← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

(عن) أبي عبد الرحمن (جابر) بن عبد اللَّه الأنصاري الخزرجي ﵄، (قال: شهدت مع رسول اللَّه ﷺ يوم العيد)؛ أي: شهودَ حضور، يعني: حضرت معه صلاة العيد، (فبدأ) ﷺ (بالصلاة قبل الخطبة) كما هو المعلوم من سنته ﷺ كما تقدم- (بلا أذان) لصلاة العيد، (ولا إقامة) لها، وهذا متفق عليه بين العلماء. قال في "شرح المقنع": ولا يشرع لها أذان ولا إقامة، لا نعلم في هذا خلافًا، إلّا أنه روي عن ابن الزبير: أنه أذن وأقام، وقيل: أول من أذن في العيدين: [ابن] زياد، وهذا دليل على انعقاد الإجماع قبله، وعن عطاء، قال: أخبرني جابر: أن لا أذانَ يوم الفطر حين يخرج الإمام، ولا بعدما يخرج، ولا إقامة، ولا نداء، ولا شيء، لا نداء يومئذ ولا إقامة، رواه مسلم (١). قال ابن دقيق العيد: وكأن سببه تخصيص الفرائض بالأذان؛ تمييزًا لها بذلك عن غيرها، وإظهارًا لشرفها، وأشار بعضهم إلى معنى آخر، وهو: أنه لو دعا النبي ﷺ إليها، لوجبت الإجابة -أي: على الأعيان-، وذلك منافٍ لعدم وجوبها كذلك (٢). تنبيه: قال علماؤنا كالشافعية: ينادى لها: "الصلاة جامعة".

стр. 1472

قال في "شرح المقنع": والسنة أحق أن تتبع (١)، يعني: في عدم المناداة لها. (ثم) بعد فراغه ﷺ من الصلاة (قام متوكئًا)؛ أي: متحاملًا ومعتمدًا (على بلال) بن حمامة مولى الصديق ﵄، (فأمر) ﷺ (بتقوى اللَّه) ؛ أي: أمر أن يجعل العبد بينه وبين عذاب اللَّه أمرًا يقيه منه؛ من فعل الطاعات، واجتناب المحرمات، وأصل الوقاية: الصيانة، وما وقيت به، واتقيت الشيء: حذرته، وقوله تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى﴾ [المدثر: ٥٦]؛ أي: أهل أن يُتَّقى عقابه (٢)، والتقي: من اتقاه؛ بأن فعل المأمور، واجتنب المحظور، وفي الحديث: "من عصى اللَّه، لم تقه من اللَّه واقية" (٣). (وحث)؛ أي: حض (على طاعته)، يقال: حثه عليه، واستحثه، وأحثه: حضه (٤). والطاعة: امتثال المأمور، واجتناب المحظور، (ووعظ)؛ أي: ذكَّر (الناس) ما يلين قلوبهم من الثواب والعقاب، (وذكرهم) ما يؤولون إليه من أمر آخرتهم، وما يلقونه من النعيم المقيم، أو العذاب الأليم، (ثم) بعد وعظه وتذكيره للرجال (مضى) من المكان الذي فيه الرجال، يعني: من المصلى (حتى أتى النساء) كونهن منعزلات عن الرجال، (فوعظهن وذكرهن) ما تلين به قلوبهن؛ من الترغيب في الثواب، والترهيب من العقاب.

стр. 1473

(وقال) لهن في خلال ذلك: (تصدقن؛ فإنكن) الفاء للتعليل؛ أي: لأنكن (أكثر حطب جهنم). فيه: إشارة إلى أن الصدقة من دوافع عذاب جهنم؛ لأنها تطفىء غضب الجبار، والنار من آثار غضبه تعالى. وفيه: الإشارة أيضًا إلى الإغلاظ بالنصح بما لعله يبعث على إزالة العيب والذنب الذي يتصف بهما الإنسان. وفيه: العناية بذكر ما تشتد الحاجة إليه من المخاطبين، وبذل النصيحة لمن يحتاج إليها (١). (فقامت امرأة من سطة النساء) زعم بعضهم: أن أصل اللفظة من الوسط الذي هو الخِيار، وبهذا فسر بعضهم ما في بعض الألفاظ: من علية النساء (٢)؛ أي: خيارهن، وعند بعض الرواة: من واسطة النساء (٣). وقال بعض فضلاء الأندلسيين: إنه تغيير؛ أي: تصحيف من الراوي، كأنَّ

стр. 1474

الأصل: من سفلة النساء، فاختلطت الفاء باللام، فصارت طاء، ويؤيد هذا: أنه ورد في كتاب ابن أبي شيبة، والنسائي: فقامت امرأة من سفلة النساء (١)، وفي رواية أخرى: فقامت امرأة من غير علية النساء (٢). (سفعاء الخدين) الأسفع والسفعاء: من أصاب خدَّه لونٌ يخالف لونه الأصلي، من سواد، أو حمرة، أو غيره (٣). قال في "القاموس": والسفائع (٤): لوافح السموم، والسُّفع -بالضم-: الأثافي، واحدتها: سفعاء، والسود تَضْرِب إلى الحمرة، و-بالتحريك-: سُفْعَةُ سواد في الخدين من المرأة الشاحبة، والسُّفْعة -بالضم-: ما في دِمْنَة النار من نحو رماد، ومن اللون: سواد أُشْرِب حمرة، انتهى ملخصًا (٥). فائدة: قال البرماوي في "مبهمات الشرح": هذه المرأة القائلة: أسماء بنت يزيد، صرح به البيهقي في رواية ذكرها في "شعب الإيمان"، وذكرها غيره -أيضًا- (٦). قال: ومعنى قوله: "من سطة النساء"؛ أي: من خيارهن، وقيل: غير ذلك. قال: وأسماء هذه هي: بنت يزيد بن السَّكَن -بفتح السين المهملة

