← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وفي بعض طرق البخاري: "في كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ" (١). ولا فرق في الحكم بين كون الكلب أهلياً أو سلوقياً- نسبة إلى سلوق مدينة باليمن، تنسب إليها الكلاب السلوقية -، وكلاهما في الطبع سواء، وفي طبعه احتلام، وتحيض إناثه. (في إناءِ)؛ أي: وعاء (أَحَدِكمْ) معشرَ الأمة، ظاهره العموم في كل آنية، ومفهومه يخرج الماء المستنقع مثلاً، وبه قال الأوزاعي مطلقاً، لكن إذا قلنا بأن الغسل للتنجيس كما هو المشهور، يجري الحكم في القليل من الماء دون الكثير، ويلغي اعتبار الإضافة التي في "إناء أحدكم"؛ لعدم توقف الطهارة على ملكه. يؤيد المشهور ما في الرواية الصحيحة عند مسلم وغيره: "طَهُورُ إِناءِ أَحَدِكُمْ" (٢) (فَلْيَغْسِلْهُ)؛ أي: الإناءَ، وهو متروك اعتبار الظاهر؛ لعدم توقف طهارته على أن يكون هو الغاسل، زاد مسلم والنسائي من طريق علي بن مُسْهر، عن الأعمش، عن أبي صالح وأبي رزين، عن أبي هريرة في هذا الحديث: "فَلْيُرِقْهُ" (٣)، وهو يقوي القول: بأن الغسل للتنجيس؛ إذ المُراقُ أعمُّ من أن يكون ماء أو طعاماً، فلو كان طاهراً، لم يؤمر بإراقته؛ للنهي عن إضاعة المال، لكن قال. النسائي: لا أعلم أحداً تابع عليَّ بنَ مُسْهر على زيادة: "فليرقه" (٤)، وقال

стр. 177

حمزة الكناني: إنها غير محفوظة، وقال ابن عبد البر: لم يذكرها الحفاظ من أصحاب الأعمش؛ كأبي معاوية وشعبة (١)، وقال ابن منده: لا تُعرف عن النبي ﷺ بوجه من الوجوه إلا عن علي بن مسهر بهذا الإسناد. قال الحافظ ابن حجر: ورد الأمر بالإراقة أيضاً من طريق عطاء، عن أبي هريرة مرفوعاً، أخرجه ابن عدي (٢)، لكن في رفعه نظر، والصحيح أنه موقوف. وكذا ذكر الإراقةَ حمادُ بنُ زيد، عن أيوبَ، عن ابن سيرينَ، عن أبي هريرة موقوفاً، وإسناده صحيح، أخرجه الدارقطني (٣)، وغيره، انتهى (٤). قال الحافظ ابنُ عبدِ الهادي في كتابه "تنقيح التحقيق على أحاديث التعليق": روى الدارقطنيُّ من طريق عليِّ بنِ مُسْهِرٍ، عن الأعمش، عن أبي صالح وأبي رزين، عن أبي هريرة مرفوعاً، "إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ في إناءِ أحدِكُمْ، فَلْيُهْرِقْهُ ولْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ" (٥). وظاهر قوله: "فليغسله" يقتضي الفورَ، لكن حمل الجمهور الفورية على الاستحباب، إلا لمن أراد أن يستعمل ذلك الإناء (٦) (سبعاً)؛ أي: سبع مرات، ولم يقع في رواية مالك التتريب، ولا ثبت في شيء من الروايات

стр. 178

عن أبي هريرة، إلا عن ابن سيرين، على أن بعض أصحابه لم يذكره، وروي أيضاً عن الحسن، وأبي رافع عند الدارقطني (١)، وعبد الرحمن والد السُّدّي عند البزار (٢)، واختلف الرواة عن ابن سيرين في محل غسلة التتريب، فـ (لمسلم) وغيره من طريق هشامِ بنِ حسانَ، عنه: (أولاهن)؛ أي: الغسلات، تكون (بالتراب)، وهي رواية الأكثر عن ابن سيرين، وقال سعيد بن بشير عنه: "أولاهن" أيضاً، أخرجه الدارقطني (٣)، وقال أبان عن قتادة: "السابعة" أخرجه أبو داود (٤)، والشافعي عن سفيان، عن أيوب، عن ابن سيرين: "أُولاهُنَّ أو أُخراهُنَّ" (٥)، وفي رواية السدي "إحداهُنَّ" (٦)، وكذا في رواية هشامِ بنِ عروةَ، عن أبي الزناد، (وله)؛ أي: لمسلمٍ (في حديث عبد الله بن مُغَفّل) ﵁ بضم الميم، وفتح الغين المعجمة، وتشديد الفاء فلام - ابن عبد غنم بن عفيف المزني، من ولد طابخة بن إلياس بن مضر، يجتمع مع النبي ﷺ في إلياس بن مضر، يكنى: أبا سعيد، وقيل: أبا عبد الرحمن، أحد البكائين الذين نزل فيهم: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [التوبة: ٩١] الآية، وذكر ابن ماكولا أن لأبيه مغفّل صحبة أيضاً، وكذلك ابن عبد البر في "الاستيعاب"، ولكنه مات عام الفتح بطريق مكة قبل أن يدخلها، ولهم أخ آخر من الصحابة

стр. 179

يسمّى: عبد الله بن مغفل بن عبد نُهْم -بضم النون وسكون الهاء فميم- خزاعي، وعبد الله صاحب الترجمة ﵁ نزل البصرة، يروي عنه الحسن البصري كثيراً. روي له عن النبي ﷺ ثلاثة وأربعون حديثاً، اتفقا على أربعة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بهذا الحديث. توفي ﵁ بالبصرة بآخر خلافة معاوية سنة ستين، وقيل: سنة تسع وخمسين، وصلّى عليه أبو برزة الأسلمي بوصية منه، وهو أحد العشرة الذين أرسلهم عمر ﵁ وعنهم - على البصرة يفقهون الناس (١). قال ﵁: (إن رسول الله ﷺ قال: إذا وَلَغَ الكلبُ) الألف واللام فيه للجنس؛ أي: أيّ كلب ولغ (في الإناءِ)؛ أي: في أي إناء، أو للعهد، (فاغسِلُوهُ)؛ أي: الإناءَ الذي ولغ فيه الكلب (سَبْعاً) من المرات، نعم كل غسلة ما باشره الكلب، والمائع حيث كان دون القلتين، (وَعَفِّروهُ)؛ أي: الإناءَ (الثامنةَ)؛ أي: في الغسلة الثامنة؛ (بالترابِ) الطَّهورِ على المعتمد من المذهب.

стр. 180

وروى حديث عبد الله بن مغفل أيضاً: الإمام أحمد (١)، وغيره، وطريق الجمع بين هذه الروايات أن يقال: "إحداهن" مبهمة، و"أولاهن" معينة، ولفظة "أو" وإن كانت في نفس الخبر، فهي للتخيير، فمقتضى حمل المطلق على المقيد: أن يُحمل على إحداهما؛ لأنَّ فيه زيادة على الرواية المعينة، وهو الذي صرح به علماؤنا (٢). قال في "شرح الوجيز": وله استعمالُ الترابِ في أي غسلة شاء، إذا أتى عليه من الماء ما يزيلُه ليحصل المقصودُ منه. وفي "الفروع": وتُغسلُ نجاسةُ كلب، نص عليه؛ وفاقاً للشافعي، وقيل: ولوغه؛ وفاقاً لمالك، تعبداً سبعاً؛ وفاقاً لمالك والشافعي، بتراب في أي غسلةٍ شاء، وهل الأولة أولى أو الأخيرة أو سواء؟ فيه روايات (٣). قلت: الذي استقر عليه المذهب كونُ التراب في الأولى أولى؛ ليأتي الماء من بقية الغسلات عليه، فينظف المحل منه بإزالة أثره عنه، ونص الشافعي في "الأم" على التخيير، وكذا "البويطي"، وصرح به المرعشي وغيرُه من الشافعية، وذكره ابنُ دقيقِ العيدِ والسبْكِي بحثاً، وهو منصوصٌ، نبه عليه الحافظُ ابنُ حجرٍ في "شرح البخاري" (٤)، وإن كانت لفظة "أو" شكاً من الراوي؛ فروايةُ مَنْ عَيَّنَ ولم يشكَّ أولى من رواية من أَبْهَمَ أو شَك، فيبقى النظرُ في الترجيح بين روايةِ "أولاهن"، ورواية "السابعة"،

