: على إباحة أكل الثوم؛ فإن قوله: "من أكل"، لفظة إباحة. وتعقبه ابن المنير: بأن هذه الصيغة إنما تعطي الوجود لا الحكم؛ أي: من وجد منه الأكل؛ وهو أعم من كونه مباحًا أو غير مباح (١). (ثومًا) -بضم المثلثة-، قال في "القاموس": وهو بستاني وبَرِّي، ويعرف بثوم الحيَّة، وهو أقوى؛ وكلاهما مُسخِّن مخرج للنفخ والدود، مُدِرٌّ جدًا. قال: وهذا أفضل ما فيه. قال: وهو جيد للنسيان، والرَّبْو، والسعال المزمِن، والقولَنْج، وعرق النَّسا، ووجع الوَرِك، والنِّقْرس، ولَسْع الهوام والحيات والعقارب، والكلب الكَلِب، والعطش البلغمي، وتقطير البول، وتصفية الحلق، رديء للبواسير والزَّحير، وأصحاب الدِّق، والحَبَالى، والمرضعات، والصداع، وإصلاحه: سلقه بماء وملح، وتطجينه بدهن لوز، وإتباعه بمص رمَّانة مُزَّة، انتهى (٢). (أو) أكل (بصلًا)، وروى مسلم، من رواية يحيى القطان، عن ابن جريج، بلفظ: "من أكل [من] هذه البقلةِ، الثومِ"، وقال مرة: "من أكل البصل، والثوم، والكراث" (٣). ورواه أبو الزبير، عن جابر، بلفظ: نهى النبي ﷺ عن أكل البصل

стр. 1209

والكراث، قال: ولم يكن ببلدنا يومئذ الثوم، هكذا أخرجه ابن خزيمة (١). قال في "الفتح": لا يلزم من كونه لم يكن بأرضهم ألا يُجلب إليهم، حتى لو امتنع هذا الحمل، لكانت رواية المثبت مقدمة على رواية النافي (٢). والبصل -بفتح الموحدة، والصاد المهملة-: معروف، واحدته بهاء (٣). (فليعتزلنا) أنا وأصحابي، أو يعتزل الصلاة معنا؛ لما يحصل لنا من التأذي برائحته، (أو) قال ﷺ : (ليعتزل مسجدنا) شك من الراوي، وهو الزهري، ولم تختلف الرواة عنه في ذلك، وفي حديث أنس بن مالك ﵁، عندهما: "من أكل من هذه الشجرة، فلا يقربنا، ولا يصلي معنا" (٤)، وفي لفظ عند البخاري: "فلا يقربن مسجدنا" (٥)، وفي حديث أبي هريرة، عند مسلم، مرفوعًا: "من أكل من هذه الشجرة، فلا يقربن مسجدنا، ولا يؤذنا بريح الثوم" (٦)، وفي حديث جابر، عند مسلم مرفوعًا: "من أكل من هذه الشجرة -يريد: الثوم-، فلا يغشنا في مسجدنا" (٧)، ورواه

стр. 1210

البخاري، وزاد: قلت: ما يعني به؟ قال: ما أراه يعني إلا نية، ولفظه في البخاري: "فلا يغشانا" (١)؛ بصيغة النفي التي يراد بها النهي. قال الكرماني: أو على لغة من يُجري المعتلَّ مجرى الصحيح، أو أشبع الراوي الفتحة، فظن أنها ألف، والمراد بالغشيان: الإتيان؛ أي: فلا يأتينا في مسجدنا (٢). والنية في الحديث: التي لم تنضج بطبخ، ونحوه. (وليقعد في بيته)، وفي رواية أبي ذر، عند البخاري بزيادة الألف قبل الواو على صيغة الشك -أيضًا-، ولغيره؛ وكذا لمسلم بغير ألف، وهي أخص من الاعتزال؛ لأنه أعم من أن يكون في البيت، أو غيره (٣). (وأتي ﷺ )، قال في "الفتح": هذا حديث آخر، وهو معطوف بالإسناد المتقدم، وهذا الحديث الثاني كان متقدمًا على الحديث الأول؛ لأن الأول ذكر في حديث ابن عمر وغيره: أنه وقع منه ﷺ في غزوة خيبر (٤)، وكانت في السابعة. وهذا وقع في الأولى عند قدومه ﷺ المدينة، ونزوله في بيت أبي أيوب الأنصاري ﵁ (٥). (بقدر) -بكسر القاف-؛ وهو ما يطبخ فيه، ويجوز فيه التذكير،

