← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

والحاصل: أن الوتر اختلف فيه في أشياء، منها: في وجوبه وعدمه: فمعتمد المذهب؛ وفاقًا لمالك والشافعي: أنه سنة. وقال أبو حنيفة: هو واجب، وخالفه صاحباه؛ فوافقا الجمهور على أنه سنة. لنا على عدم وجوبه أحاديث: منها: حديث علي بن أبي طالب ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يا أهل القرآن! أوتروا؛ فإن اللَّه يحب الوتر" رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، والنسائي، وابن خزيمة في "صحيحه"، وأبو يعلى الموصلي (١)، والطبراني، وغيره (٢). وروى أبو داود، وابن ماجه، من حديث ابن مسعود ﵁، عن رسول اللَّه ﷺ ، نحوه، وقال فيه: فقال أعرابي: ما تقول؟ قال: "ليس لك، ولا لأصحابك" (٣). وفي حديث علي: أنه قال: الوتر ليس بحتم كهيئة الصلاة، ولكنه سنة

стр. 1297

سنها رسول اللَّه ﷺ ، وهكذا رواه من قدمنا ذكرهم من أصحاب السنن، وغيرهم (١). ومنها: حديث عبادة بن الصامت ﵁، وفيه: أن ابن محيريز القرشي أخبره: أن المخدجي -رجل من بني كنانة - أخبره: أن رجلًا من الأنصار بالشام يكنى: أبا محمد أخبره: أن الوتر واجب، فذكر المخدجي: أنه راح إلى عبادة بن الصامت ﵁، فذكر له: أن أبا محمد يقول ﷺ : الوتر واجب، فقال: كذب أبو محمد، سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "خمس صلوات كتبهن اللَّه تعالى على عباده، من أتى بهن، كان له عند اللَّه تعالى عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن، فليس له عند اللَّه عهد؛ إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له". قال الخطابي: أراد بقوله: "كذب": أخطأ في الفتوى؛ لأن الكذب إنما يكون في الإخبار، ولم يخبر عن غيره، وأبو محمد صحابي اسمه: مسعود بن زيد بن سبيع (٢). وروى هذا الحديث -أيضًا-: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والروياني، والطبراني، وأبو حاتم البستي، وقال: المخدجي هو أبو رفيع (٣)، ذكره في

стр. 1298

كتاب "الثقات" (١)، وقيل: إن المخدجي رفيع. ومنها: ما رواه الإمام أحمد، والشيخان، من حديث ابن عمر ﵄: أن رسول اللَّه ﷺ أوتر على البعير" (٢). وفي "الصحيحين"، وغيرهما، عن سعيد بن يسار، قال: كنت مع ابن عمر ﵄ في سفر، فتخلفت عنه، فقال: أين كنت؟ فقلت: أوترت، فقال: أليس لك في رسول اللَّه أسوة! رأيت رسول اللَّه ﷺ يوتر على راحلته (٣). وروى الإمام أحمد، عن ابن عباس، مرفوعًا: "ثلاث هن عليَّ فرائض، وهنَّ لكم تطوع: الوتر، والنحر، وصلاة الضحى" (٤)، وروى عنه -أيضًا-: أنه ﷺ قال: "أمرت بركعتي الضحى، والوتر، ولم يكتب" (٥). ومثله من حديث أنس رواه ابن شاهين، ولفظه: "أمرت بالضحى، والوتر، ولم يفرض علي" (٦)، وروى ابن شاهين -أيضًا-، من حديث ابن

стр. 1299

عباس ﵄، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ثلاث عليَّ فريضة، وهنَّ لكم تطوع: الوتر، وركعتا الفجر، وركعتا الضحى" (١). وأما احتجاجهم على الوجوب؛ فبظواهر أحاديث صحيحة، لكن دلالتها على الوجوب غير صريحة، أو بأحاديث دلالتها صريحة لكنها غير صحيحة: منها: حديث: "الوتر حق" رواه الإمام أحمد "فمن لم يوتر، فليس منا"، رواه الإمام أحمد من حديث عبد اللَّه بن بريدة، عن أبيه، مرفوعًا (٢)، ورواه من حديث أبي هريرة، مرفوعًا، بلفظ: "من لم يوتر، فليس منا" (٣). ورواه الدارقطني من حديث أبي أيوب ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "الوتر حق واجب؛ فمن شاء أن يوتر بثلاث، فليوتر، ومن شاء أن يوتر بواحدة، فليوتر بواحدة" (٤). وقد روى حديث عبد اللَّه بن بريدة، عن أبيه: أبو داود، والحاكم، وصححه (٥)، وفي إسناده: عبيد اللَّه العتكي، قال البخاري: عنده مناكير، وقال النسائي: ضعيف، ووثقه يحيى في رواية (٦).

стр. 1300

وفي حديث أبي هريرة: الخليل بن مرة؛ ضعفه يحيى، والنسائي، وقال البخاري: منكر الحديث (١). وفي حديث أبي أيوب: محمد بن حسان، وقد ضعفوه، قال الدارقطني: قوله: "واجب" ليس بمحفوظ، لا أعلم أحدًا تابع محمد بن حسان عليه، إنما يروى: "الوتر حق" (٢). قال ابن الجوزي في "التعليق": قال أصحابنا: لو ثبت لفظة "حق"، فمعناها: أنه مشروع في السنة، وقوله: "ليس منا" إذا صح، المراد به: لم يتخلق بأخلاقنا (٣). وقد روى حديث أبي أيوب: أبو داود، فقال فيه: "حق على كل مسلم"، ويتأول أنه حق في باب الاستحباب، ولفظه قال: "الوتر حق؛ فمن أحب أن يوتر بخمس، فليوتر، ومن أحب أن يوتر بواحدة، فليوتر" (٤)، وفي لفظ: "فمن شاء أوتر بسبع، ومن شاء أوتر بخمس، ومن شاء أوتر بثلاث، ومن شاء أوتر بواحدة"، ورواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والنسائي، وأبو حاتم البستي، والحاكم، وقال: على شرطهما (٥).

