← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

الحديث الثالث عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْعُو في صلاته: "اللَّهُمَّ إِنيِّ أَعُوذُ بكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، ومِنْ فِتنة المَحْيَا والمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَسِيح الدَّجَّالِ" (١). وفي لفظٍ لِمُسْلِمٍ: "إذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْتَعِذْ باللَّهِ مِنْ أَرْبعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنم"، ثمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ (٢).

стр. 1262

(عن أبي هريرة ﵁، قال: كان رسول اللَّه ﷺ يدعو) تقدم غير مرة أن "كان" تفيد المداومة على الفعل الذي تدخل عليه مثلما هنا، أو الكثرة (في صلاته)، متعلق بيدعو، وظاهر صنيع المصنف: أن الإتيان بالدعاء المذكور يكون بعد الصلاة على النبي ﷺ وآله، وهو الذي جزم به علماؤنا، قال في "الفروع": بعد ذكر الصلاة، والبركة عليه، وعلى آله، ثم يقول: (اللهم إني أعوذ بك) إلخ (١). وقد تقدم في بعض ألفاظ حديث ابن مسعود بعد التشهد: "ثم يتخير من الدعاء ما شاء"، وقد أخرج ابن خزيمة، من طريق ابن جريج، قال: أخبرني عبد اللَّه بن طاوس، عن أبيه: أنه كان يقول بعد التشهد كلمات يعظمهن جدًا، قيل له: في التشهد الأول؟ قال: في التشهد الأخير، قال: ما هي؟ قال: أعوذ باللَّه، الحديث (٢).

стр. 1263

وقال الإمام ابن القيم في "صفة الصلاة": كان المصلي إذا فرغ من صلاته، جلس جلسة الراغب الراهب، يستعطي من ربه ما لا غنى به عنه، فشرع له أمام استعطائه كلمات التحيات، مقدمة بين يدي سؤاله، ثم يتبعها بالصلاة على من نالت أمته هذه النعمة على يده، وبسفارته، فكأن المصلي توسل إلى اللَّه تعالى بعبوديته، ثم بالثناء عليه والشهادة له بالوحدانية، ولرسوله بالرسالة، ثم بالصلاة على رسوله، ثم قيل له: تخير من الدعاء أحبه إليك، فذاك الحق الذي عليك، وهذا الحق الذي لك، وشرعت الصلاة على آله مع الصلاة عليه؛ تكميلًا لقرة عينه، بإكرام آله والصلاة عليهم، ثم شرع له أن يستعيذ باللَّه من مجامع الشر كله (١). فلذا قال: (من عذاب القبر)؛ وهو مدفن الإنسان، وجمعه: قبور، والمقبُرة -مثلثة الباء، وكمكنسة-: موضعها (٢). والمراد: الاستعاذة باللَّه من عذاب البرزخ. (ومن عذاب النار) التي هي أثر غضب الجبار. قال الإمام ابن القيم: العذاب نوعان: عذاب في البرزخ، وعذاب في الآخرة، وأسبابه الفتنة، وهي نوعان: كبرى، وصغرى؛ فالصغرى: المشار إليها بقوله: (ومن فتنة المحيا)، وإنما كانت صغرى: بالنسبة لما بعدها، ولأنها يمكن تداركها بالتوبة (٣). قال ابن دقيق العيد: فتنة المحيا: ما يعرض للإنسان مدة حياته؛ من

стр. 1264

الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات، وأعظمها -والعياذ باللَّه- أمر الخاتمة عند الموت (١). (و) من فتنة (الممات). قال في "المطلع": أصل الفتنة: الاختبار، ثم استعملت فيما أخرجه الاختبار إلى المكروه، ثم استعملت في المكروه، فجاءت بمعنى الكفر في قوله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧]. وبمعنى الإثم؛ كقوله: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة: ٤٩]. وبمعنى الإحراق؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج: ١٠]، ومنه: "أعوذ بك من فتنة النار". وبمعنى الإزالة والصرف؛ كقوله تعالى-: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣]. قال: والمحيا والممات، تفعل من الحياة والموت، يقع على المصدر، والزمان، والمكان، قال: وفتنة المحيا كثيرة، وفتنة الممات [فتنة القبر، وقيل:] عند الاحتضار (٢). وقال ابن دقيق العيد في فتنة الممات: يجوز أن يراد بها الفتنة عند الموت، أضيفت إلى الموت؛ لقربها منه، وتكون فتنة المحيا على هذا: ما يقع قبل ذلك في مدة حياة الإنسان، وتصرفه في الدنيا؛ فإن ما قارب الشيء يعطى حكمه، فحالة الموت تشبه الموت، ولا تعدُّ من الدنيا. ويجوز أن يراد بفتنة الممات: فتنة القبر؛ كما صح عن النبي ﷺ ، في

стр. 1265

فتنة القبر كمثل، أو أعظم من فتنة الدجال (١)، ولا يكون على هذا متكررًا، مع قوله: "من عذاب القبر"؛ لأن العذاب مرتب على الفتنة، والسبب غير المسبب (٢). وقيل: أراد بفتنة المحيا: الابتلاء مع زوال الصبر، وفتنة الممات: السؤال في القبر مع الحيرة، وهو من العام بعد الخاص؛ لأن عذاب القبر داخل تحت فتنة الممات (٣). (ومن فتنة المسيح) -بفتح الميم، والسين المهملة المكسورة، فمثناة تحت، فحاء مهملة-، وأنكر الهروي على من جعله بكسر الميم، مع تشديد السين، وجعله تصحيفًا؛ كما في "المطلع"، وقال بعضهم: كسرت الميم؛ للتفرقة بينه وبين عيسى ﵇. وقال الحربي: بعضهم يكسرها في الدجال، ويفتحها في عيسى، وكل سواء. وقال أبو الهيثم: والمسيح -بالمهملة-: ضد المسيخ -بالمعجمة-، مسحه اللَّه: إذ خلقه خلقًا حسنًا، ومسخ الدجال: إذ خلقه ملعونًا. وقال أبو عبيد: المسيح: الممسوح العين، وبه سمي (٤). (الدجال)،

