← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

تنبيه: اختلف العلماء، هل الأفضل التبكير، أو التأخير؟ فأكثر أهل العلم: استحب التبكير؛ لهذا الحديث، وغيره من الأحاديث الدالة على استحبابه، والترغيب فيه. قال في "المقنع": ويبكر إليها ماشيًا، ويدنو من الإمام، قال شارحه شمس الدين بن أبي عمر: للسعي إلى الجمعة وقتان: وقت وجوب، ووقت فضيلة. وذكر أن وقت الوجوب من ابتداء النداء الذي بين يدي المنبر، فإنه المعهود على زمن النبي ﷺ ، وزمن أبي بكر، وعمر، فلما كان زمن عثمان، وكثر الناس: زاد النداء الثالث، وأما النداء الأول: فمستحب في أول الوقت، سنه عثمان، والثاني: للإعلام بالخطبة، والثالث: للإعلام بقيام الصلاة. نعم، من منزله بعيد، لا يدرك الجمعة بالسعي وقت النداء، فعليه السعي في الوقت الذي يكون به مدركًا الجمعة؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب؛ كاستسقاء الماء من البئر للوضوء. وأما وقت الفضيلة: فمن أول النهار، فكلما كان أبكر، كان أولى وأفضل؛ وهذا مذهب الأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي، وابن المنذر. وقال مالك: لا يستحب التبكير قبل الزوال؛ لقول النبي ﷺ : "من راح إلى الجمعة" والرواح: بعد الزوال، والغدو: قبله، كما قدمناه. واحتج الشارح لنا، ولمن وافقنا: بحديث أبي هريرة هذا، وقال: قال علقمة: خرجت مع عبد اللَّه إلى الجمعة، فوجد ثلاثة قد سبقوه، فقال: رابع أربعة، وما رابع أربعة ببعيد، إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن

стр. 1437

الناس يجلسون من اللَّه يوم القيامة على قدر رواحهم إلى الجمعة" رواه ابن ماجه (١). وتقدم حديث: "من غسل واغتسل، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب ... " الحديث (٢). قال: فأما قول مالك، فمخالف ثلاثًا؛ ولأن الجمعة يستحب فعلها عند الزوال، وكان النبي ﷺ يبكر بها، ومتى خرج الإمام، طويت الصحف، فلم يكتب من أتى الجمعة بعد ذلك، وأي فضيلة لهذا؟! فإن أخر بعد ذلك شيئًا، دخل في النهي والذم؛ كما قال النبي ﷺ للذي جاء يتخطى رقاب الناس: "رأيتك آنيت وآذيت" (٣)؛ أي: أخرت المجيء، وقال عمر لعثمان: أي ساعة هذه؟! (٤) على وجه الإنكار، فكيف يكون لهذا بدنة، أو بقرة، أو فضل؟! فمعنى قوله: "راح إلى الجمعة"؛ أي: ذهب إليها، لا يحتمل غير هذا، انتهى (٥). وأيضًا، المعروف حمل الساعات على الأجزاء الزمانية التي ينقسم النهار فيها إلى اثني عشر جزءًا، ومالك لا يساعده هذا العرف على قوله.

стр. 1438

وأما استدلالهم بما في بعض الروايات: "فالمهجر كالمهدي بدنة" (١)، والتهجير إنما يكون في الهاجرة، ومن خرج عند طلوع الشمس مثلًا، أو بعد طلوع الفجر، لا يقال له: مهجر! فالجواب عن هذا: بأن المهجر مأخوذ من هجر المنزل، وتركه في أي وقت كان (٢)، واللَّه تعالى أعلم. * * *

стр. 1439

الحديث الثامن عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، -وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ-، قَالَ: كنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الجُمُعَةَ، ثُمَّ نَنْصَرِفُ، وَلَيْسَ لِلْحِيْطَانِ ظِلٌّ نَسْتَظِلُّ بِهِ (١). وَفِي لَفْظٍ: كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ نَرْجِعُ فَنَتَتبَّعُ الفَيْءَ (٢). * * * (عن) أبي مسلم، ويقال: أبو عامر (سَلَمة) -بفتح اللام- (بن الأكوع) -

стр. 1440

بفتح الهمزة, وسكون الكاف، وفتح الواو-، جَدِّ سلمة، واسم أبيه: عمرو، واسم الأكوع: سنان بن عبد اللَّه بن قُشَير -بالقاف، وفتح الشين المعجمة، وسكون الياء- وتقدمت ترجمته في آخر باب: المواقيت ﵁، (وكان) سلمة بن الأكوع ﵁ (من أصحاب الشجرة) التي كانت بيعة الرضوان تحتها يوم الحديبية، وكانت في السادسة، وكانت الشجرة من شجر السَّمُر، وبايع سلمةُ يومئذ النبي ﷺ ثلاث مرات: في أول الناس، وأوسطهم، وآخرهم، وبايعه يومئذ على الموت (١). (قال: كنا نصلي مع النبي ﷺ الجمعة، ثم ننصرف) من الصلاة إلى دورنا، (وليس للحيطان ظل نستظل به) عن كبد السماء (٢). (وفي لفظ: كنا نجمِّع) -بتشديد الميم-؛ أي: نصلي الجمعة (مع النبي ﷺ إذا زالت الشمس) عن كبد السماء (ثم) بعد صلاتنا (نرجع) لدورنا، (فنتتبع الفيء). تقدم أن الفيء لا يكون إلا بعد الزوال؛ لأنه فاء؛ أي: رجع، وأما الظل، فأصله: الستر، ومنه: أنا في ظل فلان، ومنه: ظل الجنة، وظل شجرها، وظل الشمس: ما ستر الشخوص من مسقطها، ويكون غدوة وعشية (٣). ومقصود الحافظ بإيراد هذا الحديث: جواز إقامة الجمعة قبل الزوال؛

стр. 1441

من حيث إنه يقع بعد الزوال الخطبتان، والصلاة، مع ما روي: أن النبي ﷺ كان يقرأ فيهما بالجمعة والمنافقين (١)، وذلك يقتضي زمانًا يمتد فيه الظل، بحيث كانوا ينصرفون منها، وليس للحيطان فيء يُستظل به؛ فاقتضى ذلك أن تكون واقعة قبل الزوال، أو خطبتاها، أو بعضهما (٢). قال في "الفروع": تجوز -أي: صلاة الجمعة- وقت العيد؛ أي: من ارتفاع الشمس قيد رمح، نقله واختاره الأكثر -أي: من علمائنا-. وذكر القاضي، وغيره: أنه المذهب، وعنه: في الساعة السادسة، وعنه: في الخامسة، وعنه: بعد الزوال، اختاره الآجري؛ وفاقًا للأئمة الثلاثة. ومعتمد المذهب: دخول وقت الجمعة من خروج وقت النهي؛ وفاقًا لإسحاق بن راهويه (٣). قال في "شرح المقنع": لا تصح صلاة الجمعة قبل وقتها، ولا بعده؛ إجماعًا، ولا خلاف فيما علمنا: أن آخر وقتها آخر وقت صلاة الظهر، وأما أوله: فقال القاضي وأصحابه: أوله أول وقت صلاة العيد. قال مجاهد: ما كان للناس عيد إلا في أول النهار (٤). وقال عطاء: كل عيد حين يمتد الضحى: الجمعة، والأضحى، والفطر (٥).

