← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

قال الحافظ ﵀، ورضي عنه-: (الظراب: الجبال الصغار)، وتقدم: أنه جمع ظرب -بفتح الظاء، وكسر الراء-، وقد يجمع في القلة على أظرب (١)، واللَّه أعلم. تنبيهات: الأول: الاستسقاء على ثلاثة أضرب: أحدها: الخروج إلى الصلاة، كما في حديث عبد اللَّه بن زيد المازني (٢)؛ وهو أكملها وأفضلها. الثاني: استسقاء الإمام يوم الجمعة على المنبر، كما في حديث أنس هذا؛ وهذا مذهب أبي حنيفة، وأنكر صلاة الاستسقاء مع ثبوتها في الصحاح والسنن والمسانيد. ولا ينافي مشروعية الصلاة، أن يقع مجرد الدعاء في حالة أخرى، وإنما كان هذا الذي جرى في الجمعة مجرد دعاء بطلب السقيا؛ وهو مشروع إذا احتيج إليه، ولا ينافي مشروعية الصلاة في حالة أخرى، إذا اشتدت الحاجة إليها. وقد خالف أبا حنيفة أصحابُه، فوافقوا الجمهور، واللَّه أعلم. الثالث: أن يدعوا اللَّه عقيب صلاتهم، وفي خلواتهم (٣). الثاني: معتمد المذهب: أن لصلاة الاستسقاء خطبة واحدة بعد

стр. 1542

الصلاة، قال أبو بكر: اتفقوا عن أبي عبد اللَّه: أن في صلاة الاستسقاء خطبة، وصعودًا على المنبر، والصحيح: أنها بعد الصلاة، وبه قال مالك، والشافعي، ومحمد بن الحسن. قال ابن عبد البر: وعليه جماعة الفقهاء (١)؛ لقول أبي هريرة ﵁: صلى ركعتين، ثم خطبنا (٢)، ولأنها صلاة ذات تكبير، فأشبهت صلاة العيدين. قال في "شرح المقنع": والمشروع خطبة واحدة، وبهذا قال عبد الرحمن بن مهدي. وقال مالك والشافعي: يخطب خطبتين كخطبتي العيد؛ لقول ابن عباس: صنع النبي ﷺ ، كما صنع في العيد (٣)، ولأنها أشبهتها في صفة الصلاة، فكذلك في صفة الخطبة. ولنا: قول ابن عباس: لم يخطب النبي ﷺ خطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء والتكبير (٤)، وهذا يدل على أنه ما فصل بين ذلك بسكوت

стр. 1543

ولا جلوس؛ ولأن كل من نقل الخطبة، لم ينقل خطبتين، والصحيح من حديث ابن عباس؛ أنه قال: صلى ركعتين، كما كان يصلي في العيد (١)، ولو كان النقل كما ذكروه، فهو محمول على الصلاة بدليل أول الحديث. وإذا صعد المنبر للخطبة: جلس، وإن شاء لم يجلس؛ لأنه لم ينقل، ولا ثم أذان يجلس لفراغه. ويكثر في الخطبة الاستغفار، وقراءة الآيات التي فيها الأمر به، والصلاة على النبي ﷺ ، كقوله: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١٠، ١١]؛ فإن الاستغفار سبب نزول الغيث، والمعاصي سبب لقطعه، والاستغفار والتوبة يمحوان المعاصي (٢). وقد روي عن عمر ﵁: أنه خرج يستسقي، فلم يزد على الاستغفار، وقال: لقد استسقيت بمجاديح السماء (٣)؛ أي: أنوائها، ومجدحة السماء: أنواؤها (٤). وقال الداودي في قوله: اجدحْ لنا (٥)؛ أي: احلب ولبِّن (٦)، فعلى هذا

стр. 1544

يكون معنى "بمجاديح"؛ أي: بما تحلب به السماء من الدعاء والاستغفار. الثالث: يستحب أن يدعو بدعاء النبي ﷺ ؛ كما في حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ كما عند أبي داود: أن النبي ﷺ كان إذا استسقى، قال: "اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا هنيئًا مريًا غدقًا مجللًا سَحًّا عامًا طبقًا دائمًا، اللهم اسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إن بالعباد والبلاد من اللأواء والجهد والضنك، ما لا نشكوه إلّا إليك، اللهم أنبت لنا الزرع، وأَدِرَّ لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، وأنزل علينا من بركاتك، اللهم ادفع عنا الجهد والجوع والعري، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه عنا غيرك، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارًا، فأرسل السماء علينا مدرارًا" (١). وروي من حديث جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال: "اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا مريًا مَريعًا نافعًا غير ضار عاجلًا غيرآجل" (٢).

стр. 1545

قال الخطابي: "مريعًا" يروى على وجهين: بالموحدة، والمثناة؛ فمن رواه بالمثناة: جعله من المراعة، يقال: أمرع المكان: إذا أخصب، ومن رواه بالموحدة: فمعناه: منبت للربيع (١). الرابع: يجوز التوسل بالصالحين، وقيل: يستحب، قال الإمام أحمد في "منسكه" الذي كتبه للمروذي: إنه يتوسل بالنبي ﷺ في دعائه، وجزم به في "المستوعب" (٢) وغيره. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: التوسل بالإيمان به، وبطاعته، ومحبته، والصلاة والسلام عليه ﷺ ، وبدعائه، وشفاعته، ونحوه مما هو من فعله، أو أفعال العباد المأمور بها في حقه: مشروع إجماعًا، وهو من الوسيلة المأمور بها في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ (٣) [المائدة: ٣٥]، واللَّه تعالى الموفق (٤). * * *

стр. 1546

باب صلة الخوف الخوف: ضد الأمن، وتأثيره في تغيير هيئات الصلاة وصفاتها، لا في تغيير عدد ركعاتها، ويشترط فيها: كون القتال مباحًا؛ كقتال الكفار، والبغاة، والمحاربين. قال الإمام أحمد ﵁: صَحَّت صلاة الخوف عن النبي ﷺ من ستة أوجه، أو سبعة، كلها جائزة (١). وذكر الحافظ ﵀ في هذا الباب ثلاثة أحاديث. * * *

стр. 1547

الحديث الأول عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵄، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الخَوْفِ فِي بَعْض أَيَّامِهَ، فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ، وَطَائِفَةٌ بِإِزَاءِ العَدُوِّ، فَصَلَّى بالَّذِينَ مَعَهَ رَكْعَةً، ثُمَّ ذَهَبُوا، وَجَاءَ الآخَرُونَ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً، وَقَضَتْ الطائِفَتَانِ رَكْعَةً رَكْعَةً (١).