стр. 1211

والتأنيث أشهر (١) (فيه)، أي: في الطعام الذي في القدر؛ فالتقدير: أتي بقدر من طعام فيه (خُضَرات) -بضم الخاء، وفتح الضاد المعجمتين-، كذا ضبط في رواية أبي ذر، ولغيره: بفتح أوله، وكسر ثانيه، وهو جمع خضرة، ويجوز مع ضم أوله: -ضم الضاد، وتسكينها أيضًا-، كما في "الفتح" (٢). (من بقول)؛ يعني: من نحو ثوم وبصل، (فوجد) ﷺ (لها)؛ أي: الخضراوات التي في الطعام الذي في القدر، (ريحًا) كريهًا، (فسأل) عن ذلك الريح، (فأخبر بما فيها من البقول، فقال: قربوها)، أي: تلك القدر (إلى بعض أصحابه) ﷺ ، ورضي عنهم-. قال الكرماني: فيه النقل بالمعنى؛ إذ الرسول لم يقله بهذا اللفظ، بل قال: قربوها إلى فلان مثلًا، أو فيه حذف، أي: قال: قربوها مشيرًا، أو أشار إلى بعض أصحابه. قال في "الفتح": والمراد بالبعض: أبو أيوب الأنصاري، ففي "صحيح مسلم"، من حديث أبي أيوب، في قصة نزول النبي ﷺ عليه، قال: فكان يصنع للنبي ﷺ طعامًا، فإذا جيء به إليه -أي: بعد أن يأكل النبي ﷺ منه-، سأل عن موضع أصابع النبي ﷺ ، فصنع ذلك مرة، فقيل له: لم

стр. 1212

يأكل، وكان الطعام فيه ثوم (١)، (فلما رآه) أبو أيوب، لم يأكل؛ (كره) هو أيضًا (أكلها). وفي الرواية الأخرى: فقال: أحرام هو يا رسول اللَّه؟ قال: "لا، ولكن أكرهه" (٢). و (قال: كل) أنت؛ (فإني أناجي) أنا، (من لا تناجي) أنت؛ يعني: الملائكة (٣). وفي حديث أبي أيوب، عند ابن خزيمة، وابن حبان، من وجه آخر: أن رسول اللَّه ﷺ أرسل إليه بطعام من خضرة فيه بصل أو كراث، فلم ير فيه أثر رسول اللَّه ﷺ ، فأبى أن يأكل، فقيل له: ما منعك؟ قال: لم أر أثر يدك، قال: "أستحيي من ملائكة اللَّه، وليس بمحرم" (٤). ولهما، من حديث أم أيوب، قالت: نزل علينا رسول اللَّه ﷺ ، فتكلفنا له طعامًا فيه بعض البقول، فذكر الحديث بنحوه، وقال فيه: "كلوا؛ فإني لست كأحد منكم، إني أخاف أن أوذي صاحبي" (٥). * * *

стр. 1213

الحديث التاسع عَنْ جَابِرٍ ﵁: أَن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "مَنْ أَكلَ البَصَلَ وَالثُّومَ والكُرَّاثَ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا؛ فَإِنَّ المَلائِكَةَ تَتأَذَّى مِمَّا يَتأَذَى مِنْهُ بنو آدم" (١). * * * (عن جابر) أيضًا ﵁، (أن النبي ﷺ قال: من أكل البصل

стр. 1214

والثوم والكراث)؛ كرمان، وكتان: بقل شبيه بالبصل، إلا أنه طويل بمقدار ثلثي شبر غالبًا (١). (فلا يقربن) -بفتح الراء الموحدة وتشديد النون- (مسجدنا)، وفي لفظ: "مساجدنا" بصيغة الجمع (٢)، أراد به: المكان الذي أُعد ليصلي فيه ﷺ مدة إقامته بخيبر؛ فإنه ﷺ نهاهم عن ذلك بخيبر، ففي الحديث: أنهم لما فتحت خيبر، وقعوا في هذه البقلة، والناس جياع، الحديث (٣). وذكر في "الفتح"، في كتاب الأطعمة: أنه وقع له سبب هذا الحديث، فأخرج عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب الأطعمة، من رواية أبي عمرو؛ وهو بشر بن حرب، عنه، قال: جاء قوم مجلس النبي ﷺ ، وقد أكلوا الثوم والبصل، فكأنه تأذى بذلك، فقال، فذكره (٤). والمراد بالمسجد: الجنس، والإضافة إلى المسلمين؛ أي: فلا يقرب مسجد المسلمين، ويؤيده رواية الإمام أحمد، بلفظ: "فلا يقربن المساجد" (٥)، ونحوه لمسلم (٦)، وهذا يدفع قول من خص النهي بمسجد

