← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

الأرض والسماء، فيقولون: نؤمن كما أخبر، وكما جاء في الأثر، لا كما يخطر للبشر. وأما علماء الخلف من المؤولين، فيقولون: يراد من الغيرة: غايتها، وهو شدة المنع والحماية من الشيء؛ لأن الغائر على الشيء مانع له، وحامٍ منه؛ فالمنع والحماية من لوازم الغيرة (١). وأصل الغيرة: الحمية والأنفة، كما في "النهاية" (٢)، انتهى. وهذا في جانب المخلوق، وأما في الخالق، فليس هي كذلك؛ كما أن قدرة المخلوق وإرادته ليست كقدرة الخالق وإرادته. والحاصل: أن علماء السلف يسلمون، وعلماء الخلف يؤولون، ولا ريب أن السلامة في التسليم، واللَّه أعلم. (يا أمة محمد! واللَّه!) فيه: مشروعية الحلف، ولا سيما على الأمر المهول، وإن لم يستحلف (لو تعلمون) أنتم (ما أعلم) أنا من أهوال الآخرة، والجنة، والنار، وما أعد اللَّه لأهل الجنان من النعيم، ولأهل النيران من العذاب الأليم، وتعلمون من عظمة اللَّه وجلاله، وشدة بطشه وانتقامه من أعدائه وأهل معصيته، وعظيم كرمه ورحمته وإحسانه لأوليائه وأهل طاعته، (لضحكتم قليلًا) من فظاعة أمر العذاب والانتقام، وجزالة الثواب والإنعام (ولبكيتم كثيرًا). في هذا دليل على غلبة الخوف، وترجيح التخولف في الموعظة على الإشاعة بالرخص؛ لما في ذلك من التسبب إلى تسامح النفوس؛ لما جبلت

стр. 1507

عليه من الإخلاد إلى الشهوات، وذلك مرضها الخطر، والطبيب الحاذق يقابل العلة بضدها، لا بما يزيدها (١). (وفي لفظ) من حديث عائشة ﵂ عندهما: (فاستكمل) تعني: النبي ﷺ (أربع ركعات) أطلقت الركعات على عدد الركوع، وقد تقدم حديثها: فصلى أربع ركعات في ركعتين؛ أي: أربع ركوعات، (وأربع سجدات)؛ أي: في ركعتين، وهذا هو معنى الصفة التي قدمنا. قال في "شرح المقنع": الأولى عند أبي عبد اللَّه -يعني: الإمام أحمد- الصلاةُ على الصفة التي ذكرنا، واحتج: بأنه روي عن ابن عباس، وعائشة ﵃ في صلاة الكسوف: أربع ركعات، وأربع سجدات (٢). قال: وأما علي ﵁، فيقول: ست؛ أي: ست ركوعات، وأربع سجدات، فذهب إلى قول ابن عباس، وعائشة. وقد روي عن ابن عباس ﵄: أنه صلى ست ركعات وأربع سجدات (٣)، وعن عائشة: أنه ﷺ صلى ست ركعات، وأربع سجدات. رواه مسلم (٤). وروي عنه ﷺ : أنه صلى أربع ركعات، وسجدتين في كل ركعة. رواه مسلم (٥).

стр. 1508

تنبيهات: الأول: قد قدمنا أن صلاة الكسوف سنة مؤكدة عند ذهاب ضوء أحد النيرين، أو بعضه، حضرًا وسفرًا، حتى للنساء والصبيان حضورها، ويندب الغسل لها، ونفلها جماعة في المسجد الذي تقام فيه الجمعة أفضل (١)؛ لما في حديث أسماء: ثم جئت فدخلت المسجد، فرأيت رسول اللَّه ﷺ قائمًا، فقمت معه. الحديث متفق عليه (٢). وفي حديث عائشة: فخرجت في نسوة بين ظهري الحجر في المسجد، فأتى النبي ﷺ حتى انتهى إلى مصلاه الذي كان يصلي فيه، فقام، وقام الناس وراءه الحديث متفق عليه -أيضًا- (٣). وتقدم في حديث عائشة في "الصحيحين": فخرج رسول اللَّه ﷺ إلى المسجد ... ، الحديث (٤). الثاني: يجوز فعل صلاة الكسوف على كل صفة وردت، إن شاء أتى في كل ركعة بركوعين، وهو الأفضل، وإن شاء بثلاث، أو أربع، أو خمس (٥). ولا يزيد على خمس ركوعات في الركعة الواحدة؛ لأنه لم يرد به نص، والقياس لا يقتضيه، وأما الخمس، فقد روى أبو داود في "سننه" من حديث أبي بن كعب ﵁، قال: "انكسفت الشمس على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وأن رسول اللَّه ﷺ صلى بهم؛ فقرأ سورة من الطول، وركع

стр. 1509

خمس ركعات، وسجد سجدتين، ثم قام الثانية فقرأ سورة من الطول، وركع خمس ركعات، وسجد سجدتين، وجلس كما هو مستقبل القبلة يدعو حتى انجلى كسوفها (١). وإن شاء فعلها كنافلة بركوع واحد (٢). وأما السجود: فلا يزيد على سجدتين في كل ركعة؛ لأنه لم يرد. وإذا تعدد منه الركوع، ففي كل رفع منه يقرأ الفاتحة وسورة، إلّا الرفع الذي يهوي منه إلى السجود، فلا يطيله، ولا يقرأ فيه فاتحة الكتاب، ولا غيرها، بل الذكر المشروع من التسميع والتحميد، وما بعد الركوع الأول سنة لا تدرك به الركعة على معتمد المذهب؛ خلافًا لمالك (٣). الثالث: يسن الجهر بقراءة فيها، ولو في كسوف الشمس، خلافًا للثلاثة (٤)، وفي حديث عائشة في "الصحيحين": أن النبي ﷺ جهر في صلاة الخسوف بقراءته (٥). قال في "تنقيح التحقيق": يسن الجهر فيها بالقراءة، وبه قال أبو يوسف، ومحمد، خلافًا لأكثرهم، ثم ذكر حديث عائشة عند أبي داود، والحاكم، وقال: على شرطهما: أن رسول اللَّه ﷺ قرأ قراءة طويلة يجهر بها -يعني: في صلاة الكسوف (٦) -.