стр. 1548

(عن) أبي عبد الرحمن (عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب ﵄، قال: صلى رسول اللَّه ﷺ صلاة الخوف في بعض أيامه) ذكر البخاري: أن هذه القصه كانت في غزوة نجد، ذكره عن ابن عمر أيضًا (١). (فقامت طائفة) من أصحابه (معه) في الصلاة، (وطائفة) أخرى منهم (بإزاء)؛ أي: حذاء (العدو) من المشركين، (فصلى بـ) الطائفة من أصحابه، وهم (الذين) قاموا (معه) في ابتداء الصلاة (ركعة) واحدة بسجدتيها، (ثم) بعد قيامه ﷺ للركعة الثانية (ذهبوا)، فوقفوا بإزاء العدو، (وجاء) أصحابه (الآخرون) الذين كانوا في نحر العدو، وبعد ذهاب الذين كانوا معه، ووقوفهم بإزاء العدو، فأحرموا معه (فصلى بهم ركعة)، وهي التي بقيت من صلاته، وسلم ﷺ من صلاته لفراغه منها، (وقضت الطائفتان) من أصحابه، كل طائفة قضت بقية صلاتها، فقضت الطائفة الأولى (ركعة) بعد ذهاب الطائفة الثانية لإزاء العدو، ومجيء الأولى لمكان الصلاة، وسلمت ومضت تحرس بإزاء العدو، وأتت الطائفة الثانية، فقضت (ركعة)، وتمت صلاتها، وسلمت. وهذا الوجه، وإن قال علماؤنا: إن الصلاة تصح، فهو خلاف مختار الإمام أحمد ﵁، وهو مختار الإمام أبي حنيفة، وهكذا قال: إنه بعد سلام الإمام، تأتي الطائفة الأولى إلى موضع الإمام، فتقضي، ثم تذهب، ثم تأتي الطائفة الثانية إلى موضع الإمام، فتقضي، ثم تذهب، وقد أنكرت عليه هذه الزيادة؛ لأنها لم ترد في حديث على ما قيل.

стр. 1549

قال في "الفروع": ولو صلى -كخبر ابن عمر- بطائفة ركعة ومضت، ثم بالثانية ركعة ومضت، وسلم، ثم أتت الأولى فأتمت الصلاة بقراءة، وقيل: أولا؛ لأنها مؤتمة به حكمًا، ونصه خلافه، ثم أتت الثانية فأتمت بقراءة، أجزأ؛ وفاقًا لأحد قولي الشافعي، وليست -أي: هذه الصفة المختارة- خلافًا لأبي حنيفة -كما قدمنا-: أنه الذي اختار هذه الصفة، وعنده تفعل، ولو كان العدو بجهة القبلة. قال في "الفروع": ولو قضت الثانية ركعتها وقت فارقت إمامها، وسلمت، ثم مضت، وأتت الأولى فأتمت -كخبر ابن مسعود-: صح، وهو أولى (١). وقال أبو يوسف: قد انقضت صلاة الخوف بموت النبي ﷺ ، أخذًا من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٢]، وذلك يقتضي التخصيص بوجوده فيهم، وربما أيد هذا بأنها صلاة على خلاف المعتاد، وفيها أفعال منافية، فيجوز أن تكون المسامحة فيها بسبب فضيلة إمامة الرسول ﷺ . والجمهور: على بقاء حكمها في كل زمان، كما صلاها ﵊ في زمانه، والدليل على مذهب الجمهور: التأسي بالرسول ﷺ (٢). قال في "شرح المقنع": صلاة الخوف جائزة بالكتاب والسنة: أما الكتاب: فقوله تعالى-: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآية [النساء: ١٠٢]. وأما السنة: فثبت أنه ﷺ صلى صلاة الخوف. قال: وحكمها باق في قول جمهور أهل العلم، وقال أبو يوسف: إنها

стр. 1550

كانت مختصة بالنبي ﷺ بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾. قال: وما قاله غير صحيح؛ لأن ما ثبت في حق النبي ﷺ ثبت في حقنا، ما لم يقم دليل على اختصاصه به؛ لأنه تعالى أمرنا باتباعه، وقد غضب لقول من قال له ﷺ : لست مثلنا (١)، وقد كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ يحتجون بأفعاله، ويرونها معارضة لقوله، وناسخة له. وأيضًا، فقول أبي يوسف مسبوق بإجماع الصحابة ﵃؛ فقد صلى عليٌّ ﵁ صلاة الخوف ليلة الهرير بصفين، وصلاها أبو موسى الأشعري بأصحابه، وروي: أن سعيد بن العاص لما كان بطبرستان، سأل الصحابة: أيكم صلى مع النبي ﷺ صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا، فقدمه، فصلى بهم (٢). ولأن المقتضي لها زمن الرسول موجود بعده، والمخالفة لمعتاد الصلاة لأجل الضرورة، وهي موجودة بعد الرسول ﷺ ، كما هي موجودة في زمانه، ثم الضرورة تدعو إلى ألا يخرج وقت الصلاة عن آدابها، وذلك يقتضي إقامتها على خلاف المعتاد في زمن الرسول وبعده، فكيف، وقد ثبت فعلها بعده ﵊ من غير نكير؟! واللَّه الموفق (٣). * * *

стр. 1551

الحديث الثاني عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ صَالح بْنِ خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَمَّنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلاةَ الخَوْفِ: أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ مَعَهُ، وَطَائِفَةٌ وِجَاهَ العَدُوِّ، فَصَلَّى بالَّذِينَ مَعَهُ رَكعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِم، ثُمَّ انْصَرَفُوا، فَصَفُّوا وِجَاهَ العَدُوِّ، وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى، فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكعَةَ الَّتِي بقِيَتْ، ثُمَّ ثبَتَ جَالِسًا، وَأتمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ (١).