стр. 1215

النبي ﷺ ، وقد ورد في "البخاري"، من رواية الكشميهني، وأبي الوقت: "مساجدنا" بصيغة الجمع (١). (فإن الملائكة) الكرام ﵈؛ وهذا تعليل للنهي، وهو يشمل ما لو خلا المسجد عن آدمي؛ لأنها (تتأذى مما يتأذى منه) الآدميون، وفي لفظ: "مما يتأذى منه" (بنو آدم) (٢)، وفي رواية: "الإنسان" (٣) من الرائحة الكريهة، وغيرها. قال في "الفروع": والمراد: حضور جماعة، ولو لم تكن بمسجد، ولو في غير صلاة، ولعله مراد قوله فى "الرعاية"، وهو ظاهر "الفصول": تكره صلاة من أكل ذا رائحة كريهة؛ لأجل رائحته، أراد دخول المسجد، أو لا (٤). وفي "الصحيحين"، عن أنس، مرفوعًا: "من أكل من هذه الشجرة، فلا يقربنا، ولا يصلي معنا"؛ يعني: الثوم (٥). وفي لفظ: نهى رسول اللَّه ﷺ عن أكل الثوم يوم خيبر (٦)، وزاد مسلم، من رواية ابن نمير، عن عبيد اللَّه: حتى يذهب ريحها (٧).

стр. 1216

وفي قوله: "شجرة" مجاز؛ لأن المعروف في اللغة: أن الشجرة ما كان لها ساق، وما لا ساق له يقال له: نجم؛ وبهذا فسر ابن عباس ﵄ قوله سبحانه: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ (١) [الرحمن: ٦]. ومن أهل اللغة من قال: كل ما نبت له أرومة؛ أي: أصل في الأرض يخلف ما قطع منه فهو شجر، وإلا فنجم، ومنهم من قال: بين النجم والشجر عموم وخصوص؛ فكل نجم شجر، بلا عكس (٢). وفي "الصحيحين": أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب الناس يوم الجمعة، وقال عن البصل والثوم: إن رسول اللَّه ﷺ كان إذا وجد ريحهما من الرجل، أمر به فأخرج إلى البقيع (٣). قال في "الفروع": وقد ترك ﷺ المغيرة في المسجد، وقد أكل ثومًا، وقال: "إن لك عذرًا" حديث صحيح، رواه الإمام أحمد، وأبو داود (٤)، واحتج به الشيخ الموفق على أنه لا يحرم، وظاهره: أنه لا يُخرج. وأطلق غير واحد أنه يُخرج منه مطلقًا؛ وهو معنى كلام المالكية، والشافعية، وغيرهم.

стр. 1217

لكن إن حرم دخوله، وجب إخراجه، وإلا، استحب، وسأل أبو طالب الإمام أحمد ﵁: إذا شم الإمام ريح الثوم، ينهاهم؟ قال: نعم، يقول: لا تؤذوا أهل المسجد بريح الثوم (١). تنبيه: معتمد المذهب: كراهة حضور مسجد لمن أكل بصلًا أو ثومًا أو فجلًا ونحو ذلك، وتستمر الكراهة له حتى يذهب ريحه، والمراد بالكراهة: تنزيهًا. قال في "الفروع"، عن بعض الأطباء: يقطع الرائحة الكريهة، من المأكول؛ مضخ السَّذاب، أو السُّعْد (٢). واستوجه العلامة الشيخ مرعي في "غايته": أنه من الأعذار في ترك الجمعة والجماعة (٣). قلت: وهو ظاهر صنيع صاحب "الفروع"، وغيره؛ حيث ذكروا ذلك في باب: العذر في تركهما (٤). وقد استدل بعضهم بأحاديث الباب على عدم وجوب [الجماعة] (٥)