стр. 1475

والكاف- الأنصارية بنت عمة معاذ، كانت من ذوات العقل والدين، قتلت يوم اليرموك سبعة من الكفار بعمود فسطاط، وكنيتها: أم سلمة، وقيل: أم عامر، وهي خطيبة النساء، فقد روي أنها قالت للنبي ﷺ : بأبي أنت وأمي يا رسول اللَّه! إنه ليس في شرق البلاد وغربها امرأة، إلّا هي على مثل رأيي، إن اللَّه بعثك للرجال والنساء، فآمنا بك وبالذي أرسلك، وإنا -معاشر النساء- محصورات مقصورات، قواعد في بيوتكم، ومواضع شهواتكم، وحوامل أولادكم، وأنتم -معاشر الرجال-، فُضلتم علينا بالجمعة والجماعات، وعيادة المريض، وتشييع الجنائز، والحج بعد الحج، ثم أفضل من ذلك الجهاد في سبيل اللَّه، وإنكم إذا خرجتم حجاجًا ومجاهدين وتجارًا ومسافرين، حفظنا لكم أموالكم، وربينا لكم أولادكم؛ أفنشارككم في الأجر يا رسول اللَّه؟ فالتفت النبي ﷺ إلى أصحابه، وقال: "هل سمعتم مقالة امرأة أحسن في مسألتها عن أمر دينها من هذه المرأة؟! "، فقالوا: يا رسول اللَّه! ما ظننا أن امرأة تهتدي في دينها إلى مثل مقالتها، فقال النبي ﷺ : "انصرفي أيتها المرأة، وأعلمي مَنْ خلفك من النساء: أنَّ حُسْنَ تَبَعُّل إحداكن لزوجها، وطلبها مرضاته، واتباعها موافقته؛ تعدل ذلك -إن شاء اللَّه تعالى-"، فانصرفت وهي تهلل وتكبر استبشارًا (١). واللَّه أعلم. (فقالت: لم)؛ أي: لأي شيء كنا أكثرَ حطب جهنم؟. فيه: مراجعة المتعلم لمعلمه، والتابع لمتبوعه، فيما لا يظهر له معناه (يا رسول اللَّه؟ قال) ﵊ مفسرًا لما استفهمت عنه:

стр. 1476

(لأنكن) -معشر النساء- (تكثرن الشكاة)، وفي لفظ: "الشَّكا" يقال: شكى أمره إلى اللَّه شكوًا، وينون، وشكاة، وشكاوة، وشكية، وشكاية -بالكسر (١) -. وشكاة النساء في هذا الحديث: يجوز أن تكون راجعة إلى ما يتعلق بالزوج وبخدمته، وهذا الظاهر. ويجوز أن تكون راجعة إلى ما يتعلق بحق اللَّه تعالى؛ من عدم شكره، والشكاية لقضائه (٢). (وتكفرن العشير) يعني: الزوج؛ أي: تجحدن حقه، وتنكرن نعمه. وفيه: دليل على تحريم كفران النعم؛ لأنه جعل سببًا لدخول النار، وفي رواية: "تكثرن اللعن، وتكفرن العشير" (٣)، وليس المراد: الكفر المخرج عن الملة. وخص كفران العشير من بين أنواع الذنوب؛ لدقيقة بديعة، وهي قوله ﷺ : "لو أمرت أحدًا أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها" رواه أبو داود من حديث قيس بن سعد (٤)، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه" من حديث ابن أبي أوفى (٥)، والترمذي وصححه من حديث

стр. 1477

أبي هريرة (١)، وغيرهم ﵃، فقرن حق الزوج على الزوجة بحق اللَّه، فإذا كفرت المرأة حق زوجها، وقد بلغ من حقه عليها هذه الغاية، كان ذلك دليلًا على تهاونها بحق اللَّه تعالى؛ فلذلك أطلق عليها الكفر، إلّا أنه لا يخرجها عن الملة (٢)، كما قدمنا. والعشير: الزوج، وأصله: الخليط من المعاشرة، قيل له: عشير، بمعنى: معاشر، مثل: أكيل، بمعنى مؤاكل، ولفظ العشير يطلق بإزاء شيئين، فالمراد به هنا: الزوج، والمراد به في قوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج: ١٣]، المولى هنا: ابن العم، والعشير: المخالط المعاشر (٣). وفي "الصحيحين"، من حديث ابن عباس في صلاة الكسوف، ورؤيته للنار، قال ﷺ : "ورأيت أكثر أهلها النساء"، قالوا: بم يا رسول اللَّه؟ قال: "بكفرهن"، قيل: أيكفرن باللَّه؟! قال: "يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهرَ كلَّه، ثم رأت منك شيئًا، قالت: ما رأيت منك خيرًا قط" (٤). قال في "الفتح": فيه إشارة إلى وجود سبب التعذيب؛ لأنها بذلك

стр. 1478

كالمصرة على كفر النعمة، والإصرار على المعصية من أسباب العذاب (١). قال ابن دقيق العيد: وإذا كان ﷺ قد ذكر ذلك في حق من هذا ذنبه، فكيف بمن له منهن ذنوب أكثر من ذلك؛ كترك الصلاة، والقذف (٢)؟! (قال: فجعلن) يعني: النساء المخاطبات من الصحابيات ﵅ (يتصدقن من حليهن) الذي عليهن (يلقين)؛ أي: يطرحن (في ثوب بلال) ﵁ بعد أن بسطه (من أقرطتهن) جمع قُرْط -بضم القاف، وسكون الراء، بعدها طاء مهملة-: هو الحلقة التي تكون في شحمة الأذن (٣). (وخواتيمهن) جمع خاتم، وهو: ما يوضع في الأصبع، ويجمع أيضًا على خواتم -بلا ياء-، وعلى خياتيم -بياء بدل الواو، وبلا ياء- أيضًا، وفي الخاتم ثمان لغات: فتح التاء وكسرها، وهما واضحتان. وبتقديمها على الألف مع كسر الخاء: خِتام. وخَيتوم -بسكون الياء المثناة تحت، وضم التاء المثناة فوق، بعدها واو، مع فتح الخاء-. وبحذف الياء والواو، مع سكون المثناة فوق: ختم. وبألف بعد الخاء، وأخرى بعد التاء: خاتام. وبزيادة تحتانية بعد المثناة المكسورة: خاتيام.