стр. 181

ورواية "أولاهن" أرجح من حيث الأكثرية والأحفظية، ومن حيثُ المعنى أيضاً؛ لأن تتريب الأخيرة يستدعي غسلةً أخرى لتنظيفه، وقد نص الشافعي على أولوية الأُولى. وفي هذا الحديث دليلٌ: على أن حكمَ النجاسة يتعدى عن محلها إلى ما يجاورها بشرط كونه مائعاً. وعلى تنجيس المائعات إذا وقع في جرمها نجاسة. وعلى تنجيس الإناء الذي يتصل بالمائع. وعلى أن الماء القليلَ ينجُس بوقوع النجاسة فيه، وإن لم يتغير؛ لأن ولوغَ الكلب لا يغير الماءَ الذي في الإناء غالباً، وتؤخذ قلتُه في الحديث من كونه في الإناء؛ لأنه لا يكون إلا قليلاً غالباً، ويناط الحكم بالغالب الأكثر دون النادر. وعلى أن ورود الماء على النجاسة يخالف ورودها عليه؛ لأنه أمر بإراقة الماء لما وردتْ عليه النجاسة، وهو حقيقة في إراقة جميعه، وأمر بغسله، وحقيقته تتأدى بما يسمى غسلاً، ولو كان ما يُغسلُ به أقل مما أريق. تنبيهات: أحدها: ظاهر حديث عبد الله بنِ مُغَفَّلٍ ﵁ يقتضي كونَ الغسلات ثمانيةً، وبه قال الحسنُ البصري، وقيل: إنه لم يقل به غيرُه، ولعل المراد بذلك: من المتقدمين، قاله ابن دقيق العيد (١). قلتُ: هو رواية عن الإمام أحمد كما في "الفروع" (٢) وغيره.

стр. 182

الثاني: ظاهره الاكتفاء بالتعفير، والذي جزم به متأخرو علمائنا لا يكفي ذَرُّ التراب على المحل، بل يعتبر مائع يوصله إليه، ذكره أبو المعالي، و"التلخيص"، وفاقاً للشافعي، وقيد المتأخرون كون المائع ماءً طهوراً، ولعل ذلك حيث اعتبروها من السبع، وإلا فلا. واستظهر في "الفروع" (١): يكفي ذَرُّه، ويُتبعه الماءَ، وهو ظاهر كلام جماعة، وصوبه في "الإنصاف" (٢)؛ لاقتضاء حديث عبدِ الله بنِ مُغَفلٍ ﵁ الاكتفاء بذلك؛ فإنه يشعر بالاكتفاء بالتتريب بذر التراب على المحل، وإن كان خلطه بالماء لا ينافي كونه تعفيراً لغة؛ لأن لفظ التعفير يطلق على ذَرِّهِ على المحل، وعلى إيصاله بالماء إليه، لكن الحديث الذي دل على اعتبار مسمى الغسلة يدل على خلطه بالماء، وإيصاله إلى المحل به، وذلك أمر زائد على مطلق التعفير، على تقدير شمول اسم التعفير للصورتين معاً؛ أعني: ذر التراب وإيصاله بالماء، فكان العمل به أولى، فلهذا اعتبرنا إيصاله بالماء إلى المحل، على المعتمد، ولا بد من استيعاب محل الولوغ بالتراب، والمذهب: يكفي مسحاً فيما يضر كالشاش دون غيره. الثالث: جزم علماؤنا بإقامة نحو الأُشنان مما له قوة الإزالة مقامَ التراب، لا غسلة ثامنة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "شرح عمدة الفقه": هذا أقوى الوجوه (٣)، وصححه في "التصحيح"، والمجد في "شرحه"، و"تصحيح

стр. 183

المحرر" (١)؛ لأن كلاً من الصابون والأشنان والنخالة أبلغ من التراب في الإزالة، فنصه على التراب تنبيهٌ عليها، ولأن التراب جامد أمر به في إزالة النجاسة، فأُلحقَ به ما يماثِلُهُ؛ كالحجر في الاستجمار. وقيل: لا يُجزئه؛ لأنه طهارة أمر فيها بالتراب، فلم يقم غيره مقامه؛ كالتيمم، ولأن الأمر به تعبد، فلا يقاس عليه غيره. وقال ابن حامد: إنما يجوز العدول إلى غير التراب عند عدمه، أو إفساد المحل المَغسول به، فأما مع وجوده وعدم الضرر، فلا (٢). الرابع: مثل الكلب الخنزيرُ والمتولَّدُ منهما، أو من أحدهما في ذلك على المذهب فعينُ هَؤلاءِ نَجِسة؛ خلافاً لمالك، فأما نجاسة عين الكلب، فلنجاسة ما ولغ فيه، فإذا ثبت نجاسة فمه من نجاسة لعابه، فإنه جزء من فمه، وفمه أشرف ما فيه، فبقية بدنه أولى كما أشرنا إليه آنفاً، و- أيضاً - إذا كان لعابه -وهو عَرَق فمه- نجساً، ففمه نجس؛ لأن العرق جزء متحلِّبٌ من الفم، فجميع عرقه نجس، فجميع بدنه نجس. وأما الخنزير، فقال الإمام أحمد: هو شرٌّ من الكلب (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] الرجس: النجس، قال الماوردي: الضمير في قوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ عائد على الخنزير؛ لكونه أقرب مذكور، ونازعه أبو حيانَ فقال: عائد على اللحم؛ لأنه إذا كان في الكلام مضاف ومضاف إليه، عاد الضمير إلى المضاف؛ لأن المضاف هو

стр. 184

المحدث عنه, والمضاف إليه وقع ذكره بطريق العرض، وهو تعريف المضاف أو تخصيصه (١). وما ذكره الماوردي أولى من حيث المعنى؛ لأن تحريم اللحم قد استفيد من قوله ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾، فلو عاد الضمير عليه، لزم خلو الكلام من فائدة التأسيس، فوجه عوده إلى الخنزير؛ ليفيد تحريمَ الشحم والكبد والطحال وسائر أجزائه. وقال القرطبي في تفسير سورة البقرة: ولا خلاف أن جملة الخنزير محرمة، إلا الشعر؛ فإنه يجوز الخرز به (٢). ونقل ابن المنذر الإجماعَ على نجاسته (٣)، ونقلُه الإجماعَ مخدوشٌ، فإن الإمام مالكاً يخالف فيه، نعم هو أسوأ حالاً من الكلب؛ فإنه يستحب قتله، ولا يجوز الانتفاع به في حالة، بخلاف الكلب. قال في "الفروع": المذهبُ: نجاسةُ كلبٍ وخنزيرٍ ومتولَّد من أحدهما؛ خلافاً لمالك، وعنه - أي: الإمام أحمد -: غير شعر، اختاره أبو بكر، وشيخنا -يعني: شيخ الإسلام-، وفاقاً لأبي حنيفة (٤). الخامس: خالف ظاهرَ هذا الحديث الحنفيةُ والمالكيةُ، فأما الحنفيةُ، فلم يقولوا بوجوب السبع، ولا التتريب، واعتذر الطحاوي منهم بأمور: منها: كون أبي هريرة راويه أفتى بثلاث غسلات، فثبت بذلك نسخُ السبع، وتُعقب بأنه يحتمل أن يكون أفتى بذلك لاعتقاده ندبية السبْع، أو أنه