стр. 1442

وفي "تنقيح التحقيق" للحافظ ابن عبد الهادي (١): يجوز عند الإمام أحمد إقامة الجمعة قبل الزوال؛ خلافًا لأكثرهم، لنا: ثلاثة أحاديث: الأول: حديث سهل بن سعد الساعدي، قال: ما كنا نتغدى، ولا نَقيل؛ إلا بعد الجمعة. متفق عليه (٢). الثاني: حديث سلمة المذكور. الثالث: عن أنس بن مالك ﵁، قال: كنا نصلي مع رسول اللَّه ﷺ الجمعة، ثم نرجع إلى القائلة، فنقيل. رواه الإمام أحمد (٣)، ورواه البخاري أيضًا بلفظ: كنا نبكر بالجمعة، ونقيل بعد الجمعة (٤). وروى الدارقطني، عن عبد اللَّه بن سيدان السلمي، قال: شهدت الجمعة مع أبي بكر ﵁، فكانت صلاته وخطبته قبل نصف النهار، ثم شهدتها مع عمر ﵁، فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: انتصف النهار، ثم شهدتها مع عثمان، فكانت صلاته وخطبته [إلى أن أقول]: زال النهار؛ فما رأيت أحدًا عاب ذلك، ولا أنكره (٥)، ورواه الإمام أحمد، عن وكيع، واحتج به (٦).

стр. 1443

وروي عن ابن مسعود، وجابر، وسعيد، ومعاوية ﵃: أنهم صلوا قبل الزوال. وأحاديثهم تدل على أن النبي ﷺ فعلها بعد الزوال في كثير من أوقاته، ولا خلاف في جوازه، وأنه الأولى، وأحاديثنا تدل على جواز فعلها قبل الزوال، فلا تعارض بينهما، نعم، يكره فعلها قبل الزوال (١). * * *

стр. 1444

باب العيدين أي: صلاتهما، وهما: عيد الأضحى، وعيد الفطر، وسمي العيد عيدًا؛ لأنه يعود ويتكرر لأوقاته، وقيل: يعود بالفرح على الناس، وقيل: سمي بذلك تفاؤلًا ليعود ثانية (١). قال الجوهري: إنما جمع بالياء، وأصله الواو؛ للزومها في الواحد، وقيل: للفرق بينه وبين أعواد الخشب (٢). وقد كان للجاهلية يومان مُعَدَّان لِلَّعب، فأبدل اللَّه تعالى المسلمين منهما هذين اليومين اللذين يظهر فيهما تكبير اللَّه تعالى، وتحميده، وتوحيده، وتمجيده، ظهورًا شائعًا يغيظ المشركين (٣). ولما قدم ﷺ المدينة، كان لهم يومان يلعبون فيهما، فقال: "إن اللَّه قد أبدلكم يومين خيرًا منهما: يوم الفطر، ويوم الأضحى" (٤).

стр. 1445

فائدة: قال الحافظ ابن رجب في "اللطائف": في الدنيا للمؤمنين ثلاثة أعياد؛ عيد يتكرر كل أسبوع، وعيدان يأتيان في كل عام مرة، من غير تكرير في السنة. فأما العيد المتكرر: فيوم الجمعة، وهو عيد الأسبوع، وهو مرتب على إكمال الصلوات المكتوبات؛ فإن اللَّه فرض على المؤمنين في كل يوم وليلة خمس صلوات، وأيام الدنيا تدور على سبعة أيام، فكلما كمل دور أسبوع من أيام الدنيا، واستكمل المسلمون صلواتهم فيه؛ شرع لهم في استكمالهم، وهو اليوم الذي كمل فيه الخلق. وفيه: خلق آدم، وأدخل الجنة، وأخرج منها، وفيه ينتهي أمر الدنيا، فتزول، وتقوم الساعة. وفيه: الاجتماع على قيام الذكر، والموعظة، وصلاة الجمعة، وجعل ذلك لهم عيدًا، ولذلك نهي عن إفراده بالصوم (١)، وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : أنه قال: "ما طلعت الشمس، ولا غربت، على يوم أفضل من يوم الجمعة" (٢). وفي "المسند": أنه ﷺ قال في يوم الجمعة: "هو أفضل عند اللَّه من يوم

стр. 1446

الفطر، ويوم الأضحى" (١). فهذا عيد الأسبوع، وهو متعلق بإكمال الصلاة المكتوبة، وهي أعظم أركان الإسلام ومبانيه بعد الشهادتين. وأما العيدان اللذان يتكرران في كل عام، فإنما يأتي كل واحد منهما في العام مرة واحدة: فأحدهما: عيد الفطر من صوم رمضان، وهو مرتب على إكمال صوم رمضان، وهو الركن الثالث من أركان الإسلام ومبانيه، فإذا استكمل المسلمون صيام شهرهم المفروض عليهم، استوجبوا من اللَّه المغفرة والعتق من النار؛ فإن صيامه يوجب مغفرة ما تقدم من الذنوب، وآخره عتق من النار، يعتق فيه من النار من استحقها بذنوبه، فشرع اللَّه لهم عقب إكمالهم لصيامهم عيدًا يجتمعون فيه على شكر اللَّه، وذكره، وتكبيره على ما هداهم، وشرع لهم في ذلك العيد من الصلاة والصدقة، وهو يوم الجوائز، يستوفي الصائمون فيه أجر صيامهم، ويرجعون من عيدهم بالمغفرة. والعيد الثاني: عيد النحر، وهو أكبر العيدين، وأفضلهما، وهو مرتب على إكمال الحج، وهو الركن الرابع من أركان الإسلام ومبانيه، فإذا أكمل المسلمون حجهم، غفر لهم، وإنما يكمل الحج بيوم عرفة، والوقوف فيه بعرفة ركن الحج الأعظم؛ كما قال ﷺ : "الحج عرفة" (٢)، ويوم عرفة هو

