← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

الراغب: أن المراد به هنا: أبو الأب؛ أي: لا ينفع أحدًا نسبه. قال القرطبي: حكي عن أبي عمرو الشيباني: أنه رواه -بالكسر-، وقال: معناه: لا ينفع ذا الاجتهاد اجتهاده، وأنكره الطبري (١)؛ لأن الاجتهاد في العمل نافع؛ لأنه سبحانه دعا الخلق إلى ذلك، فكيف لا ينفع عنده؟ قاله القزاز. وقال: ويحتمل أن يكون المراد: أنه لا ينفع الاجتهاد في طلب الدنيا، وتضييع أمر الآخرة. وقال غيره: لعل المراد: لا ينفع بمجرده، ما لم يقارنه القبول، وذلك لا يكون إلا بفضل اللَّه سبحانه، ورحمته (٢). وقال النووي: الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور: أنه بالفتح، وهو الحظ في الدنيا بالمال، أو الولد، أو العظمة، أو السلطان، والمعنى: لا ينجيه حظه منك، وإنما ينجيه فضلك، ورحمتك (٣). فينبغي استعمال هذا الذكر بعد الصلاة؛ لما اشتمل عليه من التوحيد، ونسبة الأفعال إلى اللَّه سبحانه؛ من المنع، والإعطاء، وتمام القدرة. قال وراد: (ثم وفدت)؛ أي: قدمت؛ كما في لفظ، يقال: وفد إليه، وعليه، يفد وفدًا، ووفودًا، ووفادة، وإفادة: قدم؛ كما في "القاموس" (٤) (بعد) ذلك (على معاوية)؛ يعني: إلى الشام، (فسمعته)؛ أي: سمع ورادٌ معاويةَ (يأمر الناس بذلك)؛ أي: أمرَ ندب واستحباب.

стр. 1332

وفيه: المبادرة إلى امتثال السنن، وإشاعتها، والاعتناء بها (١). وزعم بعضهم: أن معاوية ﵁ كان قد سمع الحديث المذكور، وإنما أراد استثبات المغيرة، واحتج بما في "الموطأ"، من وجه آخر عن معاوية: أنه كان يقول على المنبر: أيها الناس! إنه لا مانع لما أعطى اللَّه، ولا معطي لما منع، ولا ينفع ذا الجد منه الجد، من يرد اللَّه به خيرًا يفقهه في الدين، ثم يقول: سمعته من رسول اللَّه ﷺ على هذه الأعواد (٢). فائدة: اشتهر على الألسنة في هذا الذكر المذكور زيادة: "ولا راد لما قضيت"، وهي في "مسند عبد بن حميد"، ولكن حذف قوله: "ولا معطي لما منعت" (٣)، ووقع عند الطبراني تامًا من وجه (٤). ووقع عند الإمام أحمد، والنسائي، وابن خزيمة؛ من طريق هشيم، عن عبد الملك بالإسناد، أنه: كان يقول الذكر المذكور ثلاث مرات (٥). تتمة: روى الترمذي، وغيره، وقال: حسن صحيح، من حديث أبي ذر ﵁، مرفوعًا: "من قال في دبر صلاة الفجر، وهو ثانٍ

стр. 1333

رجليه قبل أن يتكلم: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، عشر مرات، كتب اللَّه له عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، فكان يومه ذلك في حرز من كل مكروه، وحرس من الشيطان، ولم ينبغ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم، إلا الشرك باللَّه" (١). قال في "المذهب"، وغيره: يستحب هذا في الفجر فقط، بناء على ما رواه من الخبر. ورواه النسائي في "اليوم والليلة" كذلك (٢). ورواه أيضًا عن معاذ ﵁ مرفوعًا (٣). ورواه الإمام أحمد من حديث شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، وعبد الرحمن مختلف في صحبته، وقال فيه: "صلاة المغرب والصبح" (٤). قال في "الفروع": ولهذا مناسبة، ويكون الشارع شرعه أول النهار، وأول الليل؛ ليحترس به من الشيطان فيهما، قال: ويتوجه أن قوله: "قبل أن يتكلم"؛ أي: بالكلام الذي كان ممنوعًا منه في الصلاة، أو يكون المراد: قبل أن يتكلم مع غيره (٥). وروى أبو داود، من حديث عبد الرحمن بن حسان، عن مسلم بن الحارث التميمي، عن أبيه، وقيل: الحارث بن مسلم، عن أبيه: أن

стр. 1334

رسول اللَّه ﷺ أسر إليه، فقال: "إذا انصرفت من صلاة المغرب، فقل: اللهم أجرني من النار، سبع مرات"، وفي رواية: "قبل أن تكلم أحدًا؛ فإنك إذا قلت ذلك، ثم مت في ليلتك، كتب لك جوارٌ منها، وإذا صليت الصبح، فقل مثل ذلك، فإنك إن مت من يومك، كتب لك جوارٌ منها"، قال الحارث: أسرها رسول اللَّه ﷺ ، ونحن نخص بها إخواننا. وكذا رواه الإمام أحمد، وفي لفظه: "قبل أن تكلم أحدًا من الناس" (١). وروى الترمذي، وقال: غريب، عن عمارة بن شبيب، مرفوعًا: "من قال: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، عشر مرات على إثر المغرب، بعث اللَّه له مسلحة يحفظونه [من الشيطان] حتى يصبح، وكتب له عشر حسنات موجبات، ومحي عنه عشر سيئات موبقات، وكانت له بعدل عشر رقاب مؤمنات". ورواه النسائي في "اليوم والليلة" (٢). ورواه أيضًا، فقال عمارة بن شبيب: إن رجلًا من الأنصار حدثه، فذكر نحوه (٣). قال في "الفروع": وإسنادهما جيد، وقيل: ابن شبيب لا صحبة له. قال: ويتوجه إليه حيث ذكر العدد في ذلك، فإنما قصد ألا ينقص منه،

стр. 1335

أما الزيادة، فلا تضر، لا سيما عن غير قصد؛ إذ الذكر مشروع في الجملة، فهو يشبه المقدر في الزكاة إذا زا [د] عليه، واللَّه تعالى الموفق (١). (وفي لفظ)، أي: وأملى المغيرة بن شعبة ﵁ على وراد، فيما كتبه لمعاوية ﵁: (وكان) رسول اللَّه ﷺ (ينهى عن قيل وقال) -بفتح اللام من غير تنوين، على سبيل الحكاية-، قال الجوهري: "قيل وقال": اسمان، يقال: كَثُرَ القيلُ والقال (٢). كذا جزم بأنهما اسمان، وأشار إلى الدليل على ذلك بدخول الألف واللام عليهما، ومثله في "القاموس" (٣). والمراد في الحديث: الإشارة إلى كراهة كثرة الكلام؛ لأنها تؤول إلى الخطأ، وإنما كرره للمبالغة في الزجر عنه، هذا على كونهما مصدرا: قال يقول. وقيل: المراد: النهي عن حكاية أقاويل الناس، والبحث عنها ليخبر عنها، فيقول: قال فلان كذا، وقيل له كذا، والنهي عنه إما للزجر عن الاستكثار منه، أو لشيء مخصوص منه؛ وهو ما يكرهه المحكي عنه. وقيل: إن المراد بذلك حكاية الاختلاف في أمور الدين؛ كقوله: قال فلان كذا، وقال فلان كذا، ومحل كراهة ذلك: أن يكثر من ذلك، بحيث لا يؤمن مع الإكثار من الزلل، أو هو مخصوص بمن ينقل ذلك من غير تثبت، ولكن يقلد من سمعه، ولا يحتاط له (٤).

