← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

(فصف بهم) صف هنا: لازم، والباء في (بهم) بمعنى مع؛ أي: صف معهم، ويحتمل أن يكون متعديًا، والباء زائدة للتوكيد؛ أي: صفهم؛ لأن الظاهر تقدمُ الإمام، فلا يوصف بأنه صافٌّ معهم إلا على المعنى الآخر، وليس في هذا الحديث كم صفهم صفًا، لكنه يفهم من حديث جابر: فكنت في الصف الثاني، أو الثالث (١): أنه صفهم ثلاثة صفوف، فصاعدًا (٢). (وكبر) ﷺ (أربعًا). فيه: دليل على [أن] تكبيرات صلاة الجنازة أربع (٣). قال في "شرح المقنع": التكبير على الجنازة أربع، لا يجوز النقص منها، ولا تسن الزيادة عليها؛ لأن النبي ﷺ كبر على النجاشي أربعًا. متفق عليه (٤). فإن زاد الإمام على أربع تكبيرات؛ فمعتمد المذهب أنه يتابع إلى سبع تكئيرات، قال الإمام أحمد: هو أكثر ما جاء فيه (٥). فقد روى مسلم، من حديث زيد بن أرقم: أنه كبر على جنازة خمسًا، وقال: كان النبي ﷺ يكبرها (٦).

стр. 1577

وروى ابن شاهين: أن النبي ﷺ كبر على حمزة سبعًا (١). وكبر علي ﵁ على أبي قتادة سبعًا (٢)، وعلى سهل بن حنيف ستًا، وقال: إنه بدري (٣). وروي: أن عمر ﵁ جمع الناس، فاستشارهم، فقال بعضهم: كبر النبي ﷺ سبعًا، وقال بعضهم: خمسًا، وقال بعضهم: أربعًا، فجمع عمر الناس على أربع تكبيرات، وقال: هو أطول الصلاة (٤). قال في "الفروع": وعنه: يتابعه إلى أربع فقط؛ وفاقًا للثلاثة، وهو المذهب؛ قاله أبو المعالي، واختاره ابن عقيل، وغيره، قال: كما لو علم، أو ظن بدعته ورفضه؛ لإظهار شعارهم، انتهى (٥). فإن زاد الإمام على سبع تكبيرات، لم يتابعه؛ نص عليه الإمام أحمد، وقال في رواية أبي داود: إن زاد على سبع، فينبغي للإمام أن يسبح

стр. 1578

به (١)، ولا أعلم أحدًا قال بالزيادة على سبع إلا عبد اللَّه بن مسعود (٢)، والأفضل: ألا يزيد على أربع؛ لأن فيه خروجًا من الخلاف (٣). قال في "شرح المقنع": وأكثر أهل العلم يرون التكبير أربعًا؛ منهم: عمر، وابنه، وزيد بن ثابت، وجابر، وابن أبي أوفى، والحسن بن علي، والبراء بن عازب، وأبو هريرة، وعقبة بن عامر، وابن الحنفية، وعطاء، والأوزاعي؛ وهو قول أبي حنيفة، ومالك، والثوري، والشافعي، واللَّه أعلم (٤). وفي الحديث: جواز الصلاة على الغائب عن البلد، ولو دون مسافة القصر، وسواء الإمام والآحاد؛ نص عليه الإمام أحمد، وسواء كان في قبلته، أو ورائه؛ وهذا مذهب الشافعي. وقال أبو حنيفة، ومالك: لا تجوز، وهي رواية عن الإمام أحمد. واختار شيخ الإسلام ابن تيمية: عدم الجواز إن كان صُلِّي عليه، وقال: لا يُصلَّى كل يوم على كل غائب؛ لأنه لم ينقل، يؤيده قول الإمام أحمد: إن مات رجل صالح، صُلي عليه، واحتج بقصة النجاشي هذه. قال في "الفروع": فإن كان الميت خارج السور، أو ما يقدر سورًا: لم يصل عليه؛ لأنه لا بد من انفصاله عن البلد، بما يعد الذهاب إليه نوع سفر.

стр. 1579

قال شيخ الإسلام: وأقرب الحدود ما تجب فيه الجمعة؛ لأنه إذنٌ من أهل الصلاة في البلد، فلا يعد غائبًا عنها (١). واعتذر من لم ير الصلاة على الغائب عن الحديث بأشياء: منها: أن فرض الصلاة لم يقم على النجاشي ببلاد الحبشة، حيث مات؛ فلا بد من إقامة فرضها. ومنها: ما قيل: إنه رفع للنبي ﷺ ، فرآه، فيكون ما صلَّى إلا على ميت رآه، وإن لم يره المأمومون، وهذا يحتاج إلى نقل يثبته، ولا يكتفى فيه بمجرد الاحتمال (٢). قال في "شرح المقنع": فإن قيل: يحتمل أن النبي ﷺ زويت له الأرض، فأري له الجنازة، قلنا: لم ينقل ذلك أحد، ولو كان، لأخبر به، ولنا الاقتداء بالنبي ﷺ ما لم يثبت ما يقتضي اختصاصه؛ ولأن الميت مع البعد لا تجوز الصلاة عليه، ولو كان الإنسان يراه، ولو اختصت الرؤية بالنبي ﵊، لاختصت الصلاة به، وقد صف أصحابه، [فصلى بهم]. وأما قولهم: إنما فعل النبي ﷺ ذلك؛ لكون الحبشة لم يكن فيها من يصلي عليه. فالجواب: هذا عدول منكم عن مذهبكم؛ فإنكم لا تجيزون الصلاة على الغريق، والأسير، وإن كان لم يصل عليه، وأيضًا: يبعد من مَلِكٍ يكون على دين، ولا يوافقه عليه أحد من بطانته، واللَّه أعلم (٣). * * *

стр. 1580

الحديث الثاني عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى النَجَاشِيِّ، فَكُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي أَو الثَّالِثِ (١). * * * (عن جابر) بن عبد اللَّه الأنصاري ﵄: (أن النبي ﷺ صلى على النجاشي) أصحمة ملك الحبشة ﵁، قال جابر: (فكنت) من المصلين عليه مع رسول اللَّه ﷺ (في الصف الثاني، أو) كنت في الصف (الثالث).