стр. 1479

وبحذف الألف الأولى، وتقديم التحتانية: خيتام. وقد جمعها الحافظ ابن حجر، كما في "الفتح" في قوله: [من البسيط] خُذْ نظمَ عَدِّ لغاتِ الخاتمِ انتظمت ... ثمانيًا ما حواها قَطُّ نَظَّامُ خاتامُ خاتِمُ خَتْمٌ خاتَمٌ وخِتا ... مٌ خاتيامٌ وخيتومٌ وخَيتامُ ثم زاد بيتًا ثالثًا: وهَمْزُ مفتوحِ تاءٍ تاسعٌ (١) وإذا ... ساغَ القياسُ أتمَّ العَشْرَ خاتامُ (٢) تنبيهان: الأول: استنبط بعض الصوفية من هذا الحديث: جواز الطلب للفقراء من الأغنياء عند الحاجة. وفي مبادرة النساء للامتثال بالصدقة، وبذل ما لعلهن يحتجن إليه، مع ضيق الحال في ذلك الزمان؛ ما يدل على رفيع مقامهن في الدين، وامتثال أمر رسول رب العالمين ﷺ . ويؤخذ منه: جواز تصدق المرأة من مالها في الجملة (٣). وفيه: جواز عظة الإمام النساء على حدة. وفيه: أن جحد النعم حرام، وكذا كثرة استعمال القبيح؛ كاللعن والشتم، واستدل النووي على أنهما من الكبائر، بالتوعد عليهما بالنار (٤). وهو منطبق على ما ذكره علماؤنا، من أن تعريف الكبيرة: ما فيه جزاء

стр. 1480

في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، زاد شيخ الإسلام: أو لعن فاعله، أو نفى عنه الإيمان (١). وفيه: ذم اللعن، وهو: الدعاء بالإبعاد من رحمة اللَّه، وهو محمول على ما إذا كان لمعين. وفيه: إطلاق الكفر على الذنوب التي لا تخرج عن الملة، واللَّه أعلم (٢). الثاني: ظاهر صنيع الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: أن جميع حديث جابر من متفق الشيخين، والحال: أن البخاري لم يخرج لفظ: "تصدقن" إلى "وتكفرن العشير" من حديثه، ولكن خرجه من حديث ابن عباس وغيره ﵃، كما نبه عليه الحافظ عبد الحق الإشبيلي في "جمعه للصحيحين" (٣)، ولم ينبه عليه ابن دقيق العيد، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1481

الحديث الخامس عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ نُسَيْتةَ الأَنْصَارِيَّةَ، قَالَتْ: أَمَرَنَا -تَعْنِي: النَّبِيَّ ﷺ أَنْ نُخْرِجَ فِي العِيدَيْنِ العَوَاتِقَ وذَوَاتِ الخُدُورِ، وَأَمَرَ الحُيَّضَ أَنْ يَعْتَزِلْنَ مُصَلَّى المُسْلِمِين (١). وفي لفظ: كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ نَخْرُجَ يومَ العيدِ، حتى نخرجَ البكرَ من خِدْرِها، حَتَّى تَخْرُجَ الحُيَّضُ، فَيُكَبِّرْنَ بتكْبيرِهِم، وَيدْعُونَ بدعَائِهِم، ويَرْجُونَ بَركةَ ذَلِكَ اليَوْمِ وَطُهْرَتَه (٢). * * *

стр. 1482

(عن أم عطية نسيبة) -بضم النون، وفتح السين المهملة، وسكون المثناة تحت، فباء موحدة، فهاء تأنيث-، ومنهم من -فتح النون، وكسر السين-، حكاه النووي عن "مبهمات الخطيب" وهو قول ابن عساكر، والحافظ عبد الغني بن سعيد المقدسي، وخالفهما ابن ماكولا وجماعة، فقالوا: نُسيبة -بضم النون-: هي أم عطية، وأما -بالفتح-: فهي أم عمارة، وقيل: اسمها نُبيشة -بضم النون، وفتح الموحدة، فمثناة تحتية،

стр. 1483

فشين معجمة، فهاء تأنيث، حكاه ابن عبد البر. واختلف في اسم أبي أم عطية هذه، فقيل: بنت كعب، قاله الإمام أحمد، ويحيى بن معين، وابن منده، وأبو نعيم، وجماعة، وقال ابن عبد البر وجماعة: هي بنت الحارث (الأنصارية) ﵂، وهي من كبار الصحابيات، كانت تغزو كثيرًا مع النبي ﷺ ؛ فتمرض المرضى، وتداوي الجرحى. روى عنها: أنس بن مالك، وإسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية، ومحمد بن سيرين، وغيرهم، وقدمت البصرة، وحصل حديثها عندهم، روي لها: أربعون حديثًا، اتفقا على ستة، وانفرد كل منهما بحديث (١). (قالت: أمرنا -تعني: النبي ﷺ أن نُخرج) بضم النون، وكسر الراء؛ من أخرج (في العيدين) عيد الفطر، وعيد الأضحى (العواتق) جمع عاتق، ويجمع على عُتَّق أيضًا كما في بعض ألفاظ حديث أم عطية (٢)، وهي: الجارية حين تدرك (٣).

стр. 1484

وفي "القاموس" العاتق: الجارية أو [لَ] ما أدركت، والتي لم تتزوج، أو التي بين الإدراك والتعنيس، والعانس: من طال مكثها في أهلها بعد إدراكها، حتى خرجت من عداد الأبكار، ولم تتزوج (١). عنسها أهلها تعنيسًا: فهي عانس، كما في "القاموس" (٢). وفي "النهاية": العاتق: الشابة أول ما تدرك، وقيل: هي التي لم تبنْ من والدتها، ولم تتزوج، وقد أدركت وشبت (٣). (وذوات) أي: صاحبات (الخدور) جمع خِدْر، وهو -بكسر الخاء المعجمة-: ستر يمد للجارية في ناحية البيت كالأخدور، وكل ما واراك من بيت ونحوه، ويجمع أيضًا على أخدار، وجمع الجمع: أخادير، كما في "القاموس" (٤). وفي "المطالع": الخدور: ستور تكون للجواري الأبكار في ناحية البيت، الواحد: خدر، ويقال: الخدر: سرير عليه ستر، وقيل: الخدر: البيت نفسه، انتهى (٥). (وأمر الحيض) جمع حائض (أن يعتزلن مصلى المسلمين)؛ أي: يتنحين عنه، وينصرفن عن الجلوس به، وليس ذلك لتحريم حضورهن فيه، إذا لم يكن مسجدًا، بل لقصد المبالغة في التنزيه لمحل العبادة في وقتها على سبيل الاستحسان، أو لكراهة جلوس من لم يصل مع المصلين في