стр. 1218

على الأعيان؛ لأن اللازم من منعه أحد الأمرين؛ إما أن يكون أكل هذه الأمور مباحًا، فتكون صلاة الجماعة ليست بفرض عين، أو حرامًا، فتكون الجماعة فرضًا. وجمهور الأمة: على إباحة أكلها؛ فيلزم ألا تكون الجماعة فرض عين (١). قلت: ولا يخفى على ذي بصيرة فساد ذلك؛ لأمور: الأول: أنه قياس في مقابلة نص، ومقابلة القياس للنص فاسد، ودليل المقدمة الأولى ما ذكرنا في وجوب صلاة الجماعة، فليراجع. الثاني: أنا نعلم من الشارع: أنه لم يُرِد بالنهي إلا لعدم الإيذاء، لا لترك الجماعة. الثالث: أن غاية ما يقال فيه: أنه صاحب عذر، وقد سقطت الجماعة عمن اتصف بأقل منه من الأعذار، كالجوع والنعاس والوحل والريح وغيرها. الرابع: إنما ينهض دليلهم -على فرض تسليمه-، أن لو قلنا: الجماعة شرط لصحة الصلاة، وأما إذا قلنا: إنها تجب، وليست شرطًا للصحة، لم ينهض. على أن ابن حزم قال بوجوب الجماعة على الأعيان، وعدم حرمة أكل الثوم ونحوه (٢)؛ وهو من قد علم تحقيقه وتدقيقه. نعم، بعض الظاهرية نقل تحريمها، بناء على أن الجماعة فرض عين، ولا تصح الصلاة إلا بها.

стр. 1219

وتقريره أن يقال: الجماعة فرض عين، ولا تتم إلا بترك أكلها، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب؛ فتكون حرامًا. وانفصل ابن حزم عن اللزوم المذكور: بأن المنع من أكلها يختص بمن علم بخروج الوقت قبل زوال الرائحة، ونظيره: أن صلاة الجماعة فرض عين بشروطها، ومع ذلك تسقط بالسفر، وهو في أصله مباح، لكن يحرم على من أنشأه بعد سماع النداء (١). وقال ابن دقيق العيد: قد يستدل بهذا الحديث على أنَّ كل هذه الأمور من الأعذار المرخصة في ترك حضور الجماعة، وقد يقال: إن هذا الكلام خرج مخرج الزجر عنها، فلا يقتضي ذلك أن يكون عذرًا في تركها، إلا أن يدعو إلى أكلها ضرورة. قال: ويبعد هذا من وجه تقريبه إلى بعض أصحابه؛ فإن ذلك ينفي الزجر، انتهى (٢). قال في "الفتح": ويمكن حمله على حالتين، والفرق بينهما: أن الزجر في حق من أراد إتيان المسجد، والإذن في التقريب وقع في حالة لم يكن فيها ذلك، بل لم يكن المسجد النبوي إذ ذاك بني. فقد ظهر مما تقدم: أن الزجر متأخر عن قصة التقرب، بست سنين (٣)؛ يعني: من أكل أبي أيوب، ونحوه؛ لما فيه من ذلك، كما تقدمت الإشارة إليه.

стр. 1220

تتمة: ألحق علماؤنا وغيرهم بما تقدم: كلَّ ذي رائحة كريهة؛ ولهذا لما سأل جعفر بن محمد أحد أصحاب الإمام أحمد، عن النفط يسرج به؟ قال الإمام أحمد ﵁: لم أسمع فيه بشيء، ولكن يتأذى بريحته، ذكره ابن البناء، في "أحكام المساجد" (١). وفي "الإقناع": وكذا؛ أي: مثل من به رائحة نحو الثوم -في كراهة حضور المسجد- جزَّار له رائحة كريهة منتنة، ومن له صُنَان؛ وكذا من به برص، أو جذام، يتأذى الناس به، واللَّه أعلم (٢). * * *

стр. 1221

باب التشهد سمي التشهد تشهدًا؛ لأن فيه شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وهو تفعُّل من الشهادة (١). ثم إن التشهد من حيث هو اثنان: الأول: وهو واجب على معتمد المذهب؛ كجلسته، وأوجب الحنفية جلسته دونه، وبعضهم: هو أيضًا، على أصلهم في الواجب (٢). والثاني: ركن، ويأتي بيان ذلك. وذكر الحافظ -رحمه اللَّه تعالى ورضي عنه- في هذا الباب خمسة أحاديث. * * *