стр. 1336

ويؤيد ذلك الحديث الصحيح: "كفى بالمرء إثمًا أن يحدث بكل ما سمع" أخرجه مسلم (١)، وقال بعض السلف: لا يكون إمامًا من حدث بكل ما سمع (٢). (و) كان ينهى ﵊ عن (إضاعة المال) قال ابن دقيق العيد: حقيقته المتفق عليها: بذله في غير مصلحة دينية أو دنيوية، وذلك ممنوع؛ لأن اللَّه تعالى جعل الأموال قيامًا لمصالح العباد، وفي تبذيرها تفويتٌ لتلك المصالح. وأما بذله وكثرة إنفاقه في تحصيل مصالح الآخرة، فلا يمنع منه، وقد قالوا: لا سرف في الخير، وأما إنفاقه في مصالح الدنيا، وملاذ النفس، على وجه لا يليق بحال المنفق، وقدر ماله؛ فهو إسراف على المشهور (٣). قال في "الفتح": حمله الأكثر على الإسراف في الإنفاق، وقيده بعضهم بالإنفاق في الحرام، والأقوى: أنه ما أنفق في غير وجهه المأذون فيه شرعًا، سواء كانت دينية أو دنيوية. والحاصل في كثرة الإنفاق، ثلاثة أوجه: الأول: إنفاقه في الوجوه المذمومة شرعًا: فلا شك في منعه. الثاني: إنفاقه في الوجوه المحمودة شرعًا، فلا شك في كونه مطلوبًا،

стр. 1337

اللهم إلا أن يفوت حقًا أخرويًا أهم منه، فلا ينبغي أن يشرع له حينئذ. الثالث: إنفاقه في المباحات بالأصالة؛ كملاذ النفس، وشهواتها، فهذا ينقسم على قسمين: أحدهما: أن يكون على وجه يليق بحال المنفق، وبقدر ماله، فهذا ليس بإسراف. والثاني: ما لا يليق به عرفًا، وهو أيضًا ينقسم إلى قسمين: أحدهما: ما يكون لدفع مفسدة؛ إما ناجزة، أو متوقعة، فهذا ليس بإسراف -أيضًا-. والثاني: ما لا يكون في شيء من ذلك، فالجمهور على أنه إسراف. وقال الباجي من المالكية: يكره كثرة إنفاقه في مصالح الدنيا، ولا بأس به إذا وقع نادرًا لحادث يحدث؛ كضيف، أو عيد، أو وليمة، ومما لا خلاف في كراهته: مجاوزة الحد في الإنفاق على البناء زيادة على قدر الحاجة، ولا سيما إن أضاف إلى ذلك المبالغة في الزخرفة، ومنه احتمال الغبن الفاحش في البياعات بغير سبب. ولا يختص منع إضاعة المال في المعاصي بارتكاب الفواحش، بل يدخل فيه سوء القيام على الرقيق والبهائم حتى يهلكوا، ودفع مال من لم يؤنس منه الرشد إليه، وقسمة ما لا ينتفع بجزئه، كالجوهرة [النفيسة] (١). وفي "الفروع" للإمام ابن مفلح: من أراد الصدقة بماله كله؛ فإن كان وحده، وعلم من نفسه حسن التوكل والصبر عن المسألة: جاز، قال:

стр. 1338

والدليل يقتضي الاستحباب، وجزم به في "منتهى الغاية" (١)، وغيرها؛ وفاقًا للشافعية. وذكر القاضي عياض المالكي: أنه جوزه جمهور العلماء، وأئمة الأمصار. وقال الطبري: المستحب الثلث. قال في "الفروع": قال أصحابنا: وإن لم يعلم -يعني: من نفسه حسن التوكل والصبر-: لم يجز، ذكره أبو الخطاب، وغيره، ويمنع من ذلك، ويحجر عليه. وقال الموفق: يكره؛ وفاقًا للشافعية، وإن كان له عائلة، ولهم كفاية، أو يكفيهم بمكسبه: جاز؛ لقصة الصديق ﵁، وإلا فلا. وفي "السر المصون" (٢) للحافظ ابن الجوزي: الإمساك في حق الكرام جهاد؛ كما أن إخراج ما في يد البخيل جهاد، والحاجة تحوج إلى كل محنة. وبعدُ فإذا صدقت نية العبد وقصده، رزقه اللَّه وحفظه من الذل، ودخل في قوله: ﴿وَمَن يَتَّقِ اَللَّهَ﴾ الآية [الطلاق: ٢]، انتهى (٣). (و) كان ﷺ ينهى عن (كثرة السؤال). اختلف في المراد به؛ هل هو

стр. 1339

راجع إلى الأمور العلمية؟ فقد كانوا يكرهون تكلف المسائل التي لا تدعو الحاجة إليها، وفي الحديث: "أعظم الناس جرمًا عند اللَّه، من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين، فحرم عليهم من أجل مسألته" (١). قال في "الفتح": حمله بعض العلماء إلى أن المراد به: كثر [ة] السؤال عن أخبار الناس، وأحداث الزمان، أو كثرة سؤال إنسان بعينه عن تفاصيل حاله؛ فإن ذلك مما يكرهه المسؤول غالبًا. وقد ثبت النهي عن الأغلوطات، أخرجه أبو داود من حديث معاوية (٢)؛ وهي شداد المسائل وصعابها، وثبت عن جمعٍ من السلف: كراهة تكلف المسائل التي يستحيل وقوعها عادة، أو يندر جدًا، وإنما كرهوا ذلك؛ لما فيه من التنطع، والقول بالظن؛ إذ لا يخلو صاحبه من الخطأ (٣). وأما كراهة النبي ﷺ كثرة المسائل، وعيبه لها؛ وكذا قوله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، فذلك خاص بزمان الوحي، ويشير إليه حديث: "أعظم الناس جرمًا عند اللَّه" الحديث (٤). أو هو راجع إلى سؤال المال، وقد وردت أحاديث تعظيم مسألة الناس، ولا شك أن بعض سؤال الناس أموالهم ممنوع، وذلك حيث يكون الإعطاء

стр. 1340

بناء على ظاهر الحال، ويكون الباطن خلافه، أو يكون السائل مخبرًا عن أمر هو كاذب فيه. وقد جاء في السنة ما يدل على اعتبار ظاهر الحال في هذا، وهو ما روي: أنه مات رجل من أهل الصفة، وترك دينارين، فقال النبي ﷺ : "كَيَّتان" (١)، وإنما كان ذلك -واللَّه أعلم-؛ لأنهم كانوا فقراء مجردين يأخذون، ويتصدقون عليهم بناء على الفقر والعدم، فلما ظهر معه هذان الديناران، على خلاف ظاهر حاله، أخبر المعصوم بماله، وحذر مثل حاله (٢). فقد روى البيهقي، من حديث مسعود بن عمرو ﵁، عن النبي ﷺ : أنه أتي برجل يصلي عليه، فقال: "كم ترك؟ " قالوا: دينارين، أو ثلاثة، قال: "ترك كيتين، أو ثلاث كيات"، فلقيت عبد اللَّه بن القاسم مولى أبي بكر، فذكرت له ذلك، فقال: ذاك رجل كان يسأل الناس تكثرًا (٣). ومما ينبغي أن يعلم: أن السؤال لا يمنع مطلقًا، ولا يباح مطلقًا، بل يختلف الحكم بحسب الحال؛ فمن أبيح له أخذ شيء من الزكاة، أبيح له