стр. 1447

يوم العتق من النار، يعتق فيه من النار من وقف بعرفة، ومن لم يقف بها من أهل الأمصار من المسلمين، فلذلك صار اليوم الذي يليه عيدًا لجميع المسلمين، في جميع أمصارهم؛ من شهد الموسم منهم، ومن لم يشهده؛ لاشتراكهم في العتق والمغفرة يوم عرفة، فشرع للجميع التقربُ إليه بالنسك؛ وهو إراقة دماء القرابين؛ شكرًا منهم لهذه النعمة. فهذه أعياد المسلمين في الدنيا، وكلها عند كمال طاعة مولاهم الملك الوهاب، واللَّه أعلم (١). وذكر الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في هذا الباب خمسة أحاديث. * * *

стр. 1448

الحديث الأول عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَبُو بَكْر، وَعُمَرُ، يُصَلُّونَ العِيْدَيْنِ قَبْلَ الخُطْبةِ (١). * * * (عن عبد اللَّه بن عمر ﵄، قال: كان رسول اللَّه ﷺ ) مدةَ حياته (وأبو بكر) الصديق ﵁ مدة خلافته، (وعمر)

стр. 1449

الفاروق ﵁ مدة خلافته، كلهم (يصلون) صلاة (العيدين) عيد الفطر، وعيد النحر (قبل الخطبة) للعيدين، وذكر الخليفتين، وإن كانت الحجة تقوم بفعل رسول اللَّه ﷺ ؛ إشعارًا بأن ما أحدثه بنو أمية لا مستند لهم فيه، وأن الحكم المذكور لا نسخ يعتريه، ولا تأويل يتطرق إليه. قال في "الفروع": فلو خطب قبل الصلاة، لم يعتد بالخطبة، ذكره صاحب "المحرر" قول أكثر العلماء، خلافًا لأبي حنيفة، والشافعي (١). قال شمس الدين في "شرح المقنع": يبدأ في العيد بالصلاة قبل الخطبة، لا نعلم في ذلك خلافًا إلّا ما روي عن بني أمية، وقيل: إنه يروى عن عثمان، وابن الزبير: أنهما فعلا ذلك، ولا يصح عنهما. قال: وخلاف بني أمية مسبوق بالإجماع، فلا يعتد به، ولأنه مخالف لسنة رسول اللَّه ﷺ ، ولخلفائه الراشدين، وقد أُنكر على بني أمية فعلهم، وعد منكرًا وبدعة، فروى طارق بن شهاب قال: قدَّم مروان الخطبة قبل الصلاة، فقام رجل، فقال: خالفت السنة، كانت الخطبة بعد الصلاة، فقال: ترك ذاك يا أبا فلان! فقام أبو سعيد: فقال: أما هذا المتكلم، فقد قضى ما عليه، قال لنا رسول اللَّه ﷺ : "من رأى منكم منكرًا، فلينكره بيده، فإن لم يستطع، فلينكره بلسانه، فمن لم يستطع، فلينكره بقلبه، وذلك أضعف الإيمان" رواه أبو داود الطيالسي، عن قيس بن مسلم، عن طارق (٢)، ورواه مسلم بمعناه (٣).

стр. 1450

فعلى هذا: من خطب قبل الصلاة، فهو كمن لم يخطب؛ لأنه خطب [فغير] (١) محل الخطبة، أشبه ما لو خطب في الجمعة بعد الصلاة (٢). تنبيهات: الأول: جميع ما له خطب من الصلوات، فالصلاة مقدمة فيه، إلّا الجمعة، وخطبة يوم عرفة، وقد فرق بين صلاة الجمعة والعيدين بوجهين: أحدهما: أن صلاة الجمعة فرض عين، ينتابها الناس من خارج المصر، ويدخل وقتها بعد انتشارهم في أشغالهم، وتصرفاتهم في أمور الدنيا، فقدمت الخطبة عليها حتى يتلاحق الناس، فلا يفوتهم الفرض، لا سيما فرض لا يقضى على وجهه، وهذا معدوم في صلاة العيد. الثاني: أن صلاة الجمعة هي صلاة الظهر حقيقة، وإنما قصرت بشرائط، منها: الخطبتان، والشرط لا يتأخر، ويتعذر مقارنة هذا الشرط للمشروط الذي هو الصلاة؛ فلزم تقديمه، وليس هذا المعنى في صلاة العيد، إذ ليست مقصورة عن شيء، وليست الخطبة فيها شرط، واللَّه أعلم (٣). الثاني: صلاة العيدين فرض كفاية، فيقاتل الإمام أهلَ بلد تركوها، وعنه: فرض عين، اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية؛ وفاقًا لأبي حنيفة. وقيل: سنة، جزم به في "التبصرة"؛ وفاقًا لمالك، والشافعي، فلا يقاتل تاركها؛ كالتراويح (٤).

стр. 1451

واستدل على سنيتها: بقول النبي ﷺ للأعرابي، حين ذكر خمس صلوات، قال: هل علي غيرهن؟ قال: "لا، إلّا أن تتطوع" (١)، ولأنها ذات ركوع وسجود، ولا يشرع لها أذان؛ فلم تكن واجبة؛ كصلاة الاستسقاء. ودليلنا على الوجوب: قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَاَنحَر﴾ [الكوثر: ٢] , والأمر يقتضي الوجوب، ولأنها من شعائر الدين الظاهرة، فكانت واجبة؛ كالجمعة. وأما حديث الأعرابي، فليس لهم فيه حجة؛ لأن الأعراب لا تلزمهم الجمعة، فالعيد أولى، على أنه مخصوص بالصلاة على الجنازة والمنذورة؛ فكذلك صلاة العيدين، واللَّه أعلم (٢). الثالث: أول وقت صلاة العيد: إذا ارتفعت الشمس قيد رمح، وآخره: إذا زالت. وقال الشافعية: أول وقتها: إذا طلعت الشمس. والحجة لنا: فعل النبي ﷺ ، والخلفاء بعده؛ فإنه لم يصل أحد منهم إلّا بعد ارتفاع الشمس، يؤيده الإجماع: أن فعلها حينئذ أفضل، ولم يكن

стр. 1452

النبي ﷺ ليفعل إلّا الأفضل، ولو كان لها وقت قبل ذلك، لكان تقيده بطلوع الشمس بغير نص تحكم، ولا يجوز التوقيت بالتحكم. فإن لم يعلم بالعيد إلّا بعد الزوال، خرج الإمام من الغد، فصلى بهم؛ وهذا قول الأوزاعي، والثوري، وإسحاق، وابن المنذر، وحكي عن أبي حنيفة: أنها لا تقضى. وقال الشافعي: إن علم بعد غروب الشمس، كقولنا، وإن علم بعد الزوال: لم تصل؛ لأنها صلاة شرع لها الاجتماع والخطبة، فلا تقضى بعد فوات وقتها؛ كالجمعة، وإنما يصليها إذا علم بعد الغروب؛ لأن العيد هو الغد؛ لقوله ﷺ : "فطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون، وعرفتكم يوم تعرفون" (١). ولنا: ما روى أبو داود، عن أبي عمير بن أنس، عن عمومة له من أصحاب رسول اللَّه ﷺ : أن ركبًا جاؤوا إلى النبي ﷺ ، فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم أن يفطروا، فإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم (٢).