стр. 1222

الحديث الأول عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّشَهُّدَ، كفِّي بَيْنَ كفَّيْهِ، كمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ: "التَّحِيَّاتُ للَّهِ، والصَّلَوَاتُ والطَّيِّبَاتُ، السَّلامُ عَليْكَ أيهَا النَّبِيُّ ورَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إلَهَ إلا اللَّهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُه ورَسُولُهُ" (١). وفي لفظ: "إِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ للَّهِ"، وذكره (٢). وفيه: "فَإنَكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ، فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ للَّهِ صَالحٍ في السَّمَاءِ والأَرْضِ" (٣). وفيه: "فَلْيتخَيَّر مِنَ المَسأَلَةِ مَا شَاءَ" (٤).

стр. 1223

(عن) أبي عبد الرحمن (عبد اللَّه بن مسعود ﵁، قال: علمني رسول اللَّه ﷺ التشهد، كفي بين كفيه)؛ وهذا يفيد تمام الاعتناء والاهتمام به، وأكده بقوله: (كما يعلمني السورة من القرآن) العظيم، فلا مزيد على هذا الاعتناء: (التحيات)، وفي بعض طرق البخاري، ورواه

стр. 1224

الدارقطني وغيره: "قولوا: التحيات" (١)، وهي جمع تحية، قال ابن عباس ﵄: التحية: العظمة، وقال أبو عمرو: الملك، وقال ابن الأنباري: التحيات: السلام، وقال بعض أهل اللغة: البقاء، وحكى الأربعةَ موفقُ الدين في "المغني" (٢)، وحكاها في "المطلع"، وزاد: وقيل: السلامة من الآفات، قال أبو السعادات: وإنما جمع التحية؛ لأن ملوك الأرض يحيون بتحيات مختلفة؛ فيقال لبعضهم: أبيت اللعن، ولبعضهم: أنعمْ صباحًا، ولبعضهم: اسلمْ كثيرًا، ولبعضهم: ألف سنة، فقيل للمسلمين: قولوا: التحيات؛ أي: الألفاظ التي تدل على السلام والملك والبقاء هي (للَّه) (٣). وقال ابن القيم في كتابه "صفة صلاة النبي ﷺ "، بعد ذكره بنحو ما تقدم؛ من كون من تقدم كان يحيي بعضهم بعضًا بأنواع من التحيات، مما يحييه المحيي من الأقوال والأفعال. قال: والمشركون كانوا يحيون أصنامهم، قال الحسن: كان أهل الجاهلية يتمسحون بأصنامهم، ويقولون: لك الحياة الدائمة، فلما جاء الإسلام، أمروا أن يجعلوا أطيب تلك التحابا وأزكاها وأفضلها للَّه تعالى. فالتحيات: هي تحية من العبد للحي الذي لا يموت، وهو سبحانه أولى بتلك التحيات من كل ما سواه، فإنها تتضمن الحياة والبقاء والدوام،

стр. 1225

ولا يستحق أحد هذه التحيات إلا الحي الباقي الدائم الذي لا يموت، ولا يزول ملكه. (والصلوات) كذلك لا تكون ولا تسوغ إلا له سبحانه، وأما الصلاة لغيره، فمن أعظم الكفر، والشرك به (١). (والطيبات)؛ أي: الأعمال الصالحة. قال في "الفتح": وقد فسرت بالأقوال، قال: ولعل تفسيرها بما هو أعم أولى؛ فيشمل الأفعال والأقوال والأوطان، وطيبها: كونها كاملة خالصة عن الشوائب (٢). وقال ابن القيم: الطيبات: صفة لموصوف محذوف، أي: الطيبات من الكلمات والأفعال والصفات والأسماء للَّه وحده؛ فهو طيب، وكلامه طيب، وأفعاله طيبة، وصفاته أطيب شيء، وأسماؤه أطيب الأسماء، فاسمه: الطيب، ولا يصدر عنه إلا طيب، ولا يصعد إليه إلا طيب، وإليه يصعد الكلم الطيب، والعمل الطيب يعرج إليه، فالطيبات كلها له، ومضافة إليه، وصادرة عنه، ومنتهية إليه، قال النبي ﷺ : "إن اللَّه طيب، لا يقبل إلا طيِّبًا" (٣)، وقد حكم سبحانه بشرعه وقدره أن الطيبات للطيبين، فإذا كان هو سبحانه الطيب على الإطلاق؛ فالكلمات الطيبات، والأفعال الطيبات، والصفات الطيبات، والأسماء الطيبات، كلها له ، لا يستحقها أحد سواه، بل ما طاب شيء قط إلا بطيبه، وطيب كل ما سواه