стр. 1341

سؤاله، نص عليه الإمام أحمد، وفاقًا لمالك، والشافعي، فالغنى في باب الزكاة نوعان: نوع يوجبها، ونوع يمنعها؛ لأنه ﷺ لم ينكر على السُّؤَّال إذا كانوا من أهلها. وعن الإمام أحمد: يحرم السؤال لا الأخذ، على من له قوت يومه غداء وعشاء. ذكر ابن عقيل: أنه اختاره جماعة؛ وفاقًا لأبى حنيفة، فيكون قولًا ثالثًا: يمنع السُّؤَّال. وذكر الحافظ ابن الجوزي في "المنهاج": إن علم أنه يجد من يسأله كل يوم: لم يجز إن يسأله أكثر من قوت يوم وليلة، وإن خاف ألا يجد من يعطيه، أو خاف أن يعجز عن السؤال أبيح له السؤال أكثر من ذلك، ولا يجوز له -في الجملة- أن يسأل فوق ما يكفيه لسنته، وعلى هذا ينزل الحديث: "في الغنى خمسين درهمًا" (١)، فإنها تكفي المنفرد المقتصد لسنة؛ كما في "الفروع" (٢). وقال ابن حزم: اتفقوا على أن المسألة حرام على كل قوي على الكسب، أو غني، إلا من تحمل حمالة، أو سأل سلطانًا، أو ما لا بد منه،

стр. 1342

واتفقوا أن ما كان أقل من مقدار قوت اليوم، فليس غنًى؛ كذا قال (١). وروى أبو داود، من حديث سهل بن الحنظلية ﵁، قال: قدم عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس؛ على رسول اللَّه ﷺ ، فسألاه، فأمر معاوية، فكتب لهما ما سألا، فأما الأقرع، فأخذ كتابه، فلفه في عمامته، وانطلق، وأما عيينة، فأخذ كتابه، وأتى به رسول اللَّه ﷺ ، فقال: يا محمد! أتراني حاملًا إلى قومي كتابًا لا أدري ما فيه، كصحيفة المتلمس؟! فأخبر معاوية بقوله رسول اللَّه ﷺ ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "من سأل وعنده ما يغنيه، فإنما يستكثر من النار". قال النفيلي -وهو أحد رواته-: قالوا: وما الغنى الذي لا تنبغي معه المسألة؟ قال: "قدر ما يغديه ويعشيه" هذا لفظ أبي داود (٢). ورواه ابن حبان في "صحيحه"، وقال فيه: "من سأل وعنده ما يغنيه، فإنما يستكثر من جمر جهنم"، قالوا: يا رسول اللَّه! وما يغنيه؟ قال: "يغديه، أو يعشيه" (٣) كذا عنده: أو يعشيه، بألف. ورواه ابن خزيمة باختصار، إلا أنه قال: قيل: يا رسول اللَّه! وما الغنى الذي لا تنبغي معه المسألة؟ قال: "أن يكون له شبع يوم وليلة، أو ليلة ويوم" (٤). قوله في الحديث: "كصحيفة المتلمس" هذا مثل تضربه العرب لمن

стр. 1343

حمل شيئًا لا يدري هل يعود عليه بنفع، أو ضر؟ وأصله: أن المتلمس -واسمه عبد المسيح- قدم هو وطرفة العبدي على الملك عمرو بن المنذر، فأقاما عنده، فنقم عليهما أمرًا، فكتب إلى بعض عماله يأمره بقتلهما، وقال لهما: إني قد كتبت لكما بِصِلة، فاجتازا بالحيرة، فأعطى المتلمسُ صحيفته صبيًا، فقرأها، فإذا فيها الأمر بقتله، فألقاها، وقال لطرفة: افعل مثل فعلي، فأبى، ومضى إلى عامل الملك، فقرأها وقتله (١). قال الخطابي: اختلف الناس في تأويل هذا الحديث: فقال بعضهم: من وجد غداء يومه وعشاءه، لم تحل له المسألة، على ظاهر الحديث. وقال بعضهم: إنما هو فيمن وجد غداء وعشاء على دائم الأوقات، فإذا كان عنده ما يكفيه لقوته المدة الطويلة، حرمت عليه المسألة. وقال آخرون: هذا منسوخ بالأحاديث التي فيها تقدير الغنى بملك خمسين درهمًا، أو قيمتها، أو بملك أوقية، أو قيمتها (٢). قال الحافظ المنذري: ادعاء النسخ مشترك بينهما، ولا أعلم مرجحًا لأحدهما على الآخر. قال: وقد كان الشافعي ﵁ يقول: قد يكون الرجل بالدرهم غنيًا مع كسبه، ولا يغنيه الألف مع ضعفه في نفسه، وكثرة عياله (٣).

стр. 1344

قال: وقد ذهب سفيان الثوري، وابن المبارك، والحسن بن صالح، والإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه: إلى أن من له خمسون درهمًا، أو قيمتها من الذهب، لا يدفع إليه شيء من الزكاة. وكان الحسن البصري، وأبو عبيد يقولان: من له أربعون درهمًا، فهو غني. وقال أصحاب الرأي: يجوز دفعها إلى من يملك دون النصاب، وإن كان صحيحًا مكتسبًا، مع قولهم: من كان له قوت يومه، لا يحل له السؤال، استدلالًا بهذا الحديث، وغيره، انتهى (١). قلت: معتمد المذهب للإمام أحمد: إناطة الحكم بالكفاية، هذا الذي استقر عليه المذهب؛ فمن ملك نقدًا، ولو خمسين درهمًا فأكثر، أو قيمتها من الذهب، أو غيره، ولو كثرت قيمته لا يقوم بكفايته: فليس بغني، فيأخذ تمام كفايته سنة، واللَّه أعلم (٢). قال العلامة ابن مفلح في "الفروع": كره ﷺ كثرة المسألة مع إمكان الصبر والتعفف، فكان ذلك سببًا لعدم البركة (٣). يشير لحديث معاوية، مرفوعًا: "إنما أنا خازن، فمن أعطيته عن طيب نفس، فيبارك له فيه، ومن أعطيته عن مسألة وشره، كان كالذي يأكل ولا يشبع" (٤). وفي لفظ: "لا تلحفوا في المسألة، فواللَّه! لا يسألني أحد منكم شيئًا،

стр. 1345

فتخرج له مسألته مني شيئًا، وأنا له كاره، فيبارك له فيما أعطيته" (١) رواهما مسلم (٢). وقد ذكر بعض العلماء هذا في المسألة المحرمة، وفي حديث أبي سعيد، مرفوعًا: "فمن يأخذ مالًا بحقه، فيبارك له فيه، ومن يأخذ مالًا بغير حقه، فمثله كمثل الذي يأكل ولا يشبع" متفق عليه (٣). قال في "الفروع": ويتوجه عدول من أبيح له السؤال، إلى رفع قصة، أو مراسلة، قال مطرف بن الشِّخِّير فيمن له إليه حاجة: ليرفعها في رقعة، ولا يواجهني بها، فإني أكره أن أرى في وجه أحدكم ذل المسألة؛ وكذا روي عن يحيى بن خالد بن بَرْمَك (٤)، وتمثل فقال: [من الكامل] ما اعتاضَ باذلُ وجهه بسؤاله ... عوضًا ولو نالَ الغِنى بسؤال وإذا السؤال مع النوال وَزَنْتَه ... رجحَ السؤال وخفَّ كلُّ نوال (٥)