стр. 1453

قال الخطابي: سنة رسول اللَّه أولى أن تتبع، وحديث أبي عمير صحيح، فالمصير إليه واجب (١). ولأنها صلاة مؤقتة، فلا تسقط بفوات الوقت؛ كسائر الفرائض، فأما الجمعة؛ فإنها معدول بها عن الظهر بشرائط منها: الوقت، فإذا فات واحد منها، رجع إلى الأصل، وأما إذا فاتت الواحد، فإنه يقضيها متى أحب؛ لأنها في حقه نافلة (٢). الرابع: تسن صلاة العيدين في الصحراء، وتكره في الجامع بلا عذر؛ كما أمر علي ﵁، واستحبه الأوزاعي، وأصحاب الرأي، وهو قول ابن المنذر. وحكي عن الشافعي: إن كان مسجد البلد واسعًا، فالصلاة فيه أولى؛ لأنه خير البقاع، وأطهرها، ولذلك يصلي أهل مكة في المسجد الحرام. ولنا: أن النبي ﷺ كان يخرج إلى المصلى، ويدع مسجده، وكذلك الخلفاء الراشدون بعده، ولا يترك النبي ﷺ الأفضل مع قربه، ويتكلف فضل المفضول مع بعده، ولا يشرع لأمته ترك الفضائل، ولأنَّا قد أمرنا باتباع النبي ﷺ ، والاقتداء به، ولا يجوز أن يكون المأمور به هو الناقص، ولأن هذا شائع معلوم للناس في كل عصر ومصر، يخرجون إلى المصلى، فيصلون فيه العيدين مع سعة المسجد وضيقه، ولا ينقل أنه ﷺ صلى العيد بمسجده إلّا من عذر، مع شرفه مسجده وسعته. وروي عن علي ﵁: أنه قيل له: قد اجتمع في المسجد

стр. 1454

ضعفاء الناس وعميانهم، فلو صليت بهم في المسجد؛ فقال: أخالف السنة إذًا!! ولكن أخرج إلى المصلى، وأستخلف من يصلي بهم، فاستخلف أبا مسعود البدري، فصلى بهم ركعتين، وقيل: أربعًا (١). الخامس: التكبيرات الزوائد، والذكر بينهما، والخطبتان: سنة، لا تبطل الصلاة بترك شيء من ذلك، ولو عمدًا، بلا خلاف، وقد قال ﷺ بعدما قضى صلاة العيد: "إنا نخطب، فمن أحب أن يجلس للخطبة، فليجلس، ومن أحب أن يذهب، فليذهب" رواه أبو داود، وقال: مرسل، ورواه النسائي، وابن ماجه (٢)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1455

الحديث الثاني عَنِ البراءِ بْنِ عَاِزب ﵄، قَالَ: خَطَبَنَا النَّبيُّ ﷺ يَوْمَ الأَضْحَى بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: "مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا، وَنَسَكَ نُسُكَنَا، فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ، وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَلا نُسُكَ لَهُ". فَقَالَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ خَالُ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: يا رَسُولَ اللَّه! إنِّي نَسَكْتُ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَعَرَفْتُ أَنَّ اليَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُربٍ، وَأَحْبَبْتُ أَنْ تكُونَ شَاتِي أَوَّلَ مَا يُذْبَحُ فِي بَيْتِي، فَذَبَحْتُ شَاتِي، وَتَغَدَّيْتُ قَبْلَ أَنْ آتِيَ الصَّلَاةَ، قَالَ: "شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ"، قَالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! فَإنَّ عِنْدَنَا عَنَاقًا هِيَ أَحَبُّ إليَّ مِنْ شَاتَيْنِ، أَفَتُجْزِي عَنِّي؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَلَنْ تَجْزيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ" (١).

стр. 1456

(عن) أبي عمارة (البراء بن عازب ﵄، قال: خطبنا رسول اللَّه ﷺ يوم) عيد (الأضحى بعد الصلاة) فيه دليل على خطبة عيد الأضحى، ولا خلاف فيه، وكذلك هو دليل على تقديم الصلاة عليها - كما قدمنا (١). قال الإمام الموفق: إنما أُخِّرت الخطبة عن الصلاة في العيدين؛ لأنها -

стр. 1457

أي: الخطبة- لم تكن واجبة، بل سنة، فجعلت في وقت يتمكن من أراد تركها، بخلاف خطبة الجمعة. وذكر ابن عقيل في وجوب الإنصات لها روايتين: إحداهما: يجب كالجمعة، والثانية: لا يجب؛ لأن الخطبة غير واجبة، فلم يجب الإنصات لها، كسائر سنن الأذكار، والاستماع لها، وقد روي عن الحسن (١)، وابن سيرين: أنهما كرها الكلام يوم العيد والإمام يخطب (٢). (فقال) ﷺ : (من صلى صلاتنا)؛ أي: مثل صلاتنا لعيدنا، (و) بعد الصلاة (نسك)؛ أي: ذبح أضحيته، وهذا معنى قوله: (نسكنا)؛ أي: نسك مثل نسكنا، يعني: ذبح الأضحية بعد فراغ صلاة العيد، (فقد أصاب النسك)؛ أي: الأضحية المشروعة، (ومن نسك)؛ أي: ذبح أضحيته (قبل الصلاة، فلا نسك)؛ أي: أضحية (له). فالنسك: يراد به: الذبيحة، وقد تستعمل فيها كثيرًا، واستعمله بعض الفقهاء في نوع خاص من الدماء المراقة في الحج، وقد يستعمل فيما هو أعم من ذلك من نوع العبادات، ومنه [يقال]: فلا [ن] ناسك؛ أي: متعبد (٣). قال في "النهاية": المناسك: جمع منسك -بفتح السين، وكسرها-: هو المتعبد، ويقع على: المصدر، والزمان، والمكان، ثم سميت أمور الحج كلها مناسك، والمنسك: المذبح، وقد نسك ينسك نسكًا: إذا ذبح، والنسيكة: الذبيحة، والنسك -أيضًا-: الطاعة، وكل ما تقرب به إلى اللَّه،