стр. 185

نسي ما كان رواه، ومع الاحتمال لا يثبت نسخ، مع أنه قد ثبت عنه ﵁ أنه أفتى بالغسل سبعاً، ورواية من روى عنه موافقة فتباه أرجح من رواية من روى مخالفتها إسناداً ونظراً، أما النظر، فظاهر، وأما الإسناد، فالموافقة وردت من رواية حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن سيرين، عنه، وهذا من أصح الأسانيد، وأما المخالفة، فمن رواية عبدِ الملك بنِ أبي سليمان، عن عطاء، عنه، وهو دون الأول في القوة بكثير. ومنها: أن العَذِرة في النجاسة أشدُّ من سُؤْرِ الكلب، ولم تقيَّد بالسبع، فيكون الولوغُ كذلك بالأولى. وتُعُقِّبَ بأنه لا يلزم من كونها أشدَّ استقذاراً أن تكون أشدَّ في تغليظ الحكم، وبأنه قياس في مقابلة النص، وهو فاسدُ الاعتبار. ومنها: دعوى أن الأمر بذلك كان عند الأمر بقتل الكلاب، فلما نُهي عن قتلها، نُسِخَ الأمرُ بالغَسْلِ. وتعقب بأن الأمر بقتلها كان في أوائل الهجرة، والأمرَ بالغسلِ متأخرٌ جداً؛ لأنه من رواية أبي هريرة، وعبد الله بن مُغفلٍ، وقد ذكر ابن مُغَفلٍ أنه سمع النبي ﷺ يأمر بالغسل، وكان إسلامُه سنة سبعٍ، كأبي هريرة. ومنها: إلزامُ من يقول باعتبار السبعِ بإيجاب ثمان غسلات، عملاً بظاهر حديث ابن مغفلٍ، وهو في مسلم كما مر، ولفظه: "وعَفِّرُوهُ الثامِنَةَ في الترابِ"، وفي رواية الإمام أحمد: "بالتراب" (١). وأجيب بأنه لا يلزم من كونهم لا يقولون بظاهر حديث ابن مغفل أن تترك أنت وأصحابُك العمل بالحديث أصلاً ورأساً؛ لأن اعتقاد من يقول

стр. 186

بالسبع إن كان متجهاً، فذاك، وإلا، فكلٌّ ملومٌ في ترك العمل به، قاله ابن دقيق العيد (١). وقد اعتذر بعضهم عن العمل بمقتضاه بالإجماع على خلافه، ونظر فيه غير واحد؛ لأنه ثبت القول بذلك عن الحسن البصري، وهو مروي عن الإمام أحمد أيضاً من رواية حرب الكرماني عنه. قال في "الفروع": وتُغسلُ نجاسةُ كلبٍ، نص عليه؛ وفاقاً للشافعي، وقيل: ولوغه؛ وفاقاً لمالك تعبداً، سبعاً؛ وفاقاً لمالك والشافعي، وعنه: ثمانياً، انتهى (٢). قال الحافظ ابن حجر: ونُقل عن الشافعي أنه قال: هو حديث لم أقف على صحته، قال: ولكن هذا لا يثبت العذرَ لمن وقف على صحته. وجنح بعضُهم إلى ترجيح حديث أبي هريرة على حديث ابن مُغَفل، والترجيح لا يصار إليه مع إمكان الجمع، والأخذ بحديث ابن مغفل يستلزم الأخذ بحديث أبي هريرة، بلا عكس، وزيادة الثقة مقبولة، ولو سلكنا الترجيح في هذا الباب، لم نقل بالتتريب أصلاً؛ لأن رواية مالك بدونه أرجحُ من رواية مَنْ أثبتَه، ومع ذلك قلنا به؛ أخذاً بزيادة الثقة. وجمع بعضهم بين الحديثين بضرب من المجاز، فإنه لما كان التراب جنساً غير الماء، جعل اجتماعهما في المرة الواحدة معدوداً باثنتين، وتعقبه ابن دقيق العيد بأن قوله: "وعفروه الثامنة" ظاهر في كونها غسلة مستقلة،

стр. 187

لكن إن وقع التعفير في أوله قبل ورود الغسلات، كانت الغسلات ثمانية، ويكون إطلاقُ الغسلة على التتريب مجازاً (١)، وهذا الجمع من مرجحات كون التراب في الأولى (٢). فإن قلت: فقد روى الدارقطني من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً في الكلب يلغ في الإناء: "يغسله ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً" (٣). قلت: أجاب الحافظ ابن عبد الهادي في "تنقيح التحقيق" بأن الحديث تفرد به عبدُ الوهابِ بنُ الضحاك، قال الدارقطني: إنه متروكُ الحديث، وفيه إسماعيلُ بن عياش ضعيف، وقال أبو حاتم بنُ حِبان: لا يحتج بحديثه، وقد رواه الدارقطني عن أبي هريرة موقوفاً أنه قال: يغسل ثلاثاً، ثم قال: لم يروه غيرُ عبد الملك عن عطاء، والصحيحُ: سبع مرات، قال ابن الجوزي: وقد رفعه حسين الكرابيسي، قال: ولم يرفعه غيرُه، ولا يحتج بحديثه، انتهى (٤). قال الحافظ ابنُ عبدِ الهادي: حسينٌ الكرابيسيُّ فقيهٌ صاحبُ تصانيف، قال فيه الأزدي: ساقط لا يرجع إلى قوله، وقال الخطيب: حديثه يعز جداً؛ لأن الإمام أحمد كان يتكلم فيه بسبب مسألة اللفظ، قال ابن عدي في الكرابيسي: له كتب مصنفة، وذكر فيها اختلاف الناس من المسائل، وكان حافظاً لها، وذكر في كتبه أخباراً كثيرة، ولم أجد منكراً غير ما ذكرت من

стр. 188

الحديث -يعني: هذا-، قال ابن عدي: والذي حمل الإمامَ أحمدَ بنَ حنبلٍ عليه من أجل اللفظ في القرآن، فأما في الحديث، فلم أر به بأساً (١). وأما المالكية، فلم يقولوا بالتتريب أصلاً، مع إيجابهم السبْعَ على المشهور عندهم؛ لأن التتريب لم يقع في رواية مالك، وقد صحت فيه الأحاديث، فالعجب منهم كيف لم يقولوا بها، وعن مالك رواية أن الأمر بالتسبيع للندب، والمعروف عنده أنه للوجوب، لكنه للتعبد؛ لكون الكلب طاهراً عندهم، وعن مالك رواية: أنه نجس، لكن قاعدته أن الماء لا ينجس إلا بالتغير، فلم يجب التسبيع للنجاسة، بل للتعبد، ويرد عليهم قوله ﷺ في صدر هذا الحديث فيما رواه مسلم وغيره: "طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ"؛ لأن الطهارة تستعمل إما عن حدث أو خبث، ولا حدث على الإناء، فتعين الخبث. وأجابوا بمنع الحصر؛ لأن التيمم لا يرفع الحدث، وقد قيل: طهور المسلم، ولأن الطهارة تطلق على غير ذلك؛ كقوله - تعالى -: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقوله ﷺ : "السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ" (٢). والجواب عن الأول: بأن التيمم ناشىءٌ عن حدثٍ، فلما قام مقامَ ما يُطهر الحدث، سُمي طَهوراً، ومن يقول بأنه يرفع الحدث يمنع هذا الإيراد من أصله.