стр. 1485

محل واحد في حال إقامة الصلاة؛ كما جاء: "ما منعك أن تصلي مع الناس؟ ألست برجل مسلم؟! " (١)، كذا قال ابن دقيق العيد (٢). قلت: ومعتمد المذهب: أن مصلى العيد مسجد، على الصحيح من المذهب؛ خلافًا لأبي حنيفة، والشافعي؛ لأنه أعد للصلاة حقيقة، لا مصلى الجنائز، فتمنع الحائض منه (٣). والحديث حجة لنا. (وفي لفظ) كما في بعض طرق البخاري، عن أم عطية ﵂، قالت: (كنا نؤمر)؛ أي: من قبل النبي ﷺ ؛ أي: يأمرنا (أن نخرج) -معشر النساء- (يوم العيد) سواء كان عيد الفطر، أو النحر، جميعنا (حتى نخرج) البنت (البكر) -بكسر الموحدة-: العذراء، والبكارة هي: الالتحام الذي يكون للجارية قبل افتضاضها (٤) (من خدرها)؛ أي: بيتها، أو الستارة التي ضربت لها في جانبه، والمراد: خروجها من بيتها لتحضر العيد، وقد كان حينئذ أهل الإسلام في حيز القلة، فاحتيج إلى المبالغة بإخراج العواتق، وذوات الخدور؛ لإظهار شعائر الإسلام، وفيه: إشارة إلى أن البروز إلى المصلى هو سنة العيد (٥). (حتى) كانت (تخرج) النساء (الحيض)، ويعتزلن مصلى العيد، (فيكبرن بتكبيرهم)؛ أي: الرجال المصلين (ويدعون بدعائهم)؛ أي: يؤمِّنَّ على دعاء النبي، ويدعون لأنفسهنَّ حين يدعو (يرجون) بذلك كله (بركة ذلك اليوم) الذي هو يوم العيد (وطهرته)؛ أي: تطهيره لهن من الذنوب،

стр. 1486

وتنزيهه لهن من الخطايا؛ فهو تعليل لخروجهن. ومعتمد مذهبنا: لا بأس بحضور النساء صلاة العيد، غيرَ مطيبات، ولا لابساتٍ ثيابَ زينة أو شهرة؛ لقوله ﷺ : "وليخرجْنَ تَفِلات" (١)، ويعتزلْنَ الرجال، ويعتزل الحيض المصلى بحيث يسمعن الخطبة. نعم، قال ابن حامد: يستحب، واحتج للاستحباب بما روي عن أبي بكر، و [علي] (٢) ﵄: أنهما قالا: حق على كل ذات نطاق: أن تخرج إلى العيدين (٣)، وكان ابن عمر يخرج من استطاع من أهله في العيدين (٤)؛ لهذا الحديث، وفي بعض ألفاظه: فأما الحيض فليعتزلن الصلاة، ويشهدن الخير ودعوة المسلمين"، قالت أم عطية: قلت: يارسول اللَّه! إحدانا لا يكون لها جلباب، قال: "لتلبسها أختها من جلبابها" متفق عليه (٥). قال القاضي: ظاهر كلام الإمام أحمد: أن ذلك جائز، لا مستحب. وكرهه النخعي، ويحيى الأنصاري، وقالا: لا نعرف خروج المرأة في

стр. 1487

العيدين عندنا، وكرهه سفيان، وابن المبارك. ورخص الحنفية للمرأة الكبيرة، وكرهوه للشابة؛ لما في خروجهن من الفتنة، وقول عائشة ﵂: لو رأى رسول اللَّه ﷺ ما أحدث النساء، لمنعهن المساجد، كما منحت نساء بني إسرائيل (١)، واللَّه أعلم (٢). * * *

стр. 1488

باب صلاة الكسوف قال في "المطلع": الكسوف: مصدر كسفت الشمس: إذا ذهب نورها، يقال: كسفت الشمس والقمر، وكُسفا، وانكسفا، وخَسَفا، وخُسفا، وانخسفا: ست لغات. وقيل: الكسوف: مختص بالشمس، والخسوف بالقمر. وقيل: الكسوف في أوله، والخسوف في آخره. وقال ثعلب: كسفت الشمس، وخسف القمر: هذا أجود الكلام، انتهى (١). قال في "شرح المقنع": الكسوف والخسوف: شيء واحد، وكلاهما قد وردت به الأخبار، وجاء القرآن بلفظ الخسوف، وصلاة الكسوف آكدُ صلاةِ التطوع؛ لكون النبي ﷺ فعلها، وأمر بها (٢). وذكر الحافظ في هذا الباب أربعة أحاديث: * * *

стр. 1489

الحديث الأول عَن عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهدِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَبَعَثَ مُنَادِيًا يُنَادِي: الصَّلاةَ جَامِعَةً، فَاجْتَمَعُوا، وَتَقَدَّمَ فَكبَّر، وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكعَاتٍ في رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ (١). * * * (عن) أم المؤمنين (عائشة) الصديقة (﵂: أن الشمس

стр. 1490

خسفت) بفتح الخاء المعجمة، وفتح السين المهملة-، ويقال: خُسفت -على صيغة ما لم يسم فاعله-. وهذا الحديث وغيره من الأحاديث يبطل زعم من زعم أن الخسوف مختص بالقمر (١). (على عهد النبي ﷺ )، وذلك في السنة العاشرة من الهجرة، لعشر خلون من ربيع الأول يوم موت إبراهيم ﵇ ابنِ النبي ﷺ ، وكان قد تم له سنة ونصف وأيام، وكان يومًا شديد الحر. (فبعث) ﷺ رجلًا (مناديًا ينادي: الصلاة جامعة) -بنصب الأول على الإغراء، والثاني على الحال (٢) -، وفي "الرعاية": برفعهما، ونصبهما (٣). وعلم منه: أنه لا يؤذن لها، وهو بالاتفاق. والحديث دل على أنه ينادى لها بالصيغة المذكورة، قال علماؤنا: أو الصلاة. قال في "الفروع": وينادى لكسوفٍ؛ لأنه في "الصحيحين"، واستسقاءٍ، وعيدٍ: الصلاة جامعة، أو الصلاة (٤). قال في "شرح المقنع": ويسن أن ينادى لها: الصلاة الجامعة، وذكر حديث ابن عمر، [و] في "الصحيحين" (٥)، قال: ولا يسن لها أذان ولا إقامة (٦).