стр. 1510

الرابع: قال أبو حنيفة: صفة صلاة الكسوف كصلاة النافلة، من غير تعدد ركوع في كل ركعة، ولا سجود، والأحاديث الصحيحة صريحة بخلاف قوله، واعتذر عن الأحاديث الثابتة المثبتة للتعدد: بأن النبي ﷺ كان يرفع رأسه ليختبر حال الشمس، هل انجلت أم لا؟ فلما لم يرها انجلت، ركع، وفي هذا التأويل ضعف؛ لأن كل من وصف صلاته ﷺ وصف رفعه بالطول والقراءة، وهذا يخالف التأويل المذكور (١). الخامس: لا تصلى في وقت نهي على معتمد المذهب، بل يدعو اللَّه ويذكره (٢). وقال شيخ الإسلام: بل تصلى؛ لأن عنده وقت النهي لا يمنع ذات السبب (٣)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1511

الحديث الرابع عَنْ أَبي مُوسَى ﵁، قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ في زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَامَ فَزِعًا يَخْشَى أن تكُونَ السَّاعَةُ حَتَّى أَتَى المَسْجِدَ، فَقَامَ، فَصَلَّى بأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ ما رَأيتُهُ يَفْعَلُهَ في صَلاةٍ قَطُّ، ثُمَّ قَالَ: "إِن هَذِهِ الآياتِ الَّتِي يُرْسِلُهَا اللَّهُ لا تكُونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُرْسِلُهَا يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ، فَإذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا، فَافْزَعُوا إلَى ذِكْرِ اللَّه وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَاره" (١). * * * (عن أبي موسى) عبد اللَّه بن قيس الأشعري (﵁) تقدمت ترجمته في باب السواك.

стр. 1512

(قال: خسفت الشمس) استعمل الخسوف في الشمس -كما تقدم- (في زمان رسول اللَّه ﷺ )، أي: في وقت حياته، (فقام فزعًا) الفزع: الخوف (يخشى) ﷺ ، أي: يخاف (أن تكون الساعة) العظمى؛ أي: القيامة، وذلك أنه ﷺ كان لم يزل يديم المراقبة، ويخشى أن تبغته الساعة؛ لأنها تأتي بغتة؛ فإذا حصل تغير في بعض العلويات، تخوف أن يكون أمام انتقاض انتظام هذا العالم، أو من مقدمات نزول عذاب وانتقام، كل ذلك من دوام المراقبة لفعل اللَّه، وتجريد الأسباب العادية عن تأثيرها في مسبباتها؛ فينبغي الاقتداء بسنته، والنهج على طريقته من الخوف عند وقوع التغيرات العلوية. فإن قلت: قد ذكر أصحاب الحساب من المنجمين لكسوف الشمس والقمر أسبابًا عادية، حتى إنهم يخبرون: بأنه يحصل الكسوف للشمس أو القمر في الزمن الفلاني، فيقع على وفق ما أخبروا؟! وقد قال ابن هبيرة: ما يدعيه المنجمون من أنهم يعرفون ذلك -أي: الكسوف- قبل كونه، من طريق الحساب، فلا يختص بهم دون غيرهم ممن يعرف الحساب، بل هو مما إذا حسبه الحاسب عرفه، وليس مما يدل على أنهم يختصون فيه، مما يجعلونه حجة في دعواهم على الغيب مما تفرد اللَّه سبحانه بعلمه؛ فإنه لا دلالة لهم على ذلك، ولا فيما تعلقوا به من هذا الاحتجاج على ما أرهجوا به، انتهى (١). وإذا كان ذلك بأسباب عادية، من حيلولة كورة الأرض بين الشمس والقمر، أو بين الشمس وما يكسفها، فقد يعتقد معتقد أن ذلك ينافي قوله: يخشى أن تكون الساعة، وكذا ينافي قوله ﷺ : "يخوف بهما"؛ أي: بكسوف الشمس والقمر - "عباده".

стр. 1513

قلت: هذا اعتقاد فاسد، ووهم باطل، لأن للَّه تعالى أفعالًا على حسب الأسباب العادية، وأفعالًا خارجة عن تلك الأسباب؛ فإن قدرته تعالى حاكمة على كل سبب ومسبب، فيقتطع ما شاء من الأسباب والمسببات بعضها عن بعض، ويخلفها عنها. وإذا كان كذلك، فأصحاب المراقبة للَّه تعالى ولأفعاله الذين عقدوا بصائر قلوبهم بوحدانيته، وعموم قدرته، على خرق العادة، واقتطاع المسببات عن أسبابها بعضها عن بعض، إذا وقع شيء غريب حدث عندهم الخوف؛ لقوة اعتقادهم في فعل اللَّه تعالى ما شاء، وذلك لا يمنع أن يكون ثم أسباب تجري عليها العادة، إلى أن يشاء اللَّه تعالى خرقها؛ ولهذا كان النبي ﷺ عند اشتداد هبوب الريح يتغير، ويدخل ويخرج، خشية أن تكون كريح عاد، وإن كان هبوب الريح موجودًا في العادة (١). والمقصود: أن ما ذكره أهل الحساب؛ من أن سبب الكسوف حيلولة كورة الأرض، لا ينافي كون ذلك مخوفًا لعباد اللَّه تعالى. وفي "مختصر الفتاوى المصرية": وحديث الكسوف حيث أخبر: "أن اللَّه يخوف بهما عباده، وأنهما لا يخسفان لموت أحد، ولا لحياته"، وإن كان موت بعض الناس قد يقتضي حدوث أمر في السموات؛ كما في الصحاح: "أن عرش الرحمن اهتز لموت سعد بن معاذ" (٢). قال: وأما كون الكسوف، أو غيره قد يكون سببًا لحادث في الأرض؛

стр. 1514

من عذاب يقتضي موتًا أو غيره؛ فهذا قد أثبته الحديث. قال: ولا ينافي ذلك كون الكسوف له وقت محدود، أن يكون عند أجله يجعله اللَّه سببًا لما يقتضيه من عذاب أو غيره؛ كما أن تعذيبه لمن عذبه بالريح الشديدة، كان في الوقت المناسب، وهو آخر الشتاء، وكان النبي ﷺ إذا رأى مخيلة؛ وهو السحاب الذي يخال فيه المطر، أقبل وأدبر، وتغير وجهه، فقالت له عائشة: إن الناس إذا رأوه استبشروا، فقال: "وما يؤمنِّي؟! قد رأى قوم عاد العذاب، فقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ (١)، قال اللَّه تعالى-: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤]. قال: وكذلك الأوقات التي تنزل فيها الرحمة، كالعشر الآخِر من رمضان، والأول من ذي الحجة، وجوف الليل، وغير ذلك، هي أوقات محدودة، وينزل فيها من الرحمة ما لا ينزل في غيرها، انتهى (٢). (حتى أتى المسجد) النبوي. فيه: دليل لما قدمناه؛ بأن المندوب كون صلاة الكسوف في المسجد الذي يصلى فيه الجمعة، لا في الصحراء كصلاة العيد، (فقام) في مقامه الذي كان يصلي فيه من مسجده، (فصلى) فيه (بأطول قيام)؛ لطول القراءة فيه، (و) أطول (ركوع)؛ لطول التسبيح فيه، (و) أطول (سجود)؛ لطول التسبيح أيضًا فيه، وفيه: دليل على تطويل السجود في هذه الصلاة -كما قدمنا-، ولذا قال أبو موسى ﵁: (ما رأيته) ﷺ (يفعله في صلاة) من الصلوات المكتوبة، ولا غيرها من النوافل (قط)؛ لما مر من