стр. 1266

سمي دجالًا: من الدجل، وهو طلي البعير بالقطران، فسمي بذلك؛ لتمويهه بباطله، وقيل: من التغطية، ويقال: الدجال في اللغة: الكذاب (١). والحاصل: أن الصواب إهمال الحاء، ولا فرق من حيث اللفظ بين الدجال وسيدنا المسيح عيسى بن مريم من كون كل واحد منهما بالمهملة، واللَّه تعالى الموفق. (وفي لفظ لمسلم) دون البخاري: (إذا تشهد أحدكم) -معشر المصلين من الأمة- (فليستعذ باللَّه) (من أربع)، في هذا الحديث زيادة كون الدعوات مأمورًا بها بعد التشهد، فقد ظهرت العناية بالدعاء بهذه الأمور؛ حيث أمرنا بها في كل صلاة، وهي حَرِيَّةٌ بذلك؛ لعظم أمرها (٢)، وفسرها بقوله: (يقول) بعدما يفرغ من التشهد، وقيل: السلام: (اللهم إني أعوذ بك) هذا تفسير لقوله: "فليستعذ"، وأتي به على صيغة الخطاب؛ لشدة افتقاره والتجائه إليه، وتعويله في مهماته عليه، ولكونه معه حاضرًا غير بعيد، كيف وهو أقرب إليه من حبل الوريد؟! (من عذاب جهنم) هذا بيان للمستعاذ منه، (ثم ذكر نحوه)؛ أي: نحو ما تقدم؛ أي: من عذاب القبر، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال.

стр. 1267

وفي هذه الرواية من الفوائد: تعليم الاستعاذة، وصيغتها؛ فإنه قد كان يمكن التعبير عنها بغير هذا اللفظ؛ مما يحصل به المقصود، ويحصل به امتثال الأمر، ولكن الأولى قول ما أمر به الرسول ﷺ . ومن فوائد الحديث، مع الالتجاء إلى اللَّه من هذه الأمور المهولة: أنها أمور غيبية إيمانية، فتكررها على الأنفس في كل صلاة، يجعلها ملكة لها (١). فإن قيل: ظاهر الحديث يعم التشهد الأول، وقد خصوه بالتشهد الثاني، فمن أين لهم ذلك؟ فالجواب: أنه قد اشتهر بين العلماء استحباب التخفيف في التشهد الأول، وعدم استحباب الدعاء بعده، حتى إنه لم يصل على النبي وآله فيه، ومن رأى الصلاة عليه فيه، لم ير الصلاة على الآل فيه؛ كل ذلك طلبًا للتخفيف، وحرصًا على اقتفاء المأثور، والمجيء بالصلاة على نسق واحد، من غير فصل بين أبعاضها بغير ما هو من جملتها. وأما الإتيان بذلك في آخر التشهد الثاني؛ لكونه قد فرغ من صلاته، فساغ له أن يدعو لنفسه، ولا سيما بالمهمات المهولة (٢)، وتقدم ما أخرجه ابن خزيمة، من حديث ابن طاوس، عن أبيه، من كونه خصه بالتشهد الأخير، قال ابن جريج: أخبر به، عن أبيه، عن عائشة ﵂ (٣). وأخرج مسلم من رواية الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، من حديث

стр. 1268

أبي هريرة: "إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير"، فذكره (١). تنبيهان: الأول: ذهبت الظاهرية إلى وجوب هذا الدعاء في هذا المحل (٢). قال في "الفروع": والتعوذ ندب، وفاقًا من الأئمة الأربعة، وعن الإمام أحمد رواية: أنه واجب؛ فيعيد تارك الدعاء عمدًا (٣). فلم تنفرد الظاهرية بالقول بالوجوب. الثاني: أخرج الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول"، عن سفيان الثوري: أن الميت إذا سئل: من ربك؟ تراءى له الشيطان [في صورة]، فيشير إلى نفسه: إني أنا ربك (٤). فلهذا ورد سؤال التثبت حين يسأل. ثم أخرج بسند جيد، إلى عمرو بن مرة: كانوا يستحبون إذا وضع الميت في القبر أن يقولوا: اللهم أعذه من الشيطان (٥). واللَّه تعالى الموفق. * * *

стр. 1269

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام تأليف الإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن سالم السفاريني النابلسي الحنبلي المولود سنة (١١١٤ هـ) - والمتوفى سنة (١١٨٨ هـ) - رحمه الله تعالى - [المجلد الثالث] اعتنى به تحقيقا وضبطا وتخريجا نور الدين طالب

стр. 1270

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1271

كَشْفُ اللِّثَامِ شَرح عُمْدَةِ الأَحْكَامِ

стр. 1272

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة الطَّبْعَةُ الأُولَى ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م رَقم الْإِيدَاع بمَكتَب الشؤون الفَنيَّة ٢٢/ ٢٠٠٧ م قطَاع المسَاجْد - مَكتب الشؤون الفَنيَّة الكويت - الرقعي - شَارِع مُحَمَّد بني الْقَاسِم بدالة: ٤٨٩٢٧٨٥ - داخلي: (٤٠٤) فاكس: ٥٣٧٨٤٤٧ موقعنا على الإنترنت www.islam.gov.kw قطَاع المسَاجْد - مَكتب الشؤون الفَنيَّة قَامَت بعمليات التنضيد الضوئي والتصحيح العلمي والإخراج الفني والطباعة دَار النَّوَادِر لصَاحِبهَا ومديرها الْعَام نور الدّين طَالب سوريا - دمَشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ لبنان - بَيروت - ص. ب: ٥١٨٠/ ١٤ هَاتِف: ٢٢٢٧٠٠١ (٠٠٩٦٣١١) - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١) www.daralnawader.com