стр. 1491

قال في "الفروع": كجنازة وتراويح، ثم قال: ويكره النداء: حي على الصلاة، ذكره ابن عقيل (١). (فاجتمعوا) إليه ﷺ ، (وتقدم) عليهم، (فكبر) تكبيرة الإحرام، (وصلى) بهم (أربع ركعات في ركعتين)، فأتى بركوعين في كل ركعة، (وأربع سجدات)، فأتى في كل ركعة بسجدتين، كما تأتي صفة صلاته ﷺ الكسوفَ في الحديث الثالث. فدل هذا الحديث على: مشروعية صلاة الكسوف، وقد ذكرنا أنها آكدُ النوافل صلاةً عند علمائنا، قال في "شرح المقنع": صلاة الكسوف سنة مؤكدة؛ لأن النبي ﷺ فعلها، وأمر بها، وجمع الناس لها، مظهرًا لذلك، وهذه أمارات الاعتناء والتأكيد. قال: ولا نعلم بين أهل العلم خلافًا في مشروعيتها لكسوف الشمس، فأما خسوف القمر، فأكثر أهل العلم على أنها مشروعة له، فعله ابن عباس، وبه قال عطاء، والحسن، والنخعي، والشافعي، وإسحاق. وقال مالك: ليس لكسوف القمر سنة. وحكى عنه ابن عبد البر، وعن أبي حنيفة: أنهما قالا: يصلي الناس لخسوف القمر وحدانًا، ركعتين ركعتين، ولا يصلون جماعة؛ لأن في خروجهم إليها مشقة (٢). ويرد هذا ما يأتي في الحديث: "إن الشمس والقمر آيتان"، وفيه: "فصلوا وادعوا" (٣)، فأمر بالصلاة لهما أمرًا واحدًا؛ فالتفرقة بينهما في الحكم بلا دليل تعسف.

стр. 1492

وعن ابن عباس ﵄: أنه صلى بأهل البصرة في خسوف القمر، وقال: إنما صليت؛ لأني رأيت رسول اللَّه ﷺ يصلي (١)، ولأنه أحد الكسوفين، فأشبه كسوف الشمس (٢). * * *

стр. 1493

الحديث الثاني عَنْ أَبي مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو الأَنْصَارِيِّ البَدْرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيتَانِ مِنْ آياتِ اللَّهِ يُخَوِّفُ اللَّهُ بهِمَا عِبَادَهُ، وَإنَّهُمَا لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، فَإذَا رَأيتُمْ مِنْهَا شَيْئًا، فَصَلُّوا وادْعُوا، حَتَّى يَنكشِفَ مَا بِكُمْ" (١). * * * (عن أبي مسعود عقبة) -بضم العين المهملة، وسكون القاف- (بن

стр. 1494

عمرو الأنصاريِّ البدريِّ) تقدم أنه لم يشهد بدرًا على الصحيح، وإنما نسب إلى ماء ببدر؛ لأنه نزله، فقيل له: البدري لذلك، وتقدم أنه شهد العقبة الثانية، وكان (﵁) أصغر من شهدها، وتقدمت ترجمته في الإمامة. (قال) أبو مسعود ﵁: (قال رسول اللَّه ﷺ : إن الشمس والقمر آيتان) تثنية آية، وهي: العلامة، والعبرة، والأمارة، والآية من القرآن: كلام متصل إلى انقطاعه، كما في "القاموس" (١). وفي "المطالع": آية القرآن سميت بذلك؛ لأنها علامة على تمام الكلام، وقيل: بل لأنها جماعة من كلمات القرآن، والآية من الناس: الجماعة (٢). (من آيات اللَّه) (يخوف اللَّه بهما عباده)، ومن هنا قيل: إن الصلاة تشرع لكل آية توجب تخويفًا. قال في "الفروع": ولا تصلى صلاة الكسوف لغيره؛ وفاقًا لمالك، والشافعي، إلّا للزلزلة -في المنصوص-، وعنه: ولكل آية؛ وفاقًا لأبي حنيفة، وذكر شيخنا -يعني: شيخ الإسلام ابن تيمية-: إن هذا قول محققي أصحاب أحمد، وغيرهم، قال: كما دلت على ذلك السنن والآثار، ولولا أن ذلك قد يكون سببًا لشر وعذاب، لم يصح التخويف بذلك. قال: وهذه صلاة رهبة وخوف، كما أن صلاة الاستسقاء صلاة رغبة ورجاء، وقد أمر اللَّه عباده أن يدعوه خوفًا وطمعًا، قال: وفي "النصيحة":

стр. 1495

يصلون لكل آية [ما] أحبوا، ركعتين أم أكثر، كسائر الصلوات (١). (وإنهما)؛ أي: الشمس والقمر (لا ينكسفان لموت أحد من الناس). في هذا رد على ما كانت عليه الجاهلية، من اعتقادهم أن الشمس والقمر ينكسمفان لموت العظماء (٢)، وردع لمن قال لما مات إبراهيمُ بنُ النبي ﷺ ، واتفق أن الشمس انكسفت في ذلك اليوم، فقال الناس: إنما كسفت لموت إبراهيم ﵇، فقام النبي ﷺ ، فذكر الحديث، زاد مسلم: "ولا لحياته" (٣). (فإذا رأيتم) -معشر الأمة- (منها)؛ أي: الآيات التي يخوف اللَّه بها العباد (شيئًا) هذا يعم كل آية تخويف، كما قدمنا، (فصلوا) لذلك صلاة مثل صلاتي التي صليتها، أو صلوا صلاة ما، (وادعوا) اللَّه ، وأنيبوا إليه؛ فإن ذهاب نور أحد النيرين (٤) إنما نشأ عن أثر غضبه سبحانه، فاللائق بكم أن تتضرعوا بأكف الافتقار، وتبتهلوا إلى الحليم الغفار، العزيز الجبار، القدير القهار، ويستمر هذا منكم (حتى ينكشف)؛ أي: ينجلي (ما بكم) من ذهاب نور أحد النيرين، ويعود له نوره الذي أودعه اللَّه فيه مصلحة للعالم، هذا لفظ الإمام مسلم في "صحيحه"، والحديث متفق عليه من حديث أبي مسعود البدري ﵁. وفي لفظ آخر: "إن الشمس والقمر ليس ينكسفان لموت أحد من

стр. 1496

الناس، ولكنهما آيتان من آيات اللَّه، فإذا رأيتموه، فقوموا فصلوا" (١)، وفي رواية: انكسفت الشمس يوم مات إبراهيم، فقال الناس: انكسفت لموت إبراهيم (٢). لم يقل البخاري في حديث أبي مسعود: "يخوف اللَّه بهما عباده"، ولا قال: "ولا لحياته" (٣)، ولا "وادعوا حتى ينكشف ما بكم"، ولا قال: انكسفت الشمس يوم مات إبراهيم، ولا قول الناس فيه، وقال: ذلك في حديث أبي بكرة (٤)، وغيره. * * *

стр. 1497

الحديث الثالث عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ، فَأَطَالَ القِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ القِيَامَ، وَهُوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، وَهُوَ دُونَ الرّكُوعِ الأوَّلِ، ثُمَّ قَامَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ فَعَلَ في الرَّكْعَةِ الأخْرَى مِثْلَ مَا فَعَلَ في الرَّكْعَةِ الأُوْلَى، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيتانِ مِنْ آياتِ اللَّهِ، لا يَخْسِفانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ، فَإذَا رَأيتُمْ ذَلِكَ، فَادْعُوا اللَّهَ، وَكبِّرُوا، وَصَلّوا، وَتَصَدَّقُوا"، ثُمَّ قَالَ: "يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ! [وَاللَّهِ] ما مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنيَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ! واللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ، لَضَحِكْتُم قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كثيرًا" (١).