стр. 1301

وقال الحافظ ابن عبد الهادي، في حديث أبي أيوب: قوله: محمد بن حسان ضعفوه، ليس بصحيح؛ فلا نعلم أحدًا ضعفه، بل قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سمعت منه مع أبي، وهو صدوق ثقة (١)، واللَّه الموفق. ومنها: ما رواه الدارقطني، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: مكثنا زمانًا لا نزيد على الصلوات الخمس، فأمرنا رسول اللَّه ﷺ ، فاجتمعنا، فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال: "إن اللَّه قد زادكم صلاة"، فأمرنا بالوتر (٢). ورواه الإمام أحمد عنه، ولفظه: إن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن اللَّه قد زادكم صلاة، وهي الوتر" (٣). وقد روي من حديث ابن عباس، بلفظ: "إن اللَّه أمدكم بصلاة، وهي الوتر" (٤). ورواه الإمام أحمد، من حديث خارجة بن حذافة، قال: خرج علينا رسول اللَّه ﷺ ذات غداة، فقال: "لقد أمدكم اللَّه بصلاة، هي خير لكم من

стр. 1302

حمر النعم"، قلنا: وما هي يا رسول اللَّه؟ قال: "الوتر، فيما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر" (١). والجواب: أما حديث عمرو بن شعيسب، عن أبيه، عن جده: ففيه محمد بن عبيد اللَّه العزرمي، قال الإمام أحمد: ترك الناس حديثه، وفي طريقه الثانية: الحجاج بن أرطاة، قال الإمام -أحمد أيضًا-: لا يحتج به. وأما حديث ابن عباس: ففيه النضر، قال الإمام أحمد: ليس بشيء، وقال يحيى: لا يحل لأحد أن يروي عنه. وأما حديث خارجة: ففيه ابن إسحاق، والكلام فيه مشهور، وقد رواه بالعنعنة، عن يزيد بن أبي حبيب، وفيه أيضًا عبد اللَّه بن راشد، وقد ضعفه الدارقطني، وقال البخاري: لا يعرف إلا بحديث الوتر (٢). قال ابن عبد الهادي الحافظ في "تنقيح التحقيق": حديث خارجة رواه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي، وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديث يزيد، ورواه الحاكم وصححه، وقال: تركاه لتفرد التابعي، عن الصحابي، وأما عبد اللَّه بن راشد، فرواه عن عبد اللَّه بن أبي مرة، ولا يعرف له منه سماع، وليس هو الذي ضعفه الدارقطني؛ فإن ذاك عبد اللَّه بن راشد البصري مولى عثمان بن عفان الراوي عن أبي سعيد الخدري، وأما راوي حديث خارجة، فهو الزوفي أبو الضحاك المصري.

стр. 1303

قال أبو إسحاق: الزوفي من حِمْير، ولا يعرف سماعه من ابن أبي مرة، وذكره ابن حبان في "الثقات" (١). ومنها: حديث أبي بصرة، رواه الإمام أحمد، عن أبي تميم الجيشاني قال: سمعت عمرو بن العاص يقول: أخبرني رجل من أصحاب النبي ﷺ : أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن اللَّه زادكم صلاة، فصلوها فيما بين صلاة العشاء، إلى صلاة الصبح، الوتر الوتر"، ألا وإنه أبو بصرة الغفاري، قال أبو تميم: فكنت أنا وأبو ذر قاعدين، فأخذ بيدي أبو ذر، فانطلقنا إلى أبي بصرة، فقال أبو ذر: يا أبا بصرة! أنت سمعت النبي ﷺ يقول: "إن اللَّه زادكم صلاة، فصلوها ما بين صلاة العشاء، إلى صلاة الصبح، الوتر الوتر"؟ قال: نعم، فال: أنت سمعته؟ قال: نعم، قال: أنت سمعته؟ قال: نعم (٢). وروى الإمام بن الإمام عبدُ اللَّه بنُ الإمام أحمد، عن عبد الرحمن بن رافع التنوخي القاضي: أن معاذ بن جبل ﵁ قدم الشام، وأهل الشام لا يوترون، فقال لمعاوية: ما لي أرى أهل الشام لا يوترون؟! فقال معاوية: أواجب ذلك عليهم؟ قال: نعم، سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "زادني ربي صلاة، وهي الوتر، وقتها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر" (٣).

стр. 1304

وروى أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، عن عمه ابن وهب، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ : أنه قال: "إن اللَّه زادكم صلاة إلى صلاتكم، وهي الوتر" (١). والجواب: أما حديت أبي تميم: ففيه ابن لهيعة، والكلام فيه مشهور، على أنه روي من غير طريق ابن لهيعة، ثم إنه لا يدل على الوجوب. وأما حديث معاذ: فصرح فيه بالوجوب، ولكن فيه عبيد اللَّه بن زحر، قال يحيى: إنه ليس بشيء، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات، وفيه عبد الرحمن بن رافع، قال البخاري: في حديثه مناكير. قال الحافظ ابن عبد الهادي: حديث معاذ هذا لا يثبت؛ لأن فيه ضعفًا، وانقطاعًا؛ فإن عبد الرحمن بن رافع التنوخي قاضي إفريقية لم يدرك معاذًا (٢). وأما حديث ابن عمر: فقال ابن حبان: لا يخفى على من كتب حديث ابن وهب: أن هذا الحديث موضوع، وأحمد بن عبد الرحمن كان يأتي عن عمه بما لا أصل له (٣). وقد روى البيهقي بسنده إلى أبي نضرة العبدي، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه زادكم صلاة إلى صلاتكم، هي خير من حمر النعم، ألا وهي الركعتان قبل صلاة الفجر".