стр. 189

وعن الثاني: أن ألفاظ الشرع إذا دارت بين الحقيقة اللغوية والشرعية، حُملت على الشرعية، إلا إذا قام دليل على إرادة غيرها. قال الإمام المحقق ابنُ القيم في كتابه "بدائع الفوائد": من ادعى صرفَ لفظ عن ظاهره، وعين له مجازاً، لم يتم له ذلك إلا بعد أربع مقاماتٍ: أحدها: بيان امتناع إرادة الحقيقة. الثاني: بيان صلاحية اللفظ للمعنى الذي عينه، وإلا، لكان مفترياً على اللغة. الثالث: بيان تعيين ذلك المحمل، إن كان له عدة مجازاتٍ. الرابع: الجواب عن الدليل الموجب لإرادة الحقيقة، فما لم يقم بهذه الأمور، فدعواه صرف الكلام عن ظاهره باطلة. وإن ادعى مجرد صرف اللفظ عن ظاهره، ولم يعين محملاً، لزمه أمران: أحدهما: بيان الدليل الدال على امتناع إرادة الظاهر. الثاني: جوابه عن المعارض، انتهى (١). وادعى بعض المالكية: أن المأمورَ بالغسل من ولوغه: الكلبُ المنهيُّ عن اتخاذه، دون المأذون فيه. وهذا ساقطٌ؛ لأن اللام في "الكلب" للجنس، أو تعريف الماهية، وكلاهما يدل على عموم الكلاب. وفرق بعضهم بين الكلب البدوي والحضري.

стр. 190

وبعضهم قال: المراد بالكلب: الكَلِب، وكلها لا تفيد عند التحقيق فائدةً. وقد ثبت عن ابن عباس ﵄ التصريح بأن الغسل من ولوغ الكلب؛ لأنه رجسٌ، رواه محمد بن نصر المروزي، بإسنادٍ صحيحٍ (١)، ولم يصح عن أحدٍ من الصحابة خلافه. والمشهور عن المالكية أيضاً: التفرقة بين إناء الماء، فيراق ويغسل، وبين إناء الطعام، فيؤكل، ثم يُغسل الإناء تعبُّداً؛ لأن الأمر بالإراقة عام، فيخص الطعامُ منه بالنهي عن إضاعة المال. وعورض بأن النهي عن إضاعة المال مخصوصٌ بالأمر بالإراقة، ويترجح بالإجماع على إراقة ما يقع فيه النجاسة من قليل المائعات، ولو عظم ثمنه، فثبت تخصيص عموم النهي عن الإضاعة بخلاف الإراقة. وإذا ثبتت نجاسة سؤره، كان أعم من أن يكون لنجاسة عينه، أو لنجاسةٍ طارئةٍ. لكن الأول أرجحُ، إذ هو الأصل، ولأنه يلزم على الثاني مشاركة غيره له في الحكم، والله الموفق. * * *

стр. 191

الحديث السابع عن حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ ﵁ دَعَا بِوَضُوءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ إِنَائِهِ، فَغَسَلَهُما ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ في الوَضُوءِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ واسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاَثاً، ويَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ ثَلاثاً، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِه، ثُمَّ غَسَلَ كِلْتَا رِجْلَيْهِ ثَلاثاً، ثُمَّ قالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يتَوَضَّأُ نَحوَ وُضُوئِي هَذَا، وَقالَ: "مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" (١).

стр. 192

(عن حُمران) -بضم المهملة- بنِ أَبَانَ -بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة - بنِ خالدِ بنِ عمرِو بنِ عقيلِ بنِ كعبٍ، وهو ابن عم صُهيب -بضم الصاد المهملة وفتح الهاء- بنِ سنان -بكسر السين المهملة، وبالنون- (مولى)؛ أي: عتيقِ سيدِنا (عُثْمانَ بْنِ عَفَّانَ) ﵁. وكان حمران من سبي "عين التمر"، سباه خالد بن الوليد ﵁ أولَ خلافة عمر، أو خلافة أبي بكرٍ ﵄، على الخلاف في ذلك، فوجده غلاماً كيساً أحمر، فوجهه إلى عثمان ﵁، فأعتقه. وقيل: كان للمسيب بن بحينة، فابتاعه عثمان منه، وكان يهودياً، وهو أول من دخل المدينة من سبي المشرق. قال في شرح "الزهر البسام" (١): ويقال: إنه جد مالك بن أنس الإمام ﵁.

стр. 193

روى عن عثمان عند الشيخين. وروى عنه عروةُ بنُ الزبير، ومحمدُ بنُ المنكدر، وزيدُ بن أسلم، ثم تحول من المدينة لما غضب عليه مولاه عثمان ﵁، ونزل البصرة، فكان بها عيناً له، فلما قُتل مصعب، وثب، فأخذ البصرة، فادعى ولده أنهم من النَّمرِ بنِ قاسطٍ - بالقاف والسين المهملة -. قال ابن سعدٍ: ولم أرهم يحتجون بحديثه مع كثرته. قال قتادة: كان يصلي مع عثمان، فإذا أخطأ، فتح عليه، وكان كاتِبَه، ويأذنُ عليه. توفي سنة خمسٍ وسبعين (١). أخبر حمران - رحمه الله تعالى -: (أَنَّهُ رَأَى) مَوْلاهُ (عُثْمَانَ ﵁) ابنَ عفانَ بنِ أبي العاص. واسمه: الحارثُ بن أميةَ بنِ عبد شمسِ بنِ عبدِ منافٍ. كنيته: أبو عبد الله - على الراجح -. وقيل: أبو عمرٍو. قاله ابن عبد البر. قيل: وَلدتْ له رقيةُ بنتُ رسولِ الله ﷺ ابناً، فسماه: عبدَ الله، واكتنى

стр. 194

به، ومات، ثم وُلد له عمرٌو، فاكتنى به إلى أن مات. قال ابن الأثير: يقال: كان يُكْنى في الجاهلية: أبا عمرٍو، فلما وَلَدتْ له رقيةُ عبدَ الله، اكتنى به. وأم عثمان: أروى، وأمها: أم حكيمٍ البيضاءُ بنتُ عبد المطلب، عمةُ النبيِّ ﷺ . ويلقب عثمان بذي النورين. قيل للمهلب بن أبي صفرة: لِم قيل لعثمان: ذو النورين؟ قال: لأنه لم يُعلم أحد أُرسل ستراً على ابنتي نبي غيره، نقله ابن عبد البر، وابن الأثير. وقيل: لأنه ورُقيةَ كانا أحسنَ زوجين في الإسلام، فالنوران: نورُ نفسه، ونورُ رُقية. وأما ذو النور -بالإفراد-، فلقب للطفيل بنِ عمرٍو الدوسي، كما بيَّنتُهُ في السيرة. أسلم عثمان بن عفان ﵁ قديماً، على يد أبي بكر الصديق ﵁، قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم، وكان يقول: إني رابع أربعةٍ في الإسلام، وهاجر للحبشة فاراً بدينه مع زوجته رقية، وكان أول خارجٍ إليها، وتابعه سائر المهاجرين إلى الحبشة. وفي "مسند أبي يعلى الموصلى" مرفوعاً: "إن عُثمانَ لأولُ مَنْ هاجَرَ إلى أرضٍ بأهله بعدَ لوطٍ" (١).