стр. 1346

(وكان) ﷺ (ينهى) نهي تحريم (عن عقوق)؛ أي: إيذاء (الأمهات)، يقال: عق والده يعقه عقوقًا، فهو عاق: إذا آذاه وعصاه، وخرج عليه، وهو ضد البرِّ به، وأصله من العق، وهو: الشق والقطع (١)، والأمهات: جمع أمهة (٢)، وهي لمن يعقل، بخلاف لفظ أم، فإنه أعم (٣). وإنما خص الأمهات بالذكر، وإن كان عقوق الآباء، وغيرهم من ذوي الحقوق عظيمًا؛ فلمزية قبحه، وعظم جرمه (٤)، وفي الحديث الصحيح: "عقوق الوالدين من الكبائر" (٥). وفي "الصحيحين"، وغيرهما، عن أبي بكرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ " ثلاثًا، قلنا: بلى يا رسول اللَّه، قال: "الإشراك باللَّه، وعقوق الوالدين" وكان متكئًا فجلس، فقال: "ألا وقولُ الزور، وشهادة الزور"، فما زال يكررها، حتى قلنا: ليته سكت (٦).

стр. 1347

وأخرج البخاري، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄، عن النبي ﷺ قال: "الكبائر: الإشراك باللَّه، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس" (١). وأخرج البخاري، ومسلم، والترمذي، وغيرهم، عن أنس ﵁، قال: ذكر رسول اللَّه ﷺ الكبائر، فقال: "الشرك باللَّه، وعقوق الوالدين"، الحديث (٢). وأخرج النسائي، والبزار، واللفظ له، بإسنادين جيدين، والحاكم وصححه، عن ابن عمر ﵄، عن رسول اللَّه ﷺ ، قال: "ثلاثة لا ينظر اللَّه إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمنان عطاءه، وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والديوث، والرجلة من النساء" (٣). قال الحافظ المنذري: الديوث: بتشديد الياء، الذي يقر أهله على الزنا، مع علمه بهم، والرجلة -بفتح الراء، وكسر الجيم-: هي المترجلة؛ أي: المتشبهة بالرجال (٤). وفي حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، مرفوعًا: "ثلاثة حرم اللَّه-

стр. 1348

تبارك وتعالى- عليهم الجنة: مدمن الخمر، والعاق لوالديه، والديوث الذي يقر الخبث في أهله" رواه الإمام أحمد، واللفظ له، والنسائي، والبزار، والحاكم وصححه (١). وفي "الصحيحين"، وغيرهما، عنه مرفوعًا: "من الكبائر: شتمُ الرجل والديه"، قالوا: يا رسول اللَّه! وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: "نعم، يسب أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه، فيسب أمه" (٢). فعلى الولد طاعة والديه، وأن يخفض لهما جناح الذل من الرحمة، وأن يدعو لهما، ولا يصدر منه ما يتأذى به الوالد من قول، أو فعل، إلا في شرك، أو معصية، ما لم يتعنَّت الوالد. وضبطه ابن عطية: بوجوب طاعتهما في المباحات فعلًا وتركًا، واستحبابها في المسنونات، وفروض الكفايات كذلك، ومنه: تقديمهما عند تعارض الأمرين، وهو كمن دعته أمه ليمرضها مثلًا، بحيث يفوت عليه فعل واجب إن استمر عندها، ويفوت ما قصدته من تأنيسه لها، وغير ذلك، أن لو تركها وفعله، وكان مما يمكن تداركه مع فوات الفضيلة؛ كالصلاة أول الوقت، أو في الجماعة (٣).

стр. 1349

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الذي ينتفع فيه الأبوان، ولا يتضرر هو بطاعتهما فيه قسمان: قسم يضرهما تركه: فهذا لا يستراب في وجوب طاعتهما فيه، بل هذا يجب عنده للجار. وقسم ينتفعان به، ولا يضره: فتجب طاعتهما فيه، لكن إن شق عليه، ولم يضره: وجب، وأما ما كان يضره طاعتهما فيه: فلا تجب طاعتهما في ذلك المضر له. وإنما لم يقيده الإمام، بل قال: بر الوالدين واجب ما لم يكن معصية؛ لأن فرائض اللَّه تعالى من الطهارة، وأركان الصلاة، والصوم تسقط بالضرر، فبر الوالدين لا يتعدى ذلك. وذكر أبو البركات ابن تيمية: أن الوالد لا يجوز له منع ولده من السنن الراتبة. قال في "الآداب": كل ما تأكد شرعًا، لا يجوز له منع ولده؛ فلا يطيعه فيه، واللَّه الموفق (١). (ووأد)؛ أي: دفن (البنات). قال في "الفتح": الوأد -بسكون الهمزة-: هو دفن البنات بالحياة، وكان أهل الجاهلية يفعلون ذلك؛ كراهة فيهن. ويقال: إن أول من فعل ذلك: قيس بن عاصم التميمي، وكان بعض أعدائه أغار عليه، فأسر بنته، فاتخذها لنفسه، ثم حصل بينهم صلح، فخير

стр. 1350

ابنته، فاختارت زوجها، فآلى قيس على نفسه ألا تولد له بنت إلا دفنها حية، فتبعه العرب على ذلك، وكان من العرب فريق ثان، يقتلون أولادهم مطلقًا، إما نفاسة منه على ما ينقصه من ماله، وإما من عدم ما ينفقه عليه. وقد ذكر اللَّه تعالى أمرهم في عدة آيات؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (١) [التكوير: ٨، ٩]. يقال: وأدها يئدها وأدًا: فهي موءودة، وفي الحديث: "الوئيد في الجنة" (٢)؛ أي: الموءود، فعيل بمعنى مفعول (٣). قال في "الفتح": وكان صعصعة بن ناجية التميمي، وهو جد الفرزدق همام بن غالب بن صعصعة: أولَ من فدى الموءودة، وذلك أنه كان يعمد إلى من يريد أن يفعل ذلك، فيفدي الولد منه بمال يتفقان عليه، وإلى ذلك أشار الفرزدق بقوله: [من المتقارب] وجَدِّي الذي منعَ الوائداتِ ... وأحيا الوئيدَ فلم يُوأَدِ (٤) قال: وهذا محمول على الفريق الثاني -يعني: الذي كان يفعل الوأد؛ لعدم ما ينفقه على الولد، أو لئلا ينقصه ماله-، وقد بقي كل واحد من