стр. 1305

قال العباس بن الوليد: قال لي يحيى بن معين: هذا حديث غريب، وفيه معاوية بن سلام محدث أهل الشام، وهو صدوق الحديث، ومن لم يكتب حديثه مسنده ومنقطعه فليس بصاحب حديث، وفيه عمر بن محمد بن بجير، قال ابن خزيمة: لو أمكنني أن أرحل إلى ابن بجير، لرحلت إليه هذا الحديث (١). قال الحافظ ابن عبد الهادي: وقد روي في ركعتي الفجر حديث صحيح؛ كما روي في الوتر، انتهى (٢). يعني: فيلزم من قال بوجوب الوتر، القول بوجوب ركعتي الفجر، واللَّه أعلم. ومن الأشياء التي اختلف في الوتر فيها: عدده: وقدمنا أن معتمد مذهبنا كالشافعية: أن أكثره إحدى عشرة ركعة، وقيل: أكثره ثلاث عشرة ركعة. وعند أبي حنيفة: هو ثلاث ركعات كالمغرب، وعند مالك: الوتر ركعة، وما قبله شفع لا حد له (٣). ومنها: وقته: فمذهبنا، كالمالكية، والشافعية: من بعد صلاة العشاء الآخرة إلى وقت الفجر، وعن الإمام أحمد رواية أخرى: إلى صلاة الفجر، وفاقًا لمالك. ومذهب أبي حنيفة: وقته من غيبوبة الشفق، إلا أنه واجب عنده، فيقدم العشاء عنده للترتيب؛ كصلاة الوقت، والفائتة، وقال صاحباه كقولنا. قال الإمام أحمد، فيمن يفجؤه الصبح، ولم يكن صلى بعد العتمة

стр. 1306

شيئًا، ولا أوتر، قال: فيوتر بواحدة، قيل له: ولا يصلي قبلها شيئًا؟ قال: لا. قال القاضي: فبين جواز الوتر بركعة، ليس قبلها صلاة، والأفضل تأخير فعل الوتر لآخر وقته إن وثق من نفسه أن يستيقظ؛ إما بنفسه أو بمن يوقظه، لا مطلقًا؛ وفاقًا للشافعي (١). ومنها: هل يختص بقراءة، أو لا؟ فمعتمد المذهب: الأولى أن يقرأ في الأولى بـ "سبح"، وفي الثانية بـ "الكافرون"؛ وفاقًا لمالك في رواية، وفي الثالثة بـ "الإخلاص"، وعنه: والمعوذتين؛ وفاقًا لمالك والشافعي. ومذهب أبي حنيفة: لا يتعين في الركعات الثلاث سورة (٢). لنا: ما رواه الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم؛ عن ابن عباس ﵄، قال: كان رسول اللَّه ﷺ يقرأ في الوتر بسبح اسم ربك الأعلى، وقل يا أيها الكافرون، وقل هو اللَّه أحد (٣). وروى الإمام أحمد: نحوه، من حديث سعيد بن عبد الرحمن بن

стр. 1307

أبزى، عن أبيه، وزاد: وإذا أراد أن ينصرف من الوتر، قال: "سبحان الملك القدوس"، ثلاث مرات، يرفع صوته في الثالثة، ورواه النسائي من عدة طرق (١). وأما زيادة المعوذتين في الثالثة: فرواه الدارقطني، من حديث عائشة، مرفوعًا، ومن حديث محمد بن سلمة (٢)، قال ابن الجوزي: والطريقان لا يصحان: ففي الطريق الأولى يحيى بن أيوب، قال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به، وفي الثاني: محمد بن سلمة ضعيف، وقد أنكر الإمام أحمد، ويحيى بن معين: زيادة المعوذتين (٣). قال الحافظ ابن عبد الهادي: يحيى بن أيوب من رجال "الصحيحين"، وفد روى حديثه هذا الحاكم في "المستدرك"، وقال: على شرطهما (٤). وسئل يحيى بن سعيد عن هذا الحديث، فقال: لا أعرفه، وقال الإمام أحمد: كان يحيى بن أيوب يحدث من حفظه، وكان لا بأس به، وكان كثير الوهم في حفظه، فذكرت له حديثه هذا، عن عمرة، عن عائشة، فقال: من يحتمل هذا؟ وقال مرة: كم روى هذا عن عائشة من الناس! ليس فيه هذا؛ يعني: زيادة المعوذتين. وقال الحافظ ابن عبد الهادي: ومحمد بن سلمة الحراني صدقه الإمام

стр. 1308

أحمد، وغيره، وروى له مسلم في "صحيحه"، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وقال البخاري في حديث الوتر، عن عائشة: عبد العزيز بن جريج، عن عائشة لا يتابع في حديثه (١). والحاصل: أن أئمة الحفاظ أنكروا زيادة المعوذتين، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1309

الحديث الثاني عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؛ منْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَأَوْسَطِهِ، وَآخِره، فَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ (١). * * * (عن) أم المؤمنين (عائشة) الصديقة (﵂، قالت: من كل

стр. 1310

الليل قد أوتر رسول اللَّه ﷺ )، ثم بينت المراد من ذلك، فقالت: (من أول الليل) بعد صلاة العشاء وسنتها، (و) من (أوسطه)؛ أي: الليل، فكان ربما أخر الوتر إلى وسط الليل، فصلاه بعد صلاة الليل، (و) من (آخره)؛ أي: آخر الليل؛ ليكون آخر صلاته من الليل، (فانتهى وتره) ﷺ ؛ أي: تأخر فعله (إلى) وقت (السحر)، وهو آخر الليل. قال في "القاموس": السحر: قبيل الصبح (١). زاد أبو داود، والترمذي، بعد قوله: "إلى السحر": "حين مات" (٢). قلت: هكذا في مسلم، ولم يخرجه البخاري بهذا اللفظ، وإنما الذي في البخاري عنها: كل الليل قد أوتر رسول اللَّه ﷺ ، فانتهى وتره إلى آخر الليل، فتنبه له. قال في "الإقناع": والأفضل فعلُه آخر الليل لمن وثق من قيامه فيه، وإلا، أوتر قبل أن يرقد -كما تقدم-، ويقضيه مع شفعه إذا فات وقته (٣). ولا منافاة بين هذا الحديث، ووصية أبي هريرة ﵁: بأن يوتر قبل النوم (٤)؛ لأن حديث أبي هريرة لإرادة الاحتياط، وهذا لمن وثق من نفسه بالقيام، وعلم منها القوة على ذلك. قال بعض شراح الحديث: يحتمل أن يكون اختلاف وقت الوتر