стр. 1581

قال في "الفروع": ويستحب أن يصفهم، وألا ينقصهم عن ثلاثة صفوف؛ نص على ذلك الإمام أحمد، للأخبار (١)، فقد روى الخلال بإسناده، عن مالك بن هبيرة ﵁، وكانت له صحبة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من صلى عليه ثلاثة صفوف، فقد أوجب"، قال: فكان مالك بن هبيرة، إذا استقلَّ أهلَ الجنازة، جزأهم ثلاثة أجزاء. ورواه الترمذي، وقال: حديث حسن، ورواه أبو داود، واللفظ له، وابن ماجه (٢)، ومعنى أوجب؛ أي: وجبت له الجنة، ورواه الحاكم، ولفظه: "إلا غفر له" (٣). قال الإمام أحمد: أحبُّ إذا كان فيهم قلة: أن يجعلهم ثلاثة صفوف، قيل له: فإذا كان وراءه أربعة؟ قال: يجعلهم صفين، في كل صف رجلين (٤). فائدة: ذكر الشهاب القسطلاني، عن الزركشي؛ قال بعضهم: والثلاثة -يعني: من الصفوف- بمنزلة الصف الواحد في الأفضلية، وإنما يجعل الأول أفضل؛ محافظة على مقصود الشارع من الثلاثة (٥).

стр. 1582

تنبيه: تستحب تسوية الصف في صلاة الجنازة؛ نص عليه الإمام أحمد. وقيل لعطاء: أخذ على الناس أن يصفوا على الجنازة؛ كما يصفون في الصلاة؟ قال: لا، قوم يدعون ويستغفرون (١)! قال في "شرح المقنع": كره الإمام أحمد قول عطاء هذا، وقال: يسوون صفوفهم؛ فإنها صلاة، ولأن النبي ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج إلى المصلى، فصف بهم، وكبر أربعًا. متفق عليه (٢)، وعن أبي المليح: أنه صلى على جنازة، فالتفت فقال: استووا، ولتحسن شفاعتكم (٣)، رواه النسائي، ولفظه: عن الحكم بن فروخ، قال: صلى بنا أبو المليح على جنازة، فظننا أنه قد كبر، فأقبل علينا بوجهه، فقال: أقيموا صفوفكم، ولتحسن شفاعتكم، وفيه عن ميمونة زوج النبي ﷺ : "ما من ميت يصلي عليه أمة من الناس، إلا شفعوا فيه" فسألت أبا المليح عن الأمة، قال: أربعون (٤). * * *

стр. 1583

الحديث الثالث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى عَلَى قَبْرٍ بَعْدَمَا دُفِنَ، فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا" (١). * * * (عن) أبي العباس (عبد اللَّه بن عباس ﵄: أن

стр. 1584

رسول اللَّه ﷺ صلى على قبر) وفي لفظ: مر على قبرٍ منبوذٍ (١) -بتنوين قبر-، ومنبوذ صفة له؛ أي: في ناحية عن القبور، ولأبي ذر: قبرِ منبوذٍ -بالإضافة-؛ أي: لقيط، كما في القسطلاني (٢). (بعدما دفن) في "الأوسط" للطبراني، عن الشيباني: أنه صلى عليه بعدما دفن بليلتين (٣). ورواه الدارقطني، فقال: بعد موته بثلاث (٤). وروى الدارقطني، من طريق بشر بن آدم، عن أبي عاصم، عن سفيان الثوري، عن الشيباني، فقال: بعد شهر (٥). قال في "الفتح": وهذه روايات [شاذة]، وسياق [الطرق] (٦) الصحيحة يدل على أنه صلى عليه في صبيحة دفنه (٧). (فكبر) النبي ﷺ (عليه)؛ أي: على ذلك القبر -يعني: على الميت الذي في ذلك القبر- (أربعًا). وفي "البخاري": قال سليمان الشيباني: سمعت الشعبي عامر بن شراحيل قال: أخبرني من مر مع النبي ﷺ على قبر منبوذ، فأمهم ﵊ وصلوا خلفه. قال الشيباني: قلت للشعبي: من حدثك بهذا يا أبا عمرو؟ قال: ابن عباس ﵄ (٨).

стр. 1585

وفي رواية عنه، قال: انتهينا مع رسول اللَّه ﷺ إلى قبر رطب، فصلى عليه، وصفوا خلفه، فكبر أربعًا (١). وقد اختلف العلماء في حكم ما دل عليه هذا الحديث من الصلاة على القبر: فمعتمد مذهب الإمام أحمد: أن من فاتته الصلاة على الجنازة؛ فله أن يصلي عليها ما لم تدفن، فإن دفنت، فله أن يصلي على القبر إلى شهر وشيء، وفسر الشيء: باليوم واليومين، فإن شك في مضي المدة، صلى حتى يعلم انتهاءها؛ وهذا قول أكثر أهل العلم، روي ذلك عن أبي موسى الأشعري، وابن عمر، وعائشة ﵃. وهو مذهب الأوزاعي، والشافعي، لكن معتمد مذهبه: جواز الصلاة عليه أبدًا، بشرط كون المصلي من أهل وجوب الصلاة يوم موته، واختاره ابن عقيل من أئمة علمائنا؛ لأن النبي ﷺ صلى على شهداء أحد بعد ثمان سنين، حديث صحيح (٢). وقال بعضهم: يصلي عليه ما لم يبل جسده. ودليل معتمد المذهب: فعلُ النبي ﷺ ، قال الإمام أحمد ﵁: أكثر ما سمعت: أن النبي ﷺ صلى على أم سعد بن عبادة بعد شهر. وحديث صلاته ﷺ على أم سعد بعد شهر، رواه الترمذي، عن سعيد بن المسيب، مرسل، وهو صحيح (٣).