стр. 1552

الَّذِي صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هُوَ سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ. * * * (عن يزيد بن رومان) القرشيِّ الأسديِّ مولاهم، مولى الزبير، يعد في أهل المدينة، تابعي. سمع من الزبير، وصالح بن خوات، وأنس بن مالك، وعروة بن الزبير، وغيرهم. روى عنه: الزهري، وهشام بن عروة، وغيرهما. قال محمد بن سعد: توفي سنة ثلاثين ومئة؛ كذا قال عمرو بن علي، والواقدي، وابن نمير، وأبو عيسى، وكان عالمًا كثير الحديث ثقة، أخرج له الجماعة (١) (عن صالح بن خوات) -بفتح الخاء المعجمة، وتشديد الواو، وبالمثناة

стр. 1553

فوق- (بن جبير) بن النعمان الأنصاريِّ المدنيِّ، تابعيٌّ مشهور، عزيز الحديث، سمع: أباه، وسهل بن أبي حثمة -بفتح الحاء المهملة، وسكون المثلثة-، روى عنه: يزيد بن رومان، والقاسم بن محمد. حديثه عند أهل المدينة، وهو ثقة، أخرج له: البخاري، ومسلم، وغيرهما (١). (عمَّن صلى مع النبي ﷺ ) فسره الحافظ ﵀: بأنه سهل بن أبي حثمة، كما يأتي (صلاة) غزوة (ذات الرقاع)، وكانت في السنة السابعة؛ كما جزم به الإمام ابن القيم في "الهدي" (٢)، والشمس الشامي في "سيرته" (٣)، وغيرهما، ومشيت على ذلك في "معارج الأنوار"، والخلاف في ذلك كثير شهير. وتسمى هذه الغزوة: ذات العجائب أيضًا، واختلفوا في تسميتها بذات الرقاع: فقيل: لأن أقدامهم نقبت، فلفوا عليها الخرق، كما في "الصحيحين"

стр. 1554

عن أبي موسى الأشعري ﵁ (١) وقيل: لرقاع كانت في أجربتهم. والأصح: أنه اسم موضع؛ لقوله: حتى إذا كنا بذات الرقاع (٢)، وكانت الأرض التي نزلوها ذات ألوان تشبه الرقاع. وقال الواقدي: سميت بجبل هناك فيه بقع من بياض وسواد وحمرة، يقال له: الرقاع، وقيل: اسم شجرة هناك بنجد من أرض غطفان. ورجح السهيلي (٣)، والنووي السببَ الذي ذكره أبو موسى الأشعري، قال النووي: ويحتمل أنها سميت بالمجموع (٤)، وبه جزم صاحب "تهذيب المطالع" (٥). (صلاة الخوف) بدل من صلاة ذات الرقاع، فأخبر: (أن طائفة) من

стр. 1555

الصحابة الكرام -رضوان اللَّه عليهم- (صفت) -بفتح الصاد المهملة، وتشديد الفاء-؛ أي: صفت أنفسها (معه)؛ أي: النبي ﷺ ؛ يعني: خلفه، (و) قامت (طائفة) منهم (وِجاهَ العدو) (١)؛ أي: مواجهة للمشركين، (فصلى) ﵊ (بـ) الطائفة الأولى، وهم (الذين) دخلوا (معه) في ابتداء صلاته (ركعة) تامة، ثم تفارقه في قيام الثانية، إذا استتم قائمًا. قال علماؤنا: ولا يجوز قبله؛ لأنها مفارقة بلا عذر (٢). (ثم) إنه ﷺ بعد قيامه إلى الركعة الثانية، ومفارقة الذين كانوا معه (ثبت قائمًا) يقرأ، ويطيل الإمام هنا القراءة، حتى تحضر الطائفة الأخرى، (وأتموا)؛ يعني: الذين كانوا دخلوا معه من أول صلاته، بعد أن نوت مفارقة الإمام؛ لأن من ترك المتابعة، ولم ينو المفارقة، بطلت صلاته (لأنفسهم)، فهي بعد المفارقة منفردة، فلا تسجد لسهو الإمام إلّا فيما قبل المفارقة، (ثم) سلموا من صلاتهم لتمامها، و (انصرفوا، فصفوا وجاه العدو) بعد انصفافهم وجاه العدو (وجاءت الطائقة الأخرى) التي كانت تحرس، فدخلت معه في الصلاة (فصلى بهم الركعة التي بقيت) من صلاته (ثم ثبت) ﵊ (جالسًا) للتشهد، وينبغي للإمام أن يكرره، وقاموا هم للركعة الثانية، فأتوا بها، (وأتموا) بقية صلاتهم (لأنفسهم، ثم سلم) ﷺ (بهم)؛ أي: بالطائفة الثانية. وهذه الصفة اختيار الإمام أحمد، وأصحابه، والشافعية. وزاد في "البخاري" بعد ذكره لهذا الحديث: قال مالك: وذلك أحسن

стр. 1556

ما سمعت في صلاة الخوف، ذكره في: المغازي من "صحيحه" (١). ونص الإمام أحمد: أنها تفعل على هذه الصفة، وإن كان العدو في جهة القبلة، وخالف القاضي وغيره. وقدمنا: أنه يطيل قراءته حال قيامه، حتى تحضر الأخرى، وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يقرأ في حال الانتظار، بل يؤخر القراءة ليقرأ بالطائفة الثانية؛ لتحصل التسوية بين الطائفتين. ولنا: أن الصلاة ليس فيها حال سكوت، والقيام محل للقراءة، فينبغي أن يأتي بها فيه، كما في التشهد إذا انتظرهم؛ فإنه لا يسكت، والتسوية بينهم تحصل بانتظاره إياهم في موضعين، والأولى في موضع واحد. وقد علم أن الإمام إذا جلس للتشهد، قاموا فصلوا ركعة أخرى، وهي الباقية من صلاتهم، وأطال هو التشهد والدعاء، حتى يدركوه ويتشهدوا، ويسلم بهم. وقال الإمام مالك: يتشهدون معه، فإذا سلم الإمام، قاموا فقضوا ما فاتهم كالمسبوق. والأَوْلى: ما ذكرناه؛ لموافقة الحديث، ولأن قوله تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] يدل على أن صلاتهم كلها معه، ولأن الطائفة الأولى أدركت معه فضيلة الإحرام، فينبغي أن يسلم بالثانية؛ ليسوي بينهم، فتكون الثانية أدركت فضيلة السلام، فيحصل التعادل (٢).