стр. 1273

الحديث الرابع عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، عَنْ أبي بكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵃: أَنّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بهِ فِي صَلَاتِي، قَالَ: "قُلِ: اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُنُوبَ إلَّا أَنْتَ، فَاغْفِر لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنِّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ" (١). * * * (عن) أبي محمد، وقيل: يكنى بأبي عبد الرحمن (عبد اللَّه) العلم

стр. 1274

المشهور (بن عمرو بن العاص) ﵄، وتقدمت ترجمتهما، (عن) أمير المؤمنين خليفة رسول رب العالمين (أبي بكر الصديق) المكين، واسمه: عبد اللَّه بن أبي قحافة، واسمه: عثمان (﵃) أجمعين: (أنه)؛ أي: الصديق الأعظم (قال لرسول اللَّه ﷺ : علمني دعاء)؛ أي: خصني به، بمعنى: أن يكون تلقاه عنه، يناسب أن يكون من زاد الآخرة؛ لـ (أدعو به)؛ أي: بذلك الدعاء العظيم الذي تعلمني إياه (في صلاتي) متعلق بأدعو، وخصه بالصلاة؛ لكونها أعظم العبادات والقرب، ومحل التجليات، وهي بالإجابة أجدر، وقد قال ﷺ : "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا فيه من الدعاء" (١)، قال الدميري: هذا الدعاء، وإن كان ورد في الصلاة، فهو حسن نفيس صحيح، ويستحب في كل موطن، وقد جاء في رواية: "في بيتي" (٢). (قال) ﷺ لخليفته، وصديقه ﵁: (قل: اللهم) تقدم الكلام على اللهم. قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث يقتضي الأمر بهذا الدعاء في الصلاة، من غير تعيين لمحله، ولو فعل فيها حيث لا يكره الدعاء في أي الأماكن كان لجاز. قال: ولعل الأولى أن يكون في أحد موطنين؛ إما في السجود، وإما في التشهد، فإنهما الموضعين (٣) اللذان أمر [نا] فيهما بالدعاء، قال ﵇: "أما السجود، فاجتهدوا فيه بالدعاء" (٤)، وقال في التشهد:

стр. 1275

"ويتخير بعد ذلك من المسألة ما شاء" (١)، ولعله يترجح كونه فيما بعد التشهد؛ لظهور العناية بتعليم دعاء مخصوص في هذا المحل، انتهى (٢). ونازعه الفاكهاني، فقال: الأولى الجمع بينهما في المحلين المذكورين؛ أي: السجود والتشهد. وقال النووي: استدلال البخاري صحيح؛ لأن قوله: "في صلاتي" يعم جميعها، ومن مظانه هذا الموطن (٣)؛ يعني: بعد التشهد. قال في "الفتح": ويحتمل أن يكون سؤال أبي بكر عن ذلك كان عند قوله ﷺ لما علمهم التشهد: "ثم ليتخير من الدعاء ما شاء" (٤)، ومن ثم أعقب البخاري الترجمة بالترجمة؛ أي: والى بين ترجمة الدعاء قبل السلام؛ أي: بعد التشهد، وترجمة ما يتخير من الدعاء بعد التشهد، انتهى (٥). وهذا ظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية: من كون محل هذا الدعاء عقب التشهد، واللَّه أعلم (٦). (إني ظلمت نفسي)؛ أي: بملابسة ما يستوجب العقوبة، أو ينقص الحظ. وفيه: أن الإنسان لا يعرى عن تقصير، ولو كان صديقًا (٧)، والظلم:

стр. 1276

وضع الشيء في غير موضعه (١)، وظلم الإنسان لنفسه: هو تركها مع هواها، حتى يصدر منها من المعاصي ما يوجب عقوبتها. (ظلمًا كثيرًا) قال النووي: روي -بالمثلثة-، وكبيرًا -بالموحدة - (٢). قال الدميري: فيستحب أن يقول الداعي: كثيرًا كبيرًا، يجمع بينهما، ولم يرتض ابن القيم ذلك في "جلاء الأفهام" (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية، كما في "مختصر الفتاوى المصرية": الذنوب تتنوع، وهي كثيرة لها شعب: فمنها: من باب الضلال في الإيمان؛ كالفخر، والخيلاء، والحسد، والكبر، والرياء، وتوجد في الناس الذين هم متعففون عن الفواحش. وكذلك الذنوب التي هي ترك الواجبات، والإخلاص، والتوكل على اللَّه، ورجاء رحمته، وخوف عذابه، والصبر على حكمه، والتسليم لأمره، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ونحوه، وتحقيق ما يجب من المعارف والأعمال يطول ذكره. فإذا علم ذلك، فظلم العبد نفسه، يكون بترك ما ينفعها، وهي محتاجة إليه، أو بفعل ما يضرها؛ كما أن ظلم الغير كذلك، إما بمنع حقه، أو التعدي عليه، والنفس إنما تحتاج من العبد إلى فعل ما أمر اللَّه به، وإنما يضرها فعل ما نهى عنه، فظلمها لا يخرج عن ترك حسنة، أو فعل سيئة. وما يضطر العبد إليه، حتى أكل الميتة، داخل في هذا، فأكلها عند الضرورة واجب في المشهور من مذاهب الأئمة الأربعة، وكذلك ما يضرها