стр. 1586

وقد روى عكرمة، عن ابن عباس، موصولًا: قيل لرسول اللَّه ﷺ : لو صليت على أم سعد، فصلى عليها، وقد أتى لها شهر، وقد كان النبي ﷺ غائبًا (١)، ولأنها مدة يغلب على الظن بقاء الميت فيها، أشبهت الثلاث، أو كالغائب. وأما تجويز الصلاة على الميت مطلقًا، فباطل؛ بأن قبر النبي ﷺ لا يصلَّى عليه الآن إجماعًا. وأما مذهب أبي حنيفة، ومالك: فلا تعاد الصلاة على الميت، إلا للولي إذا كان غائبًا، ولا يصلى على القبر إلا لذلك، قال أبو حنيفة: يصلي عليه الولي خاصة إلى ثلاث. وقال إسحاق: يصلي على الغائب إلى شهر، والحاضر إلى ثلاث. ودليل جواز الصلاة على القبر من الولي والأجنبي: ما روي من حديث أبي هريرة ﵁: أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد، أو شابًا، ففقدها رسول اللَّه ﷺ ، فسأل عنها، أو عنه، فقالوا: مات، قال: "أفلا كنتم آذنتموني؟ "، قال: فكأنهم صغروا أمرها، أو أمره، فقال: "دلوني على قبرها"، فدلوه، فصلى عليها، ثم قال: "إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن اللَّه ينورها لهم بصلاتي عليهم" (٢). قال الحافظ عبد الحق: الصحيح أنها كانت امرأة، رواه البخاري

стр. 1587

ومسلم، واللفظ لمسلم، ولم يقل البخاري: "إن هذه القبور" وما بعده (١). قال الإمام أحمد ﵁: ومن يشك في الصلاة على القبر؟! يروى عن النبي ﷺ من ستة أوجه، كلها حسان. وأيضًا: فغير الولي من أهل الصلاة؛ فتسوغ له الصلاة، كالولي (٢). وأما صلاته ﵊ على قتلى أحد بعد ثمان سنين؛ فكالمودع للأحياء والأموات، وكان قد صلى عليهم، فلذلك كان خاصًا به ﷺ ، وأيضًا: قتلى أحد شهداء لا صلاة عليهم، والذي يظهر: أنه ﷺ إنما صلى عليهم؛ أي: دعا لهم وودعهم، عند قرب أجله ﷺ (٣)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1588

الحديث الرابع عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كُفِّنَ فِي ثَلَاثةِ أَثْوَاب يَمَانِيَةٍ بيضٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ (١).

стр. 1589

(عن) أم المؤمنين (عائشة) الصديقة (﵂: أن النبي ﷺ كفن في ثلاثة أثواب يمانية) -بتخفيف الياء (١) - نسبة إلى اليمن (٢) (بيض) زاد في لفظ في "الصحيحين": سحولية (٣) -بفتح السين المهملة، وتشديد المثناة التحتية- نسبة إلى السحول، وهو القصار؛ لأنه يسحلها؛ أي: يغسلها، أو إلى سحول: قرية باليمن، وقيل: -بالضم-: اسم القرية أيضًا (٤). قال في "شرح المقنع": الأفضل عند إمامنا الإمام أحمد ﵁: أن يكفن الرجل في ثلاث لفائف بيض، لا يزيد عليها، ولا ينقص منها. قال الترمذي: العمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، وهو مذهب الشافعي (٥). ويستحب كون الكفن أبيض؛ للحديث، ولقوله ﷺ : "البسوا من ثيابكم البياض، فإنه أطهر وأطيب، وكفنوا فيه موتاكم" رواه النسائي (٦). وحكي عن أبي حنيفة: أن المستحب أن يكفن في إزار ورداء وقميص؛

стр. 1590

لما روى عبد اللَّه بن المغفل: أن النبي ﷺ كفن في قميصه (١)، ولأنه ﵇ ألبس قميصه عبد اللَّه بن أبي. رواه النسائي (٢). وحديث "الصحيحين" أصح حديث يروى في كفن رسول اللَّه ﷺ ؛ ولأن عائشة أقرب إلى رسول اللَّه ﷺ ، وأعرف بأحواله، ولهذا لما ذكر لها قول الناس: أن النبي ﷺ كفن في برد، قالت: قد أتي بالبرد، ولكنهم لم يكفنوه فيه (٣)، فحفظت ما أغفله غيرها. وقالت أيضًا: أُدرج رسول اللَّه ﷺ في حلة يمنية كانت لعبد اللَّه بن أبي بكر، ثم نزعت عنه، فرفع عبد اللَّه بن أبي بكر الحلة، وقال: أكفن فيها. ثم قال: لم يكفن فيها رسول اللَّه ﷺ ، وأكفن فيها؟! فتصدق بها رواه مسلم (٤)، وفي رواية: ثم قال: لو رضيها اللَّه لنبيه، لكفنه بها، فباعها وتصدق بثمنها (٥).