стр. 1557

تنبيه: يشترط أن تكون كل طائفة تكفي العدو، زاد أبو المعالي من علمائنا: بحيث يحرم فرارها، ولا يشترط في الطائفة عدد، وقيل: يشترط كون كل طائفة ثلاثة فأكثر (١). قال في "الرعاية الكبرى": وهو أشهر، وقال القاضي: إن كانت كل طائفة أقل من ثلاثة، كرهناه. قال الإمام الموفق: والأولى عدم اشتراط هذا؛ لأن ما دون الثلاثة تصح به الجماعة، فجاز أن يكونوا طائفة كالثلاثة، واللَّه الموفق (٢). قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى، ورضي عنه-: (الذي صلى مع رسول اللَّه ﷺ : سهلُ بن أبي حثمة) كما ذكره ابن عبد البر (٣)، وعبد الحق (٤)، وغيرهما، قالا: وتوقف فيه ابن القطان، من حيث إن غزوة ذات الرقاع؛ إما في سنة أربع، أو خمس، على الخلاف في ذلك، ومولد سهل بن أبي حثمة إما سنة اثنتين، أو ثلاث من الهجرة، على الخلاف. قال البرماوي: سهل بن أبي حثمة -بفتح الحاء المهملة، وسكون الثاء المثلثة- كنيته: أبو محمد، وقيل: أبو يحيى، واسم والد أبي حثمة: عبد اللَّه، وقيل: عبيد اللَّه، وقيل: عامر بن ساعدة بن عامر بن عدي الأنصاري الأوسي، ولد سنة ثلاث من الهجرة، سكن الكوفة، وعداده في أهل المدينة، وبها توفي زمان مصعب بن الزبير. وأما قول أبي حاتم: إنه بايع تحت الشجرة، وشهد المشاهد كلها إلّا

стр. 1558

بدرًا، وكان دليل النبي ﷺ (١)، لا يصح ما ذكره؛ لما سبق، والدليل: إنما كان أبوه عامر بن ساعدة، وهو الذي بعثه رسول اللَّه ﷺ (٢) خارصًا، وأبو بكر، وعمر بعده (٣). ولهذا فسره النووي في "تهذيبه": بأن الذي صلى مع النبي ﷺ خوات بن جبير، والد صالح بن خوات، قال: ويحقق هذا من "صحيح مسلم" وغيره (٤). وأما ما في بعض طرق حديث صلاة الخوف بذات الرقاع؛ في أبي داود، والنسائي، وغيرهما رواية صالح بن خوات بن جبير، عن سهل بن أبي حثمة (٥)، فليس يدل لشيء من ذلك؛ لأنه ليس فيها أنه صلى مع النبي ﷺ ، بل مجرد رواية ذلك؛ فيكون مرسل صحابي، أما أن يفسر به من صلى معه، فلا، واللَّه الموفق (٦).

стр. 1559

قال الإمام أبو عبد اللَّه أحمد بن حنبل ﵁: صح عن النبي ﷺ صلاة الخوف من خمسة أوجه، أو ستة، أو قال: ستة، أو سبعة؛ كل ذلك جائز لمن فعله. قال الأثرم: قلت لأبي عبد اللَّه: تقول بالأحاديث كلها، أو تختار واحدًا منها؟ قال: أنا أقول: من ذهب إليها كلها، فحسن، وأما حديث سهل، فأنا أختاره (١)، يريد ﵁: ما رواه الجماعة عن صالح بن خوات، عن سهل بن أبي حثمة، عن النبي ﷺ ، فذكر مثل الصفة المتقدمة. وفي "سيرة مغلطاي" (٢): قد رويت صلاة الخوف على ست عشرة صورة؛ كلها سائغ فعله، قال: وتفارق سائر الصلوات: بأنه لا سهو فيها على إمام، ولا مأموم، انتهى، كذا قال، وهو غريب. تتمة: لو كانت الصلاة مغربًا، صلى بالطائفة الأولى ركعتين، وبالثانية ركعة، ولا تفسد بعكسه، نص عليهما الإمام أحمد، لكن الأولى أولى. وبه قال مالك، والأوزاعي، وسفيان، والشافعي في أحد قوليه، وقال في الآخر: يصلي بالأولى ركعة، وبالثانية ركعتين؛ لأنه روي عن علي -

стр. 1560

رضي اللَّه عنه-: أنه صلى كذلك ليلة الهرير (١)، ولأن الأولى أدركت معه فضيلة الإحرام والتقدم، فينبغي أن يزيد الثانية في الركعات، فيجبر نقصهم به. ولنا: أنه إذا لم يكن بد من التفضيل، فالأولى أحق به، وما فات الثانية من فضيلة الإحرام ينجبر بإدراكها السلام مع الإمام، ولأنها تصلي جميع صلاتها في حكم الائتمام، والأولى تفعل بعض صلاتها في حكم الانفراد، وكل منهما جائز. وإذا صلى بالثانية الركعة الثالثة، وجلس للتشهد، فإن الطائفة تقوم، ولا تتشهد معه؛ لأنه ليس بموضع تشهدها، بخلاف الرباعية. وإن كانت الصلاة رباعية غير مقصورة؛ صلى بكل طائفة ركعتين، وأتمت الأولى بالفاتحة في كل ركعة من باقي صلاتها، والأخرى تتم بالفاتحة وسورة، وتفارقه الأولى في الرباعية، والمغرب عند فراغ التشهد، وينتظر الإمام الطائفة الثانية جالسًا يكرره، فإذا أتت الثانية، قام، زاد أبو المعالي: تحرم معه، ثم ينهض بهم، وقيل: المفارقة والانتظار في الثالثة؛ وفاقًا لإحدى روايتي مالك، وقولي الشافعي (٢).