стр. 1515

تطويل القيام بالقراءة، والركوع، والسجود، بالذكر والتسبيح. (ثم قال) ﷺ بعد فراغه من صلاة الكسوف: (إن هذه الآيات التي يرسلها اللَّه) تعالى (لا تكون لـ) أجل (موت أحد) من الخلق، (ولا لحياته) كما مر، فآيات اللَّه لا يحصيها إلّا هو؛ فالمطر، والنبات، والحيوان، والليل والنهار، والبر والبحر، والجبال والشجر، وسائر المخلوقات، آياته تعالى الدالة عليه، وهي في كتابه مذكورة، فأخبر ﷺ : "أن الشمس والقمر آيتان" كما تقدم، لا رَبَّان، ولا إلهان، ولا ينفعان، ولا يضران، ولا لهما تصرف في أنفسهما وذواتهما ألبتة، فضلًا عن إعطائهما كل ما في العالم؛ من خير أو شر، وصلاح وفساد (١)، كما يزعمه المفترون الملحدون، الذين هم لإلهية الباري -جل شأنه- جاحدون، ولباهر قدرته وظاهر جبروته منكرون. (ولكن اللَّه يرسلها)؛ أي: الآيات المهولة على خلاف العادة الجادة المستمرة (يخوف بها عباده)؛ لما يظهره فيهما من انمحاق نورهما، وتغير حالهما المعهود؛ إشارة إلى غضبه تعالى بارتكاب العباد المعاصي والذنوب. (فإذا رأيتم منها)؛ أي: الآيات التي يشعر وجودها على خلاف العادة، بغضب الجبار -جل شأنه-؛ لأجل تخويف العباد (شيئًا) من الكسوف الشمسي، أو الخسوف القمري، أو غيرهما، (فافزعوا) مبادرين إلى ما أمر به النبي ﷺ ؛ من الالتجاء إلى اللَّه تعالى عند المخاوف، لتأمنوا من ذلك، وإنما يحصل ذلك بالالتجاء والمبادرة (٢).

стр. 1516

(إلى ذكر اللَّه) ، فإنه منجاة من العذاب، وفي حديث ابن عمر [و] عند ابن أبي الدنيا والبيهقي، مرفوعًا: "ما من شيء أنجى من عذاب اللَّه من ذكر اللَّه" (١). وفي حديث جابر عند الطبراني، مرفوعًا، برجال الصحيح: "ما عمل آدمي عملًا أنجى له من العذاب من ذكر اللَّه" (٢). قال الإمام ابن القيم في كتابه "الكلم الطيب": بذكر اللَّه يسهل الصعب، وييسر العسير، ويخفف المشاق؛ فما ذكر اللَّه على صعب إلّا هان، ولا عسير إلّا تيسر، ولا مشقة إلّا خفت، ولا شدة إلّا زالت، ولا كربة إلّا انفرجت؛ فذكر اللَّه هو الفرج بعد الشدة، واليسر بعد العسر، والفرج بعد الهم والغم، وهو يذهب عن القلب مخاوفه كلها، وله تأثير عجيب في حصول الأمن؛ فليس للخائف الذي قد اشتد خوفه أنفعُ من ذكر اللَّه، فإنه بحسب ذكره يجد الأمن، ويزول خوفه، حتى كأن المخاوف التي يحذرها أمان له، والغافل خائف مع أمنه، حتى كأن ما هو فيه من الأمن كله مخاوف، انتهى (٣). (و) افزعوا إلى (دعائه) تعالى (واستغفاره) فالاستغفار والتوبة: سببان للمحو يرجى بهما زوال المخاوف (٤)، وفي حديث ابن عباس ﵄، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من لزم الاستغفار، جعل اللَّه له من

стр. 1517

كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب" رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد (١). وفي حديث أبي هريرة، عند الترمذي، والحاكم، مرفوعًا: "من سره أن يستجيب اللَّه له عند الشدائد، فليكثر من الدعاء في الرخاء" (٢). وفي حديث سلمان الفارسي ﵁ عند الترمذي، وحسنه: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يرد القضاءَ إلّا الدعاء" (٣). وفي حديث عائشة، عند البزار، والطبراني، والحاكم وصححه: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يغني حذر من القدر، والدعاء ينفع مما نزل، ومما لم ينزل" (٤)، واللَّه أعلم. تنبيه: قال في "الفروع": قيل: لا يتصور كسوف الشمس إلّا في ثامن وعشرين، أو تاسع وعشرين، ولا خسوف القمر إلّا في إبداره. قال: واختاره شيخنا -يعني: شيخ الإسلام ابن تيمية روح اللَّه روحه-.

стр. 1518

قال: ورُدَّ بوقوعه في غيره، فذكر أبو شامة الشافعي في "تاريخه": أن القمر خسف ليلة السادس عشر من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وست مئة، وكسفت الشمس في غده، واللَّه على كل شيء قدير، قال: واتضح بذلك ما صوره الشافعي من اجتماع الكسوف والعيد، واستبعده أهل النِّجامة، انتهى كلام أبي شامة (١). قال في "الفروع": وكسفت الشمس يوم موت إبراهيم بن النبي ﷺ عاشر شهر ربيع الأول، قاله غير واحد، وذكره بعض أصحابنا، اتفاقًا. قال في "الفصول": لا يختلف النقل في ذلك، نقله الواقدي، والزبيري، وأن الفقهاء فرعوا، وبنوا على ذلك: إذا اتفق عيد وكسوف. وقال غيره: لا سيما إذا اقتربت الساعة، فتطلع من مغربها، انتهى (٢). وفي "مختصر فتاوى شيخ الإسلام المصرية": الكسوف والخسوف لهما أوقات مقدرة؛ كما لطلوع الهلال وقت مقدر، وذلك مما أجرى اللَّه سبحانه عادته بالليل والنهار، والشتاء والصيف، وسائر ما يتبع جريان الشمس والقمر، وذلك من آيات اللَّه؛ فكما أن العادة أن الهلال لا يستهل إلّا ليلة الثلاثين، وأن الشهر لا يكون إلّا ثلاثين، أو تسعة وعشرين، فكذلك أجرى اللَّه العادة أن الشمس لا تكسف إلّا وقت الاستسرار، وأن القمر لا يخسف إلّا وقت الإبدار، ومن قال من الفقهاء: إن الشمس تكسف في غير وقت الاستسرار، فقد غلط، وقال ما ليس له به علم. قال: وما روي عن الواقدي من ذكره: أن إبراهيم بن النبي ﷺ مات يوم