стр. 1458

والنسك: ما أمرت به الشريعة، والورع: ما نهت عنه، والناسك: العابد. وسئل ثعلب عن الناسك، ما هو؟ فقال: هو مأخوذ من النسيك، وهي سبيكة الفضة المصفاة؛ كأنه صفى نفسه للَّه تعالى (١). فالمراد بقوله: "ونسك" أي: ذبح، وقوله: "نسكنا"، أي: مثل ذبحنا في الزمان، بدليل قوله: "ومن نسك"؛ أي: ذبح "قبل الصلاة، فلا نسك"؛ أي: لا أضحية "له". وقوله: (فقال أبو بردة) -بضم الموحدة، وسكون الراء- اسمه: هانىء، بنون بعدها همزة (بن نيار) -بكسر النون، فمثناة تحتية مخففة، بلا همز، فراء- ابن عمرو بن دينار البلوي، نسبة إلى بَلِيّ -بفتح الباء الموحدة، وكسر اللام، وتشديد الياء-، وقيل: اسمه الحارث بن عمرو، وقيل: مالك بن هبيرة، والأول: أصح وأشهر، وكان حليف بني حارثة، وهو ابن (خال البراء بن عازب) ﵃، شهد العقبة مع السبعين، وشهد بدرًا، وما بعدها، وشهد مع علي حروبه كلها، توفي سنة خمس وأربعين، ولم يعقب أصلًا، وليس له في "الصحيحين" سوى حديث واحد (٢)، وهو: "لا يجلد فوق عشرة أسواط، إلّا في حد من حدود اللَّه" (٣)، ويأتي في باب: حد الخمر.

стр. 1459

وأبو بردة هذا ﵁ أحد من رخص لهم النبي ﷺ الأضحية بالعناق؛ فإنه لما قال رسول اللَّه ﷺ ما تقدم، قال أبو بردة: (يا رسول اللَّه! إني نسكت)؛ أي: ذبحت (شاتي)؛ أي: التي كنت قد أعددتها لأضحيتي (قبل الصلاة)؛ أي: صلاة العيد، (و) ذلك أني (عرفت)، وفي لفظ: علمت (أن اليوم يوم أكل وشرب)؛ لأنه عيد، (وأحببت أن تكون شاتي أول ما)؛ أي: نسيكة (يذبح في بيتي، فذبحت شاتي) التي كنت عينتها أضحية (وتغديت) منها، والغداء: طعام الغدوة -بالضم- البكر [ة]، أو ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس (١) (قبل أن آتي الصلاة، قال) ﷺ : (شاتك) التي ذبحتها قبل صلاة العيد (شاة لحم) لا نسك. وفيه دليل على أن المأمورات إذا وقعت على خلاف مقتضى الأمر، لم يعذر فيها بالجهل، وقد فرقوا في ذلك بين المأمورات والمنهيات؛ فعذروا في المنهيات بالنسيان والجهل؛ كما في حديث معاوية بن الحكم؛ حين تكلم في الصلاة (٢). والفرق بينهما: أن المقصود من المأمورات إقامة مصالحها، وذلك لا يحصل إلّا بفعلها، والمنهيات مزجور عنها بسبب مفاسدها؛ امتحانًا للمكلف بالانكفاف عنها، وذلك إنما يكون بالتعمد لارتكابها، ومع النسيان والجهل لم يقصد المكلف ارتكاب المنهي عنه، فعذر بالجهل فيه (٣). (قال) أبو بردة ﵁ لما قال له رسول اللَّه ﷺ ذلك:

стр. 1460

(يا رسول اللَّه!) حيث لم تجز شاتي عن الأضحية، (فإن عندنا عناقًا)، وهي الأنثى من أولاد المعز، ما لم يتم له سنة (١) (هي)؛ أي: تلك العناق (أحبُّ إليَّ من شاتين)؛ لسمنها، ونجابتها، وكرم أصلها، (أفتجزي عني) إن أنا ذبحتها بعد الصلاة مكان أضحيتي؟ (قال) ﷺ : (نعم)؛ أي: تجزي أضحية عنك خاصة (ولن تجزي) العناق التي لم يتم لها سنة (عن أحد) من الناس (بعدك). اختار ابن دقيق العيد: فتح التاء من (تجزي) بمعنى: تقضي، يقال: جزى عني كذا؛ أي: قضى، وذلك أن الذي فعله لم يقع نسكًا، فالذي يأتي بعده لا يكون قضاء عنه (٢). وقد صرح الحديث بتخصيص أبي بردة بإجزائها في هذا الحكم، عما سبق ذبحه؛ فامتنع قياس غيره عليه. قال البرماوي: وقد رخص النبي ﷺ الأضحية بالعناق أيضًا لزيد بن خالد الجهني، وعقبة بن الحارث الجهني، وقد نظمهم في قوله: [من الطويل] لقد خَصَّ خَيْرُ الخلقِ حَقًّا جَماعَةً ... بذبح عَنَاقٍ في الضَّحِيَّةِ يُقْبَلُ أَبو بُرْدَةٍ منهمْ، وزيدُ بنُ خالِدٍ ... كذا عقبةٌ نجلٌ لِعامِر يكمُلُ

стр. 1461

فأما حديث عقبة، فهو في "الصحيحين" أيضًا (١) , وأما حديث زيد بن خالد: ففي "سنن أبي داود" (٢). تنبيهان: الأول: هذا الحديث صريح في أن من ذبح أضحيته قبل الصلاة، لا تقع مجزية عن الأضحية الشرعية، والمقصود: قبل فعل الصلاة، إن كان يصلي العيد في تلك البلد، فإن تعددت الصلاة، فمن أسبق صلاة في البلد، وأما اعتبار وقت الصلاة دون فعلها -كما هو مذهب الشافعي-، فهو خلاف الظاهر من إطلاق لفظ الصلاة. وعند الشافعي: اعتبار وقت الصلاة ووقت الخطبتين، فإذا مضى ذلك، دخل وقت الأضحية. قال ابن دقيق العيد: ومذهب غير الشافعي: اعتبار فعل الصلاة والخطبتين، كذا قال (٣). قلت: معتمد مذهبنا: ابتداء ذبح أضحية وهدي، نذرٍ أو تطوعٍ، ومتعةٍ وقرانٍ: يوم العيد بعد الصلاة، ولو قبل الخطبة، والأفضل بعدها، ولو سبقت صلاة إمام في البلد، جاز الذبح، أو بعد قدرها بعد دخول وقتها، في حق من لا صلاة في موضعه (٤).

