← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

وذكر الحافظ -قدس اللَّه روحه- في هذا الباب ثمانية أحاديث. * * *

стр. 1402

الحديث الأول عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: كَانَ النَبِيُّ ﷺ يقْرَأُ في صَلَاةِ الفَجْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةَ، و: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ (١) [الإنسان: ١].

стр. 1403

(عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي (﵁، قال: كان النبي ﷺ يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾) سورة (السجدة) في الركعة الأولى، (و) يقرأ في الركعة الثانية سورة: (هل أتى على الإنسان﴾) ﴿حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا﴾ [الإنسان: ١]؛ لما في السورتين من مناسبة ذكر الخلق والبعث يوم الجمعة، والسجدة جاءت ضمنًا، فلم يجيء عنه ﷺ أنه كان يقصد السجدة. قال في "الفروع": يسن أن يقرأ في فجرها؛ أي: الجمعة ﴿الم﴾ السجدة، وفي الثانية: ﴿هَلْ أَتَى﴾؛ خلافًا لمالك، قال شيخنا: لتضمنهما ابتداء خلق السموات والأرض، وخلق الإنسان إلى أن يدخل الجنة أو النار، وتكره مداومته عليهما -في المنصوص-. قال الإمام أحمد: لئلا يظن أنها مفضلة بسجدة، وقال جماعة: لئلا يظن الوجوب، وقرأها الإمام أحمد، فسها أن يسجد، فسجد للسهو. وقال: قال شيخنا -يعني: شيخ الإسلام ابن تيمية-: يكره تحريه قراءة سجدة غيرها، والسنة إكمالها (١). وكره الإمام مالك للإمام قراءة السجدة في صلاة الفرض، خشية التخليط على المأمومين (٢)، وخص بعض أصحابه الكراهة بصلاة السر؛ فعلى هذا لا يكون مخالفًا لمقتضى هذا الحديث (٣)، وإلا، فالحديث حجة عليه، مع اتفاقهما على تخريجه من حديث أبي هريرة.

стр. 1404

وأخرج مسلم، من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة ... الحديث، وأن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الجمعة: سورة الجمعة، والمنافقين (١). فإن قلت: ظاهر الحديث يقتضي الدوام أو الكثرة، وأنتم قلتم بكراهة المداومة عليهما؟ فالجواب: ترك القراءة بهما أحيانًا من الجمع، لا ينفي الكثرة المفهومة من لفظة "كان"، ولما كانت المداومة على القراءة بالسورتين في الجمعة ذريعة لاعتقاد العامة وجوب ذلك، أو تفضيل صلاة فجر يوم الجمعة بسجدة؛ استحببنا ترك القراءة بهما في بعض الجمع؛ سدًا لهذه الذريعة، وحسمًا لما عساه يخلد في صدور العامة، من وجوب غير الواجب شرعًا. وأما القول بالكراهة مطلقًا، فيأباه الحديث، وإذا انتهى الحال إلى أن تقع هذه المفسدة، فينبغي أن تترك القراءة بهما في بعض الأوقات؛ لما ذكرنا، وليس في الحديث ما يقتضي فعل ذلك دائمًا اقتضاءً قويًا، وعلى كل حال، فهو مستحب، ويشرع ترك المستحب أحيانًا لدفع المفسدة؛ كترك مداومة صلاة الضحى (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية -روح اللَّه روحه- في "الفتاوى المصرية" السجدة يوم الجمعة ليست واجبة باتفاق العلماء، وإنما تنازع العلماء، هل يستحب أن يقرأ في الفجر يوم الجمعة بـ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: ١]، ويسجد؟

стр. 1405

فكره ذلك: أبو حنيفة، ومالك، واستحبه الشافعي، وأحمد، لكن لا ينبغي للإمام أن يداوم عليها، حيث يظن العامة أن ذلك واجب، انتهى (١). * * *

стр. 1406

الحديث الثاني عَنْ سَهْل بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ، فَكَبَّرَ، وَكبَّرَ النَّاسُ وَرَاءَهُ وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ، ثُمَّ رجع فَنَزَلَ القَهْقَرَى حَتَّى سَجَدَ في أَصْل المِنْبَرِ، ثُمَّ عَادَ حَتَّى فَرَغَ مِنْ آخِرِ صَلَاتِه، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: "أيها النَّاسُ! إنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي، وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي" (١). وفي لفظ: صَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ كبَّرَ عَلَيْها، ثُمَّ رَكَعَ وَهُوَ عَلَيْهَا، ثُمَّ نَزَلَ القَهْقَرَى (٢).

стр. 1407

(عن) أبي العباس (سهل بن سعد) بن مالك بن خالد بن ثعلبةَ بن حارثةَ بن عمرو بن الخزرج بن ساعدةَ بن كعب بن الخزرج (الساعدي) الخزرجيِّ الأنصاريِّ (﵁) كان اسمه حزنًا، فسماه النبي ﷺ سهلًا (١)، مات النبي ﷺ وله خمس عشرة سنة. ومات سهل بالمدينة سنة إحدى وسبعين، وقيل: سنة ثمان وثمانين، وهو آخر من مات من الصحابة بالمدينة، قال ابن سعد: بلا خلاف، وكان عمره يومئذ ستًا وتسعين سنة، وقيل: مئة سنة. روي له عن رسول اللَّه ﷺ : مئة حديث، وثمانية وثمانون حديثًا، اتفقا على ثمانية وعشرين، وانفرد البخاري بأحد عشر (٢). (أن رسول اللَّه ﷺ قام، فكبر) تكبيرة الإحرام، (وكبر الناس) من الصحابة ﵃ (وراءه) ﷺ ، (وهو)؛ أي: والحال أنه ﵇ (على المنبر) النبوي، وكان ثلاث درجات، (ثم رجع) عن وقوفه على المنبر، (فنزل) عنه (القهقرى)، وهو المشي إلى خلف من غير أن يعيد وجهه إلى جهة مشيه، قيل: إنه من باب القهر (٣).