стр. 1591

وأما إلباس النبي ﷺ عبدَ اللَّه بن أُبي قميصَه: فإنما فعل ذلك تكرمة لابنه عبد اللَّه؛ لأنه سأله ذلك؛ ليتبرك به أبوه، ويندفع عنه العذاب ببركة قميص النبي ﷺ ، وقيل: إنما فعل ذلك مكافأة وجزاء لعبد اللَّه بن أبي عن كسوته العباس ﵁ قميصه يوم بدر؛ لأنه كان طوالًا، فلم يجىء على قدر طول العباس إلا قميصه (١). (ليس فيها)؛ أي: الأكفان الثلاثة (قميص) هذا صريح في نفي ما احتج به أبو حنيفة، (ولا عمامة)، أي: ليس موجودًا أصلًا في أكفانه ذلك، بل هي الثلاثة فقط. قال النووي: وهو ما فسره به الشافعي والجمهور؛ وهو الصواب الذي يقتضيه ظاهر الحديث، وهو أكمل الكفن للذكر، ويحتمل أن يكون الثلاثة أثواب خارجة عن القميص والعمامة؛ فيكون ذلك خمسة، وهو تفسير الإمام مالك (٢). وهل تكره الزيادة على الثلاثة، أو لا؟ قطع في "الإقناع" (٣)، و"المنتهى" (٤): بكراهة الزيادة على الثلاثة أكفان، كتعميمه لظاهر حديث عائشة ﵂. والذي قدمه في "الفروع": لا تكره خمسة أثواب، وفاقًا، ولا تعميمه في أحد الوجهين فيهما، بل في سبعة أثواب، خلافًا لمالك (٥).

стр. 1592

قلت: فيكون معتمد المذهب على ما في "الفروع": الكراهة؛ لأنه متى صدّر بقول: ثم قال في وجه، فالمقدم خلافه (١). ومذهب الشافعية: جواز زيادة القميص والعمامة على الثلاثة، من غير استحباب (٢). تنبيه: الواجب: ثوب يستر العورة، يعني: يستر جميع الميت؛ بحيث لا يصف البشرة، وأن يكون من ملبوس مثله، ما لم يوص بدونه، ويكره في أعلى من ملبوس مثله. وإن كفن الميت في قميص، ومئزر، ولفافة، جاز بلا كراهة، إلا كونه في ثلاث لفائف أفضل، ويجوز التكفين في ثوبين، لما يأتي في حديث ابن عباس ﵄. وأما المرأة: فتكفن في خمسة أثواب: إزار، وخمار، وقميص، ولفافتين (٣). قال ابن المنذر: أكثر من يحفظ عنه من أهل العلم يرى ذلك؛ منهم: الشعبي، ومحمد بن سيرين، والنخعي، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وكان عطاء يقول: تكفن في ثلاثة أثواب: درع، وثوب تحت الدرع تلف به، وثوب فوقه تلف فيه، وإنما استحب ذلك؛ لأن المرأة تزيد في حال حياتها على الرجل في الستر؛ لزيادة عورتها على عورته، فكذلك بعد

стр. 1593

الموت، ولما كانت تلبس المخيط في إحرامها، وهو أكمل أحوال الحي، استحب إلباسها إياه بعد موتها، بخلاف الرجل. وقد روى أبو داود، عن ليلى بنت قانف الثقفية، قالت: كنت فيمن غسل أم كلثوم بنت رسول اللَّه ﷺ عند وفاتها، وكان أول ما أعطانا رسول اللَّه ﷺ : الحقا، ثم الدرع، ثم الخمار، ثم الملحفة، ثم أدرجت في الثوب الآخر، قالت: ورسول اللَّه عند الباب معه كفنها يناولنا [هـ]، ثوبًا ثوبًا. ورواه الإمام أحمد (١). قال البخاري: قال الحسن: الخرقة الخامسة تشد بها الفخذان، والوركان تحت الدرع (٢). وروت أم عطية: أن النبي ﷺ ناولها إزارًا، ودرعًا، وخمارًا، وثوبين (٣). قوله في الحديث: "ناولها الحقا" قال ابن نصر اللَّه في "حواشي الكافي": الحقا، بالقصر: كأنه لغة في الحقو، وكأن الواو قلبت ألفًا،

стр. 1594

فتكون الحاء باقية على الفتح، انتهى (١). وفي "القاموس": الحقو: الكشح، والإزار، و-يكسر-، أو مَعْقِدُه، كالحَقْوة والحِقاء، والجمع: أَحْقٍ، وأَحْقاء (٢). وأما الصغيرة إلى بلوغ، فتكفن في قميص ولفافتين. قال المروذي: سألت أبا عبد اللَّه: في كم تكفن الجارية إذا لم تبلغ؟ قال: في لفافتين، وقميص لا خمار فيه (٣). وكفن ابن سيرين بنتًا له قد أعصرت -أي: قاربت المحيض- في قميص، ولفافتين (٤). * * *

стр. 1595

الحديث الخامس عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَتِ ابْنَتُهُ، فَقَالَ: "اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إنْ رَأيتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، واجْعَلْنَ في الأَخِيرَةِ كَافُورًا، أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإذَا فَرَغْتُنَّ، فآذِنَّنِي"، فَلمَّا فَرَغنَا، آذَنَّاهُ، فَأَعْطَانَا حِقْوَهُ، فَقَالَ: "أَشْعِرْنَهَا بِهِ"؛ تَعْنِي: إِزَارَه (١). وَفي رِوَايَةٍ: "أَوْ سَبْعًا" (٢).

стр. 1596

وَقَالَ: ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا". (١) وإِنَّ أُمَّ عَطِيْةَ قَالَتْ: وجَعَلْنَا رَأْسَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ (٢).