стр. 1462

وعند أبي حنيفة: لا يجوز لأهل الأمصار الذبحُ حتى يصلي الإمام العيد، فأما أهل القرى، فيجوز لهم بعد طلوع الفجر (١). وقال مالك: وقته بعد الصلاة والخطبة، وذبحِ الإمام (٢)؛ كما في "الإفصاح" لابن هبيرة (٣)، واللَّه أعلم. الثاني: ينتهي وقت ذبح الأضحية بآخر يوم ثاني أيام التشريق؛ وهذا مذهب الثلاثة، ومذهب الشافعي: إلى آخر الثالث، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية. ويجزىء ذبحها ليلًا من ليلتي أيام التشريق، نص عليه الإمام أحمد؛ وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي؛ خلافًا لمالك، ويكره عندنا -كالحنفية- مع الإجزاء (٤)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1463

الحديث الثالث عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلِيِّ ﵁، قَالَ: صَلَّى رَسُوْلَ اللَّهِ ﷺ يوْمَ النَّحْرِ، ثُمَ خَطَبَ، ثُمَّ ذَبَحَ، وَقَالَ: "مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَلْيَذْبَحْ أُخْرَى مَكَانَهَا، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ، فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ" (١).

стр. 1464

(عن) أبي عبد اللَّه (جندب) -بضم الجيم، وسكون النون، وضم الدال المهملة، وفتحها-، لغتان (بن عبد اللَّه) بن سفيان، وربما نسب إلى جده، فقيل: جندب بن سفيان (البجلي) -بفتح الباء الموحدة، وفتح الجيم-، نسبة إلى بجيلة؛ وهم ولد أَنْمار -بفتح الهمزة، وسكون النون-، قبيلة نُسبوا إلى أمهم بجيلة بنت صعب سعد العشيرة (١). ويقال في نسبة جندب أيضًا: -العَلَقي بفتح العين المهملة، وفتح اللام، وبالقاف-، نسبة إلى علقة بن عَبْقَر -بفتح العين، وسكون الموحدة، وفتح القاف، وآخره راء-، بن أنمار السابق. ويقال: لجندب ﵁ أيضًا: الأحمسي -بفتح الهمزة، وسكون الحاء المهملة، وفتح الميم، وبالسين المهملة-؛ نسبة إلى أحمس بجيلة، وهو أحمس بن الغوث -بفتح الغين المعجمة، وبالثاء المثلثة-، من أجداد أنمار السابق. ويقال في جندب -أيضًا-: جندب الخيل، وابن أم جندب، كما في "أسد الغابة"، و"شرح الزهر"، و"جامع الأصول" لابن الأثير، والذي ذكره ابن الكلبي: أن جندب الخيل إنما هو جندب بن عبد اللَّه بن الأحزم الأزدي، تابعي سمع على علي بن أبي طالب ﵁. سكن جندب بن عبد اللَّه البجلي الكوفة، ثم انتقل إلى البصرة، ثم خرج منها، قال الحافظ المصنف -رحمه اللَّه تعالى-: مات سنة أربع وستين، وذكر الصريفي، عن العكبري: أنه توفي في فتنة ابن الزبير، يعني: سنة اثنتين وسبعين، وفي "جامع الأصول" لابن الأثير: مات في فتنة ابن الزبير

стр. 1465

بعد أربع سنين منها، لكن ذهب الحافظ الذهبي في "الكاشف" بالأول، وصحبته ليست بالقديمة. روي له عن رسول اللَّه ﷺ : ثلاثة وأربعون حديثًا، اتفقا على سبعة، وانفرد البخاري بخمسة. روى عنه: سلمة بن كهيل، والأسود بن قيس، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وبكر بن عبد اللَّه المزني (١). (رضي اللَّه تعالى عنه-، قال) جندب: (صلى) بنا (رسول اللَّه ﷺ ) صلاة العيد (يوم النحر) النحر: مصدر نحر؛ وهو طعن البدنة من الإبل بحربة ونحوه في الوهدة التي بين أصل العنق والصدر، والذبح: قطع الحلقوم، والمريء، والوَدَجين على رواية (٢). وإضافة اليوم للنحر؛ لما يقع فيه من نحر الأضاحي، والهدي، ونحوها، وصار علمًا بالغلبة لعاشر ذي الحجة. (ثم) بعد فراغه ﵊ من الصلاة، (خطب). فيه: دليل لما تقدم؛ من اعتبار كون الخطبة بعد الصلاة، (ثم) بعد فراغه ﷺ من الخطبة (ذبح) أضحيته.

стр. 1466

(وقال) ﵊: (من ذبح قبل أن يصلي)؛ أي: صلاة العيد بالفعل، أو فراغها ممن لم يصلِّ، لم تكن ذبيحته مجزية عن الأضحية؛ لوقوعها قبل وقتها الموقت لذبحها، فتكون لحمًا لا أضحية، وإذا كان الأمر وقع كذلك، (فليذبح) ذبيحة (أخرى) تكون (مكانها). وقد يستدل بصيغة الأمر من يرى وجوب الأضحية عليه بها، وقد ينفصل عنه من لم ير الوجوب: بأنه إنما يفيد كون الثانية عن الأولى لتعيينه بالشراء بنية الأضحية، أو بقوله: هذه أضحية مثلًا، وحينئذ تصير واجبة، فبوقوعها قبل وقتها المشروع، لم تبرأ الذمة من أدائها، فأمر بذبح أخرى لتبرأ ذمته من الواجب (١). (ومن لم يذبح) قبل الصلاة، (فليذبح) بعدها، وتجزيه، وليقل عند ذبحها: (باسم اللَّه)، ويسن أن يكبر. قال الإمام أحمد: حين يحرك يده بالذبح، ويقول: اللهم هذا منك ولك، ولا بأس بقوله: اللهم تقبل من فلان، نص عليه أحمد، وذكر بعضهم: يقول: اللهم تقبل مني، كما تقبلت من إبراهيم خليلك. وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية: وأنه يقول إذا ذبح: وجهت وجهي، إلى قوله: وأنا من المسلمين (٢). تنبيهات: الأول: هذا الحديث بمعنى الحديث الذي قبله، إلّا أنه أظهر في اعتبار فعل الصلاة من الأول؛ من حيث إن الأول اقتضى تعليق الحكم بلفظ الصلاة،

стр. 1467

لكن ظاهره يشعر باختصاص إجزاء الأضحية بمن صلى، وليس مرادًا (١). وأيضًا اجتمع في هذا الحديث مع الصيغة القولية الفعل منه ﷺ . الثاني: معتمد المذهب: أن الأضحية سنة مؤكدة، وعن الإمام: أنها واجبة، ذكره الحلواني عن أبي بكر، وخرجها أبو الخطاب وابن عقيل من التضحية عن اليتيم (٢). قال الإمام ابن هبيرة: اتفقوا على أن الأضحية مشروعة بأصل الشرع، ثم اختلفوا: فقال أبو حنيفة: هي واجبة على كل مسلم مقيم مالك لنصاب، من أي الأموال كان. وقال مالك: هي مسنونة غير مفروضة، وهي واجبة غير فريضة؛ على كل من قدر عليها من المسلمين من أهل الأمصار، والقرى، والمسافرين، إلّا الحاج الذي بمنى؛ فإنهم لا أضحية عليهم. وقال الشافعي، وأحمد: هي مستحبة، إلّا أن الإمام أحمد قال: لا أحب تركها مع القدرة عليها (٣). الثالث: تجوز الأضحية من الغنم، والإبل، والبقر، لا من غيرها، والأفضل الإبل، فالبقر، فالغنم، والأسمن الأملح أفضل، قال الامام أحمد: يعجبني البياض، ونقل حنبل عنه: أكره السواد، وذكر كأنثى سواء، وقيل له أفضل (٤).

стр. 1468

ولا يجزىء إلّا الجذع من الضأن، وهو ما له ستة أشهر، والثَّني مما سواه، فثني الإبل: ما كَمَل له خمس سنين، وبقر: سنتان، ومعز: سنة، ويجزىء أعلى سنًا مما ذكر. وجذع ضأن أفضل من ثنيِّ معز، وكل منهما أفضل من سُبعْ بدنة، أو بقرة، وسبعُ شياه أفضل من بدنة، أو بقرة، وزيادة عدد في جنس أفضل من المغالاة مع عدمه (١). قلت: الذي اعتمده الشافعية: اعتبار كون سن أضحية من الضأن سنة، ومن المعز كالبقر سنتين؛ كما في "المنهج"، و"شرحه" للقاضي زكريا، واستدلوا بحديث الإمام أحمد وغيره: "ضحوا بالجذع من الضأن فإنه جائز" (٢)، وخبر مسلم: "لا تذبحوا إلّا مسنة، إلّا أن يعسر عليكم، فاذبحوا جذعة من الضأن" (٣). قال العلماء: المسنة: هي الثنية من الإبل، والبقر، والغنم. وقضية حديث مسلم: أن جذعة من الضأن لا تجزىء إلّا إذا عجز عن المسنة، والجمهور على خلافه، وحملوا الخبر على الندب، انتهى (٤). قال ابن نصر اللَّه في "حواشي الكافي": قال الأزهري: البقرة والشاة

стр. 1469

يقع عليهما اسم المُسِنّ إذا أثنيا، ويثنيان في السنة الثالثة، وليس معنى إسنانها: كبرها؛ كالرجل، ولكن معناه: طلوع [ثنيتها] (١) في السنة الثالثة (٢)، انتهى. قال في "المطالع": الجذع من الضأن: ابنُ سنة، وقيل: ابنُ ثمانية أشهر، وقيل: ابن ستة، وقيل: ابن سبعة، وقيل: ابن عشرة؛ وهو لا يجزىء إلّا من الضأن، لا من المعز، قال الحربي: لأنه ينزو من الضأن ويلقح، ولا ينزو إذا كان من المعز، فلا يجزىء إلّا ثنيًا، انتهى (٣). ومعتمد المذهب: ما قدمنا، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1470

الحديث الرابع عَنْ جَابرٍ، قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رسول اللَّه ﷺ يوْمَ العِيدِ، فَبَدأَ بالصَّلاةِ قَبْلَ الخُطْبَةِ بِلا أَذَانٍ وَلا إِقَامَةٍ، ثَمَّ قَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى بِلالٍ، فَأَمَرَ بتَقْوَى اللَّهِ، وَحَثَّ عَلَى طَاعَتِهِ، وَوَعَظَ النَّاسَ، وَذَكَّرَهُمْ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى أَتَى النِّسَاءَ، فَوَعَظَهُنَّ، وَذَكَّرَهُنَّ، وَقَالَ: "تَصَدَّقْنَ؛ فَإِنَّكُنَّ أَكْثَرُ حَطَبِ جَهَنَّمَ"، فَقَامَتِ امْرَأَةٌ مِنْ سِطَةِ النِّسَاءِ سَفْعَاءُ الخَدَّيْنِ، فَقَالَتْ: لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "لأنَكُنَّ تُكْثِرْنَ الشَّكَاةَ، وَتكفُرْنَ العَشِيرَ"، قَالَ: فَجَعَلْنَ يَتَصَدَّقْنَ مِنْ حُلِيِّهِنَّ، يُلْقِينَ في ثَوْبِ بِلالٍ مِنْ أَقْرِطَتِهِنَّ وخَوَاتِيمِهِنَّ (١).

стр. 1471

(عن) أبي عبد الرحمن (جابر) بن عبد اللَّه الأنصاري الخزرجي ﵄، (قال: شهدت مع رسول اللَّه ﷺ يوم العيد)؛ أي: شهودَ حضور، يعني: حضرت معه صلاة العيد، (فبدأ) ﷺ (بالصلاة قبل الخطبة) كما هو المعلوم من سنته ﷺ كما تقدم- (بلا أذان) لصلاة العيد، (ولا إقامة) لها، وهذا متفق عليه بين العلماء. قال في "شرح المقنع": ولا يشرع لها أذان ولا إقامة، لا نعلم في هذا خلافًا، إلّا أنه روي عن ابن الزبير: أنه أذن وأقام، وقيل: أول من أذن في العيدين: [ابن] زياد، وهذا دليل على انعقاد الإجماع قبله، وعن عطاء، قال: أخبرني جابر: أن لا أذانَ يوم الفطر حين يخرج الإمام، ولا بعدما يخرج، ولا إقامة، ولا نداء، ولا شيء، لا نداء يومئذ ولا إقامة، رواه مسلم (١). قال ابن دقيق العيد: وكأن سببه تخصيص الفرائض بالأذان؛ تمييزًا لها بذلك عن غيرها، وإظهارًا لشرفها، وأشار بعضهم إلى معنى آخر، وهو: أنه لو دعا النبي ﷺ إليها، لوجبت الإجابة -أي: على الأعيان-، وذلك منافٍ لعدم وجوبها كذلك (٢). تنبيه: قال علماؤنا كالشافعية: ينادى لها: "الصلاة جامعة".