стр. 1408

وفي لفظ في البخاري، من حديث سهل ﵁: فاستقبل القبلة، وكبر، وقام الناس خلفه، فقرأ، وركع، وركع الناس خلفه، ثم رفع رأسه، ثم رجع القهقرى (١) (حتى سجد في أصل المنبر)، وفي لفظ للبخاري: فسجد على الأرض (٢)، (ثم) بعد فراغه من سجوده (عاد) إلى المنبر، وذكر الركعة الثانية، ففعل مثل فعله الأول (حتى فرغ من آخر صلاته) وهو يفعل كذلك، (ثم أقبل) ﷺ (على الناس) من أصحابه ﵃، (فقال: أيها الناس! إنما صنعت هذا)؛ أي: الذي صنعه من كونه كان يصعد على المنبر، فيركع عليه، ويرفع من ركوعه، ثم يرجع القهقرى، حتى يسجد في أصل المنبر من الأرض؛ (لـ) أجل أن (تأتموا)؛ أي: تقتدوا (بي) في صلاتي (ولتعلَّموا صلاتي)؛ أي: من أن من صلى كصلاتي، وفعل فيها كفعلي، فأقل منه؛ لم يبطل صلاته. (وفي لفظ:) أرسل رسول اللَّه ﷺ إلى فلانة -امرأة من الأنصار، قد سماها سهل-: "مري غلامك النجار"، ووقع في "تجريد الذهبي": علانة (٣)، وقال البلقيني وغيره: هو تصحيف من فلانة. قال في "الفتح": اسم الغلام ميمون، وأما المرأة، فزعم الكرماني: أن اسمها عائشة، ولم يرتض ذلك، وقال عن مالك: إن النجار كان مولى لسعد بن عبادة، فيحتمل أن [يكون] في الأصل مولى امرأته، ونسب إليها مجازًا، قال: واسم امرأته فكيهة بنت عبيد بن دليم، وهي ابنة عمه،

стр. 1409

أسلمت وبايعت، انتهى (١). "أن يعمل لي أعوادًا أجلس عليها، إذا كلمت الناس" الحديث (٢). وفيه: ثم رأيت رسول اللَّه ﷺ (صلى عليها)؛ أي: على الأعواد، يعني: المنبر، (ثم كبر عليها) تكبيرة الركوع، (ثم ركع وهو) ﷺ (عليها، ثم نزل) عنها (القهقرى). ففي هذا الحديث: دليل على جواز صلاة الإمام على أرفع مما عليه المأموم؛ لقصد التعليم، وأما من غير هذا القصد، فمكروه، وزاد أصحاب مالك، أو من قال منهم، فقالوا: إن قصد التكبر، بطلت صلاته (٣). وحاصل مذهبنا: يكره علو الإمام على المأموم علوًا كثيرًا، وهو ذراع فأكثر، لا عكسه، والكراهة تزول بقصد التعليم؛ لأنه حاجة، وإذا صلى مع الإمام على المكان المرتفع أحد من المأمومين مساويًا، أو أعلى منه: انتفت الكراهة (٤). قال ابن دقيق العيد: من أراد أن يستدل بهذا الحديث على جواز الارتفاع من غير قصد التعليم، لم يستقم له ذلك؛ لانفراد الأصل بوصف معتبر، تقتضي المناسبة اعتباره (٥). وفي الحديث: دليل على جواز العمل اليسير في الصلاة، وأنه لا يتقيد بثلاث حركات؛ لأن المنبر كان ثلاث درجات، فإذا نزل لها لا بد من تأخره

стр. 1410

حتى يسجد، فزاد على الثلاث حركات، والذي يقيد اليسير بما دون الثلاث ليس له مندوحة، إلا الاعتذار بعدم التوالي، وفي الرواية التي ذكرناها عن البخاري نص على أن نزوله كان بعد الرفع من الركوع، وهو متعين (١). وفيه: جواز الصلاة على الخشب، وكره ذلك الحسن، وابن سيرين، أخرجه ابن أبي شيبة عنهما (٢)، وأخرج أيضًا عن ابن مسعود (٣)، وابن عمر: نحوه، وعن مسروق: أنه كان يحمل لبنة فيسجد عليها، إذا ركب السفينة، وعن ابن سيرين: نحوه (٤)، والمعتمد: الجواز، واللَّه تعالى أعلم (٥). تنبيه: كان ذكر هذا الحديث في هذا الباب لمناسبة ذكر المنبر، وإلا، فلا اختصاص لصلاة الجمعة بذلك (٦)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1411

الحديث الثالث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ جاء مِنْكُمُ الجُمُعَةَ، فَلْيَغْتَسِلْ" (١). * * *

стр. 1412

(عن) أبي عبد الرحمن (عبد اللَّه بن عمر) بن الخطاب (﵄: أن رسول اللَّه ﷺ قال: من جاء منكم) -معشر المسلمين من ذكور الأمة- (الجمعة) لصلاتها، (فليغتسل) لها في يومها، يعني: من أراد المجيء، يعني: الذهاب إليها، وقصد الشروع فيه، وقال مالك به، واشترط الاتصال بين الغسل والذهاب، وغيره لم يشترط ذلك، وإنما اعتبر علماؤنا كون الغسل ما بين طلوع الفجر الثاني وصلاتها، نعم، الأفضل عند المضي إليها. وأبعد الظاهري؛ حيث لم يعتبر تقدم الغسل على إقامة صلاة الجمعة، حتى لو اغتسل قبل الغروب، كفى عنده؛ تعلقًا بإضافة الغسل إلى اليوم. وقد تبين في بعض الأحاديث: أن الغسل لإزالة الرائحة الكريهة، ويفهم: أن القصد عدم تأذي الحاضرين، وذلك منتف بعد إقامة الجمعة (١). فإن قيل: هذا التعليل ينافي قولكم: من اغتسل بعد الفجر حصل على السنة! فالجواب: أن النبي ﷺ قال: "من اغتسل يوم الجمعة"، واليوم من طلوع الفجر، فلاحظنا العلة المذكورة، ولم نهمل ما صدق الحديث؛ وهذا قول مجاهد، والحسن، والثوري، والنخعي، والشافعي، وإسحاق، وحكي عن الأوزاعي: أنه يجزيه الغسل قبل الفجر. وإن اغتسل، ثم أحدث: أجزأه الغسل على المعتمد، وفاقًا لمالك، والشافعي.

стр. 1413

واستحب طاوس، والزهري، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير إعادة الغسل. ولنا: أنه اغتسل في يوم الجمعة، أشبه من لم يحدث، والحدث إنما يؤثر في الطهارة الصغرى؛ ولأن المقصود من الغسل التنظيف وإزالة الرائحة، وقد حصل، والحدث لا أثر له في ذلك (١). تنبيه: ظاهر هذا الحديث يقتضي وجوب غسل الجمعة؛ لدلالة الأمر على الوجوب، وقد جاء مصرحًا بلفظ الوجوب؛ كما في حديث أبي سعيد، رواه مالك، وأحمد، والشيخان، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، ولفظه: "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم" (٢). وفي "الصحيحين"، وغيرهما: أن عمر ﵄ بينا هو يخطب الناس يوم الجمعة، إذ دخل رجل من أصحاب رسول اللَّه ﷺ من المهاجرين الأولين -يعني: عثمان بن عفان ﵁؛ كما صرح به في رواية عندهما-، فناداه عمر: أية ساعة هذه؟! قال: إني شُغلت اليوم، فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين، فلم أزد على أن توضأت، فقال

стр. 1414

عمر: والوضوء أيضًا! وقد علمت أن رسول اللَّه ﷺ كان يأمر بالغسل (١). قال الجلال السيوطي: أي متأكد (٢). وقال الخطابي: معناه: وجوب الاختيار والاستحباب دون وجوب الفرض؛ كما يقول الرجل لصاحبه: حقك واجب علي؛ أي: متأكد (٣). وقال ابن عبد البر: ليس المراد أنه واجب فرضًا، بل هو مؤول واجب في السنة، أو في المروءة، أو في الأخلاق الجميلة، ثم أخرج بسنده من طريق أشهب، عن مالك: أنه سئل عن غسل الجمعة: أواجب هو؟ قال: هو حسن، وليس بواجب. وأخرج من طريق ابن وهب: أن مالكًا سئل عن غسل يوم الجمعة: واجب هو؟ قال: هو سنة ومعروف، قيل: إنه في الحديث واجب؟، قال: ليس كل ما جاء في الحديث يكون كذلك (٤). والصارف له عن الوجوب: ما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي؛ من حديث سمرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من توضأ يوم الجمعة، فبها ونعمت، ومن اغتسل، فالغسل أفضل"، ورواه ابن خزيمة -أيضًا- (٥).

стр. 1415

قال الإمام شمس الدين بن أبي عمر في "شرح المقنع": ليس غسل الجمعة واجبًا في قول أكثر أهل العلم، قال الترمذي: العمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، ومن بعدهم، منهم: مالك، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي، وحكاه ابن عبد البر إجماعًا، وفي حديث عكرمة: أن ناسًا من أهل العراق جاؤوا فقالوا: يا بن عباس! أترى الغسل يوم الجمعة واجبًا؟، قال: لا، ولكنه أطهر وخير لمن اغتسل، ومن لم يغتسل، فليس عليه بواجب، الحديث (١). وروي وجوبه: عن أبي هريرة، وعمرو بن سليم، وقاول عمار بن ياسر رجلًا، فقال: أنا إذًا شر ممن لا يغتسل يوم الجمعة (٢). قال ابن دقيق العيد: وقد نص مالك على الوجوب، فحمله من لم يمارس مذهبه على ظاهره، وحكي عنه: أنه يرى الوجوب، ولم ير ذلك أصحابه على ظاهره (٣). فائدة: روى البخاري، من حديث سلمان الفارسي ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين

стр. 1416

اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام؛ إلا غفر له ما بينه، وبين الجمعة الأخرى" (١). وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة، وابن حبان في "صحيحيهما"، والحاكم وصححه؛ عن أوس بن أوس الثقفي ﵁، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من غسل يوم الجمعة واغتسل، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام، فاستمع ولم يلغ، كان له بكل خطوة عمل سنة، أجر صيامها وقيامها" (٢). ورواه الطبراني في "الأوسط" من حديث ابن عباس ﵄ (٣). قال الخطابي: قوله: "غسل واغتسل، وبكر وابتكر" اختلف الناس في معناه: فمنهم من ذهب [إلى] أنه من الكلام المتظافر الذي يراد به التوكيد، ولم تقع المخالفة بين المعنيين لاختلاف اللفظين، وقال: ألا تراه يقول في هذا الحديث: "ومشى ولم يركب" ومعناهما واحد؟ قال: وإلى هذا ذهب الأثرم صاحب الإمام أحمد.

стр. 1417

وقال بعضهم: "غسل" معناه: غسل الرأس خاصة، وإلى هذا ذهب مكحول. و"اغتسل" معناه: غسل سائر الجسد. وزعم بعضهم: أن قوله: "غسل" معناه: أصاب أهله قبل خروجه إلى الجمعة؛ ليكون أملك لنفسه، وأحفظ في طريقه لنظره. وقوله: "وبكر وابتكر" زعم بعضهم: أن معنى "بكر": أدرك باكورة الخطبة، وهي أولها، ومعنى "وابتكر": قدم في الوقت. وقال ابن الأنباري: معنى "بكر": تصدق قبل خروجه، وتأول في ذلك ما روي في الحديث: "باكروا بالصدقة؛ فإن البلاء لا يتخطاها" (١). وقال الحافظ أبو بكر بن خزيمة: من قال في الخبر: "غسل واغتسل" -يعني: بالتشديد- معناه: جامع، فأوجب الغسل على زوجته أو أمته، واغتسل، ومن قال بالتخفيف: أراد غسل رأسه، واغتسل، فغسل سائر جسده؛ لخبر طاوس، عن ابن عباس، قال: قلت لابن عباس: زعموا أن رسول اللَّه ﷺ قال: "اغتسلوا يوم الجمعة، واغسلوا رؤوسكم، وإن لم تكونوا جنبًا، ومسوا من الطيب"، قال ابن عباس: أما الطيب، فلا أدري، وأما الغسل فنعم (٢)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1418

الحديث الرابع عنه، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ وَهُوَ قَائِمٌ، يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ (١).

стр. 1419

(عنه)؛ أي: عن ابن عمر ﵄، (قال: كان النبي ﷺ يخطب خطبتين) يوم الجمعة (وهو قائم) على المنبر النبوي فيهما، فيسن أن يخطب الخطبتين قائمًا، وعنه: أن القيام شرط، جزم به في "النصيحة"؛ وفاقًا للشافعي، ولمالك في رواية عنه (١). (يفصل) الخطيب (بينهما)؛ أي: الخطبتين (بجلوس) منه خفيف، قال جماعة: بقدر سورة الإخلاص، وإن أبى، فصل بسكتة (٢). وعند الشافعي: الجلوس بين الخطبتين ركن؛ كالقيام فيهما عنده، وقاله أبو بكر النجاد في الجلسة بينهما، وعن مالك: يجب، وتصح بدونه. قال الطحاوي عن قول الشافعي: لم يقله غيره (٣). قال في "شرح المقنع": يجلس بين الخطبتين، لما روى ابن عمر ﵄، قال: كان النبي ﷺ يجلس إذا صعد المنبر، حتى يفرغ المؤذن، ثم يقوم فيخطب، ويجلس فلا يتكلم، ثم يقوم فيخطب، رواه أبو داود (٤).

стр. 1420

قال: وتكون الجلسة بين الخطبتين خفيفة، وليست واجبة في قول أكثر أهل العلم، وقال الشافعي: هي واجبة. ولنا: أنها جلسة ليس فيها ذكر مشروع، فلم تكن واجبة، كالجلسة الأولى (١). وروي عن أبي إسحاق، قال: رأيت علي بن أبي طالب- ﵁ يخطب على المنبر، فلم يجلس حتى فرغ (٢). تنبيهان: الأول: روي عن الإمام أحمد، ما يدل على أن القيام في الخطبة واجب، فروى الأثرم، قال: سمعت أبا عبد اللَّه يُسأل عن الخطبة قاعدًا، أو يقعد في إحدى الخطبتين؟ فلم يعجبه، وقال: قال اللَّه تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]، وكان النبي ﷺ يخطب قائمًا، فقال له الهيثم بن خارجة: كان عمر بن عبد العزيز يجلس في خطبته، فظهر منه إنكار (٣). قال في "تنقيح التحقيق" (٤): وأصحابنا حملوا هذا على الاستحباب، ورووا عن ابن عباس ﵄؛ أنه قال: لما ثقل رسول اللَّه ﷺ ، جلس (٥).

стр. 1421

الثاني: قال ابن دقيق العيد -رحمه اللَّه تعالى-: وهذا اللفظ الذي ذكره المصنف، لم أقف عليه بهذه الصيغة في "الصحيحين"، فمن أراد تصحيحه، فعليه إبرازه، انتهى (١). قلت: لفظ "صحيح البخاري" من حديث ابن عمر ﵄: كان النبي ﷺ يخطب قائمًا، ثم يقعد، ثم يقوم؛ كما تفعلون الآن (٢)، ولفظ مسلم: كان النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة قائمًا، ثم يجلس، ثم يقوم؛ كما تفعلون اليوم (٣). وفي "مسلم"، من حديث جابر بن سمرة، قال: كانت للنبي ﷺ خطبتان، يجلس بينهما، يقرأ القرآن، ويذكِّر الناس. وفيه أيضًا عن جابر: "أن رسول اللَّه ﷺ كان يخطب قائمًا، ثم يجلس، ثم يقوم، فيخطب قائمًا، فمن نبأك أنه كان يخطب جالسًا، فقد كذب، فقد واللَّه! صليت معه أكثر من ألفي صلاة. انفرد به مسلم (٤)، وقد عزاه بلفظ المصنف للشيخين جماعهٌ (٥) واللَّه أعلم. * * *

стр. 1422

الحديث الخامس عَنْ جَابرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ والنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ: "صَلَّيْتَ يا فُلانُ؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ" (١). وفي روايةٍ: "فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ" (٢).

стр. 1423

(عن جابر بن عبد اللَّه ﵄، قال: جاء رجل) هو سُلَيك -بضم السين المهملة، وفتح اللام، وآخره كاف- بنُ عمرو، وقيل: ابن هُدْبة -بضم الهاء، وسكون الدال المهملة، وفتح الموحدة- الغطفاني -بفتح الغين المعجمة، والطاء المهملة، وبالفاء- نسبة إلى غطفان بن سعد بن قيس -عيلان بالعين المهملة- (١)، بطن كبير، وهكذا جاء مصرحًا به في رواية لمسلم، ولفظها: جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة (٢) (والنبي ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة، فقال: صليت يا فلان؟)، وذلك بعدما جلس، (قال: لا) ما صليت، (قال) له النبي ﷺ : (قم)، وفي لفظة رواية مسلم: "يا سليك قم" (٣)، (فاركع ركعتين) تحية المسجد، (وفي رواية: فصل ركعتين)، وتجوَّزْ فيهما؛ أي: خففهما. وبمدلول هذا الحديث أخذ الإمام أحمد، والإمام الشافعي، وأكثر أصحاب الحديث. قال في "شرح المقنع": ومن دخل والإمام يخطب، لم يجلس حتى

стр. 1424

يركع ركعتين يوجز فيهما؛ وبه قال الحسن، وابن عيينة، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر (١). وفي حديث جابر عند مسلم: أنه ﷺ قال: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوز فيهما" (٢). فإن جلس قبل أن يركع، استحب له أن يقوم فيركع؛ لما في حديث جابر، عند مسلم: أن سليكًا الغطفاني جاء يوم الجمعة، والنبي ﷺ قاعد على المنبر، فقعد سليك قبل أن يصلي، فقال له النبي ﷺ : "أركعت ركعتين؟ "، قال: لا، قال: "قم فاركعهما" (٣). ولم ير ذلك شريح، وابن سيرين، والنخعي، وقتادة، والثوري، ومالك، والليث، وأبو حنيفة، فقالوا: يكره له أن يركع؛ لأن النبي ﷺ قال للذي جاء يتخطى رقاب الناس: "اجلس، فقدآنيت، وآذيت" رواه ابن ماجه (٤). قالوا: ولأن الركوع يشغله عن استماع الخطبة، فكره؛ كغير الداخل (٥)، ولأنه ﷺ قال: "إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب: أنصت، فقد لغوت" (٦).

стр. 1425

قالوا: فإذا منع من هذه الكلمة، مع كونها أمرًا بمعروف، ونهيًا عن منكر في زمن يسير؛ فلأن يمنع من الركعتين، مع كونهما مسنونتين في زمن طويل أولى. واعتذروا عن الأحاديث التي فيها الأمر بالصلاة مما تقدمت، وغيرها؛ بوجوه ضعيفة، فمن مشهورها: أن هذا مخصوص بذاك الرجل المعين الذي هو سليك الغطفاني، قالوا: وإنما خص بذلك؛ لأنه كان فقيرًا، فأريد قيامه لأجل أن يشاهد، فيتصدق عليه. ولا يخفى بعد هذا الحمل، مع ما عرف أن التخصيص خلاف الأصل، ولا سيما مع قوله ﷺ : "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب ... " الحديث؛ فإنه تعميم مزيل لتوهم التخصيص بالرجل المذكور، واللَّه أعلم (١). * * *

стр. 1426

الحديث السادس عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إذَا قُلْتَ لصاحِبِكَ: أَنْصِتْ، يَوْمَ الجُمُعَةِ، والإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ" (١). * * * (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر (﵁: أن

стр. 1427

رسول اللَّه ﷺ قال: إذا قلت لصاحبك) من الذين يستمعون خطبة الخطيب، أو غيرهم: (أنصت) عن اللغو، أي: اسكت، يقال: أنصت ينصت إنصاتًا: إذا سكت سكوت مستمع، وقد نصت أيضًا، وأنصته: إذا أسكته، فهو لازم ومتعد (١). (يوم الجمعة، والإمام يخطب) جملة حالية تخرج ما قبل خطبته، من حين خروجه، وما بعده، إلى أن يشرع في الخطبة. قال في "الفروع": ويجوز الكلام قبل الخطبة؛ كبعدها، نص عليه الإمام أحمد، خلافًا لأبي حنيفة، وكذا بين الخطبتين، وإذا شرع في الدعاء، ويحرم الكلام في الخطبتين والإمام يخطب، ولو كان غير عدل، إن كان منه بحيث يسمعه، ولو في حال تنفسه؛ لأنه في حكم الخطبة، إلا له، أو لمن كلمه لمصلحة؛ لما نذكره من الأخبار (٢). ودليل الحرمة: قوله ﷺ : (فقد لغوت)، يقال: لغا يلغو، ولغي يلغى، واللغو واللغي: رديء الكلام، وما لا خير فيه، ويطلق على الخيبة (٣). وقال [الحافظ جلال الدين السيوطي] (٤): قال الأخفش: الكلام في اللغو: الكلام الذي لا أصل له؛ من الباطل وشبهه، وقال ابن عرفة: اللغو: السقط من القول، وقيل: الميل عن الصواب، وقيل: الإثم؛ كقوله تعالى:

стр. 1428

﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]، وقال الزين بن المنير: اتفقت أقوال المفسرين على أن اللغو: ما لا يحسن من الكلام. وقال النضر بن شميل: معنى لغوت: خبت من الأجر، وقيل: بطلت فضيلة جمعتك، وقيل: صارت جمعتك ظهرًا، ويشهد لهذا ما رواه أبو داود، وابن خزيمة، من حديث عبد اللَّه بن عمرو، مرفوعًا: "من لغا، وتخطى رقاب الناس، كانت له ظهرًا" (١)، قال ابن وهب أحد رواته: معناه: أجزأت عنه الصلاة، وحرم فضيلة الجمعة. وروى الإمام أحمد، من حديث سيدنا علي ﵁، مرفوعًا: "ومن قال: صه، فقد تكلم، ومن تكلم، فلا جمعة له"، ورواه أبو داود بنحوه (٢). وروى الإمام أحمد، والبزار، من حديث ابن عباس، مرفوعًا: "من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب، فهو كالحمار يحمل أسفارًا، والذي يقول له: أنصت، ليست له جمعة" (٣). قال العلماء: معناه: لا جمعة له كاملة، للإجماع على إسقاط فرض الوقت عنه (٤). تنبيهات: الأول: يحرم بخروج الإمام إلى الخطبة ابتداءُ نافلة؛ اتفاقًا، وفي كلام

стр. 1429

بعضهم: بجلوسه على المنبر، والأول أشهر، وفاقًا لأبي حنيفة، ولو لم يشرع في الخطبة؛ خلافًا لمالك، وظاهر كلام بعضهم: لا، وعند ابن عقيل، وابن الجوزي -من علمائنا-: لا يحرم على من لا يسمعها، خلافا لأبي حنيفة. قال في "الفروع": يمنع ابتداء التطوع بخروجه؛ لاتصاله بحال الخطبة، والكلام يمكن قطعه، فلا يتصل، وظاهر كلامهم: لا تحريم، إن لم يحرم الكلام فيها، وهو متجه، خلافًا للشافعي (١). قلت: معتمد المذهب: منع ابتداء النافلة بخروج الإمام (٢)، وتعلق متسع الكلام بالخطبة، والفرق ما أبداه -رحمه اللَّه تعالى-. الثاني: يجب الكلام لتحذير ضرير، وغافل؛ عن نحو بئر، وَهَلَكَة، ومن يخاف عليه نارًا، أو حية، وتباح الصلاة على النبي ﷺ ، إذا ذُكِر سرًا؛ كالدعاء؛ اتفاقًا؛ قاله الشيخ. ويجوز تأمينه على الدعاء، وحمدُه خفية إذا عطس، نصًّا، وتشميتُ عاطس، وردُّ سلام نطقًا، وإشارةُ أخرس مفهومة، ككلام. ويجوز لمن بعد عن الخطيب ولم يسمعه: الاشتغال بالقراءة، والذكر، والصلاة على النبي ﷺ خفية، وفعله أفضل، نصًّا، فيسجد للتلاوة، وليس له أن يرفع صوته، ولا إقراءُ القرآن، ولا المذاكرةُ في الفقه (٣). الثالث: معتمد المذهب: حرمة الكلام والإمام يخطب، إلا له، أو لمن كلمه؛ من حين يأخذ في الخطبة، فيمتنع الكلام لمن حضرها، نهى عن

стр. 1430

ذلك عثمان، وابن عمر، وقال ابن مسعود: إذا رأيته يتكلم والإمام يخطب، فاقرع رأسه بالعصا (١). والقول بالحرمة وفاقًا لأبي حنيفة، ومالك، والأوزاعي. وقيل: لا يحرم الكلام؛ فقد كان سعيد بن جبير، والنخعي، والشعبي، وأبو بردة يتكلمون والحجاج يخطب، وقال بعضهم: إنا لم نؤمر أن ننصت لهذا. وللشافعي قولان، ومعتمد مذهبهم: الكراهة. واحتج من أجازه، بما روى أنس ﵁، قال: بينما النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة، إذ قام رجل فقال: يا رسول اللَّه! هلك الناس، فادع لنا ... الحديث متفق عليه (٢). وروي: أن رجلًا قام والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة، فقال: يا رسول اللَّه! متى الساعة؟ فأعرض النبي ﷺ ، وأومأ الناس له بالسكوت، فلم يقبل، وأعاد الكلام، فلما قال الثالثة، قال له النبي ﷺ : "ويحك! ما أعددت لها؟ "، قال: حب اللَّه ورسوله، قال: "إنك مع من أحببت" (٣)، فلم ينكر عليهم النبي ﷺ كلامهم، ولو حرم عليهم، لأنكره!

стр. 1431

والجواب: إنا نستلزم هذا فيمن كلمه الإمام، أو كلم الإمام؛ لعدم اشتغاله بذلك عن سماع الخطبة، ولهذا سأل النبي ﷺ الداخل: "هل صليت؟ "، فأجابه، وسأل عمر عثمان، فأجابه، فتعين حمله على ذلك؛ جمعًا بين الأخبار (١). الرابع: ذكر ابن دقيق العيد، عن الإمام الشافعي: أنه إنما يرى وجوب الإنصات في حق الأربعين، وله فيمن عداهم قولان (٢). قال: هذه الطريقة المختارة عندنا. قلت: ومعتمد مذهب الشافعية: عدم الحرمة، قال القاضي زكريا في "شرح المنهج" بعد قوله: وسن إنصات فيهما: علم من سن الإنصات فيهما، عدمُ حرمة الكلام فيهما، كما صرح به الأصل -يعني: "المنهاج" للإمام النووي-؛ لما روى البيهقي بإسناد صحيح، عن أنس: أن رجلًا دخل والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة، فقال: متى الساعة؟ ... الحديث (٣)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1432

الحديث السابع عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّما قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ في السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ في السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ في السَّاعَةِ الرَّابعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ في السَّاعَةِ الخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإذَا خَرَجَ الإِمَامُ، حَضَرَتِ المَلائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ" (١).

стр. 1433

(عنه)، أي: عن أبي هريرة ﵁: (أن رسول اللَّه ﷺ قال: من اغتسل يوم الجمعة) الغسل الشرعي، كما تقدم في حديث ابن عمر، (ثم راح)؛ أي: سار وذهب إلى الجامع، في الساعة الأولى من النهار بعد طلوع الشمس (فكأنما قرب) للَّه تعالى (بدنة) قال -يعني من "المطالع"-: البدنة والبدن: هذا الاسم يختص بالإبل، لعظم أجسامها (١). وفي "القاموس": والبدنة -محركة- من الإبل، والبقر: كالأضحية من الغنم، تُهدى إلى مكة، للذكر والأنثى، والجمع: بُدْن، ككُتْب (٢). وفي "المطالع": الروحة: من زوال الشمس إلى الليل، والغدوة: ما قبلها. ومنه: راح، وغدا؛ حيث تأول مالك: فراح في الساعة الأولى ... إلخ، أجراه من الساعة السادسة، إذ لا يستعمل الرواح إلا من وقتها، وذهب غيره: إلى أنها من أول النهار، وأن راح يستعمل في معنى: سار، أيَّ وقت كان. ومنه: رحت إليه، ورائح إلى المسجد، والرواح إن كنت تريد السنة، ورحت أحضر؛ كله بمعنى: الذهاب والسير، انتهى (٣). وفي "القاموس": الرواح: العشي، أو من الزوال إلى الليل، ورحنا

стр. 1434

رواحًا: سرنا فيه. ثم قال: ورحت القوم، وإليهم، وعندهم، رواحًا: ذهبت إليهم، وجئتهم، وفيه: وراح للمعروف يَراح: أَخَذَتْه له خِفَّةٌ وأَرْيَحِيَّةٌ، ويدُه لكَذا: خَفَّت، ومنه: قوله ﷺ : "وراح في الساعة الثانية ... " الحديث، لم يرد رواح النهار، بل المراد: خَفَّ إليها، انتهى، كذا قال (١). (ومن راح في الساعة الثانية) من يوم الجمعة، (فكأنما قرب بقرة)، فهي دونَ البدنة، إذ المقصود بها في هذا الحديث: من الإبل خاصة. (ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرب كبشًا أقرن) الكبش: فحل الضأن في أي سن كان، وقيل: إذا أثنى، وقيل: إذا أربع (٢). وقد روى الجماعة، من حديث أنس ﵁، قال: ضحى رسول اللَّه ﷺ بكبشين أملحين أقرنين، فسمَّى وكبَّر، ووضع رجله على صِفاحهما (٣)، والأقرن: الذي له قرنان، تثنية قرن، وهو الروق من الحيوان، وموضعه من رأسنا، [أ] والجانب الأعلى من الرأس؛ كما في "القاموس".

стр. 1435

(ومن راح في الساعة الرابعة، فكأنما قرب دجاجة) واحدة الدجاج -بتثليث الدال المهملة-، تطلق على الذكر والأنثى، والهاء فيه للوحدة؛ كبطة وحمامة، قال ابن سيده: سميت دجاجة؛ لإقبالها وإدبارها، يقال: دجَّ القوم يدجُّون، دَجًّا ودَجيجًا: إذا مشوا مشيًا رويدًا في تقارب خطا، وقيل: أن يقبلوا ويدبروا (١). (ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام، حضرت الملائكة يستمعون الذكر)، وطويت الصحف بخروج الإمام إلى الخطبة. وفي رواية: "فإذا قعد الإمام" (٢) يعني: على المنبر، الجلسة اللطيفة قبل الخطبة. وفي حديث أبي أمامة، مرفوعًا: "تقعد الملائكة يوم الجمعة على أبواب المساجد، معهم الصحف يكتبون الناس، فإذا خرج الإمام، طويت الصحف"، قيل لأبي أمامة: ليس لمن جاء بعد خروج الإمام جمعة؟! قال: بلى، ولكن ليس ممن يكتب في الصحف (٣). قال ابن القيم في "البدائع": قوله: "طويت الصحف"؛ أي: صحف الفضل، فأما صحف الفرض، فإنها لا تطوى؛ لأن الفرض يسقط (٤).