стр. 1519

العاشر، وهو اليوم الذي كسفت فيه الشمس، غلط، والواقدي لا يحتج بمسانيده، فكيف بمراسيله؟! وهذا فيما لم يكن به خطأ، وأما هذا، فهو خطأ قطعًا. قال: وأما ما ذكره الفقهاء من اجتماع صلاة العيد والكسوف، فذكروه في ضمن كلامهم فيما إذا اجتمع صلاة الكسوف وغيرها من الصلوات؛ فذكروا صلاة الوتر، والظهر، وذكروا العيد، مع عدم استحضارهم هل ذلك ممكن أم لا؟ وبكل حال المخبر بذلك قد يكون غالطًا، أو ناسيًا، واللَّه أعلم (١). * * *

стр. 1520

باب صلاة الاستسقاء هو استفعال من السُّقيا، قال القاضي عياض: الاستسقاء: الدعاء بطلب السقيا (١)؛ فكأنه يقول: باب الصلاة لأجل طلب السقيا، انتهى (٢). وهي عند الحاجة إليها سنة مؤكدة؛ لأن النبي ﷺ فعلها، وكذلك خلفاؤه؛ وهذا قول سعيد بن المسيب، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وداود، وهو مذهب جمهور الفقهاء. وقال أبو حنيفة: لا تسن صلاة الاستسقاء، ولا الخروج لها؛ لأن النبي ﷺ استسقى على المنبر يوم الجمعة، ولم يخرج، ولم يصل لها. وليس هذا بشيء (٣)؛ لما سنذكره من الأحاديث الصحيحة الصريحة. وذكر الحافظ في هذا الباب حديثين. * * *

стр. 1521

الحديث الأول عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ المازِنِيِّ ﵁، قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَسْقِي، فَتَوَجَّهَ إِلَى القِبْلَةِ يَدْعُو، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، جَهَرَ فِيهِمَا بالقِرَاءَةِ (١). وفي لَفْظٍ: إلى المُصَلَّى (٢).

стр. 1522

(عن) أبي محمد (عبد اللَّه بن زيد بن عاصم المازني ﵁) وهو خال عباد بن تميم، ويعرف بابن أم عمارة، وهي نسيبة، ويقال: إنه الذي قتل مسيلمة الكذاب، تقدمت ترجمته في الوضوء. (قال: خرج رسول اللَّه ﷺ يستسقي)؛ أي: يطلب السقيا، ففيه: أن السنة في صلاة الاستسقاء البروز إلى المصلى (١). (فتوجه إلى القبلة يدعو). فيه: استحباب استقبال القبلة عند الدعاء، وفي لفظ من حديث عبد اللَّه بن زيد ﵁: فحول إلى الناس ظهره، واستقبل القبلة يدعو (٢)، (وحول) النبي ﷺ (رداءه)، فيستحب: أن

стр. 1523

يحول رداءه حال استقبال القبلة، وفي لفظ لمسلم: فحول رداءه حين استقبل القبلة (١)، فيستحب التحويل للإمام والمأموم، في قول أكثر أهل العلم. وحكي عن سعيد بن المسيب، وعروة، والثوري: أن التحويل مختص بالإمام، وهو قول الليث، وأبي يوسف، ومحمد؛ لأنه إنما نقل عن النبي ﷺ دون أصحابه. وقال أبو حنيفة: لا يسن التحويل لهما؛ لأنه دعاء، فلا يستحب تحويل الرداء فيه كسائر الأدعية. والحديث الصحيح الصريح قد جاء بالتحويل، فلا يعدل عنه (٢). قال في "مختصر الفتاوى المصرية": تحويل الرداء ليتحول القحط عن الناس. قال في "شرح المقنع": قد فعله النبي ﷺ ، وما فعله ثبت في حق أصحابه، ما لم يقم دليل على اختصاصه به، كيف وقد عقل المعنى في ذلك؟! وهو التفاؤل بقلب الرداء؛ ليقلب اللَّه ما بهم من الجدب إلى الخصب، وقد جاء ذلك في بعض الأحاديث. وفي لفظ في حديث عبد اللَّه بن زيد، عند الإمام أحمد: أنه ﷺ تحول إلى القبلة، وحول رداءه، فقلبه ظهرًا لبطن، وتحول الناس معه (٣)، فصفة القلب: أن يجعل ما على اليمين على اليسار، وما على اليسار على اليمين،

стр. 1524

روي ذلك عن أبان بن عثمان، وعمر بن عبد العزيز، وهشام بن إسماعيل، وأبي بكر بن محمد بن حزم. وقال الشافعي: يجعل أعلاه أسفله، قال: لأن النبي ﷺ استسقى وعليه خميصة سوداء، فأراد أن يجعل أسفلها أعلاها، فلما ثقلت عليه، جعل العطاف الذي على الأيسر على عاتقه الأيمن، والذي على الأيمن على عاتقه الأيسر. رواه أبو داود (١). ولنا: ما في حديث عبد اللَّه بن زيد: أن النبي ﷺ حول عطافه، فجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر، وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن. رواه أبو داود (٢). وفي حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قلب رداءه، فجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن. رواه الإمام أحمد، وابن ماجه (٣). والزيادة التي نقلوها -إن ثبتت- فهي ظن من الراوي، لا يترك لها فعل النبي ﷺ ، وقد نقل التحويل جماعة لم ينقل أحد منهم أنه جعل أعلاه أسفله، ويبعد أن يكون النبي ﷺ ترك ذلك في جميع الأوقات لثقل الرداء (٤).

стр. 1525

قال في "الفروع": نقل أبو داود: بقلب الإزار تنقلب السَّنة (١). (ثم صلى) النبي ﷺ بالناس (ركعتين). لا خلاف بين القائلين بصلاة الاستسقاء؛ أنها ركعتان، يكبر فيها سبعًا في الأولى، وخمسًا في الثانية، كالعيد، وفاقًا للشافعي؛ وهو قول سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، وداود، وحكي عن ابن عباس؛ فإنه قال في حديثه: ثم صلى ركعتين، كما يصلي في العيد. رواه أبو داود (٢). وروى الدارقطني من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ صلى ركعتين، كبر في الأولى سبع تكبيرات، وقرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وقرأ في الثانية: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، وكبر فيها خمس تكبيرات (٣). وقيل: يصلي ركعتين بلا تكبير زائد، وهو ظاهر الخرقي وفاقًا لمالك (٤). (جهر) ﷺ (فيهما)؛ أي: في الركعتين (بالقراءة) فيشرع الجهر بالقراءة في صلاة الاستسقاء، عند الثلاثة القائلين بمشروعيتها.