стр. 195

ثم هاجر الهجرة الثانية إلى الحبشة، ثم إلى المدينة. ولما توفيت رقية [بعد] قفولِ النبيِّ ﷺ من وقعة بدرٍ الكبرى، زوَّجَهُ بنتَه الثانيةَ أمَّ كلثوم، فلما ماتت، قال له: "لو كانَ عندَنا ثالثةٌ لزوَّجْتُها عُثْمانَ" (١). وفي "ربيع الأبرار" للزمخشري: "لو كانَ عندي أَربعون بِنْتاً لزوَّجْتُكَهُنَّ واحدَةً واحدَةً حتَّى تأتيَ عليهنَّ يا عُثمان" (٢). وبايع عنه النبيُّ ﷺ في الحديبية بيساره؛ لأنه كان قد بعثه إلى مكة في حاجةٍ لا يقوم بها غيره. قال ابن عمر ﵄: يدُ رسولِ الله ﷺ لعثمانَ خيرٌ من يدِ عثمانَ لنفسه (٣). وله مناقب لا تُحصى، منها: تجهيز جيش العسرة، وجمعه القرآنَ، ووقفُه بئرَ رومةَ، وتوسعتُه مسجدَ رسولِ الله ﷺ ، وهو أحدُ السابقين الأولين، وأحد الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة الذين بالجنة مبشرين،

стр. 196

وأحد أصهار رسول الله ﷺ ، وله مناقب ومزايا كثيرةٌ، ذكرنا طرفاً منها في أثناء "معارج الأنوار" (١). بويع له بالخلافة بعد وفاة سيدنا عمر بثلاثة أيامٍ، يوم الجمعة غرة المحرم، فمكث خليفةً إحدى عشرة سنةً وأحد عشر شهراً وثلاثة عشر يوماً، ثم قُتل يوم الدار شهيداً، بعد أن حوصر في داره تسعةً وأربعين يوماً، أو شهرين وعشرين يوماً، وهو يومئذٍ صائمٌ. ويروى أنه كان المصحف بين يديه يقرأ فيه، فوقعت قطرةٌ أو قطراتٌ من دمه على قوله - تعالى -: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧]. واختلف فيمن باشر قتله: فقيل: لا يعرف، وقيل: الأسود النخشي من أهل مصر، وقيل غير ذلك، وكان يوم الجمعة لثمان عشرة من ذي الحجة. وقيل: يوم التروية سنة خمسٍ وثلاثين، وكان عمره يومئذٍ تسعين سنةً - كما اقتضاه ترجيح النووي في "تهذيب الأسماء واللغات". وحكى الواقدي الاتفاق على أن عمره يومئذٍ: اثنتان وثمانون، ورجحه ابن الصلاح، وقال الذهبي: نَيفٌ وثمانون. ودفن ليلة السبت في البقيع، في حُش كوكبٍ -بضم الحاء المهملة، أجودُ من كسرها، والشين المعجمة -، وهو بنيان لرجل من الأنصار يقال له: كوكب، وأُخفي قبره، وصَلى عليه: قيل الزبير، وقيل: حكيم بن حزامٍ، وقيل جبير بن مطعم.

стр. 197

روي له ﵁ عن رسول الله ﷺ مئة حديثٍ وستةٌ وأربعون حديثاً، اتفقا على ثلاثةٍ، وانفرد البخاري بثمانيةٍ، ومسلم بخمسةٍ (١). فمما اتفقا عليه هذا الحديث - وهو قول حمران: (أنه رأى) مولاه (عثمانَ) بن عفان ﵁ وقد (دعا) -أي: طلب- أن يؤتى (بوضوء) -بفتح الواو-: اسم للماء، و-بضمها -: اسم للفعل، على الأكثر الأشهر. قال ابن دقيق العيد: وإذا كان بفتح الواو اسماً للماء -كما ذكرنا-، فهل هو اسمٌ لمطلق الماء، أو للماء بقيد كونه يُتوضأ به، أو مُعداً للوضوء به؟ انتهى (٢). قال في "المطلع": الوُضوء -بضم الواو-: الفعل، و-بفتحها-: الماء المتوضَّأ به، هذا هو المشهور، وحُكي الفتح في الفعل، والضم في الماء، انتهى (٣). وتقدم في آخر الكلام على الحديث الثاني.

стр. 198

وقال في "شرح الوجيز": الوضوء -بالفتح-: الماء المتوضأ به، هذا المشهور عند أهل اللغة، انتهى. وفي "النهاية": الوضوء -بالفتح-: الماء الذي يتوضأ به؛ كالفَطور والسَّحور لِما يفطر عليه، ويُتسحر به، انتهى (١). فعلم أنه لا بقيد كونِه يُتوضأ به، فعلى الصحيح يُستدل على طهارة الماء المستعمل نحو قول جابر ﵁: فصبَّ عليَّ من وَضوئه (٢)؛ لأنه اسم للماء المتوضَّأ به دون مطلق الماء، ودون المُعَدِّ؛ لأنه يُتوضأ به، ولأنَّه وإن أطلق على المعد لأن يتوضأ به، فعلى سبيل المجاز، وأما المُتوضأ به، فعلى الحقيقة، والحملُ على الحقيقة أولى. (فأفرغ)؛ أي: صبَّ عثمانُ ﵁ (على يَدَيْهِ) -تثنية يدٍ- وأصلها: يَدَيٌ، فحذفت لامها. فيه استحبابُ غسل اليدين في ابتداء الوضوء ما لم يكن قائماً من نوم ليلٍ، فيجب - على ما تقدم -، وأن يتولى طهارته بنفسه من غير معينٍ؛ لما روي عن ابن عباس ﵄، قال: كان رسول الله ﷺ لا يَكِلُ طَهورَه إلى أحدٍ، ولا صدقته التي يَتصدَّق بها، يكون هو الذي يتولاها بنفسه. رواه ابن ماجه (٣).

стр. 199

ولأن السعي في العبادة عبادةٌ، فكان انتهازها بالفريضة أولى؛ لأن الثواب على قدر النَّصَب. روي عن الإمام أحمد ﵁: أنه قال: "ما أحبُّ أن يُعينني على وضوئي أحدٌ"؛ لأن عمر ﵁ قال ذلك (١). وتُباح المعونة، قاله في "الفروع"؛ اتفاقاً (٢)؛ لما في حديث المغيرة بن شعبة ﵁: أنه صبَّ الماءَ على رسول الله ﷺ وهو يتوضأ. متفقٌ عليه (٣). وفي رواية عندهما: دعا -أي: عثمان ﵁ بإناء، فأفرغ على يديه (٤). (من إِنائِهِ)؛ أي: الوعاء الذي كان به الماء المُعَدُّ لوضوئه، (فغسلهما)؛ أي: يديه. قد يؤخذ منه: أن الإفراغ عليهما معاً، وقد تبين في رواية أخرى: أنه أفرغ بيده اليمنى على اليسرى، ثم غسلهما (٥).

стр. 200

وظاهره: أنه غسلهما مجموعتين، ويحتمل: أو متفرقتين، وبالأول أخذ علماؤنا (ثلاثَ مرات)، وفي رواية أبي ذرٍّ وأبي الوقت: ثلاثَ مِرار (١). وفيه: غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء، وبيانٌ لما أهمل من ذكر العدد في حديث أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة المتقدم في قوله: "إذا استيقظَ أحدُكُمْ من نَوْمِهِ". وقد قدمنا أنه ورد في حديث أبي هريرة - أيضاً - ذكرُ العدد في "الصحيح" كما ذكره المصنف ﵀، (ثم) بعد غسل عثمان ﵁ كفيه ثلاث مراتٍ، (أدخلَ يَمينَهُ)؛ أي: يده اليمنى، (في الوَضُوءِ) و-بالفتح-يعني: في الماء الذي له. فيه: الاغتراف باليمين، وأنه لا يشترط لذلك نية الاغتراف. (ثم) أخرج بيمينه ماءً من الإناء (تَمَضْمَضَ) به، ولفظ المضمضة مشعرٌ بالتحريك، ومنه مضمض النعاسُ في عينيه، واستعمل في الوضوء؛ لتحريك الماء في الفم. قال ابن دُريد في "الجمهرة": مضمض الماءَ في فيه: إذا حركه، ومضمض النعاسُ في عينيه: إذا دَبَّ فيهما. ومنه قول الراجز: وَصَاحِبٍ نَبَّهْتُهُ لِيَنْهَضَا ... إِذَا الْكَرَى فِي عَيْنِهِ تَمَضْمَضَا (٢) ولفظة: "ثم" تقتضي الترتيب بين غسل اليدين والمضمضة. (واستنشَقَ) بالماء في منخريه.