стр. 1436

تنبيه: اختلف العلماء، هل الأفضل التبكير، أو التأخير؟ فأكثر أهل العلم: استحب التبكير؛ لهذا الحديث، وغيره من الأحاديث الدالة على استحبابه، والترغيب فيه. قال في "المقنع": ويبكر إليها ماشيًا، ويدنو من الإمام، قال شارحه شمس الدين بن أبي عمر: للسعي إلى الجمعة وقتان: وقت وجوب، ووقت فضيلة. وذكر أن وقت الوجوب من ابتداء النداء الذي بين يدي المنبر، فإنه المعهود على زمن النبي ﷺ ، وزمن أبي بكر، وعمر، فلما كان زمن عثمان، وكثر الناس: زاد النداء الثالث، وأما النداء الأول: فمستحب في أول الوقت، سنه عثمان، والثاني: للإعلام بالخطبة، والثالث: للإعلام بقيام الصلاة. نعم، من منزله بعيد، لا يدرك الجمعة بالسعي وقت النداء، فعليه السعي في الوقت الذي يكون به مدركًا الجمعة؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب؛ كاستسقاء الماء من البئر للوضوء. وأما وقت الفضيلة: فمن أول النهار، فكلما كان أبكر، كان أولى وأفضل؛ وهذا مذهب الأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي، وابن المنذر. وقال مالك: لا يستحب التبكير قبل الزوال؛ لقول النبي ﷺ : "من راح إلى الجمعة" والرواح: بعد الزوال، والغدو: قبله، كما قدمناه. واحتج الشارح لنا، ولمن وافقنا: بحديث أبي هريرة هذا، وقال: قال علقمة: خرجت مع عبد اللَّه إلى الجمعة، فوجد ثلاثة قد سبقوه، فقال: رابع أربعة، وما رابع أربعة ببعيد، إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن

стр. 1437

الناس يجلسون من اللَّه يوم القيامة على قدر رواحهم إلى الجمعة" رواه ابن ماجه (١). وتقدم حديث: "من غسل واغتسل، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب ... " الحديث (٢). قال: فأما قول مالك، فمخالف ثلاثًا؛ ولأن الجمعة يستحب فعلها عند الزوال، وكان النبي ﷺ يبكر بها، ومتى خرج الإمام، طويت الصحف، فلم يكتب من أتى الجمعة بعد ذلك، وأي فضيلة لهذا؟! فإن أخر بعد ذلك شيئًا، دخل في النهي والذم؛ كما قال النبي ﷺ للذي جاء يتخطى رقاب الناس: "رأيتك آنيت وآذيت" (٣)؛ أي: أخرت المجيء، وقال عمر لعثمان: أي ساعة هذه؟! (٤) على وجه الإنكار، فكيف يكون لهذا بدنة، أو بقرة، أو فضل؟! فمعنى قوله: "راح إلى الجمعة"؛ أي: ذهب إليها، لا يحتمل غير هذا، انتهى (٥). وأيضًا، المعروف حمل الساعات على الأجزاء الزمانية التي ينقسم النهار فيها إلى اثني عشر جزءًا، ومالك لا يساعده هذا العرف على قوله.

стр. 1438

وأما استدلالهم بما في بعض الروايات: "فالمهجر كالمهدي بدنة" (١)، والتهجير إنما يكون في الهاجرة، ومن خرج عند طلوع الشمس مثلًا، أو بعد طلوع الفجر، لا يقال له: مهجر! فالجواب عن هذا: بأن المهجر مأخوذ من هجر المنزل، وتركه في أي وقت كان (٢)، واللَّه تعالى أعلم. * * *

стр. 1439

الحديث الثامن عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، -وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ-، قَالَ: كنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الجُمُعَةَ، ثُمَّ نَنْصَرِفُ، وَلَيْسَ لِلْحِيْطَانِ ظِلٌّ نَسْتَظِلُّ بِهِ (١). وَفِي لَفْظٍ: كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ نَرْجِعُ فَنَتَتبَّعُ الفَيْءَ (٢). * * * (عن) أبي مسلم، ويقال: أبو عامر (سَلَمة) -بفتح اللام- (بن الأكوع) -

стр. 1440

بفتح الهمزة, وسكون الكاف، وفتح الواو-، جَدِّ سلمة، واسم أبيه: عمرو، واسم الأكوع: سنان بن عبد اللَّه بن قُشَير -بالقاف، وفتح الشين المعجمة، وسكون الياء- وتقدمت ترجمته في آخر باب: المواقيت ﵁، (وكان) سلمة بن الأكوع ﵁ (من أصحاب الشجرة) التي كانت بيعة الرضوان تحتها يوم الحديبية، وكانت في السادسة، وكانت الشجرة من شجر السَّمُر، وبايع سلمةُ يومئذ النبي ﷺ ثلاث مرات: في أول الناس، وأوسطهم، وآخرهم، وبايعه يومئذ على الموت (١). (قال: كنا نصلي مع النبي ﷺ الجمعة، ثم ننصرف) من الصلاة إلى دورنا، (وليس للحيطان ظل نستظل به) عن كبد السماء (٢). (وفي لفظ: كنا نجمِّع) -بتشديد الميم-؛ أي: نصلي الجمعة (مع النبي ﷺ إذا زالت الشمس) عن كبد السماء (ثم) بعد صلاتنا (نرجع) لدورنا، (فنتتبع الفيء). تقدم أن الفيء لا يكون إلا بعد الزوال؛ لأنه فاء؛ أي: رجع، وأما الظل، فأصله: الستر، ومنه: أنا في ظل فلان، ومنه: ظل الجنة، وظل شجرها، وظل الشمس: ما ستر الشخوص من مسقطها، ويكون غدوة وعشية (٣). ومقصود الحافظ بإيراد هذا الحديث: جواز إقامة الجمعة قبل الزوال؛
следующие страницы →