стр. 1351

قيس بن عاصم، وصعصعة بن ناجية التميميين، إلى أن أدرك الإسلام، ولهما صحبة. وإنما خص البنات في الحديث بالذكر؛ لأنه كان الغالب من فعلهم؛ لأن الذكور مظنة القدرة على الاكتساب، وكانوا في صفة الوأد على طريقين: أحدهما: أن يأمر امرأته إذا اقترب وضعها، أن تطلق بجانب حفيرة قد أعدتها؛ فإن وضعت ذكرًا، أبقته، وإن وضعت أنثى، طرحتها في الحفيرة، وهذا لائق بالفريق الأول. ومنهم: من كان إذا صارت البنت سداسية، قال لأمها: طيبيها وزينيها، لأزور بها أقاربها، ثم يبعد بها في الصحراء حتى يأتي البئر، فيقول لها: انظري فيها، فيدفعها من خلفها، ويطمُّها. قال في "الفتح": وهذا لائق بالفريق الثاني، كذا قال (١). (و) كان ﵊ نهى عن (منع وهات). قال ابن دقيق العيد: هذا راجع إلى السؤال، مع ضميمة النهي عن المنع، وهو يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون النهي عن المنع حيث يؤمر بالإعطاء، وعن السؤال حيث يمنع منه؛ فيكون كل واحد مخصوصًا بصورة غير صورة الآخر. والثاني: أن يجتمعا في صورة واحدة، ولا تعارض بينهما، فيكون وظيفة الطالب ألا يسأل، ووظيفة المسؤول ألا يمنع إن وقع السؤال، وهذا

стр. 1352

لابد أن يستثنى منه ما إذا كان المطلوب محرمًا على الطالب؛ فإنه يمتنع من إعطائه؛ لئلا يكون معينًا على الإثم. ويحتمل: أن يكون الحديث محمولًا على الكثرة من السؤال (١). وفي "النهاية": معناه: ينهى عن منع ما عليه إعطاؤه، وطلب ما ليس له (٢). وفي "الفتح": قوله: "ومنع وهات" -بسكون النون-: مصدر منع يمنع، وأما هات -فبكسر المثناة-: فعل أمر من الإيتاء، قال الخليل: أصل هات: آت، فقلبت الألف هاء (٣). والحاصل من النهي: منع ما أمر بإعطائه، وطلب ما لا يستحق أخذه، ويحتمل أن يكون النهي عن السؤال مطلقًا، واللَّه الموفق (٤). * * *

стр. 1353

الحديث الثالث عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أبي بكْرِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أبي صَالحٍ السَّمَّان، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ فُقَرَاءَ المهاجرين أتوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بالدَّرَجَاتِ العُلَا والنَّعِيمِ المُقِيمِ، فَقَاَل: "وَمَا ذَاكَ؟ "، قَالُوا: يُصَلُّونَ كمَا نُصَلِّي، ويَصُومُونَ كمَا نَصُومُ، ويَتصَدَّقُونَ وَلا نَتَصَدَّقُ، وَيُعْتِقُونَ ولَا نُعْتِقُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَفَلَا أُعلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَتَسْبِقُونَ بهِ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟ "، قَالُوا: بَلَى يا رسولَ اللَّهِ، قَالَ: "تُسَبِّحُونَ وتكبِّرُونَ وَتَحْمَدُوِنَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ ثَلَاثًا وَثَلاثِينَ مَرَّةً". قَالَ أبو صَالحٍ: فَرَجَعَ فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ فَقَالُوا: سَمعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ الأَمْوَالِ بمَا فَعَلْنَا، فَفَعَلُوا مِثْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ذلكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتيهِ مَنْ يَشَاءُ". قَالَ سُمَيٌّ: فَحَدَّثْتُ بَعْضَ أَهْلِي هذا الحَدِيثِ، فَقَالَ: وَهِمْتَ، إِنَّمَا قَالَ لَكَ: "تُسَبِّحُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلاثِينَ، وتَحْمَدُ اللَّهَ ثَلاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتكبِّرُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلاثِينَ"، فَرَجَعْتُ إلَى أبي صَاِلحٍ فَقُلْتُ لَهُ ذِلَكَ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، والحَمْدُ للَّهِ، حَتَى تَبْلُغَ مِنْ جَمِيعِهِنَّ ثَلاثًا وثَلَاثِينَ (١).

стр. 1354

(عن سمي) -بضم السين المهملة، وفتح الميم، وتشديد الياء-: مدني قرشي مخزومي مولاهم، روى عن مولاه أبي بكر، وأبي صالح السمان، وسعيد بن المسيب، وغيرهم. روى عنه: عبد اللَّه بن عمر العمري، ويحيى الأنصاري، وسهل بن أبي صالح، ومالك، وسفيان الثوري، ومحمد بن عجلان، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل، وأبو حاتم: إنه ثقة، وروى له الجماعة، قتلته الحرورية الخوارج بقُديد -بضم القاف، وفتح الدال (١) - سنة إحدى وثلاثين ومئة (٢). وهو (مولى أبي بكر) اسمه: كنيته -على الراجح- كما قاله النووي، وابن الأثير في "جامع الأصول"، وغيرهما، وقيل: محمد، وقيل: اسمه أبو بكر، وكنيته أبو عبد الرحمن القرشي المخزومي؛ لأن جده هشامًا هو ابن عبد اللَّه بن عمرو بن مخزوم -بفتح الميم، وسكون

стр. 1355

الخاء المعجمة، وبالزاي -بن يقظة - بالمثناة تحت، فقاف، فظاء معجمة، مفتوحات- بن مرة بن كعب بن لؤي. ومخزوم بطن كبير من قريش، وعامتهم بالحجاز. وهو أبو بكر صاحب الترجمة، مدني، تابعي جليل، أحد فقهاء المدينة السبعة على قول، والفقهاء السبعة من أئمة كبار التابعين وساداتهم، وهم: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، وسليمان بن يسار؛ هؤلاء الستة. قال النووي، وفي السابع ثلاثة أقوال: أحدها: أنه أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، نقله الحاكم، عن علماء الحجاز. الثاني: أنه سالم بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب. الثالث: أنه أبو بكر المذكور، قاله أبو الزناد، وقد جُمعوا في شعر على هذا القول، وهو: [من الطويل] ألا كُلُّ من لا يَقتدي بأئمةٍ ... فقسمتُه ضِيزَى عن الحقِّ خارجَهْ [فَخُذْهم] (١) عُبيدُ اللَّهِ عُروةُ قاسِمٌ ... سعيدٌ أبو بكرٍ سليمانُ خارجَهْ (٢) روى أبو بكر: عن أبيه عبد الرحمن الصحابي، وعن أبي مسعود البدري، وأبي هريرة، وعائشة، وأم سلمة ﵃.

стр. 1356

ور [و] ى عنه: مجاهد، وعكرمة، وعمرو بن دينار، والزهري، وغيرهم. قال محمد بن سعد: ولد أبو بكر هذا في خلافة عمر بن الخطاب، وكان فقيهًا كثير الحديث، وكان يقال له: راهب قريش؛ لكثرة صلاته، وكان مكفوفًا. وهو وإخوته عكرمة، وعبد الرحمن، وعبد اللَّه؛ كلهم ثقات يضرب بهم المثل. توفي أبو بكر بالمدينة، قال ابن المديني: سنة ثلاث وتسعين، وعليه جرى البرماوي في "نظم رجال العمدة"، وكان يقال لها: سنة الفقهاء؛ لكثرة من مات بها منهم، وقال يحيى بن بكير: إنه توفي سنة أربع، أو خمس (١). وقوله: (بن عبد الرحمن) هو (بن الحارث بن هشام) بن المغيرة المخزومي، وعبد الرحمن، وأبوه الحارث: صحابيان ﵄، أسلم الحارث بن هشام يوم الفتح، استأمنت له أم هانىء بنت أبي طالب، فأمنه رسول اللَّه ﷺ . قال الحارث: لما دخل رسول اللَّه ﷺ مكة، دخلت أنا وعبد اللَّه بن أبي ربيعة دار أم هانىء، وذكر حديث: "أن رسول اللَّه أجاز جوار أم هانىء" قال: فأقمنا يومين، ثم انطلقنا إلى منازلنا، فجلسنا بأفنيتنا لا يعرض لنا