стр. 1498

وَفِي لَفْظٍ: فَاسْتكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ (١).

стр. 1499

(عن) أم المؤمنين (عائشة) الصديقة (﵂، قالت: خسفت الشمس في عهد رسول اللَّه ﷺ ، فصلى رسول اللَّه ﷺ ) صلاة الكسوف (بالناس) وصفة صلاة الكسوف: أن يكبر تكبيرة الإحرام، ثم يستفتح، ويستعيذ، ويقرأ الفاتحة، وسورة طويلة نحو البقرة، وهذا معنى قول عائشة ﵂: (فأطال القيام)؛ أي: بالقراءة، وفي رواية عنها عندهما، قالت: خسفت الشمس في حياة رسول اللَّه ﷺ ، فخرج إلى المسجد، فقام، وكبر، وصف الناس وراءه، فاقترأ رسول اللَّه ﷺ قراءة طويلة (١)، فقد صرحت في بعض الروايات، بأنه قرأ بسورة البقرة (٢)، (ثم) كبر، فـ (ركع، فأطال الركوع) لم يرد فيه تحديد. قال في "الفروع": قال جماعة: نحو مئة آية؛ وفاقًا للشافعي، وقيل: معظم القراءة، وقيل: نصفها (٣). (ثم قام)؛ أي: رفع رأسه من الركوع، فقال: "سمع اللَّه لمن حمده، ربنا ولك الحمد"، (فأطال القيام)، فاقترأ قراءة طويلة، هي أدنى من القراءة التي كانت في القيام الأول، وهي معنى قولها: (وهو)؛ أي: القيام الثاني (دون القيام الأول)؛ أي: أقل منه؛ لكون قراءته دون قراءة القيام الأول؛ بأن تكون قراءته في القيام الثاني سورة الفاتحة، وآل عمران، أو قدرها، (ثم) كبر، فـ (ركع، فأطال الركوع) بحيث إن نسبته إلى القراءة: كنسبة الأول منها، (وهو دون الركوع الأول) الذي قدرناه بقراءة مئة آية. قال في "شرح المقنع": إنه يسبح في هذا الركوع نحوًا من سبعين آية (٤).

стр. 1500

(ثم قام)؛ أي: رفع منه، فقال: "سمع اللَّه لمن حمده، ربنا ولك الحمد"، ولم يطل الاعتدال هنا؛ وفاقًا، وذكره بعضهم إجماعًا، وانفرد أبو الزبير، عن جابر، مرفوعًا (١)؛ بإطالته، فكأنه أطاله [بقدر الذكر] (٢) الوارد فيه، أو فعله لبيان الجواز (٣). (ثم سجد فأطال السجود). قال في "شرح المقنع": نحوًا من الركوع (٤)، وقال في "الفروع": ثم يسجد سجدتين، ويطيلهما في الأصح، خلافًا للشافعي (٥). قال ابن دقيق العيد: قولها: ثم سجد فأطال السجود يقتضي طول السجود في هذه الصلاة، وظاهر مذهب مالك والشافعي: ألَّا يطول السجود فيها. قال: وذكر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، عن [أبي عباس بن سريج] (٦): أنه يطيل السجود، كما يطيل الركوع. ثم قال: وليس بشيء؛ لأن الشافعي لم يذكر ذلك، ولا نقل ذلك في خبر، ولو كان قد أطال، لنقل، كما نقل في القراءة والركوع. قلنا: بل نقل ذلك في أخبار؛ منها: حديث عائشة ﵂ هذا، وفي حديث آخر: [أنها] قالت: "ما سجد سجودًا أطول منه"،

стр. 1501

وكذلك نقل تطويله في حديث أبي موسى، وجابر بن عبد اللَّه ﵃, انتهى. قلت: أما حديث عائشة الذي أشار إليه؛ فعند البخاري، وفيه: سجد في الأولى سجودًا طويلًا، وفي ثانيه دون السجود الأول (١). وأما حديث أبي موسى في "الصحيحين"، وفيه: فقام يصلي بأطول قيام، وركوع، وسجود، ما رأيته يفعله في صلاة قط (٢). وأما حديث جابر ﵁ في "مسلم"، وكذا مثله في "البخاري"، وفيه: وركوعه نحوًا من سجوده (٣). قلت: وفي حديث أسماء بنت الصديق ﵄ في "الصحيحين"، وفيه: ثم سجد فأطال السجود، ثم رفع، ثم سجد فأطال السجود (٤). (ثم فعل) ﷺ (في الركعة الأخرى)؛ أي: الثانية (مثل ما فعل في الركعة الأولى) من قراءة الفاتحة، والسورة الطويلة، والركوع الطويل، والقيام ثانيًا طويلًا، والسجود الطويل، وقد حكت أن القيام الثاني دون

стр. 1502

القيام الأول، وأن الركوع الثاني دون الركوع الأول، ومقتضى المسألة: أن يكون القيام الثاني دون القيام الأول، وأن الركوع الثاني دون الركوع الأول، ولكن هل يراد بالقيام الأول من الركعة الأولى، أو الأول من الثانية، وكذلك في الركوع، وفي السجود؟ قلت: قد صرح علماؤنا بأنه: يقرأ في القيام الأول بعد الاستفتاح والتعوذ وسورة الفاتحة نحو البقرة، ويركع فيسبح بقدر قراءة مئة آية، ويقرأ في الرفع من الركوع الأول في القيام الثاني بعد الفاتحة نحو آل عمران، ويركع فيسبح تسبيحًا نحوًا من قراءة سبعين آية، ويقرأ في قيام الثانية الأول بعد الفاتحة نحو سورة النساء، ويركع فيسبح نحوًا من خمسين آية، ويقرأ بعد الرفع وقراءة الفاتحة نحو سورة المائدة، ثم يركع فيسبح دون الذي قبله، وكذلك السجود. فيكون كل قيام دون الذي قبله، وكل ركوع دون الذي قبله، وكل سجود دون الذي قبله، وهذا ظاهر بين، وهو المعروف في نسق ركعات الصلوات، واللَّه أعلم (١). (ثم انصرف) ﷺ من صلاته (وقد تجلت الشمس) من خسوفها، (فخطب) ﵊ (الناس) الحاضرين معه في مسجده، (فحمد اللَّه) بصيغة الحمد، (وأثنى عليه)، فكرر الحمد، وتعداد أوصاف المحامد، وهذا يقتضي: أنه يشرع لصلاة الكسوف خطبة. قال في "شرح المقنع": قال أصحابنا: لا خطبة لصلاة الكسوف، ولم