стр. 1311

باختلاف الأحوال؛ فحيث أوتر في أوله بعد صلاة العشاء, فلعله كان وَجِعًا، وحيث أوتر في وسطه، فلعله كان مسافرًا، وأما وتره في آخره، فكأنه كان غالب أحواله. وحكى الماوردي: أن السحر: السدس الأخير من الليل، وقيل: أوله الفجر الأول (١). والحكمة أنه جعل الوتر في آخر صلاة الليل: أن أول صلاة الليل المغرب، وهي وتر، فناسب أن يكون آخرها وترًا (٢). والحاصل: أن وقت الوتر ممتد من بعد صلاة العشاء الآخرة، زاد بعضهم: وسنتها، إلى قبيل الفجر، فمن وثق من نفسه القيام من الليل، فالأفضل في حقه تأخيره إلى وقت قيامه؛ ليوتر به صلاته، وإلا، فالأفضل تقديمه، بأن يوتر قبل أن ينام، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1312

الحديث الثالث عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكعَةً، يُوترُ مِنْ ذَلِكَ بخَمْسِ، لَا يَجْلِسُ في شَيْءٍ إِلَّا في آخِرِهَا (١).

стр. 1313

(عن عائشة) أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق (﵂) , وعن أبيها، (قالت: كان) تقدم غير مرة أن هذه العبارة تفيد الكثرة، أو المداومة (رسول اللَّه ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة)، منها: ركعتان خفيفتان، وهما اللتان كان يفتتح بهما صلاته من الليل، (يوتر من ذلك بخمس) ركعات يسردها سردًا، (لا يجلس في شيء) منها (إلا في آخرها). قال في "الفروع": وإن أوتر بخمس، سردهن، وكذا السبع، نصَّ عليه، وإن أوتر بتسع، تشهد بعد الثامنة، وسلم بعد التاسعة، قال: في "الخلاف" عن فعله ﷺ : قصدَ بيانَ الجواز، وإن كان الأفضل غيره، وقد نص الإمام أحمد على جواز هذا (١). تنبيهات: الأول: ظاهر صنيع الحافظ: أن هذا الحديث من متفقي الشيخين، وليس كذلك، بل هو من أفراد مسلم، كما نبه عليه الحافظ عبد الحق الإشبيلي (٢)، ولم ينبه عليه ابن دقيق العيد، وكأن ذلك؛ لكون البخاري خرج ما بمعناه، واللَّه أعلم. الثاني: مقصود الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: أن يبين بمجموع ما ذكره؛ من كون صلاة الليل مثنى مثنى؛ ليس على إطلاقه، فإنه قد ثبت عنه ﷺ : أنه سرد خمس ركعات سردًا، لم يجلس إلا في آخرها، وهذا أدل على الجواز من مفهوم الحصر، من قوله: "صلاة الليل مثنى مثنى" (٣)؛ إذ

стр. 1314

المفهوم لا يعارض صريح الفعل الثابت. والحاصل من معتمد المذهب: أن الإنسان لو نوى ليلًا أربعًا، جاز، وله أن يسلم من اثنتين، ولو نوى اثنتين، اقتصر عليهما، فلو قام إلى ثالثة سهوًا، فكقيامه إلى ثالثة بفجر، وهذا يعني: أنه لو نوى أكثر من ثنتين ليلًا، وكذا نهارًا؛ صح، خلافًا للشافعية (١). [و] الأحاديث الصحيحة بالجواز صريحة، فحمل علماؤنا كل فعل على محله الذي فعله فيه النبي ﷺ ، واللَّه أعلم. الثالث: قول عائشة ﵂: كان ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، منها: الوتر، وركعتا الفجر (٢)، وفي لفظ عنها: كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، بركعتي الفجر (٣). وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن: أنه سأل عائشة ﵂، عن صلاة رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، يصلي ثماني ركعات، ثم يوتر، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فإذا أراد أن يركع، قام فركع، ثم يصلي ركعتين بين النداء والإقامة، من صلاة الصبح، وهذه في "الصحيحين"، إلا أن البخاري لم يذكر: أنه ﷺ كان يصلي بعد الوتر شيئًا، إلا ركعتي الفجر خاصة (٤).

стр. 1315

وفي رواية لمسلم في هذا الحديث. تسع ركعات قائمًا، يوتر فيهن (١). وفيهما عن عائشة ﵂: كانت صلاة رسول اللَّه ﷺ من الليل عشر ركعات، ويوتر بسجدة، ويركع ركعتي الفجر، فتلك ثلاث عشرة ركعة (٢). وكذا في حديث أم سلمة ﵂: أن صلاته ثلاث عشرة، منها الوتر، وركعتا الفجر (٣). وقد جاء من عدة طرق: أن الوتر إحدى عشرة ركعة (٤). قال في "الفتح": وظهر لي أن الحكمة فى الزيادة على الإحدى عشرة: أن التهجد والوتر مختص بصلاة الليل، وفرائض النهار: الظهر وهي أربع، والعصر وهي أربع، والمغرب وهي ثلاث وتر النهار، فناسب أن تكون صلاة الليل كصلاة النهار في العدد، جملة وتفصيلًا، وأما مناسبة ثلاث عشرة، فتضم صلاة الصبح؛ لكونها نهارية إلى ما بعدها (٥). قلت: وفيه تأمل:

стр. 1316

أولًا: لعدم اعتبار صلاة العشاء في شيء من الطرفين. وثانيًا: لأن صلاة المغرب ليلية، وصلاة الفجر نهارية؛ لحديث: "إذا أقبل الليل من هاهنا، فقد أفطر الصائم" (١). وثالثًا: لقول مسروق بن الأجدع: سألت عائشة ﵂ عن صلاة رسول اللَّه ﷺ بالليل، فقالت: سبع، وتسع، وإحدى عشرة؛ سوى ركعتي الفجر تفرد به البخاري (٢)، يعني: كل عدد تارة في أوقات مختلفة؛ بحسب اتساع الوقت وضيقه، أو عذر من مرض، أو غيره، أو كبر سنه. وفي "النسائي" عنها: أنه كان يصلي من الليل تسعًا، فلما أسن صلى سبعًا (٣). وفي "الصحيحين"، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: أنه سأل عائشة: كيف كانت صلاة رسول اللَّه ﷺ في رمضان؟ قالت: ما كان يزيد في رمضان، ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعًا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا، قالت عائشة: فقلت: يا رسول اللَّه! أتنام قبل أن توتر؟ فقال: "يا عائشة! إن عيني تنامان، ولا ينام قلبي" (٤).