стр. 1357

أحد، وكنا نخاف عمر بن الخطاب، فواللَّه! إني لجالس في ملاءة مورسة على بابي، ما شعرت إلا بعمر بن الخطاب، فإذا معه عدة من المسلمين، فسلم ومضى، وجعلت أستحيي أن يراني رسول اللَّه ﷺ ، وأذكر رؤيته إياي في كل موطن مع المشركين، ثم أذكر بره ورحمته، وصلته، فألقاه وهو داخل المسجد، فلقيني بالبشر، فوقف حتى جئته، فسلمت عليه، وشهدت شهادة الحق، فقال: "الحمد للَّه الذي هداك، ما كان مثلك يجهل الإسلام"، قال الحارث: فواللَّه! ما رأيت مثل الإسلام يجهل (١). وكان الحارث يكنى: أبا المغيرة، وقيل: أبا عبد الرحمن، وهو أخو أبي جهل بن هشام، عداده في أهل الحجاز، وكان شريفًا مذكورًا، وخرج إلى الشام، فقتل باليرموك سنة خمس عشرة، وقيل: مات بالشام في طاعون عمواس، سنة ثماني عشرة. وشهد مع النبي ﷺ حنينًا، وأعطاه مئة من الإبل؛ كما أعطى المؤلفة قلوبهم، وكان منهم، ثم حسن إسلامه، فخرج إلى الشام في زمن عمر بن الخطاب راغبًا في الجهاد، فخرج أهل مكة يبكون لفراقه، فقال: إنها النقلة إلى اللَّه تعالى، وما كنت لأوثر عليكم أحدًا. فلم يزل بالشام مجاهدًا إلى أن مات، وفيه يقول الشاعر: [من الكامل] أحسبتَ أنَّ أباك يومَ سَبَبْتَني ... في المَجْدِ كانَ الحارثَ بنَ هشامِ أَوْلَى قريشٍ بالمكارم كُلِّها ... في الجاهليةِ كانَ وفي الإسلامِ (٢)

стр. 1358

فروى سمي مولى أبي بكر المخزومي (عن أبي صالح السمان)، واسمه: ذكوان مولى جويرية (١) بنت الحارث الغطفانية، سكن الكوفة، وكان يجلب إليها السمن والزيت، فنسب إلى ذلك، وهو من ثقات التابعين، سمع أبا هريرة، وأبا سعيد، وابن عباس، وابن عمر ﵃. روى عنه: عطاء، وأبو حازم سلمة بن دينار، والزهري، وغيرهم. توفي بالمدينة سنة إحدى ومئة، سنة وفاة عمر بن عبد العزيز (٢). (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر (﵁: أن فقراء المهاجرين) سمي منهم: أبو ذر الغفاري، كما عند أبي داود (٣)، وأبو الدرداء، كما عند النسائي وغيره (٤)، واستظهر في "الفتح": أن أبا هريرة منهم، وفي رواية النسائي عن زيد بن ثابت ﵁، قال: أمرنا أن نسبح، الحديث (٥)، وهذا يمكن أن يقال: إن زيد بن ثابت كان

стр. 1359

منهم؛ كما في "الفتح"، ولا يعارضه قوله: فقراء المهاجرين؛ لكون زيد بن ثابت من الأنصار؛ لاحتمال إرادة التغليب (١). (أتوا رسول اللَّه ﷺ ، فقالوا: يا رسول اللَّه! قد ذهب) أي: سار، يريدون: ظفر وفاز (أهل الدثور) -بضم الدال المهملة، والمثلثة-؛ جمع دَثْر -بفتح فسكون-: هو المال الكثير (٢)، ووقع عند الخطابي: ذهب أهل الدور من الأموال، وقال: كذا وقع الدور جمع دار، والصواب: الدثور، انتهى (٣). وقال في "المطالع": الدثور جمع دثر: وهو المال الكثير، يقال: مال دثر، ومالان دثر، وأموال دثر؛ لا يثنى، ولا يجمع، قال: والدثور في غير هذا مصدر دثر الشيء: درس، قال: وجاء في رواية أبي زيد المروزي: أهل الدور، وهو تصحيف، انتهى (٤). (بالدرجات) متعلق بذهب (العلا) -بضم العين-: جمع العُلْيا، وهي تأنيث الأعلى، ويحتمل أن تكون حسية، والمراد: درجات الجنات، أو معنوية، والمراد: علو القدر عند اللَّه تعالى. (والنعيم المقيم) وصف بالإقامة؛ إشارة إلى ضده، وهو النعيم العاجل؛ فإنه قل ما يصفو، وإن صفا، فهو بصدد الزوال (٥)، وفي رواية

стр. 1360

عند البخاري، ومسلم، وغيرهما: ذهب أصحاب الدثور بالأجور (١). (فقال) رسول اللَّه ﷺ : (وما ذاك؟) استفهم ﵊ عن السبب الحامل لهم على ما قالوا، أو عن كون أهل الأموال ذهبوا بالدرجات العلا، والنعيم المقيم. (قالوا: يصلون كما نصلي) من الفروض والنوافل (ويصومون كما نصوم) كذلك. زاد في حديث أبي الدرداء عند مسلم: ويذكرون كما نذكر (٢). وللبزار من حديث ابن عمر: صدقوا تصديقنا، وآمنوا إيماننا (٣). (ويتصدقون) من فضل أموالهم، (ولا نتصدق)، لعدم ما نتصدق به، ولفظ البخاري: ولهم فضل أموال يحجون بها، ويعتمرون، ويجاهدون (٤)؛ يعني: ولا نحج، وما عطف عليه كذلك؛ كما هو في بعض الروايات.

стр. 1361

(ويعتقون ولا نعتق، فقال رسول اللَّه ﷺ : أفلا أعلمكم شيئًا) من الذكر لا تحتاجون فيه إلى مال، ولا دثر (تدركون به) لعظم فضله (من سبقكم) من أهل الأموال الذين فازوا عليكم بالصدقة، ونحوها، والسبقية يحتمل أن تكون معنوية، وهو السبق إلى الفضائل، ويحتمل أن تكون حسية؛ بأن يراد به: السبق الزماني، قال ابن دقيق العيد: والأول أقرب (١). (وتسبقون به) إذا أنتم أخذتم به، وداومتم عليه (من)؛ أي: الذين هم (بعدكم)؛ أي: من جاء من الناس بعدكم، ولم يأخذ بما أخذتم به، (ولا يكون أحد) من الناس من أرباب الصدقات، ولا غيرهم (أفضل منكم، إلا من صنع مثل ما صنعتم؟) يعني: من أرباب الصدقات، والعتق، والخيرات، فإنهم يكونوا أفضل؛ لأنهم ساووهم في الذكر، وزادوا عليهم بالتفضل، هذا ظاهر الحديث. ولفظ البخاري: "أدركتم من سبقكم، ولم يدرككم أحد بعدكم، وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيهم" (٢)، وفي لفظ عنده: "بين ظهرانيه" -بالإفراد (٣) -، فإن قيل: ظاهر الإدراك المساواة، ولفظ البخاري ظاهره الأفضلية؟! فالجواب: الإدراك أعم من المساواة، فقد يدرك، ثم يفوت؛ كما في "الفتح" عن بعض أهل العلم، قال: وعلى هذا، فالتقرب بهذا الذكر راجح