стр. 1597

(عن أم عطية) نسيبة (الأنصارية) ﵂، تقدمت ترجمتها في العيدين، (قالت: دخل علينا رسول اللَّه ﷺ حين توفيت ابنته)؛ يعني: زينب؛ كما قاله الخطيب، والنووي (١)، وغيرهما، وهي أكبر بناته، ونقله ابن بشكوال عن مسلم (٢)، قال: وقيل: إنها أم كلثوم (٣)، وكانت قد توفيت في التاسعة، وقد روى أبو داود بسند ليس بذاك، وكذا ابن ماجه، عن أم عطية، قالت: دخل علينا رسول اللَّه ﷺ ، ونحن نغسل ابنته أم كلثوم ... ، الحديث (٤). وبهذا قال الطحاوي، ونقله القاضي عن بعض أهل السير (٥)، وصرح ابن عبد البر في ترجمة أم كلثوم: أنها توفيت في سنة تسع، وصلى عليها أبوها ﷺ ، قال: وهي التي شهدت أمُّ عطية غسلَها (٦). وأما قول الحافظ المنذري: في كونها أم كلثوم نظر؛ فإن أم كلثوم توفيت والنبي ﷺ غائب ببدر (٧). معترض: بأن أم كلثوم لا خلاف في أنها توفيت سنة تسع، وإنما رقية هي التي توفيت، والنبي ﷺ غائب ببدر، وتخلف عثمان عن بدر بسببها،

стр. 1598

وجاءه زيد بن حارثة بشيرًا بأمر بدر، وهو على قبر رقية (١). قال البرماوي: ولا مانع من كون أم عطية روت غسل زينب، وغسل أم كلثوم، وقال النبي ﷺ في كلتيهما ذلك؛ ويكون جمعًا بين الأحاديث. وتقدم أن زينب توفيت سنة ثمان من الهجرة. (فقال) النبي ﷺ : (اغسلنها) وجوبًا مرة واحدة عامة لبدنها؛ أي: بعد إزالة نجس إن كان. قال في "شرح المقنع": الواجب غسل الميت غسلة واحدة؛ لأنه غسل واجب من غير نجاسة أصابته، فكان مرة واحدة كغسل الجنابة، قال عطاء: يجزيه غسلة واحدة إن أنقوه (٢). وقد روي عن الإمام أحمد: أنه قال: لا يعجبني إن غسل واحدة؛ لأن النبي ﷺ قال: "اغسلنها (ثلاثًا) (٣)؛ أي: ندبًا على معتمد المذهب. فالأمر للوجوب بالنسبة إلى أصل الغسل، وللندب بالنسبة إلى الإيتار (٤). نعم، يكره الاقتصار على الواحدة؛ وفاقًا للثلاثة، ولا يجب فعل الغسل، فلو ترك تحت ميزاب ونحوه، وحضر أهل لغسله، ونوى، ومضى زمن يمكن غسله فيه، صح (٥). (أو خمسًا)، وفي رواية هشام بن حسان، عن حفصة: "اغسلنها وترًا:

стр. 1599

ثلاثًا، أو خمسًا" (١)، (أو أكثر من ذلك)، وفي رواية أيوب، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية: "ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا" (٢). قال في "الفتح": ولم أر في شيء من الروايات التعبير بأكثر من ذلك إلا في رواية لأبي داود (٣)، وأما سواها؛ فإما "أو سبعًا" وإما "أو أكثر من ذلك" (٤)، فيحتمل تفسير قوله: "أو أكثر من ذلك" بالسبع؛ وبه قال الإمام أحمد، فكره الزيادة على السبع. وقال الماوردي: الزيادة على السبع سرف، انتهى (٥). قلت: تحرير مذهب الإمام أحمد على المعتمد: يسن التثليث في غسل الميت، فإن لم ينق بثلاث، زاد إلى سبع، فإن لم ينق بسبع، فالأولى غسله حتى يُنَقَّى، ويقطع على وتر من غير إعادة وضوء. وإن خرج منه شيء بعد الثلاث، أُعيد وضوءه، ووجب غسلُه كلما خرج، إلى سبع. وإن خرج منه شيء من السبيلين أو غيرهما بعد السبع، غسلت النجاسة، ووضىء، ولا غسل، لكن يُحشى بالقطن، أو يُلَجَّم به؛ كما

стр. 1600

تفعل المستحاضة، فإن لم يمسكه ذلك، حُشي بالطين الحُرِّ الذي له قوة تمسك المحل، ولا يكره حشو المحل إن لم يستمسك (١). قال في "الفروع": فإن لم ينق بثلاث، زاد حتى ينقي اتفاقًا؛ يعني: من الأئمة الأربعة، ويقطع على وتر، ونقل الجماعة: لا يزاد على سبع، وجزم به جماعة، انتهى (٢). وقال الإمام أَبو حنيفة: لا يزاد على الثلاث -يعني: إن حصل بها الإنقاء-. (إن رأيتن ذلك) -بكسر الكاف-؛ لأنه خطاب لمؤنثة (٣)؛ أي: أَدَّاكنَّ اجتهادكنَّ إلى ذلك، بحسب الحاجة إلى الإنقاء، لا التشهي، فإن حصل الإنقاء بالثلاث، لم يزد عليها، وإلا، زيد وترًا حتى يحصل الإنقاء، وهذا بخلاف طهارة الحي؛ فإنه لا يزاد على الثلاث، والفرق: أن طهارة الحي محض تعبد، وهذا لمقصود النظافة. قال في "شرح المقنع": فإن خرج من الميت نجاسة بعد الثلاث، وهو على مغتسله من قُبله أو دُبره، غسله إلى خمس، فإن خرج بعد الخمس، غسله إلى سبع، ويوضئه في الغسلة التي تلي خروج النجاسة، قال صالح: قال أبي: يوضأ الميت مرة واحدة، إلا أن يخرج منه شيء، فيعاد عليه الوضوء، وهذا قول ابن سيرين، وإسحاق. واختار أَبو الخطاب: أنه يغسل موضع النجاسة، ويوضَّى، ولا تجب إعادة غسله، وهو قول الثوري، ومالك، وأبي حنيفة؛ لأن خروج النجاسة