стр. 201

وأصل الاستنشاق: إدخال الماء أو غيره في الأنف. وفي "النهاية": أن يبلغ الماء خياشيمَه، وهو من استنشاق الريح: إذا شممتها مع قوةٍ (١). قال علماؤنا: تسن المبالغة في المضمضة والاستنشاق إلا لصائمٍ، فتكره؛ وهي إدارة الماء إلى أقاصيهما، وتجزئ أدنى إدارةٍ، لا وضع الماء في فيه -بدون إدارته على المعتمد-، ولا يجعلها وجوراً وسعوطاً. نعم له بلعُه بعد الإدارة (٢). (و) بعد حصول الاستنشاق بالماء باجتذابه بنفَسه إلى أقصى الأنف (اسْتَنْثَرَ)، يقال: نثر يَنْثِر- بالكسر -: إذا امتخط، واستنثر: إذا استفعل منه؛ أي: استنشق الماء، ثم استخرج ما في الأنف، فَينْثِره، وقيل: هو من تحريك النَّثْرَة؛ وهي طرف الأنف (٣). وفيه: استحبابُ تقديم المضمضة على الاستنشاق، وعليه علماؤنا. تنبيهات: الأول: المعتمد من مذهبنا: وجوبُ المضمضة والاستنشاق، ويسميان: فرضين، فلا يسقطان سهواً، وسواء الطهارة الكبرى والصغرى؛ فإن الله سبحانه أمر بغسلٍ، وأطلق، وفسره النبيُّ ﷺ بفعله وتعليمه، ولم ينقل عنه ﷺ أنه أخل بذلك، مع اقتصاره على المجزئ؛ وهو الوضوء مرةً

стр. 202

مرةً، وقول: "هَذَا الوُضُوءُ الَّذِي لا يَقْبَلُ اللهُ الصَّلاةَ إِلاَّ بِهِ" (١)، وفعلُه ﷺ إذا خرج بياناً، كان حكمُه حكم ذلك المبين. وفي حديث عائشة عند الدارقطني: أن رسول الله ﷺ قال: "المَضْمَضُةُ والاسْتِنْشاقُ مِنَ الوُضُوءِ الَّذِي لا بُدَّ مِنْهُ" (٢). وفيه إرسالٌ ومقال. وفي حديث ابن عباسٍ ﵄ مرفوعاً: "المَضْمَضَةُ والاستنشاقُ من الوُضُوءِ الذي لا يَتِمُّ الوُضوءُ إِلَّا بِهِما" (٣). وفيه جابر الجعفي، وثقه سفيان الثوري وشعبة، والجمهور على تضعيفه. وفي حديث أبي هريرة ﵁، قال: أمر رسولُ الله ﷺ بالمضمضة والاستنشاق (٤)، حديثٌ ثابت. وفي حديث أبي هريرة المتَقدم في هذا الكتاب عند مسلم: عن رسول الله ﷺ ، قال: "إذا تَوَضَّأَ أحدُكم، فَلْيَسْتَنْشِق بِمَنْخِرَيْهِ منَ الماءِ، ثمَّ لْيَنْتَثِرْ". وقد رُوي عن عثمان بن عفان، وابن عباس، وسَلَمةَ بنِ قيسٍ، والمقدامِ بنِ معدي كربٍ، ووائلِ بنِ حجر.

стр. 203

وفي حديث لقيطِ بن صَبُرَةَ، قال: قلتُ: يا رسولَ الله! أخبرني عن الوضوء، قال: "أَسْبِغِ الوُضُوءَ، وخَلِّلْ بَيْنَ الأصابِعِ، وبالِغْ في الاستنشاقِ، إلا أَنْ تكونَ صائِماً" رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والنسائي، والترمذي، وقال: حسنٌ صحيحٌ، ورواه ابنُ خزيمة في "صحيحه"، والحاكم، وصححه (١)، وزاد أبو داود في بعض رواياته: "إذا توضأتَ فتمضمضْ" (٢). وعن علي ﵁: أنه دعا بوَضوء، فتمضمض واستنشق، ونثر بيده اليسرى، فعل هذا ثلاثاً، ثم قال: هذا طَهورُ نبيِّ الله ﷺ . رواه الإمام أحمد، والنسائي، والدارقطني (٣). وبوجوب المضمضة والاستنشاق في الطهارتين قال إسحاقُ بنُ راهويه، وأبو عبيدٍ، وأبو ثورٍ، وابن المنذر. ولأن الفم والأنف في حكم الظاهر، ألا ترى أن وضع الطعام واللبن والخمر فيهما لا يوجب فطراً، ولا ينشر حرمةً، ولا يوجب حداً، ويجب غَسلُ نجاسةٍ فيهما.

стр. 204

وإذا ورد الأمر بهما في الوضوء، وثبت فعلُهما وبيانُ حكمهما من فعلِه ﷺ ، وفعلِ مَنْ وصف وضوءه، ففي الغسل أولى؛ لأنه أعم وأسبغُ، وأقل مشقة؛ لعدمِ كثرةِ تكرارها. احتج من لم يوجبها بحديث أم سَلَمة: "إنما يكفيكِ ثلاثُ حَثَياتٍ" رواه مسلم (١)، ولم يذكرِ المضمضةَ والاستنشاقَ. وليس فيه حُجةٌ؛ لأن أم سَلَمة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله! إني امرأةٌ أشدُّ ضَفْرَ رأسي، أفأنقُضُه عند الغسلِ من الجنابةِ؟ فقال: "إنما يكفيكِ ثلاثُ حفناتٍ تَصُبينها على رأسِكِ" (٢)؛ لأنها إنما سألته عن كيفية غسل رأسها، فبين لها ذلك، ولم يذكر لها نية ولا غيرها، ثم إن الذي ذكرهما معه زيادة علمٍ، وزيادةُ الثقة مقبولةٌ. واحتجوا -أيضاً - بحديث ابن عباس ﵄ عند الدارقطني مرفوعاً: "المضمضةُ والاستنشاقُ سُنَّةٌ" (٣). وهذا حديثٌ لا يصح عن رسولِ الله ﷺ ، وفي سنده إسماعيل بن مسلم: ليس بشيءٍ، قاله يحيى، وقال ابنُ المديني: لا يكتب حديثه. وفيه القاسم بن غصن: قال ابن حبان: يروي المناكير عن المشاهير، ويقلب الإسناد.