стр. 1277

من جنس العبادات، مثل الصوم الذي يزيد في مرضها، والاغتسال بالماء البارد الذي يقتلها، هو من ظلمها؛ فإن اللَّه تعالى أمر العباد بما ينفعهم، ونهاهم عما يضرهم. ومما ينبغي أن يعرف: أن الإنسان قد يتعاطى أمورًا، يجب عليه أشياء بسببها، ولولاها ما وجب عليه من ذلك شيء؛ كالولايات، ففي "المسند": "أحب الخلق إلى اللَّه إمام عادل، وأبغضهم إلى اللَّه إمام جائر" (١)، كحقوق الزوجة، والأولاد، والجيران. فمن هذه الأمور، وغيرها مما لم نذكره، يتبين بها أنها أجناس ظلم العبد نفسه، لكن كل إنسان بحسبه، وبحسب درجته، فما من صباح يصبح، إلا وللَّه على عبده حقوق، وكذلك للخلق على ذلك العبد حقوق، وحدود عليه أن يحفظها، ومحارم عليه أن يجتنبها؛ فإن أجناس الأعمال ثلاثة: مأمور به: فمنه واجب، ومنه مندوب. ومنهي عنه: فمنه محرم، ومنه مكروه. ومباح له حد: فتعديه تعدٍّ لحدود اللَّه، بل قد يكون الزائد على بعض الواجبات، أو المستحبات تعد (٢) لحدود اللَّه، وذلك كالإسراف؛ كما قال

стр. 1278

تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ [آل عمران: ١٤٧]. وبهذا التمهيد يعرف أن قول القائل: ما مفهوم قول الصديق: "ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا"، والدعاء بين يدي اللَّه لا يحتمل المجاز، والصديق من أئمة السابقين، والرسول أمره بذلك؛ كانه نازله بشبهة؟ حيث قال: هو أجلُّ قدرًا من أن يكون له ظلم كثير، فإن ذلك ينافي مرتبة الصديقية! كلام من لا يمعن النظر، ولا يوفي لكل مقام حقَّه. وحاصل الجواب عن ذلك، من وجهين: أحدهما: أن الصديق ﵁ كملت مرتبته في نهايته لا بدايته، وإنما نال ذلك بفعل ما أمر اللَّه به من الأعمال الصالحة، وأفضلها التوبة، وما وجد قبل التوبة؛ فإنه لم ينقص صاحبه، ولا يتصور أن بشرًا يستغني عن التوبة؛ كما في "الصحيح": "أيها الناس! توبوا إلى اللَّه، فإني أتوب إلى اللَّه في اليوم أكثر من سبعين مرة، وإنه ليغان على قلبي، فأستغفر اللَّه في اليوم مئة مرة" (١)؛ وكذلك قوله ﷺ : "اغفر لي خطئي، وجهلي، وعمدي، وكل ذلك عندي" (٢) فيه: من الاعتراف أعظم مما في دعاء الصديق.

стр. 1279

والصديقون يجوز عليهم جميع الذنوب باتفاق الأئمة، فما يلقى لأهل المكاشفات والمخاطيات من المؤمنين، هو من جنس ما يكون لأهل القياس والرأي، فلا بد من عرضه على الكتاب والسنة والإجماع؛ فلا أحدٌ من هؤلاء المشايخ ولا الصديقين معصومًا، وكل من ادعى غناه عن الرسالة بمكاشفة أو مخاطبة أو عصمة، سواء ادعى ذلك لنفسه، أو لشيخه، فهو من أضل الناس، واللَّه أعلم. الثاني: أن التوبة والاستغفار قد يكونان من ترك الأفضل، وأما الذم والوعيد، فلا يكونان إلا عن ذنب، وحسناتُ الأبرار سيئات المقربين، فالصديقُ يرى من نفسه نوعَ فتور عن معالي الأمور اللائقة بمقامه الباذخ، وفضله الراسخ. فربما عُدَّ تقاعسُه عن المبادرة إلى ذروة ترك المعالي، وتقاعدُه عن إحراز فرائد هاتيك اللآلي، نوعًا من ظلم النفس التائقة إلى الصعود إليها، والطالبة العكوف عليها، فيمنعها من ذلك الاشتغال بما هو أهم وأحرى، فمع تكرر ذلك مرة بعد أخرى، صار ظلمًا كثيرًا، واللَّه أعلم. (ولا يغفر الذنوب إلا أنت) فيه: إقرار بالوحدانية، واستجلاب المغفرة، وهو كقوله : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، فأثنى على المستغفرين، وفي ضمن ثنائه عليهم بالاستغفار، لوح بالأمر؛ كما قيل: إن كل شيء أثنى اللَّه على فاعله، فهو أمر به، وكل شيء ذم فاعله، فهو ناه عنه؛ كما في "الفتح" (١).

стр. 1280

(فاغفر لي) رتب على كونه لا يغفر الذنوب إلا هو سبحانه: أن طلب منه -جل شأنه- ذلك، وغفران الذنوب: هو سترها بالتوبة منها، أو بالعفو عنها. (مغفرة) تفضلًا (من عندك)، وإن لم أكن لها أهلًا، وإلا، فالمغفرة والرحمة وكل النعم؛ من عنده تعالى. وفي "الفتح": قال الطيبي: دل التنكير على: أن المطلوب غفران عظيم، لا يدرك كُنْهُه ووصفه؛ بكونه من عنده سبحانه، مريدًا لذلك التعظيم؛ لأن الذي يكون من عند اللَّه، لا يحيط به وصف (١). وقال ابن دقيق العيد: يحتمل وجهين: أحدهما: الإشارة إلى التوحيد المذكور، كأنه قال: لا يفعل هذا إلا أنت، [فافعله أنت]. والثاني -وهو أحسن-: أنه إشارة إلى طلب مغفرة متفضل بها، لا يقتضيها سبب من العبد؛ من عمل حسن ولا غيره (٢). وقال شيخ الإسلام: المراد: اغفر لي مغفرة من عندك، لا يصلها بأسباب، لا من عزائم المغفرة التي يغفر لصاحبها؛ كالحج، والجهاد، ونحوه، بل اغفر لي مغفرة تهبها لي، وتجود بها علي، بلا عمل يقتضي تلك المغفرة التي هي ستر الذنب، ونحوه، انتهى. وبالثاني جزم الحافظ ابن الجوزي، فقال: المعنى: هب لي المغفرة تفضلًا، وإن لم أكن لها أهلًا بعملي (٣).

стр. 1281

وقال الحكيم الترمذي: سأله مغفرة من عنده، والأشياء كلها من عنده، ولكن أراد شيئًا مخصوصًا ليس مما تركه للعامة (١). (وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم) هما صفتان ذكرتا ختمًا للكلام، على جهة المقابلة لما تقدم؛ فالغفور مقابل لقوله: "اغفر لي"، والرحيم لقوله: "ارحمني". قال الحكيم الترمذي: هذا عبد اعترف بالظلم، ثم التجأ إليه سبحانه مضطرًا، لا يجد لذنبه ساترًا غيره، ثم قال: وللَّه تعالى رحمة قد عمت الخلق بَرَّهم وفاجرهم، سعيدَهم وشقيهم، ثم له رحمة خص بها المؤمنين، وهي: رحمة الإيمان، ثم له رحمة خص بها المتقين، وهي: رحمة الطاعة للَّه تعالى، وللَّه رحمة خصن بها الأولياء، فالمراد بها الولاية، وله رحمة خص بها الأنبياء نالوا بها النبوية، وقال الراسخون في العلم: ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ [آل عمران: ٨]، فسألوه رحمة من عنده، انتهى (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية -بعد ذكره لكلام الحكيم الترمذي الذي ذكرناه-: هذا صورة ما شرحه، ولم يذكر صفة الظلم وأنواعه؛ كما ذكر صفة الرحمة. قال شيخ الإسلام: والدعاء الذي فيه اعتراف العبد بظلم النفس، ليس من خصائص الصديقين ومن دونهم، بل هو من الأدعية التي يدعو بها الأنبياء ﵈، وهم أفضل الخلق، قال اللَّه تعالى عن آدم وحواء: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣]، وقال موسى: ﴿رَبِّ إِنِّيِ

стр. 1282

ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [النمل: ٤٤]، والخليل ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [إبراهيم: ٤١] ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢]، وقال يونس: ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، وثبت في "الصحيح"، عن النبي ﷺ : أنه كان يقول: "ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي" (١). قال: وأما ما ذكره الترمذي من أصناف الرحمة، فلا ريب أن الرحمة أصناف متنوعة، كما ذكره، وليس في الحديث: رحمة من عندك، وإنما فيه: "فاغفر لي مغفرة من عندك"، ولكن مقصوده: أن يشبه هذا بقوله: ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ [آل عمران: ٨]، وقد جعل هذه المغفرة "من عنده" مغفرة مخصوصة، ليست مما يبذل للعامة، كما أن الرحمة المخصوصة ليست مما يبذل للعامة. ثم نظر في بعض كلامه، ثم حمل كلامه على وجه صحيح، وذكر كلام الإمام عمر بن الخطاب ﵁: احمل كلام أخيك على أحسنه، حتى يأتيك ما يغلبك منه (٢)، واللَّه أعلم. وفي هذا الحديث أيضًا من الفوائد: استحباب طلب التعلم من العالم، خصوصًا في الدعوات المطلوب فيها جوامع الكلم، الذي هذا الدعاء منه، واللَّه الموفق. * * *

стр. 1283

الحديث الخامس عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: مَا صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةً بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] إلَّا يَقُولُ فِيهَا: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبحَمْدِك، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي" (١). وفي لَفْظٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبنا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي" (٢).

стр. 1284

(عن) أم المؤمنين (عائشة) الصديقة (﵂)، وعن أبيها (قالت: ما صلى النبي ﷺ صلاة) من الصلوات المكتوبات (بعد أن نزلت عليه:) سورة (﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْح﴾)، وقد أخرج النسائي، من حديث ابن عباس ﵄: أنها آخر سورة أنزلت من القرآن (١)، وقد جاء: أن سورة براءة آخر سورة (٢)، والجمع بينهما: أن آخرية "النصر" نزولها كاملة، بخلاف "براءة"، ويقال: إن ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ نزلت يوم النحر، وهو بمنى في حجة الوداع، وقيل: عاش بعدها إحدى (٣) وثمانين يومًا. وعند ابن أبي حاتم، من حديث ابن عباس: عاش بعدها تسع ليال (٤)، وعن مقاتل: سبعًا، وعن بعضهم: ثلاثًا، وقيل: ثلاث ساعات، وهو باطل؛ كما في "الفتح" (٥).

стр. 1285

وفي "تفسير مجير الدين الحنبلي" (١): قال ابن عباس ﵄: لما نزلت هذه السورة، علم النبي ﷺ أنه قد نُعيت إليه نفسه (٢). وعند الكمال يُرتقب الزوال، قال: وكان ﷺ بعد نزولها لم يُر ضاحكًا مستبشرًا، قال: وعاش بعدها سنتين (٣)، وحج، فنزل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فعاش أحدًا وثمانين يومًا، فنزل: ﴿يسَتَفتُونَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، فعاش خمسين يومًا، فنزل: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]، فعاش خمسة وثلاثين يومًا، فنزل: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١]، فعاش أحدًا وعشرين يومًا، وتوفي ﷺ يوم الاثنين، لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، وفرغ من جهازه يوم الثلاثاء، ودفن ليلة الأربعاء في سنة إحدى عشرة من الهجرة الشريفة ﷺ ، انتهى. (إلا يقول فيها)؛ أي: الصلاة التي يصليها: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك)، قال في "الفتح": فسبح متلبسًا بالحمد؛ لأنه يحتمل أن يكون المراد: فسبح بنفس الحمد، فلا يتمثل حتى يجمعهما، وهو الظاهر، انتهى (٤).