стр. 1601

من الحي بعد غسله لا تبطله، فكذلك الميت. وللشافعي قولان: كالمذهبين. ولنا: أن القصد من غسل الميت: أن يكون خاتمة أمره الطهارة الكاملة، ألا ترى أن الموت جرى مجرى زوال العقل (١). (بماء وسدر)، وتعلق بقوله: "اغسلنها"، ويقوم نحو السدر -كالخطمي- مقامه، قال القسطلاني: بل هو أولى في التنظيف، نعم السدر أولى؛ للنص عليه، ولأنه أمسك للبدن (٢). قال في "شرح المقنع": فإن لم يوجد السدر، غسله بما يقوم مقامه، ويقرب منه الخطمي، ونحوه؛ لحصول المقصود به، وإن غسله بذلك مع وجود السدر، جاز؛ لأن الشرع ورد بهذا لمعنى معقول، وهو التنظيف، فتعدى إلى كل ما وجد فيه المعنى (٣). تنبيه: ظاهر الحديث: أن المطلوب تكرير الغسلات به إلى أن يحصل الإنقاء. قال في "شرح المقنع": المنصوص عن الإمام أحمد ﵁: أنه يستحب أن يغسل ثلاثًا بماء وسدر، قال صالح: قال أبي: الميت يغسل بماء وسدر الثلاث غسلات، قلت: فيبقى عليه؛ قال: أي شيء يكون هو أنقى له. وذكر عن عطاء: أن ابن جريج قال له: إنه يبقى عليه السدر إذا غسله به كل مرة، قال عطاء: هو طهور.

стр. 1602

واحتج الإمام أحمد: بحديث أم عطية هذا، وقال ﷺ في المحرم: "اغسلوه بماء وسدر" متفق عليه (١). قال: وذهب كثير من أصحابنا المتأخرين إلى أنه لا يترك في الماء سدر يغيره، ثم اختلفوا؛ فقال ابن حامد: يطرح في كل المياه شيء يسير من السدر لا يغيره؛ ليجمع بين العمل بالحديث، ويكون الماء ثابتًا على إطلاقه -يعني: لم يتغير بما يسلبه الطهورية-. وقال القاضي، وأبو الخطاب: يغسل أول مرة بالسدر، ثم يغسل بعد ذلك بالماء القراح؛ فيكون الجميع غسلة واحدة، ويكون الاعتداد بالآخر دون الأول؛ لأن الإمام أحمد شبه غسله بغسل الجنابة، ولأن السدر إن غير الماء، سلبه الطهورية، وإن لم يغيره، فلا فائدة في ترك يسير -يعني: في الماء- لا يؤثر. قال في "شرح المقنع": والأول ظاهر كلام الإمام، ويكون ذلك دالًا على أن تغيير الماء بالسدر لا يخرجه عن طهوريته (٢). قلت: الذي استقر عليه مذهبه: الثاني. قال في "الإقناع"، وغيره: ويسن ضرب سدر ونحوه، فيغسل برغوته رأسه، ولحيته فقط، وبدنه بالثُّفْل (٣)، ويكون السدر في كل غسلة، ثم يفيض الماء القَرَاح -أي: الخالص من السدر- على جميع بدنه، فيكون

стр. 1603

ذلك غسلة واحدة، يجمع فيها بين السدر والماء القراح، يفعل ذلك ثلاثًا، إلا أن الوضوء في الأولى فقط (١). وأما ظاهر رواية حنبل: فإنه إنما يجعل السدر في أول غسلة، واختاره جماعة؛ وفاقًا للشافعي، ونقل حنبل أيضًا: ثلاثًا بسدر، وآخرها بماء. واختلف الحنفية: هل السدر في الثانية، أو في الثالثة (٢)؟ ومذهب الشافعي -على ما نقله القسطلاني- كمعتمد ما استقر عليه مذهبنا (٣). وقال ﷺ لأم عطية: (واجعلْنَ في) الغسلة (الأخيرة كافورًا)، وهو الطيب المعروف من شجر بجبال الهند والصين، يظل خَلْقًا كثيرًا، وتألفه النمورة، وخشبه أبيض هش، ويوجد في أجوافه الكافور، وهو أنواع، ولونه أحمر، وإنما يتبيض بالتصعيد؛ كما في "القاموس" (٤). وفي "تذكرة داود الأنطاكي" ما ملخصه: الكافور: اسم لِصمْغِ شجرة هندية، تكون بتخوم سرنديب وما يلي المحيط، وتعظم حتى تظل مئة فارس، خشبها سبط شديد البياض خفيف ذكي الرائحة، وليس لها زهر ولا حمل. والكافور: إما متصاعدًا منها إلى خارج، وهو الرياحي. وإما: موجود في داخل العود يتساقط إذا نشرت، وهو القيصوري -بالقاف والتحتية-، ويقال: بالفاء والنون-، ويصعد هذا فيلحق بالأول.

стр. 1604

وإما: مختلط بالخشب غليظ خشن اللمس، فيه زرقة، ويسمى: الإزدار، والإذار، وهو أن يرض الخشب، ويعرى بالطبخ، ثم يصفى، وهذا هو كافور الموتى، ويسمى: أرغول (١). (أو) قال ﵇: "اجعلن في الغسلة الأخيرة (شيئًا من كافور) "، شكٌّ من الراوي أيَّ اللفظين قال. والأولُ محمول على الثاني؛ لأنه نكرة في سياق الإثبات، فيصدق بكل شيء منه. وحكمة جعله في الأخيرة من الغسلات: للطيب، ولتقوية بدن الميت وحفظه، إذ لو كان في غير الأخيرة، أذهبه الغسل بعدها، فلا يحصل الغرض من حفظه بدنَ الميت (٢). قال في "الفروع": ويَجعل في الأخيرة كافورًا، خلافًا لأبي حنيفة، قال: وفي مذهبه خلاف، ومن العجب أن بعض أصحابه خطَّأ من نقل عنه: لا يستحب (٣). ويجعل مع الكافور سدرًا؛ لأن في حديث أم سلمة: "إذا كان في آخر غسلة من الثالثة، أو غيرها، فاجعلْنَ ماء فيه شيء من كافور، وشيء من سدر، ثم اجعلي ذلك في خرقة جديدة، ثم أفرغيه عليها، وابدئي برأسها، حتى يبلغ رجليها" (٤).