стр. 1317

الرابع: يسن قيام الليل، وافتتاحه بركعتين خفيفتين؛ لفعله وأمره ﷺ ، وينوي القيام عند النوم؛ ليفوز بقوله ﷺ : "من نام ونيته أن يقوم، كتب له ما نوى، وكان نومه صدقة عليه" رواه أبو داود، والنسائي، وهو حسن، من حديث أبي الدرداء ﵁ (١). واعلم: أن الصلاة بالليل من موجبات الجنة؛ كما دلت عليه الأحاديث، ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٥ - ١٩] فوصفهم: بالتيقظ بالليل، والاستغفار بالأسحار، وبالإنفاق من أموالهم. وفي "اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى" للحافظ ابن رجب: كان بعض السلف نائمًا، فأتاه آت في منامه، فقال له: قم فصل، أما علمت أن مفاتيح الجنة مع أصحاب الليل، هم خزانها، هم خزانها (٢)؟ واللَّه الموفق. * * *

стр. 1318

باب بالذكر عقب الصلاة وهو ما كان بعد السلام، وهذا المراد بقوله تعالى: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠]. وذكر الحافظ في هذا الباب أربعة أحاديث. * * *

стр. 1319

الحديث الأول عَنْ عبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بالذِّكرِ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ المَكْتُوبَةِ، كانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: كنتُ أَعْلَمُ إذَا انصَرَفُوا بِذَلِكَ إذَا سَمِعْتُهُ (١). وفي لفظ: مَا كنا نَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا بِالتَّكْبِيرِ (٢). * * *

стр. 1320

(عن) حبر هذه الأمة (عبد اللَّه بن عباس ﵄) قال: (إن رفع الصوت بالذكر) المشروع (حين ينصرف الناس)؛ أي: يسلمون (من) الصلاة (المكتوبة)؛ أي: المفروضة (كان) مشهورًا ومعروفًا (على عهد رسول اللَّه ﷺ )، ومثل هذا محكوم له بالرفع، خلافًا لمن شذ، ومنع ذلك، وقد اتفق الشيخان، والجمهور على: أنه يحكم له بالرفع (١). وفيه: دليل على جواز الجهر بالذكر عقب الصلاة. قال الطبري: فيه الإبانة عن صحة ما كان يفعله بعض الأمراء من التكبير عقب الصلاة (٢). وتعقبه ابن بطال: بأنه لم يقف على ذلك عن أحد من السلف، إلا ما حكاه ابن حبيب في "الواضحة" (٣): أنهم كانوا يستحبون التكبير في العساكر عقب الصبح والعشاء، تكبيرًا عاليًا ثلاثًا، قال: وهو قديم من شأن الناس، قال ابن بطال: وفي "العتبية" (٤) عن مالك: أنَّ ذلك مُحْدَث، قال: وفي السياق إشعار أن الصحابة ﵃، لم يكونوا يرفعون أصواتهم بالذكر في الوقت الذي قال فيه ابن عباس ما قال.

стр. 1321

قال في "الفتح": في التقييد بالصحابة نظر، بل لم يكن حينئذ من الصحابة إلا القليل (١). وقال النووي: حمل الشافعي هذا الحديث على: أنهم جهروا به وقتًا يسيرًا، لأجل تعليم صفة الذكر، لا أنهم داموا على الجهر به، قال: والمختار أن الإمام والمأموم يخفيان الذكر، إلا إن احتيج إلى التعليم (٢). وفي "فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية": كان ﷺ يجهر بالذكر؛ كقوله: "لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له" إلخ؛ أحيانًا، قال: وأما الذكر بعد الانصراف، فكما قالت عائشة ﵂: هو مثل مسح المرآة بعد صقالها؛ فإن الصلاة نور، فهي تصقل القلب؛ كما تصقل المرآة، ثم الذكر بعد ذلك بمنزلة مسح المرآة (٣). و (قال ابن عباس) ﵄: (كنت أعلم) فيه إطلاق العلم على الأمر المستند إلى الظن الغالب (إذا انصرفوا)؛ أي: أعلم انصرافهم (بذلك)؛ أي: برفع الصوت (إذا سمعته)، أي: الذكر، والمعنى: كنت أعلم بسماع الذكر انصرافَهم. (وفي لفظ) عند البخاري، وغيره: كنت أعرف انقضاء صلاة رسول اللَّه ﷺ بالتكبير (٤). ووقع في رواية الحميدي، عن سفيان، بصيغة الحصر، ولفظه: (ما كنا

стр. 1322

نعرف انقضاء) (١) أي: فراغ (صلاة رسول اللَّه ﷺ ) وانصرافه منها (إلا بالتكبير)، وكذا أخرجه مسلم، من حديث سفيان بن عيينة (٢). واختلف في كون ابن عباس قال ذلك: فقال عياض: الظاهر أنه لم يكن يحضر الجماعة؛ لأنه كان صغيرًا، ممن لا يواظب على ذلك، ولا يلزم به، فكأنه يعرف انقضاء الصلاة بما ذكر (٣). وقال غيره: يحتمل أن يكون حاضرًا في أواخر الصفوف، فكان لا يعرف انقضاءها بالتسليم، وإنما كان يعرفه بالتكبير (٤). قال ابن دقيق العيد: ويؤخذ منه: أنه لم يكن هناك مبلِّغ جهير الصوت، يسمع من بعد (٥). وقوله في هذه الرواية: "بالتكبير"، أخص من الرواية الأولى: "بالذكر"؛ لأنه أعم من التكبير، ويحتمل أن تكون هذه مفسرة لتلك، فكأن المراد: رفع الصوت بالذكر؛ أي: بالتكبير، وكأنهم كانوا يبدؤون بالتكبير بعد الصلاة، قبل التسبيح والتحميد (٦) -كما سننبه عليه في الحديث الثالث-.