стр. 1226

من آثار طيبه، ولا تصح هذه التحية الطيبة إلا له، انتهى (١). وقال القرطبي: في قوله: "للَّه"، تنبيه على الإخلاص في العبادة؛ أي: ذلك لا يفعل إلا للَّه (٢). (السلام) بإثبات الألف واللام، في جميع روايات "الصحيحين"؛ من حديث ابن مسعود، وإنما اختلف في ذلك في حديث ابن عباس ﵄، وهو من أفراد مسلم (٣)؛ قاله في "الفتح" (٤). قال في "المطلع": قال الأزهري: فيه قولان: أحدهما: اسمه السلام، ومعناه: اسم [اللَّه] (٥) (عليك)؛ ومنه قول لبيد ﵁: [من الطويل] إلى الحَوْل ثمَّ اسمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ... ومَنْ يَبْكِ حولًا كاملًا فقد اعْتَذَرْ (٦) والثاني: أن معناه: سلم اللَّه عليك تسليمًا، وسلامًا، ومن سلم اللَّه عليه، سلم من الآفات كلها (٧). وفي "الفتح": تعريف السلام: إما للعهد التقريري؛ أي: ذلك السلام الذي وجه إلى الرسل والأنبياء عليك.

стр. 1227

(أيها النبي)؛ وكذلك السلام الذي وجه إلى الأمم السالفة: علينا وعلى إخواننا، وإما للجنس بمعنى: أن حقيقة السلام الذي يعرفه كل أحد، وعمَّن يصدر، وعلى من ينزل: عليك وعلينا. فإن قيل: لم شرع هذا اللفظ؛ وهو خطاب بشر، مع كونه منهيًا عنه في الصلاة؟! فالجواب: ذلك من خصائصه الشريفة، واختصاصاته المنيفة على سائر البشر ﵊. فإن قيل: ما الحكمة في العدول عن الغيبة للخطاب في قوله: "عليك أيها النبي"، مع أن لفظة الغيبة هو الذي يقتضيه السياق؛ كأن يقول: السلام على النبي؛ فينتقل من تحية اللَّه سبحانه إلى تحية نبيه ﷺ ، ثم تحية نفسه، ثم الصالحين؟ قلت: أجاب عن هذا الطيبي بما حاصله: إنا نتبع لفظ الرسول بعينه الذي كان علمه للصحابة ﵃، وقال: ويحتمل أن يقال على طريق أهل العرفان: إن المصلين لما استفتحوا باب الملكوت بالتحيات؛ أذن لهم في الدخول في حريم الحي الذي لا يموت، فقرت أعينهم بالمناجاة، فتنبهوا على أن ذلك بواسطة نبي الرحمة، وبركة متابعته، فالتفتوا، فإذا الحبيب حاضر، وأقبلوا عليه قائلين: السلام عليك أيها النبي (١)، (ورحمة اللَّه وبركاته)، جمع بركة، وهي النماء والزيادة. وقال الإمام ابن القيم في كتابه "بدائع الفوائد"، في حكمة كون السلام عليه وقع بصيغة الخطاب، والصلاة بصيغة الغيبة ما حاصله: أنَّ الصلاة