стр. 1605

والذي أفصح به كلام علمائنا، وغيرهم: أن يجعل ذلك في ماء، ويصب على الميت في آخر غسلة، وهذا ظاهر ما في "الصحيحين". وقيل: إذا كمل غسله، طُيِّبَ بالكافور قبل التكفين (١). ويكره تركه؛ كما في "الأم" للإمام الشافعي (٢)، وليكن بحيث لا يفحش التغير به إن لم يكن صلبًا (٣). والحكمة فيه: التطيب للمصلين، والملائكة، مع تقوية البدن، كما تقدم آنفًا، ودفعه الهوام، وردع ما يتحلل من الفضلات، ومنع إسراع الفساد إلى الميت، لشدة برده (٤). (فإذا فرغتن) من غسلها، (فآذننِي) -بمد الهمزة، وكسر المعجمة، وتشديد النون الأولى المفتوحة، وكسر الثانية-؛ أي: أعلمنني (٥). قالت أم عطية ﵂: (فلما فرغنا) -بصيغة الماضي لجماعة المتكلمين-، وللأصيلي: فرغن -بصيغة الماضي لجمع المؤنث الغائب- (٦). (آذناه)؛ أي: أعلمناه ﷺ بفراغنا من غسلها، (فأعطانا حَقْوه) -بفتح الحاء المهملة، وقد تكسر، وهي لغة هذيل، بعدها قاف ساكنة-؛ أي:

стр. 1606

إزاره، والحقو في الأصل: معقد الإزار -كما تقدم-، فسمي به ما يشد عليه توسعًا (١)، (فقال: أَشْعِرْنَها)؛ أي: بقطع همزة "أشعرنها"؛ أي: ابنته زينب، أو أم كلثوم -على الخلاف الذي تقدم- (به)؛ أي: حقوه ﷺ ؛ أي: اجعلنه شعارها؛ أي: ثوبها الذي يلي جسدها. (تعني) أم عطية بقولها: "حقوه": (إزاره) ﵊، وإنما فعل ذلك: لينالها بركة ثوبه، وأَخَّره، ولم يناولهن إياه أولًا؛ ليكون قريبَ العهد من جسده الشريف، حتى لا يكون بين انتقاله من جسده إلى جسدها فاصل، لا سيما مع قرب عهده بعرقه الكريم (٢). (وفي رواية) حفصة بنت سيرين، عن أم عطية بعد قوله: "أو خمسًا، (أو سبعًا) " بدل "أو أكثر من ذلك"؛ كما أشرنا إليه سابقًا، إذ لم تجتمع اللفظتان إلا عند أبي داود، كما مر آنفًا (٣). (وقال) ﵊، في هذه الرواية: (ابدأن) في غسلها (بميامنها) جمع ميمنة؛ لأنه كان يحب التيمن في شأنه كله (٤)، (و) ابدأن أيضًا بـ (مواضع الوضوء منها)؛ لأن الحي يبدأ بالوضوء في غسله، ولشرف هذه الأعضاء. (قالت أم عطية) ﵂: (ومشطناها) -بالتخفيف-؛ أي: سرحنا شعرها، (وجعلنا رأسها)؛ أي: شعر رأسها (ثلاثة قرون)؛ أي: ثلاثة ضفائر بعد أن حللناه بالمشط.

стр. 1607

وفي لفظ: فضفرنا ناصيتها، وقرنيها ثلاثة قرون، وألقيناها خلفها (١)، وهذا مذهب الإمام أحمد، والشافعية، وقال الحنفية: يُجعل ضفيرتان على صدرها. قال في "الفروع": ويضفر شعر المرأة ثلاثة قرون، ويسدل خلفها، وقال أَبو بكر: أمامها، لا أنه يضفر ضفرتين على صدرها، خلافًا لأبي حنيفة (٢). وذكر غير واحد من الحنفية: لا يضفر، ولكن يرسل مع خديها من بين يديها من الجانبين، ثم يرسل عليه الخمار؛ لأن ضفره يحتاج إلى تسريح، فيقطع وينتف. وما في الحديث أصح وأثبت؛ وبه قال الشافعي، وإسحاق، وابن المنذر (٣). نعم، الإمام أحمد يكره تمشيط الشعر؛ لكونه يقطع الشعر وينتفه، وأنكر المشط، وتأول قول أم عطية: "مشطناها" على إرادة: "ضفرناها"، واللَّه أعلم (٤). * * *

стр. 1608

الحديث السادس عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بعَرَفَةَ، إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَوَقَصَتْهُ، أو قَالَ: فَأَوْقَصَتْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ في ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا" (١). وفي روايةٍ: "وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ وَلا رَأْسَهُ" (٢).

стр. 1609

الوَقْصُ: كَسْرُ العُنقُ. * * * (عن) حبر الأمة (عبد اللَّه بن عباس ﵄، قال: بينما) -بالميم-، وأصله "بين"، ثم زيد فيه الألف والميم: ظرف زمان يضاف إلى جملة (رجل) لم يعرف الحافظ ابن حجر اسمه (١)، وكذلك البرماوي لم يبينه في "مبهمات العمدة" (واقف بعرفة) للحج عند الصخرات، وليس المراد: خصوصَ الوقوف المقابل للقعود؛ لأنه كان راكبًا ناقته، ففيه إطلاق لفظ الواقف على الراكب (٢) (إذ وقع عن راحلته)؛ أي: ناقته التي صلحت للرحل، والجملة جواب "بينما"، (فوقصته، أو قال: فأوقصته) شك الراوي أيَّ اللفظين قال. والمعروف عند أهل اللغة بدون الهمز، فالثاني شاذ؛ أي: كسرت عنقه، والضمير المرفوع في "فوقصته" للراحلة، والمنصوب للرجل (٣).