стр. 1323

قال في "الإقناع": ويستحب الجهر بالتسبيح، والتحميد، والتكبير؛ عقب الصلاة، نقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية (١). قلت: المنقول عنه، وذكره في "الفتاوى المصرية"، وغيرها: أنه يجهر به أحيانًا؛ بقصد التعليم (٢). وفى "الفروع": وهل يستحب الجهو بذلك، لقول بعض السلف والخلف؟ وقاله شيخنا، أم لا؟ كما ذكر أبو الحسين بن بطال، وجماعة: أنه قول أهل المذاهب المتبوعة، وغيرهم؟ قال: ظاهر كلام أصحابنا مختلف، ويتوجه تخريج واحتمال: يجهر؛ لقصد التعليم فقط، ثم يتركه؛ وفاقًا للشافعي، وحمل الشافعي خبر ابن عباس ﵄ على هذا، انتهى (٣). وقال الحافظ ابن رجب في "شرح البخاري": حكي عن أكثر العلماء: أن الأفضل الإسرار بالذكر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ [الأعراف: ٢٠٥]، ولقول النبي ﷺ لمن جهر بالذكر من أصحابه: "إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا" (٤). قال: وحمل الشافعي حديث ابن عباس هذا على أنه جهر به وقتًا يسيرًا، حتى يعلمهم صفة الذكر، لا أنهم جهروا دائمًا، قال: فاختار الإمام

стр. 1324

والمأموم أن يذكروا اللَّه بعد الفراغ من الصلاة، ويخفيان ذلك، إلا أن يكون إمامًا يريد أن يُتعلَّم منه؛ فيجهر حتى يَعْلَمَ أنه قد تُعلِّم منه، ثم يُسِرُّ؛ وكذلك ذكر أصحابه. قال: وذكر بعض أصحابنا مثل ذلك -أيضًا-، ولهم وجه آخر: أنه يكره الجهر به مطلقًا. وقال القاضي أبو يعلى في "الجامع الكبير": ظاهر كلام أحمد: أنه يسن للإمام الجهر بالذكر والدعاء عقب الصلوات بحيث يُسمِعُ المأمومَ، ولا يزيد على ذلك. وذكر عن الإمام أحمد نصوصًا تدل على أنه كان يجهر ببعض الذكر، ويسر الدعاء، وهذا هو الأظهر، وأنه لا يختص ذلك بالإمام؛ فإن حديث ابن عباس هذا ظاهره يدل على جهر المأمومين -أيضًا-. قال: وأما الدعاء؛ فالسنة إخفاؤه، وفي "الصحيحين"، عن عائشة ﵂، في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]: أنها نزلت في الدعاء (١). وكذا روي عن ابن عباس، وأبي هريرة، وعن سعيد بن جبير، وعطاء، وعكرمة، وعروة، ومجاهد، وإبراهيم، وغيرهم. وقال الإمام أحمد: ينبغي أن يسر دعاءه، لهذه الآية، قال: وكان يكره أن يرفعوا أصواتهم بالدعاء، وقال الحسن: رفع الصوت بالدعاء بدعة، انتهى كلام الحافظ ابن رجب (٢).

стр. 1325

قلت: وفي "الفتاوى المصرية" لشيخ الإسلام ابن تيمية: سئل عن قوم يواظبون عقب صلاة الجماعة، يجهرون بالذكر بعد الفراغ من الصلوات الخمس، فهل يجب نهيهم عن الجهر بالذكر، على مذهب مالك، وغيره، أم لا؟ أجاب بما ملخصه: أما الذكر المشروع في أدبار الصلوات، الذي ثبت أنه ﷺ كان يقوله، أو يعلمه المسلمين، مثل ما في الصحيح: "أنه كان يهل" (١)؛ أي: يجهر بقوله: "لا إله إلا اللَّه، وحده لا شريك له" إلخ؛ فلا يكره، بل يستحب للإمام أن يستقبل المأمومين، كفعله ﷺ ، ويقول ما كان يقوله من الذكر. نعم، كره بعض السلف للإمام أن يقعد بعد الصلاة مستقبل القبلة، فظن بعض الناس أنهم كرهوا القعود مطلقًا، وقد جاءت السنة بالذكر بعد الصلاة، وبالدعاء أي: في آخرها، فظن بعض الناس أنه قد يتناول دعاء الإمام والمأمومين عقب الصلاة، قال: والصواب ما جاءت به السنة: الجهر بالذكر عقب الصلاة، وذكر حديث ابن عباس هذا. ومن الناس من كره ذلك، وظنه بدعة، ومنهم من استحب ذلك مطلقًا، ظنًا منه مداومتهم على ذلك، قال: والصواب: أنه إن كان في الجهر مصلحة راجحة مثل تعليم من لم يعرف، ونحو ذلك فهو أفضل، وإلا: فالذكر سرًا أفضل، ولا يكره الجهر إلا حيث كرهته الشريعة، انتهى (٢).

стр. 1326

الحديث الثاني عَنْ وَرَّادٍ مَوْلَى المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: أَمْلَى عَلَيَّ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فِي كِتَابٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ في دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَه، لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ"، ثُمَّ وَفَدْتُ بَعْدُ عَلَى مُعَاوِيةَ، فَسَمِعْتُهُ يَأْمُرُ النَّاسَ بِذَلِكَ (١).