стр. 1503

يبلغنا عن الإمام أحمد ﵁ في ذلك شيء، وهذا مذهب مالك، وأبي حنيفة. وقال إسحاق، وابن المنذر: يخطب الإمام بعد الصلاة. وقال الشافعي: يخطب كخطبتي [العيد] (١)، وذكر حديث عائشة هذا. قال: ولنا: أن في هذا الخبر ما دل على أن الخطبة لا تشرع، لأنه ﵇ أمرهم بالصلاة، والدعاء، والتكبير، والصدقة، ولم يأمرهم بخطبة، ولو كانت سنة، لأمرهم بها، وإنما خطب بعد الصلاة؛ ليعلمهم حكمها، وهذا مختص به، وليس في الخبر ما يدل على أنه خطب كخطبتي الجمعة، أو العيد، انتهى (٢). قلت: في دعوى الخصوصية نظر لا يخفى، وقوله: وإنما خطب ليعلمهم حكمها، فيه نظر؛ لأنه قد أتى بما هو المطلوب من الخطبة؛ من الحمد، والثناء، والموعظة، ولا يبعد أن يكون ذكر الجنة والنار داخلًا في مقاصدها؛ إذ مقاصد الخطبة لا تنحصر فى شىء معين بعد الإتيان بأركانها (٣). قال في "الفروع": ولا تشرع خطبة؛ وفاقًا لأبي حنيفة، ومالك، وعنه -أي: الإمام أحمد-: بلى، بعدها خطبتان، تجلَّى الكسوف أو لا، اختاره ابن حامد؛ وفاقًا للشافعي. وأطلق غير واحد في استحباب الخطبة روايتين.

стр. 1504

ولم يذكر القاضي وغيره نصًا: أنه لا يخطب، إنما أخذوه من نصه: لا خطبة في الاستسقاء. وقال -أيضًا-: لم يذكر لها أحمد خطبة، وفي "النصيحة": أحب أن يخطُبَ بعدها (١). (ثم قال) النبي ﷺ ، وفي بعض ألفاظ هذا الحديث: أنه خطب، فقال (٢): (إن الشمس والقمر آيتان من آيات اللَّه) الباهرة، وأثر من آثار قدرة اللَّه الظاهرة (لا يخسفان لموت أحد) من الناس (ولا لحياته)، وفي حديث جابر ﵁: "وأنهم كانوا يقولون: إن الشمس والقمر لا ينخسفان إلّا لموت عظيم، وإنهما آيتان من آيات اللَّه يريكموها" (٣). (فإذا رأيتم ذلك)، أي: الخسوف في أحدهما، (فادعوا اللَّه) سبحانه، (وكبروا)؛ أي: قولوا: اللَّه أكبر، (وصلوا) صلاة الكسوف، (وتصدقوا)؛ لأنها تطفىء غضب الجبار، وتكون سببًا قويًا في محو الإثم والأوزار. قال في "شرح المقنع": يستحب ذكر اللَّه تعالى، والدعاء، والتكبير، والاستغفار، والصدقة، والعتق، والتقرب إلى اللَّه تعالى بما استطاع؛ للخبر المذكور، وفي خبر أبي موسى: "فافزعوا إلى ذكر اللَّه تعالى ودعائه، واستغفاره" (٤)، وروي عن أسماء: أنها قالت: كنا نؤمر بالعتق في الكسوف (٥).

стр. 1505

قال في "الفروع": يستحب العتق في كسوفها -أي: الشمس-، نص عليه، لأمره ﷺ في "الصحيحين" -يعني: في حق القادر- كما في "المستوعب" (١)، وغيره (٢). (ثم قال) ﷺ (يا أمة محمد!)؛ أي: أمة إجابة دعوته؛ لأنهم المخاطبون بذلك، الممتثلون لأوامره، والمنتهون عن زواجره. وأصل الإمة -بالكسر-: الحالة، والشرعة، والدين، و-يضم-، والنعمة، والهيئة، والشان، وغَضارة العيش، والسنة، و-يضم-، والطريقة، والرجل الجامع للخير، والجماعة أرسل إليهم رسول، والجيل من كل حي، ومن هو على الحق مخالف لسائر الأديان، وغير ذلك (٣). وفي الشرع: أمة النبي: أتباعه على دينه (٤). ([واللَّه] ما من أحد أغيرُ من اللَّه) تعالى (أن يزني عبدُه، أو تزني أمته) إطلاق الغيرة على اللَّه جاء في عدة أحاديث، وأهل الإثبات من المحدثين، ومذهب السلف من أئمة الدين يؤمنون بكل ما جاء في الكتاب والسنة، مع اعتقادهم أن ليس كمثل اللَّه شيء، فهم يثبتون الآثار بلا تمثيل، وينزهون الباري -جل وعز- عن سمت الحوادث بلا تعطيل؛ فعندهم المشبِّهُ يعبد صنمًا، والمعطِّلُ يعبد عدمًا (٥)، والمؤمن يعبد رب