стр. 205

وفيه -أيضاً - سويد: قال النسائي: ليس بثقةٍ (١). واحتجوا -أيضاً- بما رواه الترمذي: - وقال: حسنٌ صحيحٌ -من قوله- ﵇ للأعرابي: "تَوَضَّأْ كما أمركَ اللهُ" (٢)، فأحاله على الآية، وليس فيها ذكر المضمضة والاستنشاق. والجواب عن ذلك احتمال أن يراد بالأمر ما هو أعمُّ من آية الوضوء؛ فقد أمر الله باتباع نبيه ﷺ ، وهو المبيِّنُ عن الله أمرَه، ولم يحكِ أحدٌ ممن وصف وضوءه ﷺ على الاستقصاء أنه ترك المضمضة والاستنشاق. وفي "فتح الباري": ذكر ابنُ المنذر عن الشافعي: أنه لم يحتج على عدم وجوب الاستنشاق مع صحة الأمر به إلا لكونه لا يعلم خلافاً في أن تاركه لا يعيد (٣). وهذا دليلٌ فقهي؛ فإنه لا يحفظ ذلك من أحد من الصحابة ولا التابعين، إلا عن عطاءٍ، وذكر عنه أنه رجع عن إيجاب الإعادة، انتهى (٤). وقد علمت الأدلة الناصبة أو الظاهرة في الوجوب، فلا يعدل عنها لرأي فقيه، والله أعلم. الثاني: صفة المضمضة: إدارة الماء في الفم، والاستنشاق: اجتذاب

стр. 206

الماء بالنفس إلى باطن الأنف، ولا يجب إدارتُه في جميع الفم، ولا إيصالُه إلى جميع باطن الأنف، وإنما ذلك مبالغةٌ مستحبةٌ في حق غير الصائم. وإذا أداره في فيهِ، فهو مخيَّرٌ بعد ذلك بين مجِّهِ وبلعِهِ؛ لأن المقصود قد حصل به؛ فإن جعله في فيهِ ينوي الحدث الأصغر، ثم ذكر أنه جنب، فنوى رفع الحدثين، ارتفعا؛ لأنه لا يصير مستعملاً إلا بانفصاله عن العضو. ولو لبث الماء في فيهِ، فتحلل من ريقه ما غيره، لم يمنع؛ لأنه في محل التطهير أشبه ما لو تغير على عضوه. وإن شاء، تمضمض واستنشق ثلاثاً من غرفةٍ، وإن شاء من ست؛ لأن الذين وصفوا وضوء رسول الله ﷺ ذكروا فيه ذلك. ويستحب أن يتمضمض ويستنشق بيمينه، ويستنثر بشماله؛ لأن في حديث عثمان هذا ﵁ عند سعيد بن منصور: ثم غرف بيمينه، ثم رفعها إلى فيه، فمضمض واستنشق بكف واحدٍ، واستنثر بيساره، فعل ذلك ثلاثاً، ثم قال: إن النبي ﷺ توضأ لنا كما توضأتُ لكم، فمن كان سائلاً عن وضوء رسول الله ﷺ فهذا وضوءُه (١). الثالث: لم يذكر عثمان ﵁، ولا عبد الله بن زيد ﵄ في الحديث الآتي الإتيان بالتسمية في أول الوضوء، مع إيجابنا لذلك - على المعتمد -، ولم نوجب الاستنثار -على المعتمد-، مع وجوده في الحديث الصحيح. والجواب: أما عدم إيجابنا للاستنثار مع أنه صريحٌ في الأخبار؛ فلحديث أبي هريرة ﵁ كما في بعض الروايات: "مَنْ توضَّأَ

стр. 207

فليستنثرْ، من فعلَ، فقدْ أحسنَ، ومن لا، فلا حرج" (١). وأما وجوب التسمية: فهو أظهر الروايتين عن الإمام ﵁ (٢)، واختيار كثير من علماء المذهب، منهم: القاضي، وقدمها المجد وغيره، وهي من المفردات، ودليلها ما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا صلاةَ لمن لا وضوءَ له، ولا وضوءَ لمنْ لم يذكرِ اسمَ اللهِ عليه" (٣). ورواه الإمام أحمد وابن ماجه -أيضاً- من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ (٤). قال البخاري: أحسنُ حديثٍ في هذا الباب: حديثُ سعيدِ بنِ

стр. 208

زيدٍ (١)، ولفظه: "لا وُضوءَ لمنْ لم يذكُرِ اسمَ اللهِ عليهِ". وفي لفظٍ له كلفظ حديث أبي هريرة، رواه الدارقطني من طرقٍ، ورواه عبد الله بن الإمام أحمد، ورواه الترمذي (٢). وفي حديثِ عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يقوم إلى الوضوء، فيسمي الله . رواه الدارقطني، وغيره (٣). وقال الإمام أحمد: أحسن شيءٍ فيه: حديث أبي سعيدٍ الخدري (٤). وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثبت لنا أن النبي ﷺ قال: "لا وضوءَ لمن لم يُسَمِّ اللهَ" (٥). وقال الحاكم في حديث أبي هريرة: صحيح الإسناد (٦). قال الحافظ المنذري: وليس كما قال، وفي الباب أحاديث كثيرةٌ، لا يسلم منها شيءٌ بلا مقالٍ، وقد ذهب الحسن وإسحاق بن راهويه وأصحاب الظاهر إلى وجوب التسمية في الوضوء، حتى إنه إذا تعمد تركها، أعاد الوضوء، وهذا مذهبنا بلا ريب، وعنه: أنها سنة. قال الحافظ المنذري: ولا شك أن الأحاديث التي وردت فيها، وإن

стр. 209

كان لا يسلم شيءٌ منها عن مقالٍ، فإنها تتعاضد بكثرة طرقها، وتكتسب قوةً، والله أعلم (١). (ثُمَّ) بعد أن تمضمض، واستنشق واستنثر الماء من أنفه، (غَسَلَ) عثمانُ ﵁ (وَجْهَهُ). وقد ذكروا أن حِكْمَةَ تأخير غسل الوجه عن المضمضة والاستنشاق اعتبار أوصاف الماء؛ لأن اللون يُدرك بالبصر، والطعم يُدرك بالفم، والريحُ يدرك بالأنف؛ فقدمت المضمضة والاستنشاق قبل الوجه احتياطاً للعبادة. والوجه مشتقٌ من المواجهة. وقد اعتبر الفقهاء هذا الاستنشاق، وبنوا عليه أحكاماً كثيرةً. وحدُّه من منابت شعر الرأس المعتاد إلى ما انحدر من اللَّحْيَين طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً، وغسله واجبٌ بالنص والإجماع، أما النص: فقوله - تعالى -: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وكل من وصف وضوءه ﷺ ذكر أنه غسل وجهه. وأجمع المسلمون على وجوب غسله؛ واتفق إمامنا وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن والشافعي، وأكثر العلماء على ما ذكرنا من التحديد. وقال الإمام مالكٌ: البياض الذي بين العِذار والأذن ليس من الوجه في حق الملتحي، ولا يجب غسله؛ لأن المواجهة لا تقع به (٢).

стр. 210

ولنا: أنه بشرةٌ، لا شعرَ عليها، يجب غسلُها على الأمرد والمرأة، فكذلك على الملتحي كالخدين، وذلك لأ [ن] الوجوب في حقهما يدل على أنه من الوجه، فيدخل في مطلق النص. ويدل عليه قول الأصمعي والمفضل بن سلمة: ما جاوز وتد الأذن من العذار والعارضين من الوجه (١)، وهما من أهل اللغة، فيرجع إلى قولهما. وقال ابن عبد البر: لا أعلم أحداً من علماء الإسلام قال بقول مالكٍ (٢). ويستحب تعاهدُ هذا الموضع بالغسل؛ لأنه يغفل عنه الناس. قال المَرُّوذي: أراني أبو عبد الله ما بين أذنه وصدغه، فقال: هذا موضعٌ ينبغي أن يُتَعاهد. وهذا الموضع مفصل اللَّحْي في الوجه (٣). وكررَ عثمان ﵁: غسل وجهه (ثلاثاً)، وهو مسنون اتفاقاً، والواجب مرةً تعم محل الفرض؛ فقد ثبت أنه ﷺ توضأ مرةً مرةً (٤)، فدل على أنها هي الواجبة في الوضوء، وما زاد عليها فسنةٌ. قال صاحب "المحرر": الاقتصار على الغسلة الواحدة جائزٌ، والثانية أفضل، والثالثة أفضل منهما، وما زاد على الثلاثة منهيٌّ عنه (٥)؛ لِما روى الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، من حديث عمرِو بنِ