стр. 1228

عليه، طلب وسؤال من اللَّه أن يصلي عليه، فلا يمكن فيها إلا لفظ الغيبة؛ إذ لا يقال: اللهم صل عليك. وأما السلام عليه، فأتى بلفظ الحاضر المخاطب، تنزيلًا له منزلة المواجه؛ لحكمة بديعة جدًا، وهي: أنه ﷺ لما كان أحب إلى المؤمن من نفسه التي بين جنبيه، وأولى به منها وأقرب، وكانت حقيقته الذهنية، ومثاله العلمي موجودًا في الذهن؛ بحيث لا يغيب عنه إلا شخصه؛ كما قيل (١): [من الطويل] خَيالُكَ في عيني وذِكْرُك في فَمي ... ومثواكَ في قلبي فأينَ تَغيبُ؟! ومن كان بهذه الحال، فهو الحاضر حقًا، وغيره، وإن كان حاضرًا للعيان، فهو غائب عن الجنان، فكان خطابه خطاب المواجهة والحضور بالسلام عليه أولى من سلام الغيبة؛ تنزيلًا له منزلة المواجه المعاين؛ لقربه من القلب، وحلوله في جميع أجزائه، بحيث لا يبقى في القلب جزء، إلا ومحبته وذكره فيه، ولا ينكر استيلاء المحبوب على قلب المحب، وغلبته عليه، حتى كأنه يراه. ولهذا تجدهم في خطابهم لمحبوبهم، إنما يعتمدون خطاب الحضور والمشاهدة، مع غاية البعد العياني؛ لكمال القلب الروحي، فلم يمنعهم بُعْد الأشباح عن محادثة الأرواح ومخاطبتها، وأما من كثفت طباعه، فهو هذا كله بمعزل. وإنه ليبلغ الحب ببعض أهله أن يرى محبوبه في القرب إليه بمنزلة روحه التي لا شيء أدنى إليه منها، كما قيل: [من الخفيف] يا مُقيمًا مَدَى الزمانِ بقلبي ... وبعيدًا عن ناظِري وعِياني

стр. 1229

أنتَ رُوحي إنْ كنتُ لستُ أراها ... فهي أدنى إليَّ من كل دِاني قال ابن القيم -رحمه اللَّه تعالى-: ومن هنا نشأت الشطحات الصوفية، التي مصدرها عن قوة الوارد، وضعف التمييز، حتى حكَّموا الحال على العلم. وأما المحفوظون، فحكموا العلم على سلطان الحال، وعلموا أن كل حال لا يكون العلم حاكمًا عليه؛ فإنه لا ينبغي أن يغتر به، ولا يسكن إليه، إلا كما يساكن المغلوب المقهور، لما يرد عليه مما يعجز عن دفعه. وهذه حال الكُمَّل من القوم، الذين جمعوا بين نور العلم وأحوال المعالمة، فلم تُطْفِ عواصفُ أحوالهم نورَ علمهم؛ فالكامل من يحكم العلم على الحال؛ فيتصرف في حاله بعلمه، والناقصُ من يحكم الحال على العلم، فيتصرف في علمه بحاله. ولهذا أوصى المشايخ الكبار والعارفون، ألا يركنوا إلى الكشف والحال، حيث خالف الشريعة الغراء، واللَّه تعالى الموفق (١). تنبيه: ورد في حديث ابن مسعود هذا ما يقتضي المغايرة بين زمانه ﷺ ، فيقال: بلفظ الخطاب، وبين ما بعد وفاته فيقال: بلفظ الغيبة. ففي "البخاري"، عن ابن مسعود ﵁، بعد أن ساق حديث التشهد، قال: وهو بين أظهرنا، فلما قبض، قلنا: السلام -يعني: على النبي-، كذا وقع في البخاري (٢).

стр. 1230

وأخرجه أبو عوانة في "صحيحه"، والسراج، [و] الجوزقي، وأبو نعيم الأصفهاني، والبيهقي، من طرق متعددة، بلفظ: فلما قبض، قلنا: السلام على النبي، بحذف لفظة يعني (١). قال السبكي في "شرح المنهاج": إن صح هذا عن الصحابة، دل على أن الخطاب في السلام بعد النبي ﷺ غير واجب؛ فيقال: السلام على النبي، انتهى (٢). وهذا خلاف ظاهر كلام علمائنا، واللَّه الموفق. فإن قلت: ما الحكمة في ورود الثناء على اللَّه تعالى في التشهد بلفظ الغيبة، مع كونه سبحانه، هو [المخاطب] الذي يناجيه العبد، والسلام على النبي ﷺ بلفظ الخطاب مع كونه غائبًا؟ فالجواب: إن الثناء على اللَّه عامة ما يجيء مضافًا إلى أسمائه الحسنى الظاهرة دون الضمير، إلا أن يتقدم ذكر الاسم الظاهر؛ فيجيء بعده المضمر، وهذا نحو قول المصلي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، إلى قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ١ - ٥]، وقوله في ركوعه: سبحان ربي العظيم، وكذا في السجود، ونحوه. وفي هذا من السر: أن تعليق الثناء بأسمائه الحسنى، هو لما تضمنت معانيها من صفات الكمال، ونعوت الجلال، فأتي بالاسم الظاهر الدال
следующие страницы →