стр. 1327

وفي لَفْظٍ: وكَانَ يَنْهَى عَنْ قِيل وَقَالٍ، وَإضَاعَةِ المَالِ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقُوقِ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدِ البَنَاتِ، وَمَنعٍ وهَاتِ (١). * * * (عن) أبي سعيد (وراد) -بفتح الواو، وتشديد الراء، وآخره دال مهملة- الثقفي، من التابعين، وكان (مولى المغيرة بن شعبة) ﵁، وكاتبه، يروي عنه: الشعبي، ورجاء بن حيوة، وعبد الملك بن عمير، وغيرهم، وهو كوفي، أخرج له الجماعة (٢).

стр. 1328

(قال) ورَّاد -رحمه اللَّه تعالى-: (أملى)؛ أي: ألقى (عليَّ المغيرةُ) بأن كان يسمي له، ويكتب ما يسميه له (بنُ شعبة) وتقدمت ترجمة المغيرة ﵁، في باب: المسح على الخفين (في كتاب) كتبه (إلى معاوية) بن أبي سفيان ﵄، وكان المغيرة إذ ذاك أميرًا على الكوفة، من قبل معاوية، وسبب ذلك: أن معاوية كتب إليه: اكتب لي بحديث سمعته من رسول اللَّه ﷺ ، يقوله خلف الصلاة (١)، فكتب: (أن النبي ﷺ كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة) قيدها بالمكتوبة؛ كما في بعض طرق البخاري (٢). وأما لفظ مسلم: أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا فرغ من الصلاة، وسَلَّم (٣)، كأنه لِمَا فهم من قرينة الحال في السؤال. واستدل به على العمل بالمكاتبة، وإجرائها مجرى السماع في الرواية، ولو لم تقترن بالإجازة، وعلى الاعتماد على خبر الشخص الواحد (٤). (لا إله إلا اللَّه) لا معبود بحق في الوجود إلا اللَّه (وحده لا شريك له)، لا في ملكه، ولا في ذاته، ولا في صفاته، (له الملك) المطلق الحقيقي، وما سواه لا ملك له على الحقيقة، وإنما هو بتمليكه سبحانه، (وله الحمد) زاد الطبراني من طريق أخرى، عن المغيرة:

стр. 1329

يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير وإليه المصير، (وهو على كل شيء قدير) ورواة الطبراني موثوقون (١)، وثبت مثله عند البزار، من حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ بسند ضعيف، لكن في القول: إذا أصبح، وإذا أمسى (٢). (اللهم) تقدم أن الميم عوض عن حرف النداء (لا مانع لما)؛ أي: الشيء الذي (أعطيت) من الخير، (ولا معطي لما منعت) من ذلك (ولا ينفع ذا الجد)، قال القاضي عياض في "المشارق": روي بفتح الجيم وكسرها، والمشهور فيه الفتح؛ أي: البخت، والحظ، والعظمة، والسلطان، وقيل: الغنى، والمال (٣). قال الخطابي: الجد: الغنى، ويقال: الحظ (٤). (منك) قال في "الفتح": "من" في قوله: "منك" بمعنى: البدل، قال الشاعر (٥): [من البحر الطويل] فليتَ لنا من ماءِ زمزَم شربةً ... مبردَةً باتَتْ على الطَّهيان

стр. 1330

يريد: ليت لنا بدل ماء زمزم (١). وفي "الصحاح": معنى "منك" هنا: عندك؛ أي: لا ينفع ذا الغنى عندك غناه، إنما ينفعه العمل الصالح (٢). وقال ابن التين: الصحيح عندي: أنها ليست بمعنى البدل، ولا عند، بل هو كما تقول: لا ينفعك مني شيء إن أنا أردتك بسوء. قال في "الفتح": ولم يظهر من كلامه معنى، ومقتضاه: أنها بمعنى عند، أو فيه حذف تقديره: من قضائي، أو سطوتي، أو عذابي (٣). واختار الشيخ جمال الدين في "المغني": أنها هنا بمعنى: البدل (٤). وقال ابن دقيق العيد: قوله: "منك" يجب أن يتعلق بـ "ينفع"، وينبغي أن يكون "ينفع" قد ضمن معنى: يمنع، وما قاربه، ولا يجوز أن يتعلق "منك" بالجد؛ كما يقال: حظي منك قليل، أو كثير، بمعنى: عنايتك بي، أو رعايتك لي؛ فإن ذلك نافع، انتهى (٥). (الجد) قال في "الفتح": مضبوط في جميع الروايات بفتح الجيم، ومعناه: الغنى؛ كما نقله البخاري، وعن الحسن: الحظ (٦)، وحكى

стр. 1331

الراغب: أن المراد به هنا: أبو الأب؛ أي: لا ينفع أحدًا نسبه. قال القرطبي: حكي عن أبي عمرو الشيباني: أنه رواه -بالكسر-، وقال: معناه: لا ينفع ذا الاجتهاد اجتهاده، وأنكره الطبري (١)؛ لأن الاجتهاد في العمل نافع؛ لأنه سبحانه دعا الخلق إلى ذلك، فكيف لا ينفع عنده؟ قاله القزاز. وقال: ويحتمل أن يكون المراد: أنه لا ينفع الاجتهاد في طلب الدنيا، وتضييع أمر الآخرة. وقال غيره: لعل المراد: لا ينفع بمجرده، ما لم يقارنه القبول، وذلك لا يكون إلا بفضل اللَّه سبحانه، ورحمته (٢). وقال النووي: الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور: أنه بالفتح، وهو الحظ في الدنيا بالمال، أو الولد، أو العظمة، أو السلطان، والمعنى: لا ينجيه حظه منك، وإنما ينجيه فضلك، ورحمتك (٣). فينبغي استعمال هذا الذكر بعد الصلاة؛ لما اشتمل عليه من التوحيد، ونسبة الأفعال إلى اللَّه سبحانه؛ من المنع، والإعطاء، وتمام القدرة. قال وراد: (ثم وفدت)؛ أي: قدمت؛ كما في لفظ، يقال: وفد إليه، وعليه، يفد وفدًا، ووفودًا، ووفادة، وإفادة: قدم؛ كما في "القاموس" (٤) (بعد) ذلك (على معاوية)؛ يعني: إلى الشام، (فسمعته)؛ أي: سمع ورادٌ معاويةَ (يأمر الناس بذلك)؛ أي: أمرَ ندب واستحباب.