стр. 211

شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: جاء أعرابيٌّ إلى رسول الله ﷺ ، فسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثاً ثلاثاً، وقال: "هذا الوضوء، فمن زادَ على هذا، فقد أساءَ وتعدَّى وظلمَ" (١). أي: أساء الأدب الشرعي، وتعدّى ما حده الشارع، وظلم بإتلاف الماء في غير محله. ولا في كل غسلةٍ من الثلاث أن تعم العضو حتى تحسب غسلةً، فإن لم يعم إلا بغسلات لم تحسب إلا واحدةً. (و) غسل بعد وجهه (يَدَيْهِ) من رؤوس أنامله (إلى المِرْفَقَيْنِ) - تثنية مِرْفَق -بكسر الميم وفتح الفاء، ويجوز فتح الميم وكسر الفاء- (٢). واختلف العلماء في وجوب إدخالهما في الوضوء: فأكثرُ العلماء على وجوب ذلك؛ منهم عطاء، وأبو حنيفة، وصاحباه، ومالك، والشافعي، وإمامنا، وإسحاق، وغيرهم. وقال زفر، وداود، وبعض المالكية: لا يجب؛ لأن الله - تعالى - أمر بالغسل إليهما، وجعلهما غايةً بحرف "إلى"، وهو لانتهاء الغاية، فلا يدخل المذكور بعده فيه؛ كقوله - تعالى -: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. ولنا: أنها ترد بمعنى "مع"؛ كقوله - تعالى -: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى

стр. 212

قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢]؛ أي: مع قوتكم، وقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤]، ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]. فرجحنا هنا معنى: (مع)؛ لأنه أحوط، والوضوء عبادةٌ، فيحتاط لها، ولتيقُّنِ زوال الحدث بغسل المرفقين، إذ بدونه يشك في زواله، والأصل بقاؤه، ولأن اسم اليد قد يشمل جميعها إلى المنكب، فلما قال: "إلى المرفقين"، أخرج بعض ما تناوله لفظُ اليد، فهي في غاية للإخراج، والمتيقن خروجه ما فوق المرفقين، أما هما، فمشكوك في خروجهما، فيبقى تناول لفظ اليد لهما على الأصل. وهذا تحقيق قول المبرد: إذا كان الحد من جنس المحدود، دخل فيه، نحو: بعتُ هذا الثوبَ من هذا الطرف إلى هذا الطرف (١). ولِما روى جابر ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ إذا توضأ، أدار الماء على مرفقيه. رواه الدارقطني (٢). وفي حديث أبي هريرة ﵁: أنه توضأ، فغسل يده حتى أشرع في العضد، ورِجْلَه حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيتُ رسول الله ﷺ يتوضأ. رواه مسلم (٣). وفعله ﵊ في محل الإجمال يكون بياناً، لا يقال: فقد غسل ما فوق المرفق مع أنه ليس بواجب؛ لأنا نقول: إنا لم نثبت

стр. 213

الوجوب بفعله فقط، بل جعلناه مفسراً لمجمل الآية، وإجمالُها في المرفقين دونَ ما فوقَها، وضعف ابن دقيق العيد كونَها بمعنى "مع"؛ لأن "إلى" حقيقة في انتهاء الغاية، مجازٌ بمعنى "مع"، ولا إجمال في اللفظ بعد تبين حقيقته. قال: ويدل على أنها حقيقةٌ في انتهاء الغاية، كثرةُ نصوص أهل العربية على ذلك، ومن قال: إنها بمعنى "مع"، فلم ينص على أنها حقيقةٌ في ذلك، فيجوز أن يريد المجاز، انتهى (١). قال ابن عقيلٍ في "الواضح": "إلى" موضوعةٌ لانتهاء الغاية، نحو قولك: ركبتُ إلى زيد؛ وجئتُ إلى عمرٍو، وإن أريد به دخول الغاية في الكلام، فبدليلٍ يوجب ذلك غير "إلى"، نحو قوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، أريد به مع المرافق، بدليل غير الحرف، ولذلك لم يوجب قولُه: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] دخولَ الليل مع النهار (٢). ومثلُه قولُ ابن هشام في "مغني اللبيب" حيث قال: إنها تكون للمعية، إذا ضممت شيئاً إلى آخر. وبه قال الكوفيون، وجماعةٌ من البصريين في: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢]، وقولهم: الذَّوْدُ إلى الذَّوْدِ، ولا يجوز: إلى زيدٍ مالٌ، تريد: مع زيد (٣). قال: والحاصل: أن غسل اليدين مع المرفقين فرضٌ لازمٌ مرةً واحدةً

стр. 214

تعم سائرَ العضو حتى الأظفار، نعم يُعفى عندنا عن وسخٍ يسيرٍ تحت ظفرٍ ونحوه. وكررَ سيدنا عثمان ﵁ غسل يديه (ثلاثاً)؛ لأنه سنة، كما مر. وفي روايةٍ: فقدم اليمنى على اليسرى، ولفظه كما في "الصحيحين": ثم غسلَ يَده اليمنى إلى المِرْفَقِ، ثم غسلَ يدَه اليسرى مثلَ ذلك (١). (ثم) بعد ذلك، (مَسَحَ) ﵁ (برأسِهِ)، وحذفت الباء في بعض الروايات من "رأسه"، في كل من "الصحيحين"، والكثير المشهور إثباتها؛ موافقة للفظ الآية، وليس في شيءٍ من طرق هذا الحديث في "الصحيحين" ذكر عدد المسح، وبه قال أكثر العلماء. قال في "الفروع": ثم يمسح رأسه -وهو فرضٌ إجماعاً-، ويجب مسح ظاهره كله وفاقاً لمالك، ولا يستحب تكرار المسح، وعنه: بلى؛ وفاقاً للشافعي، ونصره أبو الخطاب وابن الجوزي (٢). والصحيح من المذهب: لا يستحب ذلك. قال الحافظ ابن حجر: في "الفتح": قال الشافعي: يستحب التثليث في المسح، كما في الغسل، واستدل له بظاهر روايةِ مسلمٍ: أن النبي ﷺ توضأ ثلاثاً ثلاثاً (٣). وأُجيب: بأنه مجمل تبين في الروايات الصحيحة؛ أن المسح لم يتكرر، ويحمل على الغالب، أو يخص بالمغسول.

стр. 215

قال أبو داود في "السنن": أحاديثُ عثمان الصحاح كلها تدل على مسح الرأس مرة واحدة (١)، وكذا قال ابن المنذر: أن الثابت عن النبي ﷺ مرةٌ واحدةٌ تُمسح (٢)؛ وبأن المسح مبني على التخفيف، فلا يقاس على الغسل؛ إذ المراد منه: المبالغة في الإسباغ، وبأن العدد لو اعتبر في المسح، لصار في صورة الغسل؛ إذ حقيقة الغسل جريان الماء، والدلك ليس بمشترطٍ - على الصحيح - عند أكثر العلماء، وبالغ أبو عبيدٍ؛ فقال: لا نعلمُ أحداً من السلف استحب تثليث مسح الرأس، إلا إبراهيم التيمي. قال الحافظ ابن حجر: وفيما قال نظرٌ؛ فقد نقله ابن أبي شيبة وابنُ المنذر عن أنسٍ، وعطاء، وغيرهما، وقد روى أبو داود من وجهين صحح أحدهما ابنُ خزيمة وغيره، في حديث عثمان تثليثَ مسح الرأس، والزيادةُ من الثقة مقبولةٌ، انتهى (٣). قلت: صرّح في حديث علي ﵁ بالمرة، وهو ما رواه الترمذي، وصححه عن أبي حيَّة، قال: رأيت علياً توضأ، فغسل كفيه، ثم تمضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وذراعيه ثلاثاً، ومسح برأسه مرةً، ثم غسل قدميه، ثم قال: أحببتُ أن أريكم كيف كان طهور رسول الله ﷺ (٤).
следующие страницы →