стр. 1472

قال في "شرح المقنع": والسنة أحق أن تتبع (١)، يعني: في عدم المناداة لها. (ثم) بعد فراغه ﷺ من الصلاة (قام متوكئًا)؛ أي: متحاملًا ومعتمدًا (على بلال) بن حمامة مولى الصديق ﵄، (فأمر) ﷺ (بتقوى اللَّه) ؛ أي: أمر أن يجعل العبد بينه وبين عذاب اللَّه أمرًا يقيه منه؛ من فعل الطاعات، واجتناب المحرمات، وأصل الوقاية: الصيانة، وما وقيت به، واتقيت الشيء: حذرته، وقوله تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى﴾ [المدثر: ٥٦]؛ أي: أهل أن يُتَّقى عقابه (٢)، والتقي: من اتقاه؛ بأن فعل المأمور، واجتنب المحظور، وفي الحديث: "من عصى اللَّه، لم تقه من اللَّه واقية" (٣). (وحث)؛ أي: حض (على طاعته)، يقال: حثه عليه، واستحثه، وأحثه: حضه (٤). والطاعة: امتثال المأمور، واجتناب المحظور، (ووعظ)؛ أي: ذكَّر (الناس) ما يلين قلوبهم من الثواب والعقاب، (وذكرهم) ما يؤولون إليه من أمر آخرتهم، وما يلقونه من النعيم المقيم، أو العذاب الأليم، (ثم) بعد وعظه وتذكيره للرجال (مضى) من المكان الذي فيه الرجال، يعني: من المصلى (حتى أتى النساء) كونهن منعزلات عن الرجال، (فوعظهن وذكرهن) ما تلين به قلوبهن؛ من الترغيب في الثواب، والترهيب من العقاب.

стр. 1473

(وقال) لهن في خلال ذلك: (تصدقن؛ فإنكن) الفاء للتعليل؛ أي: لأنكن (أكثر حطب جهنم). فيه: إشارة إلى أن الصدقة من دوافع عذاب جهنم؛ لأنها تطفىء غضب الجبار، والنار من آثار غضبه تعالى. وفيه: الإشارة أيضًا إلى الإغلاظ بالنصح بما لعله يبعث على إزالة العيب والذنب الذي يتصف بهما الإنسان. وفيه: العناية بذكر ما تشتد الحاجة إليه من المخاطبين، وبذل النصيحة لمن يحتاج إليها (١). (فقامت امرأة من سطة النساء) زعم بعضهم: أن أصل اللفظة من الوسط الذي هو الخِيار، وبهذا فسر بعضهم ما في بعض الألفاظ: من علية النساء (٢)؛ أي: خيارهن، وعند بعض الرواة: من واسطة النساء (٣). وقال بعض فضلاء الأندلسيين: إنه تغيير؛ أي: تصحيف من الراوي، كأنَّ

стр. 1474

الأصل: من سفلة النساء، فاختلطت الفاء باللام، فصارت طاء، ويؤيد هذا: أنه ورد في كتاب ابن أبي شيبة، والنسائي: فقامت امرأة من سفلة النساء (١)، وفي رواية أخرى: فقامت امرأة من غير علية النساء (٢). (سفعاء الخدين) الأسفع والسفعاء: من أصاب خدَّه لونٌ يخالف لونه الأصلي، من سواد، أو حمرة، أو غيره (٣). قال في "القاموس": والسفائع (٤): لوافح السموم، والسُّفع -بالضم-: الأثافي، واحدتها: سفعاء، والسود تَضْرِب إلى الحمرة، و-بالتحريك-: سُفْعَةُ سواد في الخدين من المرأة الشاحبة، والسُّفْعة -بالضم-: ما في دِمْنَة النار من نحو رماد، ومن اللون: سواد أُشْرِب حمرة، انتهى ملخصًا (٥). فائدة: قال البرماوي في "مبهمات الشرح": هذه المرأة القائلة: أسماء بنت يزيد، صرح به البيهقي في رواية ذكرها في "شعب الإيمان"، وذكرها غيره -أيضًا- (٦). قال: ومعنى قوله: "من سطة النساء"؛ أي: من خيارهن، وقيل: غير ذلك. قال: وأسماء هذه هي: بنت يزيد بن السَّكَن -بفتح السين المهملة

стр. 1475

والكاف- الأنصارية بنت عمة معاذ، كانت من ذوات العقل والدين، قتلت يوم اليرموك سبعة من الكفار بعمود فسطاط، وكنيتها: أم سلمة، وقيل: أم عامر، وهي خطيبة النساء، فقد روي أنها قالت للنبي ﷺ : بأبي أنت وأمي يا رسول اللَّه! إنه ليس في شرق البلاد وغربها امرأة، إلّا هي على مثل رأيي، إن اللَّه بعثك للرجال والنساء، فآمنا بك وبالذي أرسلك، وإنا -معاشر النساء- محصورات مقصورات، قواعد في بيوتكم، ومواضع شهواتكم، وحوامل أولادكم، وأنتم -معاشر الرجال-، فُضلتم علينا بالجمعة والجماعات، وعيادة المريض، وتشييع الجنائز، والحج بعد الحج، ثم أفضل من ذلك الجهاد في سبيل اللَّه، وإنكم إذا خرجتم حجاجًا ومجاهدين وتجارًا ومسافرين، حفظنا لكم أموالكم، وربينا لكم أولادكم؛ أفنشارككم في الأجر يا رسول اللَّه؟ فالتفت النبي ﷺ إلى أصحابه، وقال: "هل سمعتم مقالة امرأة أحسن في مسألتها عن أمر دينها من هذه المرأة؟! "، فقالوا: يا رسول اللَّه! ما ظننا أن امرأة تهتدي في دينها إلى مثل مقالتها، فقال النبي ﷺ : "انصرفي أيتها المرأة، وأعلمي مَنْ خلفك من النساء: أنَّ حُسْنَ تَبَعُّل إحداكن لزوجها، وطلبها مرضاته، واتباعها موافقته؛ تعدل ذلك -إن شاء اللَّه تعالى-"، فانصرفت وهي تهلل وتكبر استبشارًا (١). واللَّه أعلم. (فقالت: لم)؛ أي: لأي شيء كنا أكثرَ حطب جهنم؟. فيه: مراجعة المتعلم لمعلمه، والتابع لمتبوعه، فيما لا يظهر له معناه (يا رسول اللَّه؟ قال) ﵊ مفسرًا لما استفهمت عنه:
следующие страницы →