стр. 1332

وفيه: المبادرة إلى امتثال السنن، وإشاعتها، والاعتناء بها (١). وزعم بعضهم: أن معاوية ﵁ كان قد سمع الحديث المذكور، وإنما أراد استثبات المغيرة، واحتج بما في "الموطأ"، من وجه آخر عن معاوية: أنه كان يقول على المنبر: أيها الناس! إنه لا مانع لما أعطى اللَّه، ولا معطي لما منع، ولا ينفع ذا الجد منه الجد، من يرد اللَّه به خيرًا يفقهه في الدين، ثم يقول: سمعته من رسول اللَّه ﷺ على هذه الأعواد (٢). فائدة: اشتهر على الألسنة في هذا الذكر المذكور زيادة: "ولا راد لما قضيت"، وهي في "مسند عبد بن حميد"، ولكن حذف قوله: "ولا معطي لما منعت" (٣)، ووقع عند الطبراني تامًا من وجه (٤). ووقع عند الإمام أحمد، والنسائي، وابن خزيمة؛ من طريق هشيم، عن عبد الملك بالإسناد، أنه: كان يقول الذكر المذكور ثلاث مرات (٥). تتمة: روى الترمذي، وغيره، وقال: حسن صحيح، من حديث أبي ذر ﵁، مرفوعًا: "من قال في دبر صلاة الفجر، وهو ثانٍ

стр. 1333

رجليه قبل أن يتكلم: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، عشر مرات، كتب اللَّه له عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، فكان يومه ذلك في حرز من كل مكروه، وحرس من الشيطان، ولم ينبغ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم، إلا الشرك باللَّه" (١). قال في "المذهب"، وغيره: يستحب هذا في الفجر فقط، بناء على ما رواه من الخبر. ورواه النسائي في "اليوم والليلة" كذلك (٢). ورواه أيضًا عن معاذ ﵁ مرفوعًا (٣). ورواه الإمام أحمد من حديث شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، وعبد الرحمن مختلف في صحبته، وقال فيه: "صلاة المغرب والصبح" (٤). قال في "الفروع": ولهذا مناسبة، ويكون الشارع شرعه أول النهار، وأول الليل؛ ليحترس به من الشيطان فيهما، قال: ويتوجه أن قوله: "قبل أن يتكلم"؛ أي: بالكلام الذي كان ممنوعًا منه في الصلاة، أو يكون المراد: قبل أن يتكلم مع غيره (٥). وروى أبو داود، من حديث عبد الرحمن بن حسان، عن مسلم بن الحارث التميمي، عن أبيه، وقيل: الحارث بن مسلم، عن أبيه: أن

стр. 1334

رسول اللَّه ﷺ أسر إليه، فقال: "إذا انصرفت من صلاة المغرب، فقل: اللهم أجرني من النار، سبع مرات"، وفي رواية: "قبل أن تكلم أحدًا؛ فإنك إذا قلت ذلك، ثم مت في ليلتك، كتب لك جوارٌ منها، وإذا صليت الصبح، فقل مثل ذلك، فإنك إن مت من يومك، كتب لك جوارٌ منها"، قال الحارث: أسرها رسول اللَّه ﷺ ، ونحن نخص بها إخواننا. وكذا رواه الإمام أحمد، وفي لفظه: "قبل أن تكلم أحدًا من الناس" (١). وروى الترمذي، وقال: غريب، عن عمارة بن شبيب، مرفوعًا: "من قال: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، عشر مرات على إثر المغرب، بعث اللَّه له مسلحة يحفظونه [من الشيطان] حتى يصبح، وكتب له عشر حسنات موجبات، ومحي عنه عشر سيئات موبقات، وكانت له بعدل عشر رقاب مؤمنات". ورواه النسائي في "اليوم والليلة" (٢). ورواه أيضًا، فقال عمارة بن شبيب: إن رجلًا من الأنصار حدثه، فذكر نحوه (٣). قال في "الفروع": وإسنادهما جيد، وقيل: ابن شبيب لا صحبة له. قال: ويتوجه إليه حيث ذكر العدد في ذلك، فإنما قصد ألا ينقص منه،

стр. 1335

أما الزيادة، فلا تضر، لا سيما عن غير قصد؛ إذ الذكر مشروع في الجملة، فهو يشبه المقدر في الزكاة إذا زا [د] عليه، واللَّه تعالى الموفق (١). (وفي لفظ)، أي: وأملى المغيرة بن شعبة ﵁ على وراد، فيما كتبه لمعاوية ﵁: (وكان) رسول اللَّه ﷺ (ينهى عن قيل وقال) -بفتح اللام من غير تنوين، على سبيل الحكاية-، قال الجوهري: "قيل وقال": اسمان، يقال: كَثُرَ القيلُ والقال (٢). كذا جزم بأنهما اسمان، وأشار إلى الدليل على ذلك بدخول الألف واللام عليهما، ومثله في "القاموس" (٣). والمراد في الحديث: الإشارة إلى كراهة كثرة الكلام؛ لأنها تؤول إلى الخطأ، وإنما كرره للمبالغة في الزجر عنه، هذا على كونهما مصدرا: قال يقول. وقيل: المراد: النهي عن حكاية أقاويل الناس، والبحث عنها ليخبر عنها، فيقول: قال فلان كذا، وقيل له كذا، والنهي عنه إما للزجر عن الاستكثار منه، أو لشيء مخصوص منه؛ وهو ما يكرهه المحكي عنه. وقيل: إن المراد بذلك حكاية الاختلاف في أمور الدين؛ كقوله: قال فلان كذا، وقال فلان كذا، ومحل كراهة ذلك: أن يكثر من ذلك، بحيث لا يؤمن مع الإكثار من الزلل، أو هو مخصوص بمن ينقل ذلك من غير تثبت، ولكن يقلد من سمعه، ولا يحتاط له (٤).
следующие страницы →