стр. 1286

(اللهم اغفر لي) امتثالًا لقوله: ﴿وَاستَغفِرهُ﴾ [النصر: ٣]. (وفي لفظ)، وفي نسخة: وفي رواية؛ أي: عندهما: (كان رسول اللَّه ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده)، قال في "الفتح": اختار ﷺ الصلاة لهذا القول؛ لأن كمالها أفضل من غيرها، قال: وليس في الحديث أنه لم يكن يقول ذلك خارج الصلاة أيضًا، بل في بعض طرقه عند مسلم ما يشعر بأنه ﷺ كان يواظب على ذلك داخل الصلاة وخارجها (١)، وفي هذه الرواية بيان المحل الذي كان يقوله ﷺ فيه من الصلاة، وهو الركوع والسجود (٢). وقال ابن دقيق العيد: يؤخذ من هذا الحديث: إباحة الدعاء في الركوع، وإباحة التسبيح في السجود، ولا يعارضه قوله ﷺ : "أما الركوع، فعظموا فيه الرب، وأما السجود، فاجتهدوا فيه من الدعاء" (٣)، قال: ويمكن أن يحمل حديث الباب على الجواز، وغيره على الأولوية، ويحتمل أن يكون أمر في السجود بتكثير الدعاء؛ لإشارة قوله: "فاجتهدوا"، والذي وقع في الركوع من قوله: "اللهم اغفر لي" ليس كثيرًا، فلا يعارض ما أمر به في السجود، انتهى (٤). واعترضه الفاكهي: بأن قول عائشة ﵂: كان يكثر أن يقول، صريح في كون ذلك وقع منه كثيرًا؛ هكذا نقله ابن الملقن في "شرحه".

стр. 1287

وتعجب منه في "الفتح": بأن ابن دقيق العيد أراد بنفي الكثرة: عدمَ الزيادة على قوله: "اللهم اغفر لي" في الركوع الواحد؛ فهو قليل بالنسبة إلى السجود المأمور به بالاجتهاد في الدعاء المشعر بتكثيره، ما لم يرد أنه كان يقول ذلك في بعض الصلاة دون بعض، حتى يعترض عليه بقول عائشة ﵂: كان يكثر (١). تنبيه: الحديث الذي أشار إليه ابن دقيق العيد: "أما الركوع ... " إلى آخره، أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وفيه بعد قوله: "فاجتهدوا فيه في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم" (٢)، وقمن: بفتح القاف، والميم، وقد تكسر - معناه: حقيق (٣). وجاء الأمر بالإكثار من الدعاء في السجود، وهو أيضًا عند مسلم، وأبي داود، والنسائي، من حديث أبي هريرة، بلفظ: "أقربُ ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا فيه من الدعاء" (٤). قال في "الفتح": والأمر بالإكثار في الدعاء، يشمل الحث على تكثير الطلب لكل حاجة؛ كما جاء في حديث أنس: "ليسأل أحدُكم حاجته ربه

стр. 1288

كلَّها، حتى شسع نعله" أخرجه الترمذي (١)، والمراد: التكرار للسؤال الواحد، والاستجابة تشمل استجابة الدعاء بإعطاء سؤله، واستجابة المثني بتعظيم ثوابه (٢). وفي "الفتاوى المصرية" لشيخ الإسلام ابن تيمية: قد صح عن النبي ﷺ : أنه قال: "نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا وساجدًا؛ أما الركوع، فعظِّموا فيه الرب، وأما السجود، فاجتهدوا فيه في الدعاء، فَقَمِنٌ أن يستجاب لكم" (٣). قال: وقد اتفق العلماء على كراهة القراءة في الركوع والسجود؛ تشريفًا للقرآن، وتعظيمًا له ألا يقرأ في حال الخضوع (٤). وقال في موضع آخر منها: قد تنازع العلماء في الدعاء في الركوع والسجود؛ فقيل: يكره فيهما؛ كقول أبي حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد، وقيل: يكره في الركوع دون السجود؛ كقول مالك، وقيل: لا بأس به في الركوع والسجود؛ كقول الشافعي، والقول الآخر في مذهب الإمام أحمد. قال: وقد ثبت عن النبي ﷺ في "الصحيح": أنه كان يدعو في ركوعه وسجوده (٥)، لكن عامة ذلك كان في النافلة (٦)، انتهى.

стр. 1289

(سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي) هذا مقول "يقول"، فهو في محل نصب على أنه مفعول، زاد في رواية: "يتأول القرآن" (١)؛ أي: يجعل ما أمر به من التسبيح والتحميد والاستغفار في أشرف الأوقات والأحوال (٢). وقد أخرجه ابن مردويه، من طريق أخرى، عن مسروق، عن عائشة ﵂، فزاد فيه: "علامة في أمتي، أمرني ربي إذا رأيتها أكثر من قول: سبحان اللَّه وبحمده، وأستغفر اللَّه وأتوب إليه، فقد رأيت: ﴿إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] فتح مكة ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ٢] " (٣). قال الإمام ابن القيم في "الهدي": كأنه أخذه من قوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾؛ لأنه كان يجعل الاستغفار في خواتيم الأمور، فيقول إذا سلم من الصلاة: "أستغفر اللَّه، ثلاثًا" (٤)، وإذا خرج من الخلاء قال: "غفرانك" (٥)، وورد الأمر بالاستغفار عند انتهاء المناسك: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٦) الآية [البقرة: ١٩٩].