стр. 1526

(وفي لفظ) للبخاري ومسلم، من حديث عبد اللَّه بن زيد ﵁: خرج النبي ﷺ (إلى المصلى) فاستسقى. ولفظ البخاري: فصلى. فيشرع في صلاة الاستسقاء: البروز إلى المصلى، باتفاق القائلين بمشروعيتها، متواضعًا بيديه، متذللًا في ثيابه، متخشعًا بقلبه وعينيه، متضرعًا بلسانه، ومعه الشيوخ وأهل الدين، ويستحب خروج المميز؛ وفاقًا لمالك، والشافعي، واللَّه أعلم (١). * * *

стр. 1527

الحديث الثاني عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ ﵁: أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ المَسْجِدَ يَومَ الجُمُعَةِ مِنْ بَابٍ كَانَ نَحْوَ دَارِ القَضَاءِ، وَرَسولُ اللَّهِ ﷺ قائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسولَ اللَّهِ! هَلَكَتِ الأمْوَالُ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادع اللَّهَ يُغِثْنَا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ، تمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا"، قَالَ أَنسٌ: فَلا واللهِ! مَا نَرَى في السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلا قَزَعَةٍ، وَما بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ دَارٍ وَلا بَيتٍ، قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِه سَحَابةٌ مِثْلُ التُّرْسِ، فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ، انْتشًرَتْ، ثُمَّ أَمْطَرَتْ، قَالَ: فلا وَاللَّهِ! ما رأَينَا الشَّمْسَ سَبْتًا. ثُمَّ دَخَلَ رَجُل مِنْ ذَلِكَ البَابِ فِي الجُمُعَةِ المُقْبِلَةِ، وَرَسُولُ اللَّه ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلَكَتِ الأمْوَالُ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُمْسِكْهَا عَنَّا. فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الآكامِ والظِّرَابِ وَبُطُونِ الأوْدِيَةِ وَمَنَابتِ الشَّجَرِ"، قَالَ: فَأَقْلَعَتْ، وَخَرَجْنَا نَمْشِي في الشَّمْسِ، قَالَ شريكٌ: فَسَأَلْتُ أَنسَ بْنَ مالكٍ: أَهُوَ الرَّجُلُ الأول؟ قَالَ: لا أَدْرِي (١). الظِّراب: الجبال الصغار.

стр. 1528

(عن) أبي حمزة (أنس بن مالك) الأنصاري ﵁ خادم رسول اللَّه ﷺ : (أن رجلًا) من أصحاب رسول اللَّه ﷺ (دخل المسجد) النبوي (يوم الجمعة) من (باب) [من] أبوابه، (كان) ذلك الباب (نحو دار القضاء). قال في "المطالع": وهي دار مروان بالمدينة، كانت لعمر، فبيعت في قضاء دينه بعد موته، قال: وغلط بعضهم في تفسيرها، فقال:

стр. 1529

هي دار الإمارة، قال ابن قرقول: وهذا محتمل؛ لأنها صارت لأمير المدينة، واللَّه أعلم (١). والرجل الداخل للمسجد (ورسول اللَّه ﷺ قائم) على المنبر (يخطب) خطبة الجمعة، هو: مرة بن كعب، وذكر بعضهم: أنه العباس، وهو مردود منكر؛ فإن في بعض الروايات في "الصحيحين"، وغيرهما: جاء أعرابي (٢)، وفي بعضها: أتى رجل أعرابي من أهل البدو (٣)، والعباس لا يقال فيه ذلك، ويبعد تعدد القضية. على أن في بعض طرق البخاري: فقام الناس، فصاحوا، فقالوا: يا رسول اللَّه! ... الحديث (٤)، وهو ظاهر في التعدد، ويمكن الجمع: بأن الرجل ابتدأ أولًا بالسؤال، ثم تابعه الناس. وفي "شرح البخاري" لابن التين: قوله: فقام الناس، إن كان محفوظًا، فقد تكلم الرجل، ثم صاحوا، ويحتمل أن يعني بالناس للرجل، لأنه متكلم عنهم، وهم حضور، أو لعلهم صاحوا وتكلم عنهم، انتهى (٥). (فاستقبل) الرجل (رسول اللَّه ﷺ ) حال كونه (قائمًا، ثم قال) ليس معنى "ثم" هنا للتراخي، بك لمجرد الترتيب: (يا رسول اللَّه! هلكت الأموال) الحيوانية، وكذا النباتية؛ من الجدب الناشىء عن قلة المطر، (وانقطعت السبل) جمع سبيل؛ أي: الطرق، لعدم السالكين فيها؛ لشدة هزال

стр. 1530

الرواحل الناشىء عن الجدب، أو لقلة المياه التي يعتاد المسافر ورودها، أو لاشتغال الناس بشدة القحط عن الضرب في الأرض (١)، وأنت بين أظهرنا لا تُرد دعوتك؛ لأنك رسول اللَّه القادر على إزالة ذلك كله، بالخصب الناشىء عن المطر (فادع اللَّه) ؛ فإنك إن تدعُه (يغثنا) ببركة دعائك، ويذهب عنا الجذب والقحط المضر بنا؛ إجابة لدعائك. (قال) أنس بن مالك ﵁: (فرفع رسول اللَّه ﷺ يديه). فيه: دليل على استحباب رفع اليدين في سائر الأدعية؛ فمن الناس من خص رفع اليدين بدعاء الاستسقاء، وتركوا رفع اليدين في سائر الأدعية، ومنهم، من عداه إلى كل دعاء، ومنهم، من فرق بين دعاء الرغبة، ودعاء الرهبة، فقال: في دعاء الرغبة يجعل ظاهر كفيه إلى السماء، وباطنها إلى الأرض، وفي دعاء الرهبة بالعكس، وقالوا: الراغب كالمستطعم، والراهب كالمستجير. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والصحيح الرفعُ مطلقًا، فقد تواتر في الصحاح: أن الطفيل قال: يا رسول اللَّه! إن دوسًا قد عصت وأبت، فادع عليهم، فاستقبل القبلة، ورفع يديه، وقال: "اللهم اهد دوسًا، وأْتِ بهم" (٢).

стр. 1531

وفي "الصحيح": أنه ﵈ لما دعا لأبي عامر، رفع يديه (١). وفي حديث عائشة: لما دعا لأهل البقيع، رفع يديه ثلاث مرات رواه مسلم (٢)، وفيه: أنه ﷺ رفع يديه، فقال: "أمتي أمتي"، وفي آخره: "قال اللَّه تعالى: إنا سنرضيك في أمتك، ولا نَسُوءك" (٣). وفي حديث بدر: لما رأى المشركين، مد يديه، وجعل يهتف بربه، فما زال يهتف بربه، مادًا يديه، حتى سقط رداؤه عن منكبيه (٤). وفي حديث قيس بن سعد: فرفع يديه، وهو يقول: "اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة" (٥). وبعث جيشًا فيه علي ﵁، فرفع يديه، وقال: "اللهم لا تمتني حتى تريني عليًا" (٦).

стр. 1532

وفي حديث القنوت: رفع يديه (١). وأما حديث أنس ﵁: كان النبي ﷺ لا يرفع يديه في شيء من دعائه، إلّا في الاستسقاء. متفق عليه، وفيه: فإنه كان يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه (٢). قال شيخ الإسلام -رحمه اللَّه تعالى-: والجمع بين حديث أنس هذا، وسائر الأحاديث؛ ما قاله طوائف من العلماء، وهو: أن أنسًا ذكر الرفع الشديد الذي يرى فيه بياض إبطيه، وينحني فيه بدنه، وهذا الذي سماه ابن عباس الابتهال، فجعل المراتب ثلاثة: الإشارة بإصبع واحدة: كما كان يفعل يوم الجمعة على المنبر. والثانية: المسألة، وهو أن يجعل يديه حذو منكبيه، كما في أكثر الأحاديث. والثالثة: الابتهال: وهو الذي ذكره أنس، ولهذا قال: كان يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه، وهذا الرفع إذا اشتد كان بطون يديه مما يلي وجهه والأرض، وظهورهما مما يلي السماء. قال: وقد يكون أنس أراد بالرفع على المنبر يوم الجمعة، كما في

стр. 1533

مسلم، وغيره: أنه كان لا يزيد على أن يرفع إصبعه المسبِّحة (١). قال: وفي هذه المسألة قولان؛ هما وجهان في مذهب الإمام أحمد -يعني: في رفع الخطيب يديه-: قيل: يستحب، قاله ابن عقيل. وقيل: لا بل يكره، وهو أصح، قال إسحاق ابن راهويه: هو بدعة لمخاطب، إنما كان النبي ﷺ يشير بإصبعه إذا دعا. قال في "الإقناع": ويكره للإمام رفع يديه حال الدعاء في الخطبة. قال المجد: هو بدعة؛ وفاقًا للمالكية، والشافعية، وغيرهم، ولا بأس بأن يشير بإصبعه فيه (٢). وفي "الفروع": قيل: يرفع يديه -يعني: الخطيب حالة الدعاء- في خطبة الجمعة، جزم به في "الفصول"، واحتج بالعموم، وقيل: لا يستحب، قال صاحب "المحرر": بدعة؛ وفاقًا للمالكية، والشافعية، وغيرهم (٣). ورأى عمارة بن رُؤَيْبَة بشر بن مروان رفع يديه في الخطبة، فقال: قبح اللَّه هاتين اليدين، لقد رأيت رسول اللَّه ﷺ ما يزيد على أن يقول بيده هكذا، وأشار بإصبعه المسبحة. رواه الإمام أحمد، ومسلم، وفي لفظ الإمام أحمد: لعن اللَّه هاتين اليدين (٤). فيكون رسول اللَّه ﷺ لما استسقى على المنبر، رفع يديه، مع عدم

стр. 1534

ثبوت عدم رفع يديه على المنبر في غير الاستسقاء، فيكون أنس ﵁ أراد هذا المعنى، ولا سيما وقد كان عبد الملك أحدث رفع الأيدي على المنبر، وأنس أدرك هذا العصر، وقد أنكر ذلك على عبد الملك غضيف بن الحارث (١). فيكون أنس أخبر بالسنة التي أخبر بها غيره؛ من أن النبي ﷺ لم يكن يرفع يديه -يعني: على المنبر- إلّا في الاستسقاء، وهذا يشعر بأن الاستسقاء مخصوص بمزيد الرفع؛ وهو الابتهال، كما تقدم، فحينئذ زال الاختلاف من بين الأحاديث، وللَّه الحمد. تنبيه: المطلوب في رفع اليدين: أن تكون بطونها إلى الأعلى. قال شيخ الإسلام؛ كما في "مختصر الفتاوى": من ظن أنه ﷺ قصد توجيه ظهر يديه إلى السماء، فقد أخطأ؛ فإنه ﷺ قال: "إذا سألتم اللَّه، فاسألوه ببطون أكفكم، ولا تسألوه بظهورها" رواه أبو داود من وجوه (٢). وأما حديث أنس: إنما هو لشدة الرفع انحنت يديه، فصار كفه مما يلي السماء لشدة الرفع، لا قصدًا لذلك، كما جاء: أنه رفعهما حذاء وجهه (٣)، وفي الحديث عن أنس: أنه رآه يدعو بباطن كفيه، وظاهرهما (٤)، فهذه ثلاثة أنواع في هذا الرفع الشديد: رفع الابتهال: يذكر فيه أن بطونهما مما

стр. 1535

يلي وجهه، وهذا أشد ما يكون من الرفع، وتارة يذكر هذا وهذا. قال: فتبين بذلك أنه لم يقصد في هذا الرفع الشديد لا ظهر اليد، ولا بطنها؛ لأن الرفع إذا قوي، تبقى أصابعهما نحو السماء، مع نوع من الانحناء الذي يكون فيه هذا تارة، وهذا تارة. وأما إذا قصد توجيه بطن اليد، أو ظهرها؛ فإنما كان يوجه بطنها، وهذا في الرفع المتوسط الذي هو رفع المسألة، التي يمكن فيه القصد، ورفع ما يختار من البطن أو الظهر، بخلاف الرفع الشديد الذي يرى بياض إبطيه، فلا يمكن فيه توجيه باطنها، بل ينحني قليلًا بحسب الرفع، فبهذا تتألف الأحاديث، وتظهر السنة، انتهى (١). (ثم قال) ﷺ : (اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا) -بالهمز-؛ من الإغاثة، ويقال فيه: غاثه يغيثه، وهو قليل، وإنما هو من الغيث، لا الإغاثة، ومنه الحديث: فادع اللَّه يَغثنا (٢) -بفتح الياء-، يقال: غاث اللَّه البلاد يَغيثها: إذا أرسل عليها المطر (٣). (قال أنس) ﵁: (فلا واللَّه! ما نرى) -معشر المسلمين من الصحابة- (في السماء من سحاب) جمع سحابة: الغيم، (ولا قزعة)؛ أي: قطعة من الغيم، وجمعها قَزَع، (وما)؛ أي: والحال أنه ليس (بيننا وبين سلع) وهو جبل عند المدينة (٤) (من دار) تحجب عنا رؤية السحاب (ولا بيت) كل ذلك تأكيد لقوله: وما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة؛ لأنه

стр. 1536

أخبر أن السحابة طلعت من وراء سلع، حيث (قال: فطلعت من ورائه)؛ أي: سلع (سحابة) صغيرة مستديرة (مثل الترس). قال في "المطالع": ظاهره أنها كانت بقدر الترس، وقال ثابت: ليس كذلك، إنما أراد أنها مستديرة، وهي أحمدُ السحاب (١)، فلو كان بينهم وبين سلع دار أو بيت، لأمكن أن تكون القزعة موجودة، لكن حال بينهم وبين رؤيتها ما بينهم وبين سلع من البناء لو كان. (فلما توسطت) تلك السحابة (السماء، انتشرت)؛ أي: امتدت، وتفرقت، واتسعت، (ثم أمطرت) هطل المطر الذي هو الماء منها، قال في "القاموس": المطر: ماء السحاب (٢). (قال) أنس ﵁: (فلا واللَّه! ما رأينا الشمس سبتًا)؛ أي: جمعة. وفي "البخاري" من حديث أنس: وما خرجنا من المسجد، حتى مطرنا، فما زلنا نمطر، حتى كانت الجمعة الأخرى (٣)، وفي لفظ: لم نزل نُمْطَر إلى الجمعة التي تليها (٤)، وفي لفظ آخر: فرفع يديه، وما نرى في السماء قزعة، فوالذي نفسي بيده! ما [وضعهما] (٥) حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره، حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته (٦). (ثم دخل رجل من ذلك الباب) الذي كان دخل منه الرجل في الجمعة

стр. 1537

الأولى، فطلب من النبي ﷺ الدعاء بالغيث، وفي بعض طرق البخاري: فأتى الرجل (١) (في الجمعة المقبلة، ورسول اللَّه ﷺ قائم) على المنبر (يخطب، فاستقبله) الرجل حال كونه (قائمًا، فقال: يا رسول اللَّه! هلكت الأموال) من كثرة المطر؛ لعدم بروز الحيوانات للمرعى (وانقطعت السبل) لعدم قدرة الناس للخروج من كثرة المطر، وفي لفظ آخر عن أنس: كان النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة، فقام الناس، فصاحوا، وقالوا: يا نبي اللَّه! قحط المطر ... الحديث، فلما قام النبي ﷺ يخطب -يعني: من الجمعة التي تليها-، صاحوا إليه: تهدمت البيوت، وانقطعت السبل (٢)، (فادع اللَّه) (يمسكها)، وفي لفظ: يحبسها (٣) (عنا)، فكأنه لما سأل الرجل النبي ﷺ في الجمعتين، صاح الناس وضجوا، تصديقًا لما سأله إياه من الاستسقاء والاستصحاء، وأنهم كلهم على مثل ما قال وسأل. (فرفع رسول اللَّه ﷺ يديه) مستصحيًا، (ثم قال: اللهم حوالينا)؛ أي: أنزل الغيث حوالي المدينة، حيث مواضع النبات، (ولا) تنزله (علينا) في المدينة، ولا في غيرها من المباني والمساكن، يقال: هم حوله، وحوليه، وحواليه، وحياله (٤). فدل على مشروعية الدعاء لإمساك المطر؛ كما استحب الدعاء لنزوله عند انقطاعه؛ فإن الكل مضر، وقد صرحوا باستحباب ذلك (٥) (اللهم على الآكام) -بفتح الهمزة الممدودة- على وزن

стр. 1538

آصال، و-بكسر الهمزة بغير مد- على جبال، فالأول: جمع أكم، ككتب، وأكم: جمع إكام كجبال، وأكام: جمع أكم، وأكم؛ واحده: أكمة (١). فالأكمة مفردة جمع أربع مرات (٢)، وهو: ما غلظ من الأرض، ولم يبلغ أن يكون جبلًا، وكان أكثر ارتفاعًا مما حوله، كالتلول ونحوها، وقال مالك: هي الجبال الصغار، وقال غيره: هو ما ارتفع من التراب، أكبر من الكدى، ودون الجبال (٣)، وقال الخليل: هي حجر واحد، وقيل: هي فوق الرابية، ودون الجبل (٤). (والظراب) جمع ظَرِب، قال الجوهري: الظرب -بكسر الراء-: واحد الظراب، وهي: الروابي الصغار (٥)، وقال مالك: الظرب: الجبيل [المنبسط] (٦). وفي "القاموس": الظرب؛ ككتف: ما نتأ من الحجارة وحد طرفه، أو الجبل المنبسط أو الصغير (٧) (وبطون الأودية، ومنابت الشجر)؛ ليحصل به النفع، من غير أن يؤثر ضررًا (٨)، وبطن الوادي: جوفه، وهو: محل سيلان الماء منه، ومنابت الشجر: حيث نبتت من الأرض.

стр. 1539

(قال) أنس ﵁: (فأقلعت) -يعني: السماء-؛ أي: لما دعا ﷺ بإزاحة المطر عن المدينة المنورة، (وخرجنا) بعد حبسنا عن المشي من كثر المطر (نمشي) لقضاء حوائجنا، ببركة دعوة النبي ﷺ ، حيث دعا بالصحو، فاستجيبت دعوته (في الشمس) متعلق بـ: "نمشي"؛ أي: في شعاعها، وتسخينها. وفي لفظ: فتقشعت عن المدينة، فجعلت تمطر حواليها، وما تمطر بالمدينة قطرة، فنظرت إلى المدينة، وإنها لفي مثل الإكليل (١)، أراد: أن الغيم تقشع عنها، واستدار بآفاقها، وكلُّ ما احتف بشيء من جوانبه؛ فهو إكليل؛ لأنه يجعل كالحلقة، ويوضع على أعلى الرأس (٢). وفيه من أعلام النبوة: إجابة دعائه بحصول المطر في الاستسقاء، وحصول الصحو في الاستصحاء، وتحول المطر عن المدينة إلى حواليها، حتى استدار بها من كل نواحيها إدارة الإكليل بالرأس. وفي لفظ: قال أنس: فرأيت السحاب يتمزق، كأنه المُلاءُ حين تُطوى (٣)، الملاء -بالضم والمد-: جمع ملاءة، وهي: الإزار والرَّيْطَة، وقال بعضهم: إن الجمع: ملأ -بغير مد-، والواحد ممدود، والأول أثبت، شبه تفرق الغيم واجتماع بعضه إلى بعض في أطراف السماء بالإزار إذا جمعت أطرافه وطوي، كما في "النهاية" (٤). (قال شريك) بن عبد اللَّه بن أبي نمر القرشي، يكنى: أبا عبد اللَّه

стр. 1540

المدني، قال الواقدي: الليثي، من أنفسهم، سمع: أنسًا، وابن المسيب، وأبا سلمة بن عبد الرحمن، وعطاء، وعكرمة، وغيرهم. روى عنه: سعد البصري، والإمام مالك، وغيرهما. قال محمد بن سعد: توفي بعد سنة أربعين ومئة، قبل خروج محمد بن عبد اللَّه بن حسن بالمدينة، وخرج سنة خمس وأربعين ومئة. وكان شريك ثقة، كثير الحديث، أخرج له الجماعة، إلّا الترمذي (١). (فسألت أنسًا) ﵁: (أهو) يعني: (الرجل) الذي سأل النبي ﷺ الاستصحاء لما كثر المطر الرجل (الأول) الذي سأله ﷺ الاستسقاء فـ (قال) أنس ﵁: (لا أدري) هو هو أو غيره. لكن في بعض طرق البخاري؛ ما يدل على أنه الأول، كما أشرنا إليه آنفًا؛ ففي حديث: أتى رجل أعرابي من البدو ... الحديث، إلى قوله: فما زلنا نمطر حتى كانت الجمعة الأخرى، فأتى الرجل إلى رسول اللَّه ﷺ (٢). وفي حديث آخر: جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال: هلكت المواشي، وتقطعت السبل، فدعا، فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة، ثم جاء فقال: تهدمت البيوت (٣). ولا ينافي هذا ما في باقي الروايات: ثم جاء رجل، أو ثم جاء ذلك الرجل، أو غيره؛ لأن تعيين الجائي الأول زيادة ثقة، يجب قبولها.

стр. 1541

قال الحافظ ﵀، ورضي عنه-: (الظراب: الجبال الصغار)، وتقدم: أنه جمع ظرب -بفتح الظاء، وكسر الراء-، وقد يجمع في القلة على أظرب (١)، واللَّه أعلم. تنبيهات: الأول: الاستسقاء على ثلاثة أضرب: أحدها: الخروج إلى الصلاة، كما في حديث عبد اللَّه بن زيد المازني (٢)؛ وهو أكملها وأفضلها. الثاني: استسقاء الإمام يوم الجمعة على المنبر، كما في حديث أنس هذا؛ وهذا مذهب أبي حنيفة، وأنكر صلاة الاستسقاء مع ثبوتها في الصحاح والسنن والمسانيد. ولا ينافي مشروعية الصلاة، أن يقع مجرد الدعاء في حالة أخرى، وإنما كان هذا الذي جرى في الجمعة مجرد دعاء بطلب السقيا؛ وهو مشروع إذا احتيج إليه، ولا ينافي مشروعية الصلاة في حالة أخرى، إذا اشتدت الحاجة إليها. وقد خالف أبا حنيفة أصحابُه، فوافقوا الجمهور، واللَّه أعلم. الثالث: أن يدعوا اللَّه عقيب صلاتهم، وفي خلواتهم (٣). الثاني: معتمد المذهب: أن لصلاة الاستسقاء خطبة واحدة بعد

стр. 1542

الصلاة، قال أبو بكر: اتفقوا عن أبي عبد اللَّه: أن في صلاة الاستسقاء خطبة، وصعودًا على المنبر، والصحيح: أنها بعد الصلاة، وبه قال مالك، والشافعي، ومحمد بن الحسن. قال ابن عبد البر: وعليه جماعة الفقهاء (١)؛ لقول أبي هريرة ﵁: صلى ركعتين، ثم خطبنا (٢)، ولأنها صلاة ذات تكبير، فأشبهت صلاة العيدين. قال في "شرح المقنع": والمشروع خطبة واحدة، وبهذا قال عبد الرحمن بن مهدي. وقال مالك والشافعي: يخطب خطبتين كخطبتي العيد؛ لقول ابن عباس: صنع النبي ﷺ ، كما صنع في العيد (٣)، ولأنها أشبهتها في صفة الصلاة، فكذلك في صفة الخطبة. ولنا: قول ابن عباس: لم يخطب النبي ﷺ خطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء والتكبير (٤)، وهذا يدل على أنه ما فصل بين ذلك بسكوت

стр. 1543

ولا جلوس؛ ولأن كل من نقل الخطبة، لم ينقل خطبتين، والصحيح من حديث ابن عباس؛ أنه قال: صلى ركعتين، كما كان يصلي في العيد (١)، ولو كان النقل كما ذكروه، فهو محمول على الصلاة بدليل أول الحديث. وإذا صعد المنبر للخطبة: جلس، وإن شاء لم يجلس؛ لأنه لم ينقل، ولا ثم أذان يجلس لفراغه. ويكثر في الخطبة الاستغفار، وقراءة الآيات التي فيها الأمر به، والصلاة على النبي ﷺ ، كقوله: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١٠، ١١]؛ فإن الاستغفار سبب نزول الغيث، والمعاصي سبب لقطعه، والاستغفار والتوبة يمحوان المعاصي (٢). وقد روي عن عمر ﵁: أنه خرج يستسقي، فلم يزد على الاستغفار، وقال: لقد استسقيت بمجاديح السماء (٣)؛ أي: أنوائها، ومجدحة السماء: أنواؤها (٤). وقال الداودي في قوله: اجدحْ لنا (٥)؛ أي: احلب ولبِّن (٦)، فعلى هذا

стр. 1544

يكون معنى "بمجاديح"؛ أي: بما تحلب به السماء من الدعاء والاستغفار. الثالث: يستحب أن يدعو بدعاء النبي ﷺ ؛ كما في حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ كما عند أبي داود: أن النبي ﷺ كان إذا استسقى، قال: "اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا هنيئًا مريًا غدقًا مجللًا سَحًّا عامًا طبقًا دائمًا، اللهم اسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إن بالعباد والبلاد من اللأواء والجهد والضنك، ما لا نشكوه إلّا إليك، اللهم أنبت لنا الزرع، وأَدِرَّ لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، وأنزل علينا من بركاتك، اللهم ادفع عنا الجهد والجوع والعري، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه عنا غيرك، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارًا، فأرسل السماء علينا مدرارًا" (١). وروي من حديث جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال: "اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا مريًا مَريعًا نافعًا غير ضار عاجلًا غيرآجل" (٢).

стр. 1545

قال الخطابي: "مريعًا" يروى على وجهين: بالموحدة، والمثناة؛ فمن رواه بالمثناة: جعله من المراعة، يقال: أمرع المكان: إذا أخصب، ومن رواه بالموحدة: فمعناه: منبت للربيع (١). الرابع: يجوز التوسل بالصالحين، وقيل: يستحب، قال الإمام أحمد في "منسكه" الذي كتبه للمروذي: إنه يتوسل بالنبي ﷺ في دعائه، وجزم به في "المستوعب" (٢) وغيره. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: التوسل بالإيمان به، وبطاعته، ومحبته، والصلاة والسلام عليه ﷺ ، وبدعائه، وشفاعته، ونحوه مما هو من فعله، أو أفعال العباد المأمور بها في حقه: مشروع إجماعًا، وهو من الوسيلة المأمور بها في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ (٣) [المائدة: ٣٥]، واللَّه تعالى الموفق (٤). * * *
следующие страницы →