стр. 1506

الأرض والسماء، فيقولون: نؤمن كما أخبر، وكما جاء في الأثر، لا كما يخطر للبشر. وأما علماء الخلف من المؤولين، فيقولون: يراد من الغيرة: غايتها، وهو شدة المنع والحماية من الشيء؛ لأن الغائر على الشيء مانع له، وحامٍ منه؛ فالمنع والحماية من لوازم الغيرة (١). وأصل الغيرة: الحمية والأنفة، كما في "النهاية" (٢)، انتهى. وهذا في جانب المخلوق، وأما في الخالق، فليس هي كذلك؛ كما أن قدرة المخلوق وإرادته ليست كقدرة الخالق وإرادته. والحاصل: أن علماء السلف يسلمون، وعلماء الخلف يؤولون، ولا ريب أن السلامة في التسليم، واللَّه أعلم. (يا أمة محمد! واللَّه!) فيه: مشروعية الحلف، ولا سيما على الأمر المهول، وإن لم يستحلف (لو تعلمون) أنتم (ما أعلم) أنا من أهوال الآخرة، والجنة، والنار، وما أعد اللَّه لأهل الجنان من النعيم، ولأهل النيران من العذاب الأليم، وتعلمون من عظمة اللَّه وجلاله، وشدة بطشه وانتقامه من أعدائه وأهل معصيته، وعظيم كرمه ورحمته وإحسانه لأوليائه وأهل طاعته، (لضحكتم قليلًا) من فظاعة أمر العذاب والانتقام، وجزالة الثواب والإنعام (ولبكيتم كثيرًا). في هذا دليل على غلبة الخوف، وترجيح التخولف في الموعظة على الإشاعة بالرخص؛ لما في ذلك من التسبب إلى تسامح النفوس؛ لما جبلت

стр. 1507

عليه من الإخلاد إلى الشهوات، وذلك مرضها الخطر، والطبيب الحاذق يقابل العلة بضدها، لا بما يزيدها (١). (وفي لفظ) من حديث عائشة ﵂ عندهما: (فاستكمل) تعني: النبي ﷺ (أربع ركعات) أطلقت الركعات على عدد الركوع، وقد تقدم حديثها: فصلى أربع ركعات في ركعتين؛ أي: أربع ركوعات، (وأربع سجدات)؛ أي: في ركعتين، وهذا هو معنى الصفة التي قدمنا. قال في "شرح المقنع": الأولى عند أبي عبد اللَّه -يعني: الإمام أحمد- الصلاةُ على الصفة التي ذكرنا، واحتج: بأنه روي عن ابن عباس، وعائشة ﵃ في صلاة الكسوف: أربع ركعات، وأربع سجدات (٢). قال: وأما علي ﵁، فيقول: ست؛ أي: ست ركوعات، وأربع سجدات، فذهب إلى قول ابن عباس، وعائشة. وقد روي عن ابن عباس ﵄: أنه صلى ست ركعات وأربع سجدات (٣)، وعن عائشة: أنه ﷺ صلى ست ركعات، وأربع سجدات. رواه مسلم (٤). وروي عنه ﷺ : أنه صلى أربع ركعات، وسجدتين في كل ركعة. رواه مسلم (٥).

стр. 1508

تنبيهات: الأول: قد قدمنا أن صلاة الكسوف سنة مؤكدة عند ذهاب ضوء أحد النيرين، أو بعضه، حضرًا وسفرًا، حتى للنساء والصبيان حضورها، ويندب الغسل لها، ونفلها جماعة في المسجد الذي تقام فيه الجمعة أفضل (١)؛ لما في حديث أسماء: ثم جئت فدخلت المسجد، فرأيت رسول اللَّه ﷺ قائمًا، فقمت معه. الحديث متفق عليه (٢). وفي حديث عائشة: فخرجت في نسوة بين ظهري الحجر في المسجد، فأتى النبي ﷺ حتى انتهى إلى مصلاه الذي كان يصلي فيه، فقام، وقام الناس وراءه الحديث متفق عليه -أيضًا- (٣). وتقدم في حديث عائشة في "الصحيحين": فخرج رسول اللَّه ﷺ إلى المسجد ... ، الحديث (٤). الثاني: يجوز فعل صلاة الكسوف على كل صفة وردت، إن شاء أتى في كل ركعة بركوعين، وهو الأفضل، وإن شاء بثلاث، أو أربع، أو خمس (٥). ولا يزيد على خمس ركوعات في الركعة الواحدة؛ لأنه لم يرد به نص، والقياس لا يقتضيه، وأما الخمس، فقد روى أبو داود في "سننه" من حديث أبي بن كعب ﵁، قال: "انكسفت الشمس على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وأن رسول اللَّه ﷺ صلى بهم؛ فقرأ سورة من الطول، وركع

стр. 1509

خمس ركعات، وسجد سجدتين، ثم قام الثانية فقرأ سورة من الطول، وركع خمس ركعات، وسجد سجدتين، وجلس كما هو مستقبل القبلة يدعو حتى انجلى كسوفها (١). وإن شاء فعلها كنافلة بركوع واحد (٢). وأما السجود: فلا يزيد على سجدتين في كل ركعة؛ لأنه لم يرد. وإذا تعدد منه الركوع، ففي كل رفع منه يقرأ الفاتحة وسورة، إلّا الرفع الذي يهوي منه إلى السجود، فلا يطيله، ولا يقرأ فيه فاتحة الكتاب، ولا غيرها، بل الذكر المشروع من التسميع والتحميد، وما بعد الركوع الأول سنة لا تدرك به الركعة على معتمد المذهب؛ خلافًا لمالك (٣). الثالث: يسن الجهر بقراءة فيها، ولو في كسوف الشمس، خلافًا للثلاثة (٤)، وفي حديث عائشة في "الصحيحين": أن النبي ﷺ جهر في صلاة الخسوف بقراءته (٥). قال في "تنقيح التحقيق": يسن الجهر فيها بالقراءة، وبه قال أبو يوسف، ومحمد، خلافًا لأكثرهم، ثم ذكر حديث عائشة عند أبي داود، والحاكم، وقال: على شرطهما: أن رسول اللَّه ﷺ قرأ قراءة طويلة يجهر بها -يعني: في صلاة الكسوف (٦) -.

стр. 1510

الرابع: قال أبو حنيفة: صفة صلاة الكسوف كصلاة النافلة، من غير تعدد ركوع في كل ركعة، ولا سجود، والأحاديث الصحيحة صريحة بخلاف قوله، واعتذر عن الأحاديث الثابتة المثبتة للتعدد: بأن النبي ﷺ كان يرفع رأسه ليختبر حال الشمس، هل انجلت أم لا؟ فلما لم يرها انجلت، ركع، وفي هذا التأويل ضعف؛ لأن كل من وصف صلاته ﷺ وصف رفعه بالطول والقراءة، وهذا يخالف التأويل المذكور (١). الخامس: لا تصلى في وقت نهي على معتمد المذهب، بل يدعو اللَّه ويذكره (٢). وقال شيخ الإسلام: بل تصلى؛ لأن عنده وقت النهي لا يمنع ذات السبب (٣)، واللَّه أعلم. * * *
следующие страницы →