أبو هريرة إليه هو النبي ﷺ . قال: وعلى هذا، فالخلاف في ذلك وقع بين الصحابة ﵃.
وقال عن رواية ابن عجلان التي ذكرها مسلم: بأن مسلمًا لم يوصل هذه الزيادة؛ فإنه أخرج عن قتيبة، عن الليث، عن ابن عجلان، ثم زاد غير قتيبة في هذا الحديث عن الليث، فذكرها، والغير المذكور يحتمل أن يكون: شعيب بن الليث، أو سعيد بن أبي مريم، فقد أخرجه أبو عوانة في "مستخرجه" عن الربيع بن سليمان، عن شعيب (١)، وأخرجه الجوزقي، والبيهقي، من طريق سعيد (٢)، فظهر بهذا: أن في رواية عبيد اللَّه بن عمر، عن سمي في حديث الباب إدراجًا، واللَّه أعلم (٣).
الثاني: ظاهر سياق الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: أن جميع الحديث من متفق الشيخين، وليس كذلك؛ فإن البخاري إنما أخرج منه في باب: الذكر بعد الصلاة، قال فيه: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل أموال يحجون بها، ويعتمرون، ويجاهدون، ويتصدقون، قال: "أحدثكم" الحديث، وفيه: فاختلفنا؛ فقال بعضنا: نسبح ثلاثًا وثلاثين، ونحمد ثلاثًا وثلاثين، ونكبر أربعًا وثلاثين، فرجعت إليه، فقال: تقول: سبحان اللَّه والحمد للَّه واللَّه أكبر، حتى يكون منهن كلهن ثلاث وثلاثون هذا نسق ما في البخاري (٤)، إلا أن أصل الحديث متفق عليه، وإن
стр. 1367
اختلفا في بعض ألفاظ جزئية (١)، واللَّه أعلم.
الثالث: الأولى في هذا الذكر: ما في هذا الحديث، من كونه يقول: سبحان اللَّه والحمد للَّه واللَّه أكبر ثلاثًا وثلاثين، حتى يفرغ من الجميع معًا.
قال في "الفروع": ويفرغ من عدد التسبيح والتحميد والتكبير معًا، وذكر قول أبي صالح السمان راوي الخبر، عن أبي هريرة. قال: وعنه -أي: الإمام أحمد-: يخير بينه وبين إفراد كل جملة، واختار القاضي -يعني: أبا يعلى-: الإفراد، قال: ويعقده والاستغفار بيده، نص عليه، انتهى (٢).
وفي "الفتح" رواية ابن عجلان ظاهرها: أن العدد للجميع، لكن يقو [ل] ذلك مجموعًا، وهذا اختيار أبي صالح، لكن الروايات الثابتة عن غيره الإفراد (٣).
قال عياض: وهذا أولى (٤).
قال: ورجح بعضهم الجمع للإثبات فيه بواو العطف، قال: والذي يظهر: أنَّ كلًا من الأمرين حسن، قال: إلا أن الإفراد يتميز بأمر آخر، وهو أن الذاكر يحتاج إلى العدد، وله على كل حركة لذلك، سواء كان بأصابعه، [أ] وبغيرها، ثواب لا يحصل لصاحب الجمع منه إلا الثلث، كذا قال (٥).
стр. 1368
قلت: بل الذي يظهر أولوية الجمع؛ لأن الروايات بجملة صالحة لكل من الأمرين، ورواية أبي صالح مفسرة، فالمصير إليها أولى، وما أبداها لا يعارض النص، واللَّه أعلم.
الرابع: وقع الابتداء في أكثر الروايات بالتسبيح، ثم التحميد، فالتكبير، وفي رواية ابن عجلان تقديم التكبير على التحميد خاصة؛ كما تقدم، وفيه -أيضًا-: قول أبي صالح: تقول: اللَّه أكبر وسبحان اللَّه والحمد للَّه، ومثله لأبي داود من حديث أم الحكم (١)، وله في حديث أبي هريرة ﵁: "تكبر وتحمد وتسبح" (٢)، وكذا في حديث ابن عمر (٣).
قال في "الفتح": وهذا الاختلاف دال على أن لا ترتيب فيها، ويستأنس لذلك بقوله في حديث: "الباقيات الصالحات، لا يضرك بأيهن بدأت" (٤)، لكن يمكن أن يقال: الأولى البداءة بالتسبيح؛ لأنه يتضمن نفي النقائص عن الباري ، ثم التحميد؛ لأنه يتضمن إثبات الكمال له؛ إذ لا يلزم من نفي النقائص إثبات الكمال، ثم التكبير؛ إذ لا يلزم من نفي النقائص وإثبات الكمال، أن يكون هناك كبير، ثم ختم بلا إله إلا اللَّه، إلخ،
стр. 1369
الدال على انفراده بالوحدانية، وبجميع ذلك، واللَّه أعلم (١).
الخامس: وقع في رواية ورقاء، عن سمي، عند البخاري في: الدعوات: "تسبحون عشرًا، وتحمدون عشرًا، وتكبرون عشرًا" (٢)، ووقع في مسلم من طريق آخر: يقول سهيل: إحدى عشرة، إحدى عشرة، فجميع ذلك كله ثلاثة وثلاثون" (٣).
وجاء في حديث زيد بن ثابت، وابن عمر: أنه ﷺ أمرهم أن يقولوا كل ذكر منها خمسًا وعشرين، ويزيدوا فيها: لا إله إلا اللَّه خمسًا وعشرين، ولفظ زيد بن ثابت: أمرنا أن نسبح في دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، ونحمد ثلاثًا وثلاثين، ونكبر أربعًا وثلاثين، فأتي رجل في منامه، فقيل له: أمركم محمد أن تسبحوا، فذكره، قال: نعم، قال: اجعلوها خمسًا وعشرين، واجعلوا فيها التهليل، فلما أصبح أتي النبي ﷺ ، فأخبره، فقال: "فافعلوه"، أخرجه النسائي، وابن خزيمة، وابن حبان (٤).
ولفظ ابن عمر: رأى رجل من الأنصار فيما يرى النائم، فذكر نحوه (٥).
والحاصل: أن العمل على ما ذكرناه في "الصحيحين"، وغيرهما، واللَّه الموفق.
стр. 1370
السادس: استنبط بعض العلماء من كثرة تنويع الروايات: أن اعتبار مراعاة العدد المخصوص في الأذكار معتبرة، وإلا لكان يمكن أن يقال: أضيفوا إليها التهليل ثلاثًا وثلاثين، فلما رجع التسبيح والتحميد والتكبير إلى خمس وعشرين، خمس وعشرين، وأضيف إليها التهليل كذلك، علم أن اعتبار كون الجميع من الذكر مئة معتبرة.
وقد كان بعض العلماء يقول: إن الأعداد الواردة كالأذكار خلف الصلاة، إذا رتب عليها ثواب مخصوص، فزاد الآتي بها على العدد المذكور، لا يحصل له ذلك الثواب؛ لاحتمال أن يكون لتلك الأعداد حكمة وخاصية تفوته بمجاوزة ذلك العدد.
قال الحافظ أبو الفضل عبد الرحيم العراقي في "شرح الترمذي": وفيه نظر؛ لأنه أتى بالمقدار الذي رتب عليه الثواب على الإتيان، فحصل له الثواب بذلك، فإذا زاد عليه من جنسه، كيف تكون تلك الزيادة مزيلة للثواب بعد حصوله؟! (١)
وتقدم كلام صاحب "الفروع"؛ من أنه حيث ذكر العدد، فلا تضر الزيادة عليه (٢).
وفي "الفتح": يمكن أن يفرق فيه بالنية، فإن نوى عند الانتهاء إليه امتثال الأمر الوارد، ثم أتى بالزيادة، فالأمر كما قال العراقي لا محالة، وإن زاد بغير نية؛ بأن يكون رتب على عشرة مثلًا، فيرتبه هو على مئة، فيتجه القول الماضي.
قال: وقد بالغ القرافي -رحمه اللَّه تعالى- في "القواعد"، فقال: من
стр. 1371
البدع المكروهة الزيادة في المندوبات المحدودة شرعًا؛ لأن شأن العظماء إذا حدوا شيئًا، أن يوقف عنده، ويعد الخارج عنه مسيئًا للأدب، انتهى.
قال في "الفتح": ومثَّله بعض العلماء بالدواء، يكون فيه مثلًا أوقية سكر، فلو زيد فيه أوقية أخرى، لتخلف الانتفاع به، فلو اقتصر على الأوقية في الدواء، ثم استعمل من السكر بعد ذلك ما شاء، لم يتخلف الانتفاع.
ويؤكد ذلك: أن الأذكار المتغايرة إذا ورد لكل منها عدد مخصوص، مع طلب الإتيان بجميعها متوالية، لم تحسن الزيادة على العدد المخصوص؛ لما في ذلك من قطع الموالاة؛ لاحتمال أن يكون للموالاة في ذلك حكمة خاصة تفوت بفواتها (١).
السابع: قال ابن بطال عن المهلب: في هذا الحديث فضل الغنى نصًا لا تأويلًا، إذا استوت أعمال الغني والفقير فيما افترض اللَّه عليهما، فللغني حينئذ فضل عمل البر من الصدقة، ونحوها، مما لا سبيل للفقير إليه. قال: ورأيت بعض المتكلمين ذهب إلى أن هذا الفضل مختص بالفقراء دون من كان (٢).
وقال ابن دقيق العيد: الفقراء ذَكَروا للرسول ﷺ ما يقتضي تفضيل الأغنياء، بسبب القربات المتعلقة بالمال، وأقرهم النبي ﷺ على ذلك، ولكن علمهم ما يقوم مقام تلك الزيادة، فلما قالها الأغنياء، ساووهم فيها، وبقي معهم رجحان قربات المال، فقال ﵇: "ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء"، فظاهره القريب من الظن، أنه فضل الأغنياء بزيادة القربات المالية.
стр. 1372
وبعض الناس تأول قوله ﵇: "ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء" بتأويل مستنكر يخرجه عما ذكرناه من الظاهر، والذي يقتضيه الأصل: أنهما إن تساويا، وحصل الرجحان بالعبادات المالية، أن يكون الغني أفضل.
قال: ولا شك في ذلك، وإنما النظر إذا تساويا في أداء الواجب فقط، وانفرد كل واحد بمصلحة ما هو فيه، وإذا كانت المصالح متقابلة، ففي ذلك نظر يرجع إلى تفسير الأفضل؛ فإن فسر بزيادة الثواب، فالقياس يقتضي تفضيل المتعدية على القاصرة.
وإن فسر الأفضل بمعنى الأشرف، بالنسبة إلى صفات النفس، فالذي يحصل للنفس من التطهير للأخلاق، والرياضة لسوء الطباع بسبب الفقر أشرف، فيترجح الفقر؛ ولهذا ذهب الجمهور من الصوفية إلى ترجيح الفقير الصابر على الغني الشاكر؛ لأن مدار الطريق على تهذيب النفس ورياضتها، وذلك مع الفقر أكثر منه مع الغنى، فكان أفضل بمعنى [الأشرف] (١)، انتهى (٢).
وقال القرطبي: للعلماء في هذه المسألة خمسة أقوال: ثالثها: الأفضل: الكفاف، رابعها: يختلف باختلاف الأشخاص، خامسها: التوقف (٣).
وقال الكرماني: قضية الحديث: أن شكوى الفقراء تبقى بحالها، وأجاب: أن مقصودهم كان تحصيل الدرجات العلا، والنعيم المقيم لهم، لا نفي الزيادة عن أهل الدثور مطلقًا.
стр. 1373
قال في "الفتح": والذي يظهر: أن مقصودهم إنما كان طلب المساواة، ويظهر أن الجواب وقع قبل أن يعلم ﷺ أن متمني الشيء يكون شريكًا لفاعله في الأجر، ففي رواية الترمذي: "المنفق والمتمني إذا كان صادق النية، في الأجر سواء" (١)؛ وكذا قوله ﷺ : "من سن سنة حسنة، فله أجرها، وأجر من عمل بها، من غير أن ينقص من أجره شيء" (٢).
فإن الفقراء في هذه القصة، كانوا السبب في تعليم الأغنياء الذكر المذكور، فإذا استووا معهم في القول، فقد امتازوا بأجر السبب مضافًا إلى التمني، فلعل ذلك يقاوم التقرب بالمال، وتبقى المقايسة بين صبر الفقير على شَظَف العيش، وشكر الغني على التنعم بالمال، ومن ثم وقع التردد في تفضيل أحدهما على الآخر (٣).
وعلق البخاري حديث: "الطاعم الشاكر مثل الصائم الصابر" من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ (٤)، وقد أخرجه البخاري في "التاريخ"، والحاكم في "المستدرك" موصولًا، ولفظه عن أبي هريرة: "إن للطاعم الشاكر من الأجر ما للصائم الصابر"، وأخرجه ابن ماجه، وابن
стр. 1374
خزيمة. وأخرجه أيضًا الترمذي، وابن ماجه، والحاكم، وغيرهم؛ من حديث أبي هريرة (١).
قال ابن بطال: هذا من تفضل اللَّه على عباده، أنْ جعل للطاعم -إذا شكر ربه على ما أنعم به عليه- ثوابَ الصائم الصابر.
وقال الكرماني: التشبيه هنا في أصل الثواب، لا في الكمية، ولا الكيفية، والتشبيه لا يستلزم المماثلة من جميع الأوجه.
وقال الطيبي: ربما توهم متوهم: أن ثواب الشكر يقصر عن ثواب الصبر، فأزيل توهمه، أو وجه الشبه: اشتراكُهما في حبس النفس؛ فالصابر يحبس نفسه على طاعة المنعم، والشاكر يحبس نفسه على محبته.
قال في "الفتح": وفي الحديث رفع الاختلاف المشهور في الغني الشاكر والفقير الصابر، وإنما هما سواء؛ كذا قيل. وسياق الحديث يقتضي تفضيل الفقير الصابر؛ لأن الأصل [أنَّ] المشبه به أعلى درجة من المشبه، والتحقيق عند أهل الحذق: ألا يجاب في ذلك بجواب كلي، بل يختلف الحال باختلاف الأشخاص والأحوال؛ نعم عند الاستواء من كل جهة،
стр. 1375
وفرض رفع العوارض بأسرها، فالفقير أسلم عاقبة في الدار الآخرة، قال: ولا ينبغي أن يعدل بالسلامة شيء، واللَّه أعلم (١).
وفي "بدائع الفوائد" للإمام المحقق ابن القيم: إن أريد بالفضل: كثرةُ الثواب عند اللَّه، فذلك أمر لا يطلع عليه إلا بالنص؛ لأنه بحسب تفاضل أعمال القلوب، لا بمجرد أعمال الجوارح، وكم من عاملين أحدهما أكثر عملًا بجوارحه، والآخر أرفع درجة منه في الجنة.
قال: هذا في التفاضل بين عائشة وفاطمة -رضوان اللَّه عليهما-. قال: وإن أريد التفضيل بالعلم؛ فعائشة أعلم وأنفع للأمة، وأدَّت من العلم ما لم يؤد غيرها، واحتاج إليها خاص الأمة وعامتها.
وإن أريد بالتفضيل شرف الأصل، وجلالة النسب، كانت فاطمة؛ فإنها بضعة من النبي ﷺ ، وذلك الاختصاص لم يشركها فيه غير أخواتها.
وإن أريد السيادة، ففاطمة سيدة نساء الأمة.
قال: فإذا ثبتت وجوه التفضيل، وموارد الفضل، وأسبابه، صار الكلام بعلم وعدل.
قال: وأكثر الناس إذا تكلم في التفضيل، لم يفصل جهات الفضل، وأسبابه بينها؛ فيبخس الحق، وإن انضاف إلى ذلك نوع تعصب، وهوى لمن يفضله، تكلم بالجهل والظلم.
قال: وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية، عن مسائل عديدة من مسائل التفضيل، فأجاب فيها بالتفصيل الشافي؛ فمنها: أنه سئل عن تفضيل الغني الشاكر على الفقير الصابر، والعكس، فأجاب بما شفى الصدر، فقال:
стр. 1376
أفضلهما: أتقاهما للَّه، فإن استويا في التقوى، استويا في الدرجة، واللَّه الموفق (١).
الثامن: مقتضى الحديث: اعتبار كون الذِّكر المذكور يقال عند الفراغ من الصلاة المكتوبة، فلو تأخر ذلك عن الفراغ؛ فإن كان يسيرًا بحيث لا يعد معرضًا، أو كان ناسيًا، أو متشاغلًا بما ورد بعد الصلاة أيضًا؛ كآية الكرسي؛ فلا يضر، وتقييده في حديث كعب بن عجرة ﵁ بالمكتوبة؛ كما عند مسلم (٢)، [وعلى هذا، هل] يكون التشاغل بالراتبة بعد المكتوبة فاصلًا بين المكتوبة والذكر المذكور؟، وتوقف فيه في "الفتح" (٣).
وقال ابن نصر اللَّه من علماء مذهبنا في "حواشيه": الظاهر: أن مرادهم أن يقول ذلك وهو قاعد، ولو قاله بعد قيامه وفي ذهابه، فالظاهر: أنه مصيب للسنة -أيضًا-؛ إذ لا تحجير في ذلك، ولو شغل عن ذلك، ثم تذكره، فالظاهر: حصول أجره الخاص له أيضًا إذا كان قريبًا للعذر، أما لو تركه عمدًا، ثم استدركه بعد زمن طويل، فالظاهر: فوات أجره الخاص، وبقاء أجر الذكر المطلق، انتهى، هكذا نقله العلامة النجدي (٤).
والظاهر: أنه لو تركه عمدًا أو لعذر، ومضى زمن طويل، ثم استدركه: لم يحصل له أجره الخاص، ويكون في العبادة سقط، يفهم من أولها، واللَّه تعالى الموفق.
* * *
стр. 1377
الحديث الرابع
عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ، فَنَظَرَ إلَى أَعْلَامِهَا نَظْرَةً، فَلمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: "اذْهَبُوا بخَمِيصَتي هَذِهِ إلى أبي جَهْمٍ، وائْتُونِي بأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ؛ فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عن صَلَاتِي" (١).
стр. 1378
الخميصة: كساءٌ مربَّع له أعلام، والأنبجانية: كساء غليظ.
* * *
(عن) أم المؤمنين (عائشة) الصديقة (﵂: أن النبي ﷺ صلى في خميصة) -بفتح الخاء المعجمة، وكسر الميم، وبالصاد المهملة-: كساء مربع (لها أعلام) جمع علم: هي رَسْمُ الثوب ورقمه؛ كما في "القاموس" (١).
(فنظر) رسول اللَّه ﷺ (إلى أعلامها) المرسومة بها (نظرة) كأنها أعجبته، (فلما انصرف)؛ أي: فرغ من صلاته، (قال) ﵊: (اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم) -بفتح الجيم، وسكون الهاء على التكبير-، وربما يقال: أبو جهم بدون "أل"، واسمه: عامر، وقيل: عبيد -بضم العين- بن حذيفة بن غانم بن عامر بن عبد اللَّه بن عبيد -بفتح العين، وكسر الموحدة- بن عَوِيج -بفتح العين أيضًا، وكسر الواو، فياء مثناة، فجيم- بن عدي بن كعب القرشي العدوي، أسلم يوم الفتح، وكان معظمًا في قريش.
قال الزبير: كان أبو جهم من مشيخة قريش، عالمًا بالنسب.
قال ابن عبد البر: هو أحد الأربعة الذين كانت قريش تأخذ عنهم علم النسب؛ وهم: عقيل بن أبي طالب، ومخرمة بن نوفل الزهري، وأبو جهم هذا، وحويطب بن عبد العزى العامري.
وكان أبو جهم من المعمَّرين، بنى الكعبة مرتين؛ مرة في الجاهلية حين بنتها قريش، ومرة حين بناها ابن الزبير، وروي عنه أنه قال: قد عملت في
стр. 1379
الكعبة مرتين: مرة في الجاهلية بقوة غلام يفاع، وفي الإسلام بقوة شيخ فان.
توفي ﵁ في أيام ابن الزبير-﵄ (١).
وإنما خصه ﷺ بإرسال الخميصة؛ لأنه كان أهداها للنبي ﷺ ، كما رواه مالك في "الموطأ" من طريق أخرى، عن عائشة ﵂، قالت: أهدى أبو جهم بن حذيفة إلى رسول اللَّه ﷺ خميصة لها علم، فشهد فيها الصلاة، فلما انصرف، قال: "رُدِّي هذه الخميصة إلى أبي الجهم" (٢).
ووقع عند الزبير بن بكار ما يخالف ذلك، فأخرج من وجه مرسل: أن النبي ﷺ أتي بخميصتين سوداوين، فلبس إحداهما، وبعث بالأخرى إلى أبي الجهم (٣).
ولأبي داود من طريق أخرى: وأخذ كرديًا لأبي جهم، فقيل:
стр. 1380
يا رسول اللَّه! الخميصة كانت خيرًا من الكردي (١).
وقوله: (وائتوني بأَنْبِجانية أبي جهم) هي -بفتح الهمزة، وسكون النون، وكسر الموحدة، وتخفيف الجيم، وبعد النون ياء نسبة-: كساء غليظ؛ كما في كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- لا عَلَمَ له.
وقال ثعلب: يجوز -فتح الهمزة، وكسرها، وكذا الموحدة- يقال: كساء أنبجاني: إذا كان ملتفًا كثيرًا لصوف (٢)، وأنكر أبو موسى المديني على من زعم: أنه منسوب إلى منبج البلد المعروف بالشام.
قال صاحب "الصحاح": إذا نسبت إلى منبج، فتحت الباء، فقلت: كساء مَنْبَجَاني، أخرجوه مُخْرَج مَنْظَرانيٍّ (٣).
وفي "القاموس": كساء مَنْبَجَاني، وأَنْبَجَاني -بفتح بائهما-: نسبة على غير قياس، انتهى (٤).
وفي "الجمهرة": منبج: موضع أعجمي تكلمت فيه العرب، ونسبوا إليه الثياب المنبجانية (٥).
قال أبو حاتم السجستاني: لا يقال: كساء أنبجاني، وإنما يقال: منبجاني، قال: وهذا مما تخطىء فيه العامة، انتهى (٦).
стр. 1381
وقد علمت: أن صاحب "القاموس" أجازهما معًا (١).
قال ابن بطال: إنما طلب منه ثوبًا غيرها؛ ليعلمه أنه لم يَرُدَّ عليه هديته استخفافًا به.
قال: وفيه: أن الواهب إذا ردت عليه عطيته، من غير أن يكون هو الراجع فيها، فله أن يقبلها من غير كراهة، وهذا على ما في "الموطأ"، بخلاف ما رواه الزبير بن بكار (٢).
(فإنها)؛ أي: الخميصة المعلمة قد (ألهتني)؛ أي: شغلتني، يقال: لَهِيَ -بالكسر-: إذا غفل، ولَهَا -بالفتح-: إذا لعب؛ كذا في "الفتح" (٣).
وفي "النهاية": اللهو: اللعب، يقال: لهوت بالشيء، ألهو لهوًا، وتلهيت به: إذا لعبت به، وتشاغلت، وغفلت به عن غيره، وألهاه عن كذا: أي شغله، ولهيت عن الشيء -بالكسر- ألهى -بالفتح- لهيًا: إذا سلوت عنه، وتركت ذكره، وإذا غفلت عنه واشتغلت، انتهى (٤).
(آنفًا)؛ أي: قريبًا، وهو مأخوذ من ائتناف الشيء؛ أي: ابتدائه؛ كما في "الفتح" (٥).
وقال في "المطالع": قوله ﷺ : "آنفًا" -بالمد والقصر- قيدناه في الحديث، وقرأناه في القرآن؛ أي: قريبًا، أو الساعة، وقيل: في أول وقت كنا فيه، وكله من الاستئناف، والقرب (٦).
стр. 1382
(عن صلاتي)؛ أي: عن كمال الحضور فيها، كذا قيل، والطريق الثانية تقتضي أنه لم يقع شيء من ذلك، وإنما خاف أن يقع؛ لقوله في الرواية الثانية: "فأخاف أن تفتني"، وكذا في رواية مالك: "فكادت" (١).
قال ابن فى قيق العيد: فيه: المبادرة من الرسول ﷺ إلى مصالح الصلاة، ونفي ما لعله يخدش فيها.
وفيه: دليل على طلب الخشوع في الصلاة، والإقبال عليها، ونفي ما يقتضي شغل الخاطر بغيرها (٢).
ولا يلزم من بعثه ﷺ بالخميصة لأبي جهم؛ أن يستعملها في الصلاة، ومنه: قوله في حلة عطارد حيث بعث بها إلى عمر: "إني لم أبعث بها إليك لتلبسها" (٣).
ويحتمل أن يكون ذلك من جنس قوله: "كل، فإني أناجي من لا تناجي" (٤).
واستنبط من هذا الحديث: كراهة كل ما يشغل عن الصلاة، من الأصباغ، والنقوش، ونحوها، واللَّه تعالى أعلم (٥).
стр. 1383
قال الحافظ -روح اللَّه روحه-: (الخميصة: كساء مربع له أعلام) -كما قدمنا-.
(والأنبجانية) -بفتح الهمزة، وكسرها، وكذا الباء، كذا تقدم-: (كساء غليظ) لا أعلام فيه (١)، فإن كان فيه علم، فهو خميصة، واللَّه تعالى الموفق.
* * *
стр. 1384
باب الجمع بين الصلاتين في السفر
اعلم: أن الجمع بين الظهرين والعشاءين يجوز في وقت أحدهما لثلاثة أمور: للسفر الطويل المباح، والمرض الذي يلحقه بتركه مشقة، والمطر، ونحوه (١).
وتركه أفضل، وعنه: فعلُه، اختاره أبو محمد [بن] الجوزي، وغيره؛ كَجَمْعَي عرفةَ ومزدلفة، وعنه: التوقف (٢).
والحافظ ﵀ ذكر في هذا الباب حديثًا واحدًا، يخص جواز الجمع في السفر، وهو:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاةِ الظُّهْرِ والعَصْرِ إِذَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ، ويَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشَاءِ (٣).
стр. 1385
(عن) حبر هذه الأمة (عبد اللَّه بن عباس ﵄، قال: كان رسول اللَّه ﷺ يجمع) في السفر الطويل المباح، خلافًا لأبي حنيفة حيث منع الجمع رأسًا، سوى جمعي عرفة ومزدلفة، فجعله فيهما نسكًا (١).
(بين صلاة الظهر و) صلاة (العصر) في وقت إحداهما (إذا كان) ﷺ (على ظهر سير) كذا في هذا الحديث، ولولا ورود غيره من الأحاديث بالجمع في غير هذه الحالة، لاختص جواز الجمع بها؛ لأن الأصل عدم جواز الجمع، ووجوب إيقاع الصلاة في وقتها المحدود لها، وجواز الجمع في هذا الحديث، قد علق بصفة مناسبة للاعتبار، فلم يجز إلغاؤه، لكن حيث صح الجمع في حالة النزول، فالعمل به أولى؛ لقيام دليل آخر على الجواز في غير هذه الصورة، أعني: السير-، وقيام ذلك الدليل يدل على إلغاء اعتبار هذا الوصف، إذ لا يعارض منطوقه بالمفهوم من هذا الحديث؛
стр. 1386
لأن دلالة ذلك على الجواز في تلك الصورة بخصوصها أرجح (١).
(و) كان (يجمع) ﷺ (بين المغرب والعشاء)؛ أي: كذلك من اعتبار الوصف الذي ذكره، وهو كونه على ظهر سير، كما تقدم.
ولا خلاف أن الجمع ممتنع بين صلاة الصبح وغيرها، وبين العصر والمغرب، كما لا خلاف بين الأئمة في جواز الجمع بين الظهر والعصر بعرفة، وبين المغرب والعشاء بمزدلفة (٢).
وفي "الصحيحين"، من حديث أنس بن مالك ﵁، قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا أراد أن يرتحل قبل أن تزيغ الشمس، أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم ينزل، فيجمع بينهما، وإذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل، صلى الظهر، ثم ركب (٣).
وفي "المسند"، من حديث ابن عباس ﵄: أنه قال: ألا أحدثكم عن صلاة رسول اللَّه ﷺ في السفر؟ قلنا: بلى، قال: كان إذا زاغت الشمس في منزله، جمع بين الظهر والعصر قبل أن يركب. وفيه: وإذا حانت المغرب له في منزله، جمع بينها وبين العشاء، الحديث (٤).
وفي "مسلم"، من حديث معاذ بن جبل ﵁، قال: جمع رسول اللَّه ﷺ في غزوة تبوك بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء.
стр. 1387
قال أبو الطفيل عامر بن واثلة: فقلت: ما حمله على ذلك؟! قال: أراد ألا يحرج أمته (١).
وأخرج الترمذي؛ من حديث معاذ -أيضًا-: أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك، إذا ارتحل قبل زيغ الشمس، أخر الظهر إلى أن يجمعها إلى العصر، فيصليهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس، عجل العصر إلى الظهر، ويصلي الظهو والعصر جميعًا، وكذا العشاء والمغرب. وكذا رواه الإمام أحمد، وأبو داود، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في قاعدة: الأحكام التي تختلف بحسب السفر وغيره: الجمع جائز في الوقت المشترك؛ فتارة يجمع في أول الوقت، كما جمع ﷺ بعرفة، وتارة يجمع في وقت الثانية، كما جمع بمزدلفة، وفي بعض أسفاره، وتارة يجمع فيما بينهما في وسط الوقتين، وقد يقعان معًا في آخر وقت الأولى، وقد يقعان معًا في أول وقت الثانية؛ وهذا كله جائز، والتقديم والتأخير والتوسط بحسب الحاجة والمصلحة (٣).
تنبيهات:
الأول: قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث بهذا اللفظ ليس في كتاب مسلم، وإنما هو في كتاب البخاري، وأما رواية ابن عباس في الجمع بين
стр. 1388
الصلاتين في الجملة، من غير اعتبار لفظ بعينه؛ فمتفق عليه، كذا قال (١).
قلت: بل هو متفق عليه، نعم، في بعض ألفاظه اختلاف، قال في "الجمع بين الصحيحين" للحافظ عبد الحق، عن ابن عباس: أن رسول اللَّه ﷺ جمع بين الصلاة، في سفرة سافرها في غزوة تبوك؛ فجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء. قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: ما حمله على ذلك؟! قال: أراد ألا يحرج أمته (٢).
قال الحافظ عبد الحق: لم يذكر البخاري تبوك، ولا قول سعيد، ولا وصل سنده به، ولفظه: كان رسول اللَّه ﷺ يجمع بين صلاة الظهر والعصر، إذا كان على ظهر سير، ويجمع بين المغرب والعشاء، انتهى (٣).
الثاني: لم تختلف الفقهاء في جواز الجمع بين الصلاتين في الجملة، لكن أبا حنيفة يخصصه بالجمع بعرفة ومزدلفة، ويكون العلة فيه عنده النسك لا السفر، ويؤولون الأحاديث الواردة بالجمع على أن المراد: تأخير الصلاة الأولى إلى آخر وقتها، وتقديم الثانية في أول وقتها (٤).
стр. 1389
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: مراعاة هذا من أصعب الأشياء وأشقها؛ فإنه يريد أن يبتدىء فيها إذا بقي من الوقت مقدار أربع ركعات، أو ثلاث في المغرب، ويريد مع ذلك ألا يطيلها، وإن كان نيته الإطالة، يشرع في الوقت الذي يحتمل ذلك، ويجتهد في أن يسلم قبل خروج الوقت.
ومعلوم أن مراعاة هذا من أصعب الأشياء، علمًا وعملًا، مع إشغاله لقلب المصلي عن مقصود الصلاة، والجمع شرع رخصة ورفعًا للحرج عن الأمة، فكيف لا يشرع إلا مع هذا الحرج الشديد، مع النقص لمقصود الصلاة، وأطال في تقريره ذلك، واللَّه أعلم (١).
الثالث: يجوز الجمع بين الظهرين والعشاءين في سفر القصر؛ عند الإمام أحمد، والشافعي، وقيل: يجوز حتى في السفر القصير، اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وفاقًا لمالك (٢).
الرابع: يجوز الجمع للمريض -على الأصح- للمشقة؛ وفاقًا لمالك، واحتج الإمام أحمد بأنه أشد من السفر، وشرط بعضهم: إن جاز له ترك القيام (٣).
قال في "تنقيح التحقيق" (٤): يجوز الجمع لأجل المرض؛ خلافًا لأصحاب الشافعي، واحتج لنا: أن رسول اللَّه ﷺ أجاز لحمنة بنت جحش -لما استحيضت- أن تجمع بين الصلاتين (٥).
стр. 1390
الخامس: يجوز الجمع بين المغرب والعشاء خاصة، لمطر وثلج -في المنصوص- مع المشقة؛ وفاقًا لمالك، والشافعي، وجوزه الشافعي بين الظهرين لذلك -أيضًا-، ويجوز للوحل -في الأصح-، خلافًا لأبي حنيفة، والشافعي، واللَّه أعلم (١).
* * *
стр. 1391
باب قصر الصلاة في السفر
اعلم: أن من ابتدأ سفرًا مباحًا؛ وفاقًا لمالك؛ والشافعي، والأصح: أو هو أكثر قصده ناويًا، مسافة يومين برًا أو بحرًا، لا ثلاثة أيام بلياليها، بسير الإبل، خلافًا لأبي حنيفة.
ومسافة اليومين: أربعة بُرُد، قال أبو المعالي: تحديدًا، وظاهر كلامهم: تقريبًا، وهو أولى؛ كما في "الفروع" (١)، وغيره، وجزم به في "الإقناع" (٢)، وغيره، وهي: ستة عشر فرسخًا، وفاقًا لمالك، والشافعي، والفرسخ: ثلاثة أميال هاشمية، وبأميال بني أمية ميلان ونصف، والميل: اثنا عشر ألف قدم، ستة آلاف ذراع، والذراع: أربع وعشرون إصبعًا معترضة معتدلة، كل إصبع ست حبات شعير، بطون بعضها إلى بعض، عرض كل شعيرة ست شعرات برذون؛ فله قصر الرباعية خاصة إلى ركعتين، إجماعًا (٣).
وذكر الحافظ في هذا الباب حديثًا واحدًا، وهو:
стр. 1392
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: صَحِبْتُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ ، فَكَانَ لَا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبَا بكرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ كَذِلِكِ (١).
* * *
(عن) أبي عبد الرحمن (عبد اللَّه بن عمر ﵄، قال: صحبت رسول اللَّه ﷺ , فكان لا يزيد في السفر على ركعتين) سبب إيراد ابن عمر لهذا الحديث: ما في "صحيح مسلم"، عن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، قال: صحبت ابن عمر في طريق مكة، فصلى لنا الظهر ركعتين، ثم أقبل وأقبلنا معه حتى جاء رَحْلَه، وجلس وجلسنا معه، فحانت منه التفاتة نحوَ حيثُ صلى، فرأى ناسًا قيامًا، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلنا:
стр. 1393
يسبحون، قال: لو كنت مسبحًا، أتممت صلاتي، يا بن أخي! إني صحبت رسول اللَّه ﷺ في السفر، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه اللَّه (١). (وأبا بكر) الصديق، (وعمر) الفاروق، (وعثمان) بن عفان (كذلك)؛ أي: لم يزد واحد منهم الظهر في السفر على ركعتين.
وأخرجه البخاري من قوله: صحبت رسول اللَّه ﷺ ... إلى آخره.
فقول ابن دقيق العيد -بعد إيراد كلام الحافظ على النسق الذي ذكره-: هذا لفظ رواية البخاري في الحديث، وفي لفظ رواية مسلم أكثر وأزيد، فليعلم ذلك، انتهى (٢). لا طائل تحته؛ فالحديث متفق عليه، وإنما زاد مسلم سبب الحديث الذي ذكرناه، وفي آخره: وقد قال اللَّه : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].
قال الحافظ عبد الحق: والصحيح أن عثمان ﵁ أتم في آخر عهده، انتهى (٣).
قال ابن تيمية: قد علم بالتواتر: أن النبي ﷺ إنما كان يصلي في السفر ركعتين، وكذلك أبو بكر، وعمر ﵄ بعده، وهذا يدل على أن الركعتين أفضل؛ كما عليه جماهير العلماء، فإن قيل: ما فائدة ذكره لأبي بكر وعمر وعثمان مع أن الحجة قائمة بفعل النبي ﷺ ؟
فالجواب: فائدة ذلك العلمُ بكون ذلك معمولًا به عند الأئمة، لم يتطرق إليه النسخ، ولا معارض راجح، وأما إتمام عثمان في آخر أمره، فقد عرف إنكار أئمة الصحابة عليه ذلك، ومع هذا، فكانوا يصلون خلفه،
стр. 1394
بل كان ابن مسعود ﵁ يصلي أربعًا، وإن انفرد، ويقول: الخلاف شر، وكان ابن عمر إذا انفرد، صلى ركعتين (١).
تنبيهات:
الأول: الأفضل للمسافر القصر، نص عليه الإمام أحمد في رواية الأثرم، وقد سأله: هل للمسافر أن يصلي أربعًا؟ فقال: لا يعجبني، ولكن السفر ركعتان، وقد نقل عنه المروذي؛ أنه قال: إن شاء صلى أربعًا، وإن شاء صلى ركعتين (٢).
قال شيخ الإسلام: ولا يختلف قول الإمام أحمد: أن الأفضل هو القصر، بل نقل عنه إذا صلى أربعًا: أنه توقف في الإجزاء.
ومذهب مالك: كراهة التربيع، وأنه يعيد في الوقت.
ومذهب الشافعي: جواز الأمرين، واختلف عنه في الأفضل؛ أصح القولين: القصر، كإحدى الروايتين عن الإمام أحمد، واختيار كثير من أصحابه، ومذهب أبي حنيفة، وكذا حماد بن سليمان: ليس له الإتمام، وهو قول الثوري، وأوجب حماد على من أتم الإعادة (٣).
وقال أصحاب الرأي: إن كان جلس بعد التشهد قدر ركعتين، فصلاته صحيحة، وإلا فلا، كذا في "الشرح الكبير" (٤).
والذي في كلام شيخ الإسلام: إذا جلس مقدار التشهد، تمت صلاته،
стр. 1395
والمفعول بعد ذلك كصلاة منفصلة قد تطوع بها، وإن لم يقعد مقدار التشهد، بطلت صلاته، انتهى (١).
وقال عمر بن عبد العزيز: الصلاة في السفر ركعتان حتم، لا يصح غيرهما (٢).
والحديث إنما يقتضي أفضلية القصر؛ لمواظبة النبي ﷺ عليه، ورجحانه على الإتمام، والفعل بمجرده لا يدل على الوجوب، مع دلالة قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، فرفع الجناح، ولم يوجب القصر (٣).
وفي حديث يعلى بن أمية؛ لما سأل عمر عن الآية، وقال له: قد أمن الناس!، فقال عمر: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألت رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "صدقة تصدق اللَّه بها عليكم، فاقبلوا صدقة اللَّه" (٤)، فدل على أنه رخصة، وليس بعزيمة.
وقالت عائشة ﵂: خرجت مع رسول اللَّه ﷺ في عمرة في رمضان، فأفطر وصمت، وقصر وأتممت، فقلت: يا رسول اللَّه! بأبي وأمي، أفطرت وصمت، وقصرت وأتممت؟! قال: "أحسنت" رواه أبو داود، والدارقطني، وقال: إسناده حسن (٥).
стр. 1396
وأنكر الحافظ ابن عبد الهادي ذلك، وقال: قوله: "عمرة في رمضان" باطل؛ فإن نبي اللَّه لم يعتمر في رمضان قط (١).
وفي حديث عائشة ﵂: قصر رسول اللَّه ﷺ في السفر وأتم، وصام وأفطر، رواه عبد اللَّه بن الإمام أحمد، والدارقطني، وقال: إسناده صحيح، واللَّه أعلم (٢).
الثاني: قد علم مما تقدم: أن القصر رخصة، وهي لغةً: السهولة، واصطلاحًا: أتت على خلاف أصل شرعي لمعارض راجح.
وقال أبو حنيفة: هو عزيمة، وهي لغة: القصد المؤكد، واصطلاحًا: ما جاء على وفق أصل شرعي خال من معارض راجح.
وعن أصحاب مالك: كالمذهبين (٣). فمن قال: إنه عزيمة، يوجب القصر، ولو في سفر غير مباح.
قال ابن حزم، وغيره: من صلى أربعًا في السفر، فصلاته باطلة، كما لو صلى الفجر أربعًا (٤).
وقد روى سعيد في "سننه"، عن الضحاك بن مزاحم، قال: قال ابن عباس ﵄: من صلى في السفر أربعًا، كمن صلى في
стр. 1397
الحضر ركعتين (١)، وخص ابن مسعود ﵁ جواز القصر بسفر الحج والعمرة والجهاد، واللَّه أعلم (٢).
الثالث: اعتبار كون المسافة ستة عشر فرسخًا، فما زاد، وهو قول ابن عباس، وابن عمر، وهو مذهب مالك، والليث، والشافعي، وإسحاق، وروي عن ابن عمر: أنه يقصر في مسيرة عشرة فراسخ، حكاه ابن المنذر.
وروي نحوه عن ابن عباس، فإنه قال: يقصر في يوم، ولا يقصر فيما دونه (٣)، وإليه ذهب الأوزاعي، قال ابن المنذر: عامة العلماء يقولون: مسيرة يوم تام، وبه نأخذ، انتهى.
وعن ابن مسعود: أنه إنما يقصر في مسيرة ثلاثة أيام ولياليهن، وبه قال الثوري، وأبو حنيفة.
وقد وري عن جماعة من السلف ما يدل على جواز القصر في أقل من يوم، قال الأوزاعي: كان أنس يقصر فيما بينه وبين خمسة فراسخ (٤). وهذا القول مختار شيخ الإسلام ابن تيمية، وله إليه ميل كلي، وذكر على صحته أدلة متعددة (٥)، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 1398
باب الجمعة
أي: وجوب صلاة الجمعة، والأحكام المتعلقة بها.
الأصل في فرض الجمعة: الكتاب والسنة والإجماع:
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] أمر بالسعي، ومقتضى الأمر
الوجوب، ولا يجب السعي إلا إلى واجب، والمراد بالسعي هنا: الذهاب
إليها، لا الإسراع؛ فإن السعي في كتاب اللَّه لا يراد به العَدْو، كقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى﴾ [عبس: ٨، ٩]، ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩] وأشباهه، ويروى عن عمر ﵁: أنه كان يقرأ: فامضوا إلى ذكر اللَّه (١).
وأما السنة: فقوله ﷺ : "لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن اللَّه على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين" متفق عليه (٢).
стр. 1399
وقال ﵊: "الجمعة حق واجب على كل مسلم، إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض" رواه أبو داود (١).
وروى ابن ماجه من حديث جابر ﵁، قال: خطبنا رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "واعلموا أن اللَّه تعالى قد افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا، في شهري هذا، من عامي هذا، فمن تركها في حياتي، أو بعد موتي، وله إمام عادل، أو جائر، استخفافًا بها، أو جحودًا بها، فلا جمع اللَّه له شمله، ولا بارك له في أمره، ألا ولا صلاة له، ألا ولا زكاة له، ألا ولا حج له، ألا ولا صوم له، ولا برَّ له؛ حتى يتوب، فإن تاب، تاب اللَّه عليه" (٢).
وأجمع المسلمون: على وجوب الجمعة.
وفرضت الجمعة بمكة قبل الهجرة.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: فعلت بمكة على صفة الجواز، وفرضت بالمدينة، انتهى (٣).
والجمعة: -بضم الجيم والميم، ويجوز سكون الميم، وفتحها؛ حكى الثلاثة ابن سيده (٤)، مشتقة من اجتماع الناس للصلاة فيه، قاله ابن
стр. 1400
دريد (١)، وقيل: لاجتماع الخليقة فيه وكمالها (٢). وروي عنه ﵊؛ أنها سميت بذلك: لاجتماع آدم مع حواء فيه في الأرض (٣).
وفي "الفصول": سميت بذلك؛ لجمعها الجماعات، وقيل: لجمع طين آدم فيها، وقيل: لأن آدم جُمع فيها خلقُه، رواه الإمام أحمد، وغيره، مرفوعًا (٤).
وقدم صاحب "المحرر"، وغيره: لجمعها الخلق الكثير (٥).
ومن أسمائه القديمة: العروبة، قال ثعلب: أول من سماه جمعة كعبُ بن لؤي، وكان اسم الأحد: أول، والاثنين: أهون، والثلاثاء: جبار، والأربعاء: دبار، والخميس: مؤنس، والجمعة: عروبة، والسبت: شيار -بالشين المعجمة، فياء مثناة تحت، فألف، فراء-.
قال الجوهري: أنشدني أبو سعيد قال: أنشدني ابن دريد، عن بعض شعراء الجاهلية: [من الوافر]
أُؤَمِّلُ أَنْ أَعيشَ وإنَّ يومي ... بأَوَّلَ أَو بأَهْوَنَ أَوْ جبارِ
أو التالي دُبارٌ أو فيومي ... بمؤنسَ أو عَروبةَ أو شيارِ (٦)
стр. 1401
وذكر الحافظ -قدس اللَّه روحه- في هذا الباب ثمانية أحاديث.
* * *
стр. 1402
الحديث الأول
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: كَانَ النَبِيُّ ﷺ يقْرَأُ في صَلَاةِ الفَجْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةَ، و: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ (١) [الإنسان: ١].
стр. 1403
(عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي (﵁، قال: كان النبي ﷺ يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾) سورة (السجدة) في الركعة الأولى، (و) يقرأ في الركعة الثانية سورة: (هل أتى على الإنسان﴾) ﴿حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا﴾ [الإنسان: ١]؛ لما في السورتين من مناسبة ذكر الخلق والبعث يوم الجمعة، والسجدة جاءت ضمنًا، فلم يجيء عنه ﷺ أنه كان يقصد السجدة.
قال في "الفروع": يسن أن يقرأ في فجرها؛ أي: الجمعة ﴿الم﴾ السجدة، وفي الثانية: ﴿هَلْ أَتَى﴾؛ خلافًا لمالك، قال شيخنا: لتضمنهما ابتداء خلق السموات والأرض، وخلق الإنسان إلى أن يدخل الجنة أو النار، وتكره مداومته عليهما -في المنصوص-.
قال الإمام أحمد: لئلا يظن أنها مفضلة بسجدة، وقال جماعة: لئلا يظن الوجوب، وقرأها الإمام أحمد، فسها أن يسجد، فسجد للسهو.
وقال: قال شيخنا -يعني: شيخ الإسلام ابن تيمية-: يكره تحريه قراءة سجدة غيرها، والسنة إكمالها (١).
وكره الإمام مالك للإمام قراءة السجدة في صلاة الفرض، خشية التخليط على المأمومين (٢)، وخص بعض أصحابه الكراهة بصلاة السر؛ فعلى هذا لا يكون مخالفًا لمقتضى هذا الحديث (٣)، وإلا، فالحديث حجة عليه، مع اتفاقهما على تخريجه من حديث أبي هريرة.
стр. 1404
وأخرج مسلم، من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة ... الحديث، وأن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الجمعة: سورة الجمعة، والمنافقين (١).
فإن قلت: ظاهر الحديث يقتضي الدوام أو الكثرة، وأنتم قلتم بكراهة المداومة عليهما؟
فالجواب: ترك القراءة بهما أحيانًا من الجمع، لا ينفي الكثرة المفهومة من لفظة "كان"، ولما كانت المداومة على القراءة بالسورتين في الجمعة ذريعة لاعتقاد العامة وجوب ذلك، أو تفضيل صلاة فجر يوم الجمعة بسجدة؛ استحببنا ترك القراءة بهما في بعض الجمع؛ سدًا لهذه الذريعة، وحسمًا لما عساه يخلد في صدور العامة، من وجوب غير الواجب شرعًا.
وأما القول بالكراهة مطلقًا، فيأباه الحديث، وإذا انتهى الحال إلى أن تقع هذه المفسدة، فينبغي أن تترك القراءة بهما في بعض الأوقات؛ لما ذكرنا، وليس في الحديث ما يقتضي فعل ذلك دائمًا اقتضاءً قويًا، وعلى كل حال، فهو مستحب، ويشرع ترك المستحب أحيانًا لدفع المفسدة؛ كترك مداومة صلاة الضحى (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -روح اللَّه روحه- في "الفتاوى المصرية" السجدة يوم الجمعة ليست واجبة باتفاق العلماء، وإنما تنازع العلماء، هل يستحب أن يقرأ في الفجر يوم الجمعة بـ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: ١]، ويسجد؟
стр. 1405
فكره ذلك: أبو حنيفة، ومالك، واستحبه الشافعي، وأحمد، لكن لا ينبغي للإمام أن يداوم عليها، حيث يظن العامة أن ذلك واجب، انتهى (١).
* * *