стр. 1290

قال في "الفتح": ويؤخذ أيضًا من قوله تعالى-: ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣]، فقد كان يقول عند انقضاء الوضوء: "اللهم اجعلني من التوابين" (١)، انتهى (٢). * * *

стр. 1291

باب الوتر قال في "النهاية": الوتر -تكسر واوه، وتفتح-: الفرد (١). زاد في "القاموس": أو ما لم يشفع من العدد (٢). وذكر الحافظ في هذا الباب ثلاثة أحاديث. * * *

стр. 1292

الحديث الأول عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: سَأَلَ رَجُل النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ: مَا تَرَى فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ؟ قَالَ: "مَثْنَى مَثْنَى، فَإذَا خَشِيَ الصُّبْحَ، صَلَّى وَاحِدَةً، فَأَوْتَرَتْ لَهُ مَا صَلَّى"، وَإنَّه كَانَ يَقُولُ: "اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا" (١).

стр. 1293

(عن) أبي عبد الرحمن (عبد اللَّه بن) أمير المؤمنين (عمر) بن الخطاب (﵄، قال) ابن عمر: (سأل رجل) في "معجم الطبراني": أن ابن عمر ﵄ هو السائل (١)، لكن يعكر عليه ما في "صحيح مسلم"، عن ابن عمر: أن رجلًا سأل النبي ﷺ ، وأنا بينه وبين السائل (٢)، وفي أبي داود: أن رجلًا من أهل البادية قال: يا رسول اللَّه!، الحديث (٣). (النبيَّ) بالنصب مفعول سأل ( ﷺ وهو على المنبر-) يخطب، فقال: (ما ترى في صلاة الليل؟)، وفي لفظ: قال: يا رسول اللَّه! كيف صلاة الليل؟ (٤) أي: عددها، (قال: مثنى مثنى) يسلم من كل ركعتين، ومثنى: في محل رفع خبر مبتدؤه هو قوله: "صلاة الليل"، والتكرير للتأكيد؛ لأن الأول مكرر معنى، فإن معناه: اثنين اثنين، ولذلك منع من الصرف.

стр. 1294

قال الزمخشري: وإنما لم ينصرف؛ لتكرار العدل فيه، وزعم سيبويه: أن عدم صرفه للعدل والصفة، وتعقبه في "الكشاف": بأن الوصفية لا يعرج عليها؛ لأنها لو كانت مؤترة في المنع من الصرف، لقلت: مررت بنسوة أربع -مفتوحًا- فلما صرفه، علم أنها ليست بمؤثرة، والوصفية ليست بأصل؛ لأن الواضع لم يضعها لتقع وصفًا، بل عرض لها ذلك، نحو: مررت بحية ذراع، ورجل أسد؛ فالذراع والأسد: ليسا بصفتين للحية والرجل حقيقة (١). (فإذا خشي) المصلي (الصبح)، وفي لفظ: "فإذا خفت الصبح" (٢)؛ أي: دخولَ وقته (صلى واحدة)، وفي رواية: "فأوترْ بواحدة" (٣)؛ أي: ركعة مفردة، (فأوترت له) تلك الركعة (ما صلى) قبلها. وفيه: حجة لمن جوز الإيتار بواحدة؛ كالإمام أحمد، والشافعي، ومالك في رواية عنه، وهو مذهب الجمهور. قال في "الفروع": ولا يكره الوتر بواحدة، وفاقًا للشافعي ومالك في رواية، وعن الإمام أحمد رواية ثانية: يكره الاقتصار على ركعة، وقيل: بلا عذر. وفي "الفصول": إن أوتر بأكثر من ثلاث، فهل يسلم من كل ركعتين كسائر الصلوات؟ قال: وهذا أصح، أو يجلس عقب الشفع ويتشهد، ثم يجلس عقب الوتر ويسلم؟ فيه وجهان: معتمد المذهب: الأول، وأدنى

стр. 1295

كماله: ثلاث بتسليمتين، وجاز بتسليمة، وقيل: ما لم يجلس عقب ثانية، واختار الشيخ: يخير بين فصل ووصل. وليس الوتر كالمغرب حتمًا؛ خلافًا لأبي حنيفة، ولا أنه ركعة، وقبله شفع لا حد له؛ خلافًا لمالك، بل أقله ركعة، وأكثره إحدى عشرة؛ وفاقًا للشافعي. وذكر بعض الشافعية: أن الشافعية قالوا: لم يقل أحد من العلماء: إن الركعة الواحدة لا يصح الإيتار بها؛ إلا أبو حنيفة والثوري، ومن تابعهما. وتعجب بعض الحنفية من هذا الشافعي: كيف ينقل هذا النقل الخطأ، ولا يرده مع علمه بخطئه؟! قال الحنفي: وذكرنا عن جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم: أنه يوتر بثلاث، ولا تجزئه الركعة الواحدة؛ كذا قال. قال الإمام ابن مفلح في "فروعه": ولم أجد في كلام عن أحد: أن الركعة لا تصح ولا تجزىء، بل ولا يصح هذا عن صحابي ولا تابعي، وغايته: كراهة الاقتصار على الركعة -إن صح-، والعجب [ممن] حكى: أن الحسن البصري حكى إجماع المسلمين على الثلاث. وفي "جوامع الفقه" للحنفية: لو ترك القعدة الأولى في الوتر جاز. ونقل النووي عن أبي حنيفة: لا يصح الإيتار بواحدة، ولا تكون الركعة الواحدة صلاة قط، والأحاديث الصحيحة ترد عليه، انتهى (١). (وأنه) ﷺ (كان يقول: اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا)، وهذا الأمر محمول على الاستحباب؛ كما أن الأمر بأصل الوتر كذلك.

стр. 1296

والحاصل: أن الوتر اختلف فيه في أشياء، منها: في وجوبه وعدمه: فمعتمد المذهب؛ وفاقًا لمالك والشافعي: أنه سنة. وقال أبو حنيفة: هو واجب، وخالفه صاحباه؛ فوافقا الجمهور على أنه سنة. لنا على عدم وجوبه أحاديث: منها: حديث علي بن أبي طالب ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يا أهل القرآن! أوتروا؛ فإن اللَّه يحب الوتر" رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، والنسائي، وابن خزيمة في "صحيحه"، وأبو يعلى الموصلي (١)، والطبراني، وغيره (٢). وروى أبو داود، وابن ماجه، من حديث ابن مسعود ﵁، عن رسول اللَّه ﷺ ، نحوه، وقال فيه: فقال أعرابي: ما تقول؟ قال: "ليس لك، ولا لأصحابك" (٣). وفي حديث علي: أنه قال: الوتر ليس بحتم كهيئة الصلاة، ولكنه سنة

стр. 1297

سنها رسول اللَّه ﷺ ، وهكذا رواه من قدمنا ذكرهم من أصحاب السنن، وغيرهم (١). ومنها: حديث عبادة بن الصامت ﵁، وفيه: أن ابن محيريز القرشي أخبره: أن المخدجي -رجل من بني كنانة - أخبره: أن رجلًا من الأنصار بالشام يكنى: أبا محمد أخبره: أن الوتر واجب، فذكر المخدجي: أنه راح إلى عبادة بن الصامت ﵁، فذكر له: أن أبا محمد يقول ﷺ : الوتر واجب، فقال: كذب أبو محمد، سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "خمس صلوات كتبهن اللَّه تعالى على عباده، من أتى بهن، كان له عند اللَّه تعالى عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن، فليس له عند اللَّه عهد؛ إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له". قال الخطابي: أراد بقوله: "كذب": أخطأ في الفتوى؛ لأن الكذب إنما يكون في الإخبار، ولم يخبر عن غيره، وأبو محمد صحابي اسمه: مسعود بن زيد بن سبيع (٢). وروى هذا الحديث -أيضًا-: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والروياني، والطبراني، وأبو حاتم البستي، وقال: المخدجي هو أبو رفيع (٣)، ذكره في

стр. 1298

كتاب "الثقات" (١)، وقيل: إن المخدجي رفيع. ومنها: ما رواه الإمام أحمد، والشيخان، من حديث ابن عمر ﵄: أن رسول اللَّه ﷺ أوتر على البعير" (٢). وفي "الصحيحين"، وغيرهما، عن سعيد بن يسار، قال: كنت مع ابن عمر ﵄ في سفر، فتخلفت عنه، فقال: أين كنت؟ فقلت: أوترت، فقال: أليس لك في رسول اللَّه أسوة! رأيت رسول اللَّه ﷺ يوتر على راحلته (٣). وروى الإمام أحمد، عن ابن عباس، مرفوعًا: "ثلاث هن عليَّ فرائض، وهنَّ لكم تطوع: الوتر، والنحر، وصلاة الضحى" (٤)، وروى عنه -أيضًا-: أنه ﷺ قال: "أمرت بركعتي الضحى، والوتر، ولم يكتب" (٥). ومثله من حديث أنس رواه ابن شاهين، ولفظه: "أمرت بالضحى، والوتر، ولم يفرض علي" (٦)، وروى ابن شاهين -أيضًا-، من حديث ابن

стр. 1299

عباس ﵄، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ثلاث عليَّ فريضة، وهنَّ لكم تطوع: الوتر، وركعتا الفجر، وركعتا الضحى" (١). وأما احتجاجهم على الوجوب؛ فبظواهر أحاديث صحيحة، لكن دلالتها على الوجوب غير صريحة، أو بأحاديث دلالتها صريحة لكنها غير صحيحة: منها: حديث: "الوتر حق" رواه الإمام أحمد "فمن لم يوتر، فليس منا"، رواه الإمام أحمد من حديث عبد اللَّه بن بريدة، عن أبيه، مرفوعًا (٢)، ورواه من حديث أبي هريرة، مرفوعًا، بلفظ: "من لم يوتر، فليس منا" (٣). ورواه الدارقطني من حديث أبي أيوب ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "الوتر حق واجب؛ فمن شاء أن يوتر بثلاث، فليوتر، ومن شاء أن يوتر بواحدة، فليوتر بواحدة" (٤). وقد روى حديث عبد اللَّه بن بريدة، عن أبيه: أبو داود، والحاكم، وصححه (٥)، وفي إسناده: عبيد اللَّه العتكي، قال البخاري: عنده مناكير، وقال النسائي: ضعيف، ووثقه يحيى في رواية (٦).

стр. 1300

وفي حديث أبي هريرة: الخليل بن مرة؛ ضعفه يحيى، والنسائي، وقال البخاري: منكر الحديث (١). وفي حديث أبي أيوب: محمد بن حسان، وقد ضعفوه، قال الدارقطني: قوله: "واجب" ليس بمحفوظ، لا أعلم أحدًا تابع محمد بن حسان عليه، إنما يروى: "الوتر حق" (٢). قال ابن الجوزي في "التعليق": قال أصحابنا: لو ثبت لفظة "حق"، فمعناها: أنه مشروع في السنة، وقوله: "ليس منا" إذا صح، المراد به: لم يتخلق بأخلاقنا (٣). وقد روى حديث أبي أيوب: أبو داود، فقال فيه: "حق على كل مسلم"، ويتأول أنه حق في باب الاستحباب، ولفظه قال: "الوتر حق؛ فمن أحب أن يوتر بخمس، فليوتر، ومن أحب أن يوتر بواحدة، فليوتر" (٤)، وفي لفظ: "فمن شاء أوتر بسبع، ومن شاء أوتر بخمس، ومن شاء أوتر بثلاث، ومن شاء أوتر بواحدة"، ورواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والنسائي، وأبو حاتم البستي، والحاكم، وقال: على شرطهما (٥).
следующие страницы →