стр. 1610

قال في "القاموس": وقص عنقه؛ كوعد: كسرها، فوقصت لازم ومتعد، ووقصت به راحلته تقصه (١)، ونحوه في "النهاية" (٢). (فقال رسول اللَّه ﷺ : اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين) يحتمل إرادة ثوبين غير ثوبيه اللذين عليه، فربما استدل به على إبدال ثياب المحرم. قال في "الفتح": وليس بشيء؛ لأنه جاء في عدة ألفاظ في "الصحيحين"، وغيرهما: "في ثوبيه" (٣) وللنسائي: "في ثوبيه اللذين أحرم فيهما" (٤). وإنما لم يزده ثالثًا؛ مكرمة له، كما في الشهيد، حيث قال: "زملوهم بدمائهم" (٥). واستدل به على جواز الاقتصار في الكفن على ثوبين. (ولا تحنطوه) -بتشديد النون المكسورة-؛ أي: لا تجعلوا في شيء من غسلاته، أو في كفنه حنوطًا. قال القاضي عياض: والحَنوط -بفتح الحاء المهملة-: ما يطيب به

стр. 1611

الميت من طيب يخلط، وهو الحناط، والكسر أكثر (١). وإنما نهى النبي ﷺ أن يحنط؛ لكونه محرمًا، وإلا، فالحنوط سنة. قال في "الفروع": يستحب تبخير الأكفان، بعد رشها بماء ورد وغيره، ليعلق ويبسط بعضها فوق بعض، ويجعل أحسنها أعلاها؛ ليظهر للناس كعادة الحي، ويذرّ بينها حنوطًا، وهو أخلاط من طيب، لا ظاهر العليا؛ اتفاقًا، ولا على الثوب الذي على النعش، نقله الجماعة؛ لكراهة السلف، ويطيب مواضع سجوده، ومغابنه، نص عليه الإمام أحمد، وإن طيب كله، فحسن، نعم يكره داخل عينيه، وفاقًا، وكره ورس وزعفران في حنوط، قال صاحب "المحرر": لأجل لونه، فربما ظهر على الكفن. وقال أَبو المعالي: لاستعماله غذاء وزينة، ولا يعتاد التطيب به، ويكره طليه بِصَبِر ليمسكه، وبغيره ما لم ينقل (٢). (ولا تخمروا) -بالخاء المعجمة-؛ أي: لا تغطوا (رأسه)، بل أبقوا له أثر إحرامه؛ من منع ستر رأس الرجل، ومنعه المخيط، ووجه المرأة، ومنع أخذ شيء من ظفر، وشعر؛ (فإنه) الفاء تعليلية؛ أي: لأنه (يبعث يوم القيامة ملبيًا)؛ أي: بصفة الملبين، بنسكه الذي مات فيه من حج، أو عمرة، أو هما، قائلًا: "لبيك اللهم لبيك". قال ابن دقيق العيد: فيه دليل على أن المحرم إذا مات يبقى في حقه حكم الإحرام (٣). قال شمس الدين في "شرح المقنع": إذا مات المحرم، لم يبطل حكم

стр. 1612

إحرامه بموته، ويجنب ما يجنبه المحرم؛ من الطيب، وتغطية الرأس، ولبس المخيط، وقطع الشعر، روي ذلك عن عثمان، وعلي، وابن عباس ﵃، وبه قال عطاء، والثوري، والشافعي، وإسحاق. وقال مالك، والأوزاعي، وأبو حنيفة: يبطل إحرامه بموته، ويصنع به ما يصنع بالحلال، وروي ذلك عن: عائشة، وابن عمر ﵃، وروي عن طاوس؛ قالوا: لأنها عبادة شرعية بطلت بالموت (١)؛ لانقطاع العبادة لزوال محل التكليف، وهو الحياة، لكن اتبع من أبقى حكمه الحديث، وهو مقدم على القياس (٢). قال ابن دقيق العيد: خالف في ذلك -أي: بقاء حكم الإحرام بعد الموت-: مالك، وأبو حنيفة، وهو مقتضى القياس، وغاية ما اعتذر به عن الحديث؛ ما قيل: إنه ﷺ علل هذا الحكم في هذا المحرم بعلة لا يعلم وجودها في غيره، وهو أنه يبعث يوم القيامة ملبيًا، وهذا الأمر لا يعلم وجوده في غير هذا المحرم لغير النبي ﷺ ، والحكم إنما يعم في غير محل النص بعموم علته، وغير هؤلاء يرى أن هذه العلة إنما ثبتت لأجل الإحرام؛ فتعم كل محرم، انتهى (٣). قال في "شرح المقنع": فإن قيل: هذا خاص له؛ لأنه يبعث يوم القيامة ملبيًا، قلنا: حكم النبي ﷺ في واحد حكمه في مثله، إلا أن يرد تخصيصه؛ ولهذا ثبت حكمه في شهداء أحد في سائر الشهداء (٤).

стр. 1613

(وفي رواية) لمسلم من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: (ولا تخمروا وجهه، ولا رأسه) (١). وفي لفظ آخر: "ولا تغطوا وجهه؛ فإنه يبعث يلبي" (٢). قال في "شرح المقنع": اختلف عن الإمام أحمد في تغطية الوجه: فعنه: لا يغطى، نقلها عنه إسماعيل بن سعيد، وعنه: لا بأس بتغطية وجهه، نقلها عنه سائر أصحابه.

стр. 1614

نعم، لا يغطى وجه المحرم، واللَّه أعلم (١). قال الحافظ ﵀: (الوقص: كسر العنق)، وقد وردت هذه اللفظة بعدة ألفاظ، تقدم منها: فوقصته، وأوقصته، وفي لفظ آخر: "فأقصعته" (٢) -بصاد، فعين مهملتين-، وقال: "فