من آثار طيبه، ولا تصح هذه التحية الطيبة إلا له، انتهى (١).
وقال القرطبي: في قوله: "للَّه"، تنبيه على الإخلاص في العبادة؛ أي: ذلك لا يفعل إلا للَّه (٢).
(السلام) بإثبات الألف واللام، في جميع روايات "الصحيحين"؛ من حديث ابن مسعود، وإنما اختلف في ذلك في حديث ابن عباس ﵄، وهو من أفراد مسلم (٣)؛ قاله في "الفتح" (٤).
قال في "المطلع": قال الأزهري: فيه قولان:
أحدهما: اسمه السلام، ومعناه: اسم [اللَّه] (٥) (عليك)؛ ومنه قول لبيد ﵁: [من الطويل]
إلى الحَوْل ثمَّ اسمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ... ومَنْ يَبْكِ حولًا كاملًا فقد اعْتَذَرْ (٦)
والثاني: أن معناه: سلم اللَّه عليك تسليمًا، وسلامًا، ومن سلم اللَّه عليه، سلم من الآفات كلها (٧).
وفي "الفتح": تعريف السلام: إما للعهد التقريري؛ أي: ذلك السلام الذي وجه إلى الرسل والأنبياء عليك.
стр. 1227
(أيها النبي)؛ وكذلك السلام الذي وجه إلى الأمم السالفة: علينا وعلى إخواننا، وإما للجنس بمعنى: أن حقيقة السلام الذي يعرفه كل أحد، وعمَّن يصدر، وعلى من ينزل: عليك وعلينا.
فإن قيل: لم شرع هذا اللفظ؛ وهو خطاب بشر، مع كونه منهيًا عنه في الصلاة؟!
فالجواب: ذلك من خصائصه الشريفة، واختصاصاته المنيفة على سائر البشر ﵊.
فإن قيل: ما الحكمة في العدول عن الغيبة للخطاب في قوله: "عليك أيها النبي"، مع أن لفظة الغيبة هو الذي يقتضيه السياق؛ كأن يقول: السلام على النبي؛ فينتقل من تحية اللَّه سبحانه إلى تحية نبيه ﷺ ، ثم تحية نفسه، ثم الصالحين؟
قلت: أجاب عن هذا الطيبي بما حاصله: إنا نتبع لفظ الرسول بعينه الذي كان علمه للصحابة ﵃، وقال: ويحتمل أن يقال على طريق أهل العرفان: إن المصلين لما استفتحوا باب الملكوت بالتحيات؛ أذن لهم في الدخول في حريم الحي الذي لا يموت، فقرت أعينهم بالمناجاة، فتنبهوا على أن ذلك بواسطة نبي الرحمة، وبركة متابعته، فالتفتوا، فإذا الحبيب حاضر، وأقبلوا عليه قائلين: السلام عليك أيها النبي (١)، (ورحمة اللَّه وبركاته)، جمع بركة، وهي النماء والزيادة.
وقال الإمام ابن القيم في كتابه "بدائع الفوائد"، في حكمة كون السلام عليه وقع بصيغة الخطاب، والصلاة بصيغة الغيبة ما حاصله: أنَّ الصلاة
стр. 1228
عليه، طلب وسؤال من اللَّه أن يصلي عليه، فلا يمكن فيها إلا لفظ الغيبة؛ إذ لا يقال: اللهم صل عليك.
وأما السلام عليه، فأتى بلفظ الحاضر المخاطب، تنزيلًا له منزلة المواجه؛ لحكمة بديعة جدًا، وهي: أنه ﷺ لما كان أحب إلى المؤمن من نفسه التي بين جنبيه، وأولى به منها وأقرب، وكانت حقيقته الذهنية، ومثاله العلمي موجودًا في الذهن؛ بحيث لا يغيب عنه إلا شخصه؛ كما قيل (١): [من الطويل]
خَيالُكَ في عيني وذِكْرُك في فَمي ... ومثواكَ في قلبي فأينَ تَغيبُ؟!
ومن كان بهذه الحال، فهو الحاضر حقًا، وغيره، وإن كان حاضرًا للعيان، فهو غائب عن الجنان، فكان خطابه خطاب المواجهة والحضور بالسلام عليه أولى من سلام الغيبة؛ تنزيلًا له منزلة المواجه المعاين؛ لقربه من القلب، وحلوله في جميع أجزائه، بحيث لا يبقى في القلب جزء، إلا ومحبته وذكره فيه، ولا ينكر استيلاء المحبوب على قلب المحب، وغلبته عليه، حتى كأنه يراه.
ولهذا تجدهم في خطابهم لمحبوبهم، إنما يعتمدون خطاب الحضور والمشاهدة، مع غاية البعد العياني؛ لكمال القلب الروحي، فلم يمنعهم بُعْد الأشباح عن محادثة الأرواح ومخاطبتها، وأما من كثفت طباعه، فهو هذا كله بمعزل.
وإنه ليبلغ الحب ببعض أهله أن يرى محبوبه في القرب إليه بمنزلة روحه التي لا شيء أدنى إليه منها، كما قيل: [من الخفيف]
يا مُقيمًا مَدَى الزمانِ بقلبي ... وبعيدًا عن ناظِري وعِياني
стр. 1229
أنتَ رُوحي إنْ كنتُ لستُ أراها ... فهي أدنى إليَّ من كل دِاني
قال ابن القيم -رحمه اللَّه تعالى-: ومن هنا نشأت الشطحات الصوفية، التي مصدرها عن قوة الوارد، وضعف التمييز، حتى حكَّموا الحال على العلم.
وأما المحفوظون، فحكموا العلم على سلطان الحال، وعلموا أن كل حال لا يكون العلم حاكمًا عليه؛ فإنه لا ينبغي أن يغتر به، ولا يسكن إليه، إلا كما يساكن المغلوب المقهور، لما يرد عليه مما يعجز عن دفعه.
وهذه حال الكُمَّل من القوم، الذين جمعوا بين نور العلم وأحوال المعالمة، فلم تُطْفِ عواصفُ أحوالهم نورَ علمهم؛ فالكامل من يحكم العلم على الحال؛ فيتصرف في حاله بعلمه، والناقصُ من يحكم الحال على العلم، فيتصرف في علمه بحاله.
ولهذا أوصى المشايخ الكبار والعارفون، ألا يركنوا إلى الكشف والحال، حيث خالف الشريعة الغراء، واللَّه تعالى الموفق (١).
تنبيه:
ورد في حديث ابن مسعود هذا ما يقتضي المغايرة بين زمانه ﷺ ، فيقال: بلفظ الخطاب، وبين ما بعد وفاته فيقال: بلفظ الغيبة.
ففي "البخاري"، عن ابن مسعود ﵁، بعد أن ساق حديث التشهد، قال: وهو بين أظهرنا، فلما قبض، قلنا: السلام -يعني: على النبي-، كذا وقع في البخاري (٢).
стр. 1230
وأخرجه أبو عوانة في "صحيحه"، والسراج، [و] الجوزقي، وأبو نعيم الأصفهاني، والبيهقي، من طرق متعددة، بلفظ: فلما قبض، قلنا: السلام على النبي، بحذف لفظة يعني (١).
قال السبكي في "شرح المنهاج": إن صح هذا عن الصحابة، دل على أن الخطاب في السلام بعد النبي ﷺ غير واجب؛ فيقال: السلام على النبي، انتهى (٢).
وهذا خلاف ظاهر كلام علمائنا، واللَّه الموفق.
فإن قلت: ما الحكمة في ورود الثناء على اللَّه تعالى في التشهد بلفظ الغيبة، مع كونه سبحانه، هو [المخاطب] الذي يناجيه العبد، والسلام على النبي ﷺ بلفظ الخطاب مع كونه غائبًا؟
فالجواب: إن الثناء على اللَّه عامة ما يجيء مضافًا إلى أسمائه الحسنى الظاهرة دون الضمير، إلا أن يتقدم ذكر الاسم الظاهر؛ فيجيء بعده المضمر، وهذا نحو قول المصلي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، إلى قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ١ - ٥]، وقوله في ركوعه: سبحان ربي العظيم، وكذا في السجود، ونحوه.
وفي هذا من السر: أن تعليق الثناء بأسمائه الحسنى، هو لما تضمنت معانيها من صفات الكمال، ونعوت الجلال، فأتي بالاسم الظاهر الدال
стр. 1231
على المعنى الذي يثنى به ولأجله عليه تعالى، ولفظ الضمير لا إشعار له بذلك.
ولهذا، إذا كان لا بد من الثناء عليه بخطاب المواجهة، أتي بالاسم الظاهر مقرونًا بميم الجمع الدالة على جميع الأسماء والصفات؛ نحو قول المصلي في رفعه من الركوع: اللهم ربنا لك الحمد، وربما اقتصر على ذكر الرب تعالى؛ لدلالة لفظه على هذا المعنى، فتأمله، فإنه لطيف المنزع جدًا.
وتأمل كيف صدر الدعاء المتضمن للثناء والطلب بلفظة: اللهم؛ كما في سيد الاستغفار: "اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت خلقتني"، إلى آخره (١).
وجاء الدعاء المجرد مصدرًا بلفظ: الرب؛ نحو قول المؤمنين: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ [الحشر: ١٠]، وقول آدم: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣]، وكان النبي ﷺ يقول بين السجدتين: "رب اغفر لي" (٢).
وسر ذلك: أن اللَّه تعالى يُسأل بربوبيته المتضمنة قدرته، وإحسانه، وتربيته عبده، وإصلاح أمره، ويثني عليه بإلهيته المتضمنة إثبات ما يجب له من الصفات، والأسماء الحسنى، وأما السلام على النبي ﷺ بلفظ الخطاب؛ فتقدم سره. ملخص من "بدائع الفوائد" (٣)، واللَّه أعلم.
стр. 1232
(السلام علينا) استدل به على استحباب البداءة بالنفس في الدعاء.
وفي "الترمذي"، مصححًا، من حديث أبي بن كعب ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا ذكر أحدًا، فدعا له، بدأ بنفسه، وأصله في "مسلم" (١)، وكما في قول نوح وإبراهيم -عليهما الصلاة والسلام-، كما في التنزيل.
قال الحكيم الترمذي: من أراد أن يحظى بهذا السلام، الذي يسلمه الخلق في صلاتهم؛ فليكن عبدًا صالحًا، وإلا حرم هذا الفضل العظيم (٢). ألا ترى كيف قيد المدعو لهم بقوله: (وعلى عباد اللَّه الصالحين)! فالعباد: جمع عبد، وله أحد عشر جمعًا، جمعها ابن مالك في هذين البيتين؛ كما في "المطلع"، وهما: [من الطويل]
عِبادٌ عَبيدٌ جَمْعُ عَبْدٍ وأَعْبُدٌ ... أَعَابِدُ مَعْبُودَا ومَعْبَدَةٌ عُبُدْ
كَذَلِك عُبدانٌ وعِبْدانُ أُثْبِتَا ... كذاكَ العِبِدَّى وامدُدِ انْ شِئْتَ أَنْ تَمُدْ (٣)
قال أبو علي الدقاق: ليس شيء أشرف، ولا أتم للمؤمن من الوصف بها -كما تقدم في خطبة الكتاب-.
والصالحين: جمع صالح، قال صاحب "المشارق"، وغيره: الصالح هو القائم، بما عليه من حقوق اللَّه، وحقوق العباد (٤).
стр. 1233
وقال الفاكهاني: للمصلي أن يستحضر في هذا المحل جميع الأنبياء والملائكة والمؤمنين، يعني: ليوافق لفظه مع قصده (١).
(أشهد)؛ أي: أقر بلساني، وأعتقد بجناني (أن لا إله) معبود بحق في الوجود (إلا اللَّه).
قال الجوهري: الشهادة: خبر قاطع، والمشاهدة: المعاينة (٢)؛ فقول الواحد: أشهد أن لا إله إلا اللَّه: أخبر بأني قاطع بالوحدانية، فالقطع من فعل القلب واللسان، مخبر عن ذلك، و"اللَّه": مرفوع على البدل من موضع "لا إله"؛ لأن موضع لامع اسمها رفع بالابتداء، أو بدل من خبر لا المحذوف المقدر: بمعبود، ونحوه، ولا يجوز نصبه، حملًا على إبداله من اسم لا المنصوب؛ لأن "لا" لا تعمل النصب إلا في نكرة منفية، واللَّه أعرفُ المعارف، وهو مثبت وهذه الكلمة، وإن كان ابتداؤها نفيًا، فالمراد بها: غاية الإثبات، ونهاية التحقيق، فإن قول القائل: لا أخ لي سواك، ولا معين لي غيرك؛ آكد من قولك: أنت أخي، وأنت معيني.
ومن خواصها: أن حروفها كلها مهملة ليس فيها حرف معجم؛ تنبيهًا على التجرد من كل معبود سوى اللَّه.
ومن خواصها -أيضًا-: أن حميع حروفها جوفية، ليس فيها شيء من الشفوية (٣)؛ إشارة إلى: أنها يصمم العبد، ويضمر على مضمونها، ويعقد عليه جنانه، ولا يكتفي بمجرد التلفظ بها من فمه، دون العقد بصميم
стр. 1234
فؤاده، وقد روي عن النبي ﷺ : أنه قال: "أفضل الذكر: لا إله إلا اللَّه"، رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، من حديث جابر ﵁ (١).
(وأشهد)؛ أي: أقره بلساني، وأعقد بجناني: (أن محمدًا عبده) الكامل المؤدي حق العبودية، (ورسوله) الفاضل الذي أرسله لعامة الخلق؛ بشيرًا ونذيرًا.
قال الحافظ ابن حجر: لم تختلف الطرق عن ابن مسعود في ذلك؛ وكذا هو في حديث أبي موسى، وابن عمر، وعائشة، وجابر، وابن الزبير (٢).
وروى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: بينا النبي ﷺ يعلم التشهد، إذ قال رجل: وأشهد أن محمدًا رسوله وعبده، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لقد كنتُ عبدًا قبل أن أكون رسولًا، [قل] (٣): عبده ورسوله"، ورجاله ثقات، إلا أنه مرسل (٤).
وفي حديث ابن عباس ﵄، عند مسلم، وأصحاب السنن: "وأشهد: أن محمدًا رسول اللَّه" (٥)، ومنهم من حذف "أشهد"،
стр. 1235
ورواه ابن ماجه، بلفظ ابن مسعود (١).
قال الترمذي: حديث ابن مسعود روي من غير وجه، وهو أصح حديث روي في التشهد، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم؛ من الصحابة ومن بعدهم.
قال: وذهب الشافعي ﵀: إلى حديث ابن عباس في التشهد (٢).
وقال البزار لما سئل عن أصح حديث في التشهد، قال: هو عندي حديث ابن مسعود؛ روي من نيف وعشرين طريقًا، وسرد أكثرها، قال: ولا أعلم في التشهد أثبت منه، ولا أصح أسانيد، ولا أشهر رجالًا، انتهى (٣).
قال الحافظ المصنف -رحمه اللَّه تعالى-: (وفي لفظ) من حديث ابن مسعود، في "الصحيحين"، وغيرهما: (إذا قعد أحدكم) -معشر الأمة للتشهد- (في الصلاة، فليقل) بصيغة الأمر الدالة على الوجوب، خلافًا لمن لم يقل بوجوبه؛ كمالك.
وأجاب بعض المالكية: بأن التسبيح في الركوع والسجود مندوب،
стр. 1236
ووقع الأمر به في قوله ﷺ ، لما نزل: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤]: "اجعلوها في ركوعكم"، الحديث (١)؛ فكذلك التشهد.
قلت: هذا لا يصلح جوابًا؛ لأنا نقول: الكل ملوم في عدم القول بالوجوب؛ حيث ثبت عن النبي ﷺ مقتضاه.
والعجب من الكرماني؛ حيث قال معارضًا لدعوى بعض المالكية: بأن الأمر حقيقة للوجوب؛ فيحمل عليه، إلا إن دل دليل على خلافه، ولولا الإجماع على عدم وجوب التسبيح في الركوع والسجود؛ لحملناه على الوجوب، انتهى (٢).
فهذا منه قصور زائد؛ فإن الإمام المبجل -سيدنا الإمام أحمد بن حنبل-، يقول بوجوبه، ويقول بوجوب التشهد الأول -أيضًا-.
وفي رواية أبي الأحوص، وغيرها، من حديث عبد اللَّه، عند النسائي، قال: كنا لا ندري ما نقول في كل ركعتين، وإن محمدًا علَّمَ فواتحَ الخير وخواتيمه، فقال: "إذا قعدتم في كل ركعتين، فقولوا" (٣)؛ دلالة بينة على وجوبه.
فقد جاء عن ابن مسعود: التصريحُ بفرضية التشهد؛ وذلك فيما رواه
стр. 1237
الدارقطني، وغيره، بإسناد صحيح، من طريق علقمة، عن ابن مسعود ﵁: وكنا لا ندري ما نقول، قبل أن يفرض علينا التشهد (١).
(وفيه)؛ أي: في حديث ابن مسعود بذلك اللفظ: (فإنكم) -معشر المصلين من أمة الإجابة- (إذا فعلتم ذلك)؛ أي: وعلى عباد اللَّه الصالحين، وذلك أنهم كانوا يقولون: السلام على جبريل، السلام على فلان، السلام على فلان (٢)؛ فكأنه أنكر عليهم عَدَّ الملائكة واحدًا واحدًا، إذ لا يمكن استيعابهم لهم، فعلمهم لفظًا يشمل الجميع، مع غير الملائكة (٣) من النبيين والمرسلين والصديقين وغيرهم بغير مشقة، وهذا من جوامع الكلم التي أوتيها ﷺ ، وإلى ذلك الإشارة بقول ابن مسعود: وإن محمدًا علم فواتح الخير، وخواتيمه -كما تقدم-.
(فقد سلمتم على كل عبد للَّه) (صالح) استدل به على أن الجمع المضاف، والجمع المحلى بأل يعم؛ لقوله أولًا: "عباد اللَّه الصالحين"، ثم قال: "فقد سلمتم ... إلخ"، وفي لفظ: "فإنكم إذا قلتموها، أصابت كلَّ عبد صالح" (٤)، واستدل به على أن هذه الصيغة للعموم (٥).
قال ابن دقيق العيد: وهو مقطوع به عندنا في لسان العرب، وتصرفات
стр. 1238
ألفاظ الكتاب والسنة، قال: واستدلالنا بهذا الحديث ذكر لفرد من أفراده لا يحصى الجمع لأمثالها، لا للاقتصار عليه. وخص الصالحين؛ لأنه ثناء وتعظيم، وهم المستحقون له دون غيرهم (١).
قال القفال في "فتاويه": ترك الصلاة يضر بجميع المسلمين؛ لأن المصلي يدعو بالمغفرة للمؤمنين والمؤمنات، ولابد أن يقول في التشهد: السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، فيكون مقصرًا في حق اللَّه، وحق رسول اللَّه، وحق نفسه، وفي حق كافة المسلمين، ولذلك عظمت المعصية بتركها (٢)، فإن من تركها [أخلَّ] بحق جميع المؤمنين، من مضى، ومن يجيء إلى يوم القيامة؛ لوجوب قوله فيها: "السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين" (٣).
(في السماء والأرض) في رواية مسدد، عن يحيى: "أو بين السماء والأرض" (٤)، والشك فيه من مُسَدَّد، وإلا، فقد رواه غيره، عن يحيى: "من أهل السماء والأرض" أخرجه الإسماعيلي، وغيره (٥).
(وفيه) أيضًا-: (فليتخير من المسألة ما شاء)، وفي لفظ: "ثم ليتخير من
стр. 1239
الدعاء أعجبه إليه، فيدعو" (١)، وزاد أبو داود: "به" (٢) , ونحوه للنسائي، من وجه آخر (٣)، وفي لفظ: "ما أحب" (٤).
واستدل به على جواز الدعاء في الصلاة بما اختاره المصلي من أمور الدنيا والآخرة. وخالف في ذلك النخعي، وطاوس، وأبو حنيفة، فقالوا: لا يدعو في الصلاة إلا بما يوجد في القرآن، هكذا أطلق ابن بطال ومن تبعه عن أبي حنيفة.
والمعروف في كتب الحنفية: ألا يدعو إلا بما جاء في القرآن، أو ثبت في الحديث، وعبارة بعضهم: ما كان مأثورًا، قال بعضهم: والمأثور أعم من أن يكون مرفوعًا أو غير مرفوع، وظاهر هذا الحديث يرد عليهم (٥).
قلت: ومعتمد المذهب: يدعو بما أحب مما ورد، ما لم يخف سهوًا، أو يشق على مأموم؛ وكذا في ركوع وسجود وغيرهما، ويجوز بغير ما ورد من أمور آخرته، ولو لم يُشْبه ما ورد؛ خلافًا لأبي حنيفة، وفسره أصحابه: بما لا يستحيل سؤالُه من العباد؛ نحو أعطني كذا، وزوجني امرأة، وارزقني فلانة؛ فتبطل عندهم به.
كما في "الفروع"، قال: وعنه -يعني: الإمام أحمد-: وحوائج دنياه، وملاذها -يعني: له أن يسأل اللَّه إياها في صلاته-، وفاقًا لمالك، والشافعي (٦).
стр. 1240
وفي "تنقيح التحقيق": لا يجوز أن يدعو في صلاته بما ليس فيه قربة إلى اللَّه تعالى، ولا ورد به أثر؛ كقوله: ارزقني جارية حسناء، وبستانًا أنيقًا. وقال مالك، والشافعي: يجوز (١).
لنا: قوله ﷺ : "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس؛ إنما هي: التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن" رواه الإمام أحمد، ومسلم، وغيرهما (٢).
وأجابوا عما في حديث ابن مسعود: "فليتخير من المسألة ما شاء": أنه يتخير من المأثور.
وقد قال ابن سيرين: لا تدعوا في الصلاة، إلا بأمر الآخرة (٣).
واستثنى بعض الشافعية: ما يقبح من أمر الدنيا؛ كما لو قال: اللهم أعطني امرأة صفتها: كذا، وكذا، وأخذ يذكر أوصاف أعضائها؛ قاله ابن دقيق العيد (٤).
وقد ورد فيما يقال بعد التشهد أخبار، من أحسنها: ما رواه سعيد بن منصور، وأبو بكر بن أبي شيبة، من طريق عمير بن سعد، قال: كان عبد اللَّه -يعني: ابن مسعود ﵁، يعلمنا التشهد في الصلاة، ثم يقول: إذا فرغ أحدكم من التشهد، فليقل: اللهم إني أسألك من الخير كله؛ ما علمتُ منه، وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله، ما علمتُ منه وما لا أعلم، اللهم إني أسألك من خير ما سألك منه عبادك الصالحون، وأعوذ بك
стр. 1241
من شر ما استعاذك منه عبادك الصالحون، ربنا آتنا في الدنب حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، قال: ولم يدع نبي، ولا صالح، بشيء؛ إلا دخل تحت هذا الدعاء (١).
[وهذا] (٢) من المأثور غير مرفوع، وليس هو مما ورد في القرآن، ولكنه ليس من ملاذ الدنيا، بل من أمور الآخرة، واللَّه أعلم.
تنبيهات:
الأول: تشهدُ ابن مسعود -الذي ذكرناه- أصحُّ وأثبت تشهدٍ ورد عن حضرة الرسول ﷺ ؛ ولهذا اختاره الإمام أحمد على ما سواه من التشهدات، وفضَّله واستحبه على غيره؛ وفاقًا لأبي حنيفة، وإن كان غيره من التشهدات الواردة جائزًا، إلا أنه مفضول بالنسبة لتشهد ابن مسعود.
فهو أفضل من تشهد ابن عباس، الذي عند مسلم، واختاره الإمام الشافعي، ولفظه: "التحيات المباركات الصلوات الطيبات للَّه"، إلخ، ولفظ مسلم: "وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه" (٣).
ومن تشهدِ عمرَ الذي اختاره مالك، ولفظه: "التحيات للَّه، الزاكيات للَّه، الطيبات، الصلوات للَّه، سلام عليك"، إلخ، وفيه: "أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله" (٤).
стр. 1242
وقد رجح تشهد ابن مسعود على غيره بأمور:
منها: كونه في "الصحيحين"، وتقدم، وبأن واو العطف تقتضي المغايرة، بين المعطوف، والمعطوف عليه؛ فتكون [كل] جملة ثناء مستقلًا؛ وإذا سقطت واو العطف، كان ماعدا اللفظ الأول صفة؛ فيكون جملة واحدة في الثناء، والأول أبلغ، فكان أولى.
ومنها: كون السلام معرفًا فيه، منكرًا في تشهد ابن عباس، والتعريف أعم.
وفيه -أيضًا-: جمعه بين العبودية، والرسالة، ولا كذلك في تشهد ابن عباس (١).
ويترجح على تشهد عمر: أنه مرفوع، وتشهد عمر موقوف، وذلك في "الصحيحين"، وتشهد عمر في "الموطأ".
وغير ذلك من وجوه الترجيح.
وبأي تشهد تشهد؛ مما صح عن النبي ﷺ ، جاز (٢)، واللَّه أعلم.
الثاني: أقل ما يجزىء في التشهد: التحيات للَّه، سلام عليك أيها النبي، ورحمة اللَّه، وسلام علينا، وعلى عباد اللَّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه (٣).
стр. 1243
الثالث: معتمد المذهب: أن التشهد الأول واجب، وقال بوجوبه -أيضًا-: الليث، وإسحاق، والشافعي في قول له، ورواية عن الحنفية.
واحتج الطبري لوجوبه: بأن الصلاة فرضت أولًا ركعتين؛ فكان التشهد فيها واجبًا، فلما زيدت، لم تكن الزيادة مزيلة لذلك الواجب.
وأجاب من لم يقل بالوجوب: بعدم تعيين الزيادة في الأخيرتين؛ لاحتمال كون المزيدة الأولتان بتشهدهما (١). وتقدم ما يشفي ويكفي، واللَّه الموفق.
تتمة:
قال الإمام ابن القيم في كتابه "صفة صلاة النبي ﷺ ": شرعت هذه التحية في وسط الصلاة إذا زادت على ركعتين؛ تشبيهًا لها بجلسة الفصل بين السجدتين؛ فهي بين الركعتين الأولتين والأخريين؛ كالجلوس بين السجدتين، وفيها مع الفصل راحة للمصلي، لاستقباله للركعتين الأخريين بنشاط وقوة، بخلاف ما إذا والى بين الركعات، ولهذا كان الأفضل في النفل: مثنى مثنى، وإن تطوع بأربع، جلس في وسطهم، انتهى (٢).
* * *
(عن عبد الرحمن)، يكنى: بأبي عيسى (بن أبي ليلى)، واسمه: سيار، وقيل: بلال، وقيل: داود الأنصاريُّ الأوسيُّ الكوفيُّ.
وأبو ليلى صحابي، شهد أحدًا وما بعدها، وشهد مع علي مشاهده، وقُتل بصفين.
وأما عبد الرحمن ولده: فتابعي جليل كبير، روى عن خلق، وروى عنه خلق، واتفقوا على توثيقه وجلالته، أخرج له الجماعة.
قال عبد الرحمن: أدركت مئة وعشرين من الصحابة، كلهم من الأنصار.
ولد لست بقين من خلافة عمر بن الخطاب ﵁، وفقد سنة ثلاث وثمانين بالجماجم (١)، وغلطوا من قال: إنها كانت سنة إحدى وسبعين، ولما كانت وفاته لم تتحقق في سنة الجماجم، وإنما فقد فيها؛ فنزل منزلة الميت، عَبَّر بفقد (٢).
стр. 1246
(قال) عبد الرحمن بن أبي ليلى: (لقيني كعب)، ويكنى: أبا محمد، وقيل: أبا اسحق (بنُ عُجرة) -بضم العين المهملة، وسكون الجيم، وبالراء- بنِ أمية بن عديِّ بن عبيد بنِ الحارث البَلَويِّ، من بَلِيٍّ -بفتح الموحدة، وكسر اللام، وتشديد الياء آخر الحروف- بنِ عمرو بن الحاف بن قضاعة، حليف بني سالم بن عوف، وقيل: بني عمرو بن عوف، وقال الواقدي: ليس حليفًا للأنصار، وإنما هو من أنفسهم.
نزل كعب بن عجرة ﵁ الكوفة، ومات بالمدينة سنة إحدى وخمسين، وقيل اثنتين، وقيل: ثلاث، وهو ابن خمس وسبعين سنة، وقيل: سبع وسبعين.
تأخر إسلام كعب، وكان له صنم في بيته يكرمه، وكان عبادة بن الصامت صديقًا له، فرصده يومًا، فلما خرج من بيته، دخل عبادة بن الصامت ﵁ بالقدوم، فلما جاءه كعب، ورآه، خرج مغضبًا، يريد أن يشاتم عبادة، ثم فكر في نفسه؛ فقال: لو كان في هذا الصنم طائل؛ لامتنع، فأسلم، حينئذٍ.
روي له سبعة وأربعون حديثًا؛ اتفقا على حديثين، وانفرد مسلم باثنين (١).
стр. 1247
(فقال) كعب بن عجرة ﵁ لعبد الرحمن بن أبي ليلى -رحمه اللَّه تعالى-: (ألا) -بفتح الهمزة، والتخفيف-: أداة استفتاح، ومعناه: العرض والتحضيض، ومعناهما: الطلب، لكن العرض: طلب بلين؛ وهو المراد هنا؛ كقوله تعالى-: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (١) [النور: ٢٢].
(أهدي لك هدية) -كَغَنِيَّة-: هي ما أُتْحِفَ به، والجمع: هدايا، وهَدَاوى، وتكسر الواو (٢).
وفي "المطلع": الهبة، والهدية، وصدقة التطوع: أنواع من البر متقاربة، يجمعها تمليك عين بلا عوض، فإن تمحض فيها طلب التقرب إلى اللَّه تعالى، بإعطاء محتاج، فهي صدقة، وإن حملت إلى مكان المهدي إليه إعظامًا له وإكرامًا وتوددًا؛ فهي هدية، وإلا فهبة، وأما العطية، فقال الجوهري: الشيء المعطى، والجمع: العطايا (٣).
وفي "الإقناع": إن قصد بإعطائه ثواب الآخرة فقط، فصدقة، وإن قصد إكرامًا وتوددًا أو مكافأة، فهدية، وإلا، فهبة وعطية ونِحْلة (٤).
والمراد بها هنا: التحفة والشيء المستظرف.
وفسر كعب تلك الهدية بقوله: (إن النبي ﷺ خرج علينا) يعني: من نحو بيته، (فقلنا: يا رسول اللَّه! قد عَلِمنا كيف نسلم عليك) يعني: في التشهد،
стр. 1248
وهو: السلام عليك أيها النبي ورحمة اللَّه وبركاته، وفي لفظ: يا رسول اللَّه! أما السلام عليك، فقد عرفناه (١).
قال في "الفتح": المراد بالسلام: ما علمهم إياه في التشهد (٢).
(فكيف نصلي عليك؟) وقد وقع السؤال عن ذلك أيضًا، لبشـ[ـيـ]ـر بن سعد؛ كما في مسلم، بلفظ: أتانا رسول ال ﷺ في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشـ[ـيـ]ـر بن سعد: أمرنا اللَّه أن نصلي عليك، فكيف نصلي عليك؟ (٣).
وعند أبي داود، والنسائي، وابن خزيمة، وابن حبان، من حديث أبي مسعود: فكيف نصلي عليك، إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا (٤)؟
(قال: قولوا: اللهم صل) تقدم الكلام على معنى الصلاة عليه ﷺ .
(على محمد، وعلى آل محمد) تقدم في خطبة شرح الكتاب بعض الكلام على هذا المقام، وأن المقصود بالـ "آلِ" في مقام الدعاء: أَتباع النبي ﷺ على دينه إلى يوم القيامة، أو أهل بيته ممن حرمت عليهم الصدقة.
стр. 1249
وفي "صحيح مسلم"، عن زيد بن أرقم ﵁، قال: قام رسول اللَّه ﷺ يومًا خطيبًا بيننا بماء يدعى خُمًّا بين مكة والمدينة، فحمد اللَّه تعالى، وأثنى عليه، وذكَّر، ووعظ، ثم قال: "أما بعد: ألا أيها الناس! إنما أنا بشر، يوشك أن يأتيني رسول ربي ، [فأجيب]، وإني تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب اللَّه ، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب اللَّه، واستمسكوا به"، فحث على كتاب اللَّه، ورغب فيه، وقال: "وأهل بيتي، أذكركم اللَّهَ في أهل بيتي"، فقال سَبْرَة بن عجرة: ومنَ أهلُ بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من الصدقهَ بعده، قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس، قال: أكل هؤلاء حرم عليهم الصدقة؟ قال: نعم (١).
وقد ثبت أن النبي ﷺ قال: "إن الصدقة لا تحل لآل محمد" (٢)؛ فكل من لم تحل له الزكاة، فهو من آله ﷺ .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: المراد باله هنا: أهل بيته. قال: هو نص الإمام أحمد، واختاره الشريف أبو جعفر، وغيره. قال شيخ الإسلام: وأفضل أهل بيته: علي، وفاطمة، والحسن، والحسين؛ الذين أدار عليهم الكساء، وخصهم بالدعاء (٣).
(كما صليت على آل إبراهيم)؛ أي: قد تقدمت الصلاة على إبراهيم
стр. 1250
وآله؛ فنسأل منك الصلاة على محمد، وعلى آل محمد بطريق الأولى؛ لأن ما ثبت للفاضل، يثبت للأفضل من باب أولى، وبهذا يحصل الانفصال عن الإيراد المشهور؛ من كون شرط التشبيه: أن يكون المشبه به أقوى من المشبه (١).
وقد ذكر الإمام ابن القيم في كتابه "جلاء الأفهام" عن ذلك أجوبة كثيرة، لعلماء شهيرة، ولم يرض غالبها، بل زيف أكثرها، وحاصل ما ارتضاه من ذلك: قول طائفة من العلماء: آل إبراهيم فيهم الأنبياء الذين ليس في آل محمد مثلهم، فإذا طلب للنبي ﷺ ولآله من الصلاة مثل ما لإبراهيم وآله، وفيهم الأنبياء، حصل لآل النبي ﷺ من ذلك ما يليق بهم؛ فإنهم لا يبلغون مراتب الأنبياء، وتبقى الزيادة التي للأنبياء، وفيهم إبراهيم، لمحمد ﷺ ، فيحصل له بذلك من المزيَّة، ما لم يحصل لغيره.
وتقرير ذلك: أن تجعل الصلاة الحاصلة لإبراهيم وآله، وفيهم الأنبياء، جملة مقسومة على محمد ﷺ وآله، ولا ريب أنه لا يحصل لآل النبي ﷺ مثل ما حصل لآل إبراهيم وفيهم الأنبياء، بل يحصل لهم ما يليق بهم، فيبقى فسم النبي ﷺ والزيادة المتوفرة التي لم يستحقها آله مختصة به ﷺ ، فيصير الحاصل له من مجموع ذلك أفضل وأعظم من الحاصل لإبراهيم. واستحسن هذا الجواب على غيره.
قال: وأحسن منه أن يقال: محمد ﷺ هو من آل إبراهيم، بل هو خير آل إبراهيم؛ كما روي عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣]، قال:
стр. 1251
محمد من آل إبراهيم (١). وهذا نص، فإنه إذا دخل غيره من الأنبياء الذين من ذرية إبراهيم في آله، فدخول رسول اللَّه ﷺ أولى، فيكون قولنا: كما صليت على آل إبراهيم، متناولًا للصلاة عليه، وعلى سائر النبيين من ذرية إبراهيم.
ثم قد أمرنا اللَّه سبحانه أن نصلي عليه وعلى آله خصوصًا، بقدر ما صلينا عليه مع سائر آل إبراهيم عمومًا، وهو فيهم، ويتحصل لآله من ذلك ما يليق بهم، ويبقى الباقي كله له ﷺ .
وتقرير هذا: أنه يكون قد صلى عليه خصوصًا، وطلب له من الصلاة ما لإبراهيم، وهو داخل معهم.
ولا ريب: أن الصلاة الحاصلة لآل إبراهيم، ورسول اللَّه ﷺ معهم, أكمل من الصلاة الحاصلة له دونهم، فيطلب له من الصلاة هذا الأمر العظيم، الذي هو أفضل مما لإبراهيم قطعًا، وتظهر حينئذ فائدة التشبيه، وجريه على أصله، وأن المطلوب له من الصلاة -بهذا اللفظ- أعظم من المطلوب له بغيره؛ فإنه إذا كان المطلوب بالدعاء، إنما هو مثل المشبه به، وله أوفر نصيب منه، صار له من المشبه به، من الحصة التي لم تحصل لغيره، فظهر بهذا من فضله وشرفه على إبراهيم وعلى كل من آله، وفيهم النبيون، ما هو اللائق به، وصارت هذه الصلاة دالة على هذا التفضيل، وتابعة له، وهي من موجباته ومقتضياته، فصلى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا (٢).
(إنك حميد) فعيل من الحمد، بمعنى محمود، وحميد أبلغ من
стр. 1252
محمود؛ فإن فعيلًا إذا عُدل به عن مفعول، دل على أن تلك الصفة قد صارت مثل السجية والغريزة والخلق اللازم؛ كقولك: فلان ظريف، وشَرُيف، وكريم؛ ولهذا يكون هذا البناء غالبًا من فعل بوزن شَرُف، وهو من أبنية الغرائز، والسجايا اللازمة؛ ككَبُر، وصَغُر، وحَسُن، ولَطُف، ونحو ذلك، ولهذا كان حبيب أبلغ من محبوب؛ لأن الحبيب هو الذي حصلت فيه الصفات والأفعال التي يحب لأجلها؛ فهو حبيب في نفسه، وإن قدر أن غيره لا يحبه؛ لعدم شعوره به، أو لمانع منعه من حبه، وأما المحبوب، فهو الذي تعلق به حب المحب؛ فصار محبوبًا بحب الغير له (١).
(مجيد) فعيل من المجد، وهو مستلزم للعظمة والجلال والحمد، يدل على صفات الإكرام والإفضال، واللَّه سبحانه ذو الجلال والإكرام؛ فلهذه المناسبة، ختمت الصلاة بهذين الاسمين الشريفين، وفي التنزيل: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣]؛ لكونهما يتضمنان الإفضال والإجلال.
وفي "المسند"، و"صحيح أبي حاتم"، وغيره، من حديث أنس ﵁، عن النبي ﷺ : أنه قال: "أَلِظُّوا بيا ذا الجلال والإكرام" (٢)؛ يعني: الزموها، وتعلقوا بها، فالجلال والإكرام هو الحمد والمجد، فذكر هذين الاسمين عقب الصلاة على النبي ﷺ وعلى آله,
стр. 1253
مطابق لقوله: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣].
ولما كانت الصلاة على النبي ﷺ هي ثناء اللَّه عليه، وتكريمه، والتنويه به، ورفع ذكره، وزيادة حبه، وتقريبه، كانت مشتملة على الحمد والمجد، فكأن المصلي طلب من اللَّه أن يزيد في حمده ومجده، وهذا مناسب لقول ابن القيم، وغيره إن الداعي يشرع له أن يختم دعاءه باسم من الأسماء الحسنى، يكون مناسبًا لمطلوبه، أو يفتتح دعاءه به (١).
(وبارك على محمد، وعلى آل محمد) أصل البركة، وحقيقتها: الثبوت، واللزوم، والاستقرار، ومنه: برك البعير: إذا استقر على الأرض (٢).
قال في "الصحاح": كل شيء ثبت وأقام: فقد برك، والبِرْكة بكسر الموحدة كالحوض، سميت بذلك؛ لإقامة الماء فيها، والبَرَكة: النماء والزيادة، والتَّبريك: الدعاء بذلك، يقال: باركه اللَّه، وبارك فيه، وبارك عليه، وبارك له (٣).
وجاء في التوراة: ذكر البركة لإسماعيل دون إسحاق، وحكاية ذلك: هذا إسماعيل ها باركته، وهذا يؤذن بما حصل لبنيه من الخير والبركة، ولا سيما خاتمة بركتهم وأعظمها وأجلها برسول اللَّه ﷺ ، فنبههم بذلك على ما يكون في بنيه من هذه البركة العظيمة الموافية على لسان المبارك ﷺ .
وذكر لنا في القرآن: بركته على إسحاق، منبهًا لنا على ما حصل في
стр. 1254
أولاده من نبوة موسى، وغيره، وما أوتوه من العلم والكتاب، مستدعيًا من عباده الإيمان بذلك، والتصديق به، وتنبيهًا منه -جل شأنه- على ألا يهمل حق هذا البيت المبارك، وأهل النبوة منهم، فلا يقول القائل: ما لنا ولأنبياء بني إسرائيل؟ بل يجب علينا احترامهم، والإيمان بهم، ومحبتهم، والثناء عليهم -صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين- (١).
(كما باركت على آل إبراهيم) خليلك الأواه، ومعنى إبراهيم بالسريانية: أب رحيم، وهو الأب الثالث للعالم، والأول آدم، والثاني نوح -عليهم الصلاة والسلام-، وإبراهيم ﵊ أبو الآباء، وعمود العالم، وإمام الحنفاء، وشيخ الأنبياء؛ الذي اتخذه اللَّه خليلًا، وجعل النبوة والكتاب في ذريته، ولم يأمر اللَّه رسوله محمدًا ﷺ أن يتبع ملة أحد من الأنبياء غيره، وهو الأمة، وهو القدوة المعلم للخير، القانت، المطيع للَّه، اللازم لطاعته، والحنيف المقبل على الحق سبحانه، المعرض عما سواه ﵊.
(إنك حميد مجيد) لما كان المطلوب للرسول ﷺ حمدًا ومجدًا بالبركة عليه، وذلك مستلزم الثناء عليه؛ ختم هذا المطلوب بالثناء على مرسِلِه بالحمد والمجد للرسول ﷺ ، والإخبار عن ثبوته للرب (٢).
تنبيهان:
الأول: أكثر الأحاديث -الصحاح والحسان-، مصرحة بذكر النبي ﷺ ، وبذكر آله، وأما في حق المشبه به، وهو إبراهيم وآله، فإنما جاءت بذكر آل إبراهيم فقط دون ذكر إبراهيم، أو بذكره فقط دون ذكر آله.
стр. 1255
قال الإمام ابن القيم في "جلاء الأفهام": لم يجىء حديث صحيح فيه لفظ إبراهيم وآل إبراهيم؛ كما تظاهرت على لفظ محمد وآل محمد، وساق الأحاديث الواردة في ذلك في "الصحيحين"، وغيرهما، إلى أن قال: وأما الجمع بين إبراهيم وآل إبراهيم، فرواه البيهقي في "سننه"، من حديث ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ : "إذا تشهد أحدكم في الصلاة، فليقل: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد؛ كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد" (١)، قال: وهذا إسناد ضعيف.
ورواه الدارقطني، من حديث ابن إسحاق، حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التميمي، عن محمد بن عبد اللَّه بن يزيد بن عبد ربه، عن أبي مسعود الأنصاري؛ فذكر الحديث، وفيه: "اللهم صل على محمد النبي الأمي، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد النبي الأمي، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد"، وقال: هذا إسناد حسن [متصل] (٢)، لكن رواه هكذا، ورواه أيضًا مقتصرًا على ذكر إبراهيم، في الموضعين (٣).
وروى ابن ماجه في "السنن"، عن ابن مسعود موقوفًا، وفيه الجمع بين إبراهيم، وآل إبراهيم (٤).
стр. 1256
قال ابن القيم -رحمه اللَّه تعالى-: فحيث جاء ذكر إبراهيم وحده في الموضعين؛ فلأنه الأصل في الصلاة المخبر بها، وآله تبع [له] فيها، فدل ذكر المتبوع على ذكر التابع، واندرج فيه، وأغنى عن ذكره.
وحيث جاء ذكر آله فقط؛ فلأنه داخل في آله، فيكون ذكر آل إبراهيم مغنيًا عن ذكره، وذكر آله بلفظين.
وحيث جاء في أحدهما ذكره، وفي الآخر ذكر آله فقط؛ كان ذلك جمعًا بين الأمرين، فيكون قد ذكر المتبوع الذي هو الأصل، وذكر أتباعه بلفظ يدخل هو فيهم، انتهى (١).
وحيث ذكر إبراهيم وآل إبراهيم في الموضعين؛ فيكون لتمام الإيضاح، وتصريحًا بما يدخل ضمنًا، واللَّه أعلم.
وأما ذكر محمد وآل محمد بالاقتران، دون الاقتصار على أحدهما في عامة الأحاديث، وجاء الاقتصار على إبراهيم أو آله في عامتها؛ لكون الصلاة على النبي ﷺ وعلى آله ذكرت في مقام الطلب والدعاء، والجملة الطلبية إذا وقعت موقع الدعاء والسؤال، كان بسطها وتطويلها أنسب من اختصارها وحذفها؛ ولهذا شرع تكرارها وإبداؤها وإعادتها؛ فإنها دعاء، واللَّه تعالى يحب الملحين في الدعاء.
والحاصل: أن مقام الطلب والدعاء مقام بسط واستقصاء وتكرار.
وأما قوله: "كما صليت على إبراهيم"، فجملة خبرية عن أمر قد وقع وانقضى، فمقام الإخبار الأولى في الاختصار، ولا سيما والمقام ليس بمقام إيضاح ولا تفهم؛ لأنه سبحانه بكل شيء خبير عليم، واللَّه الموفق (٢).
стр. 1257
الثاني: اختلف الناس في الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة، هل هي ركن من أركان الصلاة التي لا تتم إلا بها، أو واجب من واجباتها فتسقط سهوًا، أو سنة من سننها فلا يؤثر الإخلال بها في الصلاة؟ مذاهب للعلماء -رحمهم اللَّه تعالى-، فمعتمد مذهب الإمام أحمد، والإمام الشافعي: أنها ركن من أركان الصلاة، لا تتم الصلاة إلا بها.
قال الإمام ابن القيم في "جلاء الأفهام": قد أجمع المسلمون على مشروعية الصلاة على النبي ﷺ في آخر التشهد في الصلاة، واختلفوا في وجوبه فيها: فقالت طائفة: ليس ذاك بواجب فيها، ونسبوا من أوجبه إلى الشذوذ ومخالفة الإجماع، منهم: الحافظ الطحاوي الحنفي، والقاضي عياض المالكي، والخطابي؛ فإنه قال: ليست بواجبة في الصلاة؛ وهو قول جماعة الفقهاء إلا الشافعي، قال: ولا أعلم له قدوة (١)، وكذلك ابن المنذر، ذكر أن الشافعي تفرد بذلك، واختار عدم الوجوب.
قال عياض: ودليل كون الصلاة على النبي ﷺ ليست من فروض الصلاة: عملُ السلفِ الصالح قبل الشافعي، وإجماعهم عليه، قال: وقد شنع الناس عليه المسألة جدًا، قال: وهذا تشهد ابن مسعود، الذي اختاره الشافعي، وهو الذي علمه النبي ﷺ إياه، ليس فيه الصلاة على النبي ﷺ ، قال: وكذلك كل من روى التشهد عن النبي ﷺ ؛ كأبي هريرة، وابن عباس، وجابر، وابن عمر، وأبي سعيد الخدري، وأبي موسى الأشعري، وعبد اللَّه بن الزبير؛ لم يذكروا فيه الصلاة على النبي ﷺ .
وقد قال ابن عباس، وجابر: كان النبي ﷺ يعلمنا التشهد، كما يعلمنا السورة من القرآن، ونحوه عن أبي سعيد، وابن مسعود، وكان عمر بن
стр. 1258
الخطاب يعلمه على المنبر (١)، يعني: وليس في شيء من ذلك أمرهم فيه بالصلاة على النبي ﷺ (٢).
وذكروا لعدم الوجوب أدلة، وظواهر أحاديث، وأجلبوا بخيلهم ورَجْلِهم، وانتصر الإمام ابن القيم للإمام الشافعي انتصارًا بليغًا، ورد على المشنع، ولا سيما على القاضي عياض ردًا ذريعًا.
فقال: أما نسبة الشافعي ومن قال بقوله في هذه المسألة إلى الشذوذ ومخالفة الإجماع، فغير صحيح، فقد قال بقوله جماعة من الصحابة ومن بعدهم؛ فمنهم: ابن مسعود، فإنه كان يراها واجبة في الصلاة، ويقول: لا صلاة لمن لم يصل فيها على النبي ﷺ ، وذكره ابن عبد البر عنه في "التمهيد" (٣)، وحكاه غيره عنه -أيضًا-.
ومنهم: أبو مسعود البدري، روى عثمان بن أبي شيبة، وغيره، عن شريك، عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر محمد بن علي، عن أبي مسعود ﵁، قال: ما أرى صلاة لي تمت، حتى أصلي فيها على محمد، وعلى آل محمد (٤).
ومنهم: عبد اللَّه بن عمر ﵄، قال: لا تكون صلاة إلا بقراءة وتشهد وصلاة على النبي ﷺ ، فإن نسيت شيئًا من ذلك، فاسجد سجدتين بعد السلام.
стр. 1259
ومن التابعين: أبو جعفر محمد بن علي، وهو الباقر، والشعبي، ومقاتل بن حيان.
وأما الإمام أحمد: فاختلفت الرواية عنه، وفي "مسائل أبي زرعة الدمشقي"، قال الإمام أحمد: كنت أتهيَّب ذلك، ثم تثبت، فإذا الصلاة على النبي ﷺ واجبة (١)، فيكون رجع إلى اعتبار وجوب الصلاة على النبي ﷺ ، وهو الذي استقر عليه مذهبه؛ أنها ركن في التشهد الأخير، يخل بالصلاة إهمالُها، كمذهب الشافعي.
قال ابن القيم: وأما قول عياض: شنع الناس على الشافعي في المسألة، فيا سبحان اللَّه! أي شناعة عليه في هذه المسألة؟! وهل هي إلا من محاسن مذهبه؟! ثم ألا يستحيي المشنع عليه مثل هذه المسألة، من المسائل التي شنعتها ظاهرة جدًا، يعرفها من عرفها من المسائل؛ التي تخالف النصوص، والإجماع السابق، أو القياس، أو المصلحة الراجحة، ولو تتبعت، لبلغت مئتين، على أنه ليس من عادة أهل العلم تتبع المسائل المستبشعة.
والمنصف خصم نفسه، فأي كتاب خالف الشافعي في هذه المسألة؟! أم أي سنة؟! أم أي إجماع لقول اقتضته الأدلة، وقامت على صحته، وهو من تمام الصلاة بلا خلاف؟! إما تمام وجوب، أو تمام استحباب، فرأى أنه من تمام واجباتها؛ بالأدلة المعلومة المذكورة في الكتب المعتبرة، التي منها: "جلاء الأفهام".
زعم الزاعم، وتحذلق المتحذلق بالتشنيع على مثل هذا الإمام المحقق، مع أنه لم يخرق إجماعًا، ولم يخالف نصًا، فبأي وجه شنع عليه؟! وهل
стр. 1260
الشناعة إلا على من شنع ألبق، وبه أحرى وأليق؟!
وأما قول القاضي عياض: وهذا تشهد ابن مسعود الذي اختاره الشافعي، وهو الذي علمه النبي ﷺ إياه، فهكذا قال، والذي اختاره الإمام الشافعي، إنما هو تشهد ابن عباس، كما مر، وأما تشهد ابن مسعود، فاختاره الإمام أحمد، والإمام أبو حنيفة، ومالك اختار تشهد عمر، وتقدم ذلك، واللَّه أعلم (١).
والحاصل: أن مذهب الإمام أحمد، والإمام الشافعي على ما استقر عليه مذهبه: أن الصلاة على النبي ﷺ في آخر التشهد الأخير، ركن من أركانها، لا يسقط سهوًا، ولا جهلًا، ولا عمدًا.
وقال الإمام إسحاق بن إبراهيم -المعروف بابن راهويه-: هي واجبة، وتسقط بالنسيان.
وقال الإمام أبو حنيفة، والإمام مالك: هي سنة، لا تبطل الصلاة بتركها ولو عمدًا.
وذكر في "الفتح": أن بعض أصحاب مالك وافق الشافعي وأحمد، واللَّه تعالى أعلم (٢).
* * *
(عن أبي هريرة ﵁، قال: كان رسول اللَّه ﷺ يدعو) تقدم غير مرة أن "كان" تفيد المداومة على الفعل الذي تدخل عليه مثلما هنا، أو الكثرة (في صلاته)، متعلق بيدعو، وظاهر صنيع المصنف: أن الإتيان بالدعاء المذكور يكون بعد الصلاة على النبي ﷺ وآله، وهو الذي جزم به علماؤنا، قال في "الفروع": بعد ذكر الصلاة، والبركة عليه، وعلى آله، ثم يقول: (اللهم إني أعوذ بك) إلخ (١). وقد تقدم في بعض ألفاظ حديث ابن مسعود بعد التشهد: "ثم يتخير من الدعاء ما شاء"، وقد أخرج ابن خزيمة، من طريق ابن جريج، قال: أخبرني عبد اللَّه بن طاوس، عن أبيه: أنه كان يقول بعد التشهد كلمات يعظمهن جدًا، قيل له: في التشهد الأول؟ قال: في التشهد الأخير، قال: ما هي؟ قال: أعوذ باللَّه، الحديث (٢).
стр. 1263
وقال الإمام ابن القيم في "صفة الصلاة": كان المصلي إذا فرغ من صلاته، جلس جلسة الراغب الراهب، يستعطي من ربه ما لا غنى به عنه، فشرع له أمام استعطائه كلمات التحيات، مقدمة بين يدي سؤاله، ثم يتبعها بالصلاة على من نالت أمته هذه النعمة على يده، وبسفارته، فكأن المصلي توسل إلى اللَّه تعالى بعبوديته، ثم بالثناء عليه والشهادة له بالوحدانية، ولرسوله بالرسالة، ثم بالصلاة على رسوله، ثم قيل له: تخير من الدعاء أحبه إليك، فذاك الحق الذي عليك، وهذا الحق الذي لك، وشرعت الصلاة على آله مع الصلاة عليه؛ تكميلًا لقرة عينه، بإكرام آله والصلاة عليهم، ثم شرع له أن يستعيذ باللَّه من مجامع الشر كله (١).
فلذا قال: (من عذاب القبر)؛ وهو مدفن الإنسان، وجمعه: قبور، والمقبُرة -مثلثة الباء، وكمكنسة-: موضعها (٢). والمراد: الاستعاذة باللَّه من عذاب البرزخ.
(ومن عذاب النار) التي هي أثر غضب الجبار.
قال الإمام ابن القيم: العذاب نوعان: عذاب في البرزخ، وعذاب في الآخرة، وأسبابه الفتنة، وهي نوعان: كبرى، وصغرى؛ فالصغرى: المشار إليها بقوله: (ومن فتنة المحيا)، وإنما كانت صغرى: بالنسبة لما بعدها، ولأنها يمكن تداركها بالتوبة (٣).
قال ابن دقيق العيد: فتنة المحيا: ما يعرض للإنسان مدة حياته؛ من
стр. 1264
الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات، وأعظمها -والعياذ باللَّه- أمر الخاتمة عند الموت (١).
(و) من فتنة (الممات). قال في "المطلع": أصل الفتنة: الاختبار، ثم استعملت فيما أخرجه الاختبار إلى المكروه، ثم استعملت في المكروه، فجاءت بمعنى الكفر في قوله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧].
وبمعنى الإثم؛ كقوله: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة: ٤٩].
وبمعنى الإحراق؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج: ١٠]، ومنه: "أعوذ بك من فتنة النار".
وبمعنى الإزالة والصرف؛ كقوله تعالى-: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣].
قال: والمحيا والممات، تفعل من الحياة والموت، يقع على المصدر، والزمان، والمكان، قال: وفتنة المحيا كثيرة، وفتنة الممات [فتنة القبر، وقيل:] عند الاحتضار (٢).
وقال ابن دقيق العيد في فتنة الممات: يجوز أن يراد بها الفتنة عند الموت، أضيفت إلى الموت؛ لقربها منه، وتكون فتنة المحيا على هذا: ما يقع قبل ذلك في مدة حياة الإنسان، وتصرفه في الدنيا؛ فإن ما قارب الشيء يعطى حكمه، فحالة الموت تشبه الموت، ولا تعدُّ من الدنيا.
ويجوز أن يراد بفتنة الممات: فتنة القبر؛ كما صح عن النبي ﷺ ، في
стр. 1265
فتنة القبر كمثل، أو أعظم من فتنة الدجال (١)، ولا يكون على هذا متكررًا، مع قوله: "من عذاب القبر"؛ لأن العذاب مرتب على الفتنة، والسبب غير المسبب (٢).
وقيل: أراد بفتنة المحيا: الابتلاء مع زوال الصبر، وفتنة الممات: السؤال في القبر مع الحيرة، وهو من العام بعد الخاص؛ لأن عذاب القبر داخل تحت فتنة الممات (٣).
(ومن فتنة المسيح) -بفتح الميم، والسين المهملة المكسورة، فمثناة تحت، فحاء مهملة-، وأنكر الهروي على من جعله بكسر الميم، مع تشديد السين، وجعله تصحيفًا؛ كما في "المطلع"، وقال بعضهم: كسرت الميم؛ للتفرقة بينه وبين عيسى ﵇.
وقال الحربي: بعضهم يكسرها في الدجال، ويفتحها في عيسى، وكل سواء.
وقال أبو الهيثم: والمسيح -بالمهملة-: ضد المسيخ -بالمعجمة-، مسحه اللَّه: إذ خلقه خلقًا حسنًا، ومسخ الدجال: إذ خلقه ملعونًا.
وقال أبو عبيد: المسيح: الممسوح العين، وبه سمي (٤). (الدجال)،