стр. 1561

قال في "شرح المقنع": هذا قول مالك، والأوزاعي؛ لأنه يحتاج إلى التطويل من أجل الانتظار، والتشهد يستحب تخفيفه؛ ولهذا روي: أن النبي ﷺ كان إذا جلس للتشهد، كأنه على الرضف، حتى يقوم (١)، ولأن ثواب القائم أكثر، ولأنه إذا انتظرهم جالسًا، وجاءت الطائفة، فإنه يقوم قبل إحرامهم، فلا يحصل اتباعهم إياه في القيام. والوجه الثاني: تفارقه في التشهد؛ لتدرك الطائفة الثانية جميع الركعة الثالثة، ولأن الجلوس أخف على الإمام، ولأنه متى انتظرهم قائمًا، احتاج إلى قراءة السورة في الركعة الثالثة، وهو خلاف السنة، ويصح أن يصلي بطائفة ركعة، وبأخرى ثلاثًا، واللَّه أعلم (٢). * * *

стр. 1562

الحديث الثالث عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيِّ ﵄، قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الخَوْفِ، فَصَفَفْنَا صَفَّيْنِ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، والعَدُوُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ القِبْلَةِ، فَكَبَّرَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَكبّرْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَكعَ، وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكوعِ، وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بالسُّجُودِ والصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، وَقَامَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ في نَحْرِ العَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ السُّجُودَ، وَقَامَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، انْحَدَرَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ بالسُّجُودِ، وَقَامُوا، ثُمَّ تَقَدَّمَ الصَفُّ المُؤَخَّرُ، وَتَأَخَّرَ الصَّفُّ المُقَدَّمُ، ثُمَّ رَكَعَ النَّبِيُّ ﷺ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بالسُّجُودِ والصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ الَّذِي كَانَ مُؤَخَّرًا في الرَّكْعَةِ الأولى، وَقَامَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ في نَحْرِ العَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى النَّبيُّ ﷺ السُّجُودَ والصَّفُّ الذِي يَليهِ، انْحَدَرَ الصَّفُّ المُؤخَّرُ بِالسُّجُودِ، فَسَجَدُوا، ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا. قَالَ جَابِرٌ: كمَا يَصْنَعُ حَرَسُكُم هَؤُلاءِ بِأُمَرَائِهِمْ. ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ بِتَمَامِه (١).

стр. 1563

وَذَكرَ البُخَارِيُّ طَرَفًا مِنْهُ، وأَنّهُ صَلَّى صَلاةَ الخَوْفِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في الغَزْوَةِ السابعةِ غَزْوَةِ ذاتِ الرقاعِ (١). * * * (عن) أبي عبد اللَّه (جابر بن عبد اللَّه الأنصاري) الخزرجي (﵄، قال: شهدت مع رسول اللَّه ﷺ صلاة الخوف، فصففنا) -بسكون الفاء الثانية، والضمير فاعل-؛ أي: صففنا أنفسنا (صفين خلف رسول اللَّه ﷺ ، و) كان (العدو) من المشركين (بيننا) -معشر أصحاب رسول اللَّه ﷺ مع نبيهم- (وبين) جهة (القبلة) المشرفة، ومن شرط صحة هذا الوجه، حيث لم يخف بعض المشركين، ولم يخف المسلمون كمينًا من المشركين، (فكبر النبي ﷺ ) تكبيرة الإحرام، (وكبرنا) -معشر أصحابه- (جميعًا، ثم) بعدما قرأ وقرأنا، (ركع) ﷺ ، (وركعنا) -معشر أصحابه-

стр. 1564

(جميعًا) بركوعه، (ثم) بعد الإتيان بالذكر المشروع، (رفع) ﷺ (رأسه من الركوع، ورفعنا) نحن كذلك (جميعًا) عقب رفعه، (ثم انحدر) ﷺ بعد الإتيان بالذكر المشروع (بالسجود)؛ أي: إليه، (و) انحدر معه (الصف الذي يليه) منا، فسجدوا بسجوده، (وقام الصف المؤخر في نحر)؛ أي: قبالة (العدو)، يقال: منازل بني فلان تتناحر؛ أي: تتقابل، وفي حديث علي: حتى تدعق الخيول في نواحر أرضهم (١). قال في "القاموس": والداران تتناحران: تتقابلان، ونحر [ت] الدار الدار؛ كمنع: استقبلـ[ـتـ]ـها، انتهى (٢). (فلما قضى النبي ﷺ السجود، وقام) إلى الركعة الثانية هو و (الصف الذي يليه) من الصفين، وهو الذي كان قد سجد معه، فبعد أن استتموا قائمين (انحدر الصف المؤخر) من الصفين (بالسجود)؛ أي: فأتوا به مع أذكاره، (وقاموا) متابعين النبي ﷺ ، (ثم) بعد قيامهم جميعًا (تقدم الصف المؤخر)؛ أي: الذي كان مؤخرًا في الركعة الأولى، (وتأخر الصف المقدم)؛ أي: الذي كان في الركعة الأولى مقدمًا، وإنما فعل ذلك ﷺ قصدًا للعدل والتسوية في فضيلة الموقف، ولقرب مواجهة العدو، وهذا هو الأولى (٣). وإن حرس كل صف مكانه من غير تقدم أو تأخر، أو جعلهم صفًا، وحرس بعضهم، وسجد الباقون، أو حرس الأول في الأولى، والثاني في

стр. 1565

الثانية، فلا بأس؛ لحصول المقصود، وهو الحراسة، لكن الأولى أن يفعل كما فعل ﷺ . قال في "الوجيز": الصحيح من المذهب: أن الأَوْلى أن الصف المؤخر هو الذي يحرس أولًا (١). قال في "النكت": هذا الصواب (٢)، واختاره المجد في "شرحه"، وجزم به في "المغني" (٣)، و"الشرح" (٤)، و"النظم"، وقدمه في "الفروع" (٥). والموجود من نص الشافعي: أن الصف الأول يحرس في الركعة الأولى. قال بعض أصحابه: لعله سها، أو لم يبلغه الحديث، ومشى جماعة من أصحابه من العراقيين على مقتضى الحديث، وبعض الخراسانيين من أصحابه مع نصه؛ كالغزالي في "الوسيط" (٦)، ومنهم من ادعى: أن في الحديث رواية كذلك. قال ابن دقيق العيد: وهؤلاء مطالبون بإبراز تلك الرواية، حتى يسوغ الترجيح، انتهى (٧).

стр. 1566

وقال به منا: القاضي وأصحابه، قال: لأنه أحوط (١). (ثم ركع النبي ﷺ ) قال جابر ﵁: (وركعنا) معه (جميعًا، ثم رفع رأسه) ﷺ (من الركوع، ورفعنا) من الركوع (جميعًا) برفعه، (ثم انحدر بالسجود) هو (والصف الذي يليه)، وهو (الذي كان مؤخرًا في الركعة الأولى، وقام الصف المؤخر)، وهو الذي كان مقدمًا في الركعة الأولى (في نحر العدو، فلما قضى النبي ﷺ السجود) هو (والصف الذي يليه)، واعتدلوا جلوسًا، (انحدر)؛ أي: خر (الصف المؤخر بالسجود فسجد [وا]) سجدتيه، وأتم التشهد ([ثم] سلم النبي ﷺ ) من صلاته لتمامه، قال جابر ﵁: (وسلمنا جميعًا) من الصفين، بسلامه ﵊. فدل هذا الحديث على أن الحراسة في السجود دون الركوع، وهذا هو المشهور، وحكي عن بعض الشافعية: أنه يحرس في الركوع أيضًا. والمذهب: الأول؛ لأن الركوع لا يمنع من إدراك العدو بالبصر، فالحراسة ممكنة معه، بخلاف السجود (٢). (قال جابر) ﵁: (كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائهم)؛ يعني: يكونون على غاية من اليقظة ناظرين إلى العدو، ومحدقين فيهم، لا تخفى عليهم حركتهم. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: (ذكره مسلم بتمامه، وذكر البخاري طرفًا منه).

стр. 1567

قال الحافظ عبد الحق في "جمعه" بعد إيراده لهذا الحديث: لم يخرج البخاري هذا الحديث (١). قال الحافظ المصنف -رحمه اللَّه تعالى-: (وأنه)، أي: جابر ﵁ (صلى صلاة الخوف مع النبي ﷺ في الغزوة السابعة؛ غزوة ذات الرقاع). قال الحافظ عبد الحق: وذكر البخاري، عن جابر، قال: خرج النبي ﷺ إلى ذات الرقاع من نجد، فلقينا جمعًا من غطفان، فلم يكن قتال، وأخاف الناس بعضهم بعضًا، فصلى النبي ﷺ ركعتي الخوف (٢)، لم يصل البخاري سنده، وقال البخاري -أيضًا-: قال [أبو] الزبير، عن جابر: كنا مع النبي ﷺ بنجد، فصلى الخوف (٣). وروى حديث جابر -أيضًا-: الإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه (٤). تنبيهات: الأول: لا يجوز أن يحرس صف واحد في الركعتين، فلو حرس صف واحد في الركعتين، ففي صحة صلاتهم خلاف لأصحاب الشافعي (٥)، وقال متأخرو علمائنا: لا تصح، قالوا: لتخلفه عنه في ركوع الثانية

стр. 1568

وسامعًا، [. . . . .] (*) بتركهم السجودَ مع الإمام في الركعتين (١). الثاني: روي من حديث جابر ﵁ أيضًا، قال: كنا مع النبي ﷺ بذات الرقاع، وأقيمت الصلاة، فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، فكان لرسول اللَّه ﷺ أربع، وللقوم ركعتان. متفق عليه (٢). ويجوز أن يصلي المقصورة بكل طائفة ركعة، فتكون له ركعتان، ولكل طائفة من المأمومين ركعة بلا قضاء، ومنعه أكثر علمائنا (٣). وقد رويت صلاة الخوف من وجوه متعددة -كما مر- ومختار إمامنا؛ كالمالكية والشافعية: صلاة الخوف على رواية سهل، وابن خوات، على اختلاف بينهم، نبهنا عليه. ومختار أبي حنيفة: رواية ابن عمر، كما نبهنا على ذلك، واللَّه أعلم. الثالث: إذا اشتد الخوف، صلوا رجالًا وركبانًا، للقبلة وغيرها؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]. قال ابن عمر: فإن كان الخوف أشد من ذلك، صلوا رجالًا قيامًا على أقدامهم، [أ] وركبانًا، مستقبلي القبلة، [أ] وغير مستقبليها. متفق عليه، زاد البخاري: قال نافع: لا أرى ابن عمر قال ذلك إلا عن النبي ﷺ (٤)، ورواه ابن ماجه مرفوعًا (٥).

стр. 1569

ولا يلزم والحالة هذه افتتاح الصلاة إلى القبلة، ولو أمكن المصلي ذلك، بل عليهم أن يومئوا طاقتهم في ركوع وسجود، ويجعلوا السجود أخفض من الركوع؛ وكذا على معتمد المذهب حالة هرب من عدو، بشرط كونه هربًا مباحًا، أو هربًا من سيل، أو سبع، أو نار، أو غريم ظالم، أو خوف فوت وقوف بعرفة، ونحو ذلك (١). الرابع: يسن في صلاة الخوف حمل ما يدفع به عن نفسه، ولا يثقله؛ كسيف وسكين، وكره ما يمنع إكمالها؛ كمغفر، أو ضرَّ غيره من المصلين؛ كرمح متوسط، وجاز لحاجة حمل نجس، ولو لم يعف عنه في غيرها، ولا يعيد للعذر (٢)، واللَّه الموفق (٣). * * *

стр. 1570

كتاب الجنائز جمع جنازة -بفتح الجيم وكسرها-: اسم للميت [والسرير] (١)، ويقال للميت -بالفتح-، وللسرير -بالكسر-، ويقال بالعكس؛ كما في "المشارق" (٢). قال في "المطلع": وإذا لم يكن الميت على السرير، فلا يقال له: جنازة، ولا نعش، وإنما يقال له: سرير، نص عليه الجوهري (٣)، وقال الأزهري: لا يسمى جنازة حتى يشد الميت مكفنًا (٤) عليه، وقال صاحب "المجمل": جنزت الشيء: سترته، ومنه اشتقاق الجنازة (٥)، انتهى (٦). وفي "القاموس": جنزه يجنزه: ستره وجمعه، والجِنازة: الميت، و -يفتح، أو بالكسر-: الميت، و -بالفتح-: السرير، أو عكسه، أو -

стр. 1571

بالكسر-: السرير مع الميت، وكل ما ثقل على قوم، واغتمُّوا به، انتهى (١). وذكر الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- فيه أربعة عشر حديثًا، وإنما ذكر هذا الكتاب هنا، وكان حقه أن يذكر في كتاب الفرائض؛ لاشتماله على الصلاة على الميت التي هي من أهم متعلقاته. * * *

стр. 1572

الحديث الأول عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: نَعَى النَّبِيُّ ﷺ النَّجَاشِيَّ في اليَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إلَى المُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ أَرْبَعًا (١).

стр. 1573

(عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر (﵁، قال: نعى النبي ﷺ النجاشي)؛ أي: أخبر أصحابه بموته. قال في "القاموس": نعاه نَعْيًا، ونَعِيًّا، ونُعيانًا: أخبر بموته (١)، وفي "النهاية": نعى الميت ينعاه: أذاع موته، وأخبر به (٢). والمكروه من النعي: إنما هو نعي الجاهلية، وهو النداء بموت الشخص، وذكر مآثره ومفاخره (٣). قال في "النهاية": كانت العرب في الجاهلية، إذا مات منهم شريف، أو قتل، بعثوا راكبًا إلى القبائل ينعاه إليهم، يقول: نعا فلانًا، أو نعاء العرب؛ أي: هلك فلان، أو هلكت العرب بموت فلان، فنعا من نعيت؛ مثل نظارِ ودراكِ، فقوله: نعا فلانًا معناه: انع فلانًا، كما تقول: دراك فلانًا؛ أي: أدركْه (٤). والنجاشي -بفتح النون، وتخفيف الجيم، وبالشين المعجمة على المشهور-، وزعم ابن دحية، وابن السيد أنه: -بكسر النون، وتشديد الياء؛ كياء النسب- (٥). وقال ابن الأثير في "النهاية": وقيل: الصواب تخفيفها (٦). وكذا قال صاحب "مجمع البحرين" (٧): إن تخفيفها أعلى وأفصح: هو

стр. 1574

لقب لكل من ملك الحبشة، ويسميه المتأخرون: [عطية] (١)؛ نقله النووي، وابن خالويه، وغيرهما (٢)، كما يلقب كل من ملك المسلمين: بأمير المؤمنين، وكل من ملك الروم: قيصر، والفرس: كسرى، والترك: خاقان، واليمن: تُبَّع، ولمن ملك اليونان: بطليوس، واليهود: فطون، والصابئة: النمرود، ومصر والشام: فرعون، فإن أضيف إليها الإسكندرية، سمي: العزيز، ويقال: المقوقس، ولمن ملك الفرغانة: الأخشيد، ولمن ملك البربر: جالوت، ولمن ملك العرب من قبل العجم: النعمان (٣). واسم النجاشي الذي كان في زمن النبي ﷺ : أَصْحَمَة -بفتح الهمزة، وسكون الصاد، وفتح الحاء المهملتين-، والحبشة يقولونه: بالخاء المعجمة، ومعنى أصحمة بالعربية: عطية (٤). وقال ابن دحية في "التنوير" (٥): وقيل: اسمه أصمحة -بتقديم الميم على الحاء-، وقيل: صحمة -بحذف الألف-، وقيل: مصحمة -بزيادة ميم في أوله-، وقيل غير ذلك.

стр. 1575

وقد هاجر إليه المسلمون مرتين، وكان يحسن إليهم، ويعظم النبي ﷺ ، ويتفانى في إكرام أصحابه، كما هو مشهور في السير والآثار، إلى أن أرسل إليه النبي ﷺ عمرو بن أمية الضمري بكتابين: أحدهما: يدعوه إلى الإسلام. والثاني: يطلب منه تزويجه بأم حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت مهاجرة عنده. فأخذ كتاب رسول اللَّه ﷺ ، ووضعه على عينيه، ونزل عن سريره، فجلس على الأرض، وأسلم، وحسن إسلامه، وكتب إلى النبي ﷺ جواب كتابه بذلك، وزوجه أم حبيبة، وأصدقها عنه من ماله أربع مئة دينار، وقال: لو كنت أستطيع أن آتيه أتيته. وتوفي النجاشي ﵁ سنة تسع بالحبشة، فأخبر النبي ﷺ بموته (١). (في اليوم الذي مات فيه)، وذلك في شهر رجب، (وخرج) ﷺ (بهم)؛ أي: بأصحابه ﵃ (إلى المصلى). وذكر السهيلي من حديث سلمة بن الأكوع: أنه ﷺ صلى عليه بالبقيع (٢)، وربما تعلق بخروجه ﷺ إلى المصلى، ولم يصل عليه في المسجد؛ من قال: بكراهة الصلاة على الميت في المسجد، ولا حجة فيه؛ لأن النبي ﷺ صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد (٣).

стр. 1576

(فصف بهم) صف هنا: لازم، والباء في (بهم) بمعنى مع؛ أي: صف معهم، ويحتمل أن يكون متعديًا، والباء زائدة للتوكيد؛ أي: صفهم؛ لأن الظاهر تقدمُ الإمام، فلا يوصف بأنه صافٌّ معهم إلا على المعنى الآخر، وليس في هذا الحديث كم صفهم صفًا، لكنه يفهم من حديث جابر: فكنت في الصف الثاني، أو الثالث (١): أنه صفهم ثلاثة صفوف، فصاعدًا (٢). (وكبر) ﷺ (أربعًا). فيه: دليل على [أن] تكبيرات صلاة الجنازة أربع (٣). قال في "شرح المقنع": التكبير على الجنازة أربع، لا يجوز النقص منها، ولا تسن الزيادة عليها؛ لأن النبي ﷺ كبر على النجاشي أربعًا. متفق عليه (٤). فإن زاد الإمام على أربع تكبيرات؛ فمعتمد المذهب أنه يتابع إلى سبع تكئيرات، قال الإمام أحمد: هو أكثر ما جاء فيه (٥). فقد روى مسلم، من حديث زيد بن أرقم: أنه كبر على جنازة خمسًا، وقال: كان النبي ﷺ يكبرها (٦).

стр. 1577

وروى ابن شاهين: أن النبي ﷺ كبر على حمزة سبعًا (١). وكبر علي ﵁ على أبي قتادة سبعًا (٢)، وعلى سهل بن حنيف ستًا، وقال: إنه بدري (٣). وروي: أن عمر ﵁ جمع الناس، فاستشارهم، فقال بعضهم: كبر النبي ﷺ سبعًا، وقال بعضهم: خمسًا، وقال بعضهم: أربعًا، فجمع عمر الناس على أربع تكبيرات، وقال: هو أطول الصلاة (٤). قال في "الفروع": وعنه: يتابعه إلى أربع فقط؛ وفاقًا للثلاثة، وهو المذهب؛ قاله أبو المعالي، واختاره ابن عقيل، وغيره، قال: كما لو علم، أو ظن بدعته ورفضه؛ لإظهار شعارهم، انتهى (٥). فإن زاد الإمام على سبع تكبيرات، لم يتابعه؛ نص عليه الإمام أحمد، وقال في رواية أبي داود: إن زاد على سبع، فينبغي للإمام أن يسبح

стр. 1578

به (١)، ولا أعلم أحدًا قال بالزيادة على سبع إلا عبد اللَّه بن مسعود (٢)، والأفضل: ألا يزيد على أربع؛ لأن فيه خروجًا من الخلاف (٣). قال في "شرح المقنع": وأكثر أهل العلم يرون التكبير أربعًا؛ منهم: عمر، وابنه، وزيد بن ثابت، وجابر، وابن أبي أوفى، والحسن بن علي، والبراء بن عازب، وأبو هريرة، وعقبة بن عامر، وابن الحنفية، وعطاء، والأوزاعي؛ وهو قول أبي حنيفة، ومالك، والثوري، والشافعي، واللَّه أعلم (٤). وفي الحديث: جواز الصلاة على الغائب عن البلد، ولو دون مسافة القصر، وسواء الإمام والآحاد؛ نص عليه الإمام أحمد، وسواء كان في قبلته، أو ورائه؛ وهذا مذهب الشافعي. وقال أبو حنيفة، ومالك: لا تجوز، وهي رواية عن الإمام أحمد. واختار شيخ الإسلام ابن تيمية: عدم الجواز إن كان صُلِّي عليه، وقال: لا يُصلَّى كل يوم على كل غائب؛ لأنه لم ينقل، يؤيده قول الإمام أحمد: إن مات رجل صالح، صُلي عليه، واحتج بقصة النجاشي هذه. قال في "الفروع": فإن كان الميت خارج السور، أو ما يقدر سورًا: لم يصل عليه؛ لأنه لا بد من انفصاله عن البلد، بما يعد الذهاب إليه نوع سفر.

стр. 1579

قال شيخ الإسلام: وأقرب الحدود ما تجب فيه الجمعة؛ لأنه إذنٌ من أهل الصلاة في البلد، فلا يعد غائبًا عنها (١). واعتذر من لم ير الصلاة على الغائب عن الحديث بأشياء: منها: أن فرض الصلاة لم يقم على النجاشي ببلاد الحبشة، حيث مات؛ فلا بد من إقامة فرضها. ومنها: ما قيل: إنه رفع للنبي ﷺ ، فرآه، فيكون ما صلَّى إلا على ميت رآه، وإن لم يره المأمومون، وهذا يحتاج إلى نقل يثبته، ولا يكتفى فيه بمجرد الاحتمال (٢). قال في "شرح المقنع": فإن قيل: يحتمل أن النبي ﷺ زويت له الأرض، فأري له الجنازة، قلنا: لم ينقل ذلك أحد، ولو كان، لأخبر به، ولنا الاقتداء بالنبي ﷺ ما لم يثبت ما يقتضي اختصاصه؛ ولأن الميت مع البعد لا تجوز الصلاة عليه، ولو كان الإنسان يراه، ولو اختصت الرؤية بالنبي ﵊، لاختصت الصلاة به، وقد صف أصحابه، [فصلى بهم]. وأما قولهم: إنما فعل النبي ﷺ ذلك؛ لكون الحبشة لم يكن فيها من يصلي عليه. فالجواب: هذا عدول منكم عن مذهبكم؛ فإنكم لا تجيزون الصلاة على الغريق، والأسير، وإن كان لم يصل عليه، وأيضًا: يبعد من مَلِكٍ يكون على دين، ولا يوافقه عليه أحد من بطانته، واللَّه أعلم (٣). * * *

стр. 1580

الحديث الثاني عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى النَجَاشِيِّ، فَكُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي أَو الثَّالِثِ (١). * * * (عن جابر) بن عبد اللَّه الأنصاري ﵄: (أن النبي ﷺ صلى على النجاشي) أصحمة ملك الحبشة ﵁، قال جابر: (فكنت) من المصلين عليه مع رسول اللَّه ﷺ (في الصف الثاني، أو) كنت في الصف (الثالث).
следующие страницы →