стр. 1362

على التقرب بالمال، ويحتمل أن يقال: الضمير في "كنتم" للمجموع من السابق والمدرك. وكذا قوله: "إلا من صنع مثل ما صنعتم"، ولفظ البخاري: "إلا من عمل مثل عملكم" (١)؛ أي: من الفقراء فقال الذكر، أو من الأغنياء فتصدق، أو أن الخطاب للفقراء خاصة، لكن شاركتهم الأغنياء في الخيرية المذكورة؛ فيكون كل من الصنفين خيرًا ممن لا يتقرب بذكر، ولا صدقة، ويشهد له قوله في حديث ابن عمر، عند البزار: "أدركتم مثل فضلهم" (٢)، ولمسلم من حديث أبي ذر: "أوليس قد جعل لكم ما تتصدقون؟! إن بكل تسبيحة صدقة، وبكل تكبيرة صدقة" الحديث (٣). واستشكل تساوي هذا الذكر، بفضل التقرب بالمال، مع شدة المشقة فيه! وأجاب الكرماني: بأنه لا يلزم أن يكون الثواب على قدر المشقة في كل حالة، واستدل لذلك بفضل الشهادة مع سهولتها، على كثير من العبادات الشاقة (٤). (قالوا: بلى يا رسول اللَّه!)؛ أي: علمنا الشيء الذي ندرك به إذا نحن صنعناه من سبقنا (قال) ﷺ : (تسبحون)؛ أي: تقولون: سبحان اللَّه، (وتكبرون) كذا في رواية ابن عجلان، عن سمي، بتقديم التكبير على

стр. 1363

التحميد (١)، (وتحمدون دبر كل صلاة) مكتوبة، وأكثر الروايات عند البخاري، وغيره؛ فيها: تقديم التحميد على التكبير، ولفظ البخاري: "خلف كل صلاة" (٢)، وهي مفسرة للرواية التي عندهما بلفظ: "دُبُر" بضمتين. قال الأزهري: دبر [الأمر] يعني: -بضمتين-، ودبره. يعني:-بفتح، فسكون-: آخره (٣)، وادعى أبو عمرو الزاهد: أنه يقال: -بالضم-، إلا للجارحة، ورد بمثل قولهم: أعتق غلامه عن دبر. ومقتضى الحديث: أن الذكر المذكور يقال عند الفراغ من الصلاة، ويأتي الكلام عليه -إن شاء اللَّه تعالى-. وظاهر قوله: "كل صلاة" يشمل الفرض والنفل، لكن حمله أكثر العلماء على الفرض، وقد وقع في حديث كعب بن عجرة، عند مسلم: التقييد بالمكتوبة (٤)؛ فكأنهم حملوا المطلق على المقيد (٥). (ثلاثًا وثلاثين مرة) وهذا مجمل، يحتمل أن يكون المجموع للجميع؛ فإذا وزع كان لكل واحد إحدى عشرة، وهو الذي فهمه سهيل بن صالح؛ كما رواه مسلم، من طريق روح بن القاسم، عنه (٦)، لكن لم يتابع سهيل على ذلك.

стр. 1364

قال في "الفتح": لم أر في شيء من طرق الحديث كلها التصريح بإحدى عشرة، إلا في حديث ابن عمر عند البزار، وإسناده ضعيف (١)، بل المراد: المجموع لكل فرد فرد (٢). زاد مسلم: (قال أبو صالح) السمان: (فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول اللَّه ﷺ ) بعد ذلك، (فقالوا) يا رسول اللَّه! (سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا)؛ أي: من الذكر الذي علمتنا إياه، (ففعلوا مثله)؛ أي: مثل فعلنا؛ بأن صاروا يسبحون، ويحمدون، ويكبرون خلف كل صلاة ثلاثًا وثلاثين مرة، (فقال رسول اللَّه ﷺ ) لهم في جواب قولهم الذي قالوه: (ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء)؛ أي: من عباده. قال القرطبي: تأول بعضهم قوله: "ذلك فضل اللَّه" بأن قال: الإشارة راجعة إلى الثواب المـ[ـتـ]ـرتب على العمل الذي يحصل به التفضيل عند اللَّه ، فكأنه قال: ذلك الثواب الذي أخبرتكم به، لا يستحقه أحد بحسب الذكر، ولا بحسب الصدقة، وإنما هو بفضل اللَّه سبحانه. قال: وهذا التأويل فيه بعد، ولكن اضطر إليه لما يعارضه (٣). وتعقب: بأن الجمع بينه وبين ما يعارضه ممكن، من غير احتياج إلى التعسف (٤). (قال سمي: فحدثت بعض أهلي هذا الحديث) المذكور على الصفة

стр. 1365

المذكورة، (فقال) لي ذلك البعض من أهلي: (وهمتَ)؛ أي: ذهب وهمك إلى غير الصواب، والمراد: غلطت، وأصل الوهم: خطرات القلب، أو مرجوحُ طرفي المُتَردَّد فيه، والجمع أوهام، ووهم في الحساب؛ كَوَجِلَ: غلط، وفي الشيء؛ كوعد: ذهب وهمه إليه (١). (إنما قال لك) أبو صالح: (تسبح اللَّه ثلاثًا وثلاثين) مرة، (وتحمد اللَّه ثلاثًا وثلاثين) مرة، (وتكبر اللَّه ثلاثًا وثلاثين) مرة. قال سمي: (فرجعت إلى أبي صالح) السمان، (فقلت له ذلك)؛ أي. ما نسبه بعض أهلي إليَّ من الوهم فيما حدثته؛ أي: لأبي صالح السمان، (فقال) أبو صالح: (اللَّه أكبر وسبحان اللَّه والحمد للَّه) تقول هكذا وتعاود عليها، وتكررها (حتى تبلغ من جميعهن ثلاثًا وثلاثين) مرة، "فتلك تسعة وتسعون، ثم تقول تمام المئة: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير". ففي مسلم: أن من قال ذلك، "غفرت له خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر" (٢). تنبيهات: الأول: صرح المصنف -طيَّب اللَّه ثراه-: أن الاختلاف وقع بين سمي وبعض أهله، وأنه هو الذي رجع إلى أبي صالح، وأن أبا صالح هو الذي قال له الذكر المذكور، على النسق الذي ذكرناه عنه، وفي "الفتح" أن الظاهر: أن أبا هريرة هو القائل، وكذا قوله: فرجعت إليه، وأن الذي رجع

стр. 1366

أبو هريرة إليه هو النبي ﷺ . قال: وعلى هذا، فالخلاف في ذلك وقع بين الصحابة ﵃. وقال عن رواية ابن عجلان التي ذكرها مسلم: بأن مسلمًا لم يوصل هذه الزيادة؛ فإنه أخرج عن قتيبة، عن الليث، عن ابن عجلان، ثم زاد غير قتيبة في هذا الحديث عن الليث، فذكرها، والغير المذكور يحتمل أن يكون: شعيب بن الليث، أو سعيد بن أبي مريم، فقد أخرجه أبو عوانة في "مستخرجه" عن الربيع بن سليمان، عن شعيب (١)، وأخرجه الجوزقي، والبيهقي، من طريق سعيد (٢)، فظهر بهذا: أن في رواية عبيد اللَّه بن عمر، عن سمي في حديث الباب إدراجًا، واللَّه أعلم (٣). الثاني: ظاهر سياق الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: أن جميع الحديث من متفق الشيخين، وليس كذلك؛ فإن البخاري إنما أخرج منه في باب: الذكر بعد الصلاة، قال فيه: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل أموال يحجون بها، ويعتمرون، ويجاهدون، ويتصدقون، قال: "أحدثكم" الحديث، وفيه: فاختلفنا؛ فقال بعضنا: نسبح ثلاثًا وثلاثين، ونحمد ثلاثًا وثلاثين، ونكبر أربعًا وثلاثين، فرجعت إليه، فقال: تقول: سبحان اللَّه والحمد للَّه واللَّه أكبر، حتى يكون منهن كلهن ثلاث وثلاثون هذا نسق ما في البخاري (٤)، إلا أن أصل الحديث متفق عليه، وإن

стр. 1367

اختلفا في بعض ألفاظ جزئية (١)، واللَّه أعلم. الثالث: الأولى في هذا الذكر: ما في هذا الحديث، من كونه يقول: سبحان اللَّه والحمد للَّه واللَّه أكبر ثلاثًا وثلاثين، حتى يفرغ من الجميع معًا. قال في "الفروع": ويفرغ من عدد التسبيح والتحميد والتكبير معًا، وذكر قول أبي صالح السمان راوي الخبر، عن أبي هريرة. قال: وعنه -أي: الإمام أحمد-: يخير بينه وبين إفراد كل جملة، واختار القاضي -يعني: أبا يعلى-: الإفراد، قال: ويعقده والاستغفار بيده، نص عليه، انتهى (٢). وفي "الفتح" رواية ابن عجلان ظاهرها: أن العدد للجميع، لكن يقو [ل] ذلك مجموعًا، وهذا اختيار أبي صالح، لكن الروايات الثابتة عن غيره الإفراد (٣). قال عياض: وهذا أولى (٤). قال: ورجح بعضهم الجمع للإثبات فيه بواو العطف، قال: والذي يظهر: أنَّ كلًا من الأمرين حسن، قال: إلا أن الإفراد يتميز بأمر آخر، وهو أن الذاكر يحتاج إلى العدد، وله على كل حركة لذلك، سواء كان بأصابعه، [أ] وبغيرها، ثواب لا يحصل لصاحب الجمع منه إلا الثلث، كذا قال (٥).

стр. 1368

قلت: بل الذي يظهر أولوية الجمع؛ لأن الروايات بجملة صالحة لكل من الأمرين، ورواية أبي صالح مفسرة، فالمصير إليها أولى، وما أبداها لا يعارض النص، واللَّه أعلم. الرابع: وقع الابتداء في أكثر الروايات بالتسبيح، ثم التحميد، فالتكبير، وفي رواية ابن عجلان تقديم التكبير على التحميد خاصة؛ كما تقدم، وفيه -أيضًا-: قول أبي صالح: تقول: اللَّه أكبر وسبحان اللَّه والحمد للَّه، ومثله لأبي داود من حديث أم الحكم (١)، وله في حديث أبي هريرة ﵁: "تكبر وتحمد وتسبح" (٢)، وكذا في حديث ابن عمر (٣). قال في "الفتح": وهذا الاختلاف دال على أن لا ترتيب فيها، ويستأنس لذلك بقوله في حديث: "الباقيات الصالحات، لا يضرك بأيهن بدأت" (٤)، لكن يمكن أن يقال: الأولى البداءة بالتسبيح؛ لأنه يتضمن نفي النقائص عن الباري ، ثم التحميد؛ لأنه يتضمن إثبات الكمال له؛ إذ لا يلزم من نفي النقائص إثبات الكمال، ثم التكبير؛ إذ لا يلزم من نفي النقائص وإثبات الكمال، أن يكون هناك كبير، ثم ختم بلا إله إلا اللَّه، إلخ،

стр. 1369

الدال على انفراده بالوحدانية، وبجميع ذلك، واللَّه أعلم (١). الخامس: وقع في رواية ورقاء، عن سمي، عند البخاري في: الدعوات: "تسبحون عشرًا، وتحمدون عشرًا، وتكبرون عشرًا" (٢)، ووقع في مسلم من طريق آخر: يقول سهيل: إحدى عشرة، إحدى عشرة، فجميع ذلك كله ثلاثة وثلاثون" (٣). وجاء في حديث زيد بن ثابت، وابن عمر: أنه ﷺ أمرهم أن يقولوا كل ذكر منها خمسًا وعشرين، ويزيدوا فيها: لا إله إلا اللَّه خمسًا وعشرين، ولفظ زيد بن ثابت: أمرنا أن نسبح في دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، ونحمد ثلاثًا وثلاثين، ونكبر أربعًا وثلاثين، فأتي رجل في منامه، فقيل له: أمركم محمد أن تسبحوا، فذكره، قال: نعم، قال: اجعلوها خمسًا وعشرين، واجعلوا فيها التهليل، فلما أصبح أتي النبي ﷺ ، فأخبره، فقال: "فافعلوه"، أخرجه النسائي، وابن خزيمة، وابن حبان (٤). ولفظ ابن عمر: رأى رجل من الأنصار فيما يرى النائم، فذكر نحوه (٥). والحاصل: أن العمل على ما ذكرناه في "الصحيحين"، وغيرهما، واللَّه الموفق.

стр. 1370

السادس: استنبط بعض العلماء من كثرة تنويع الروايات: أن اعتبار مراعاة العدد المخصوص في الأذكار معتبرة، وإلا لكان يمكن أن يقال: أضيفوا إليها التهليل ثلاثًا وثلاثين، فلما رجع التسبيح والتحميد والتكبير إلى خمس وعشرين، خمس وعشرين، وأضيف إليها التهليل كذلك، علم أن اعتبار كون الجميع من الذكر مئة معتبرة. وقد كان بعض العلماء يقول: إن الأعداد الواردة كالأذكار خلف الصلاة، إذا رتب عليها ثواب مخصوص، فزاد الآتي بها على العدد المذكور، لا يحصل له ذلك الثواب؛ لاحتمال أن يكون لتلك الأعداد حكمة وخاصية تفوته بمجاوزة ذلك العدد. قال الحافظ أبو الفضل عبد الرحيم العراقي في "شرح الترمذي": وفيه نظر؛ لأنه أتى بالمقدار الذي رتب عليه الثواب على الإتيان، فحصل له الثواب بذلك، فإذا زاد عليه من جنسه، كيف تكون تلك الزيادة مزيلة للثواب بعد حصوله؟! (١) وتقدم كلام صاحب "الفروع"؛ من أنه حيث ذكر العدد، فلا تضر الزيادة عليه (٢). وفي "الفتح": يمكن أن يفرق فيه بالنية، فإن نوى عند الانتهاء إليه امتثال الأمر الوارد، ثم أتى بالزيادة، فالأمر كما قال العراقي لا محالة، وإن زاد بغير نية؛ بأن يكون رتب على عشرة مثلًا، فيرتبه هو على مئة، فيتجه القول الماضي. قال: وقد بالغ القرافي -رحمه اللَّه تعالى- في "القواعد"، فقال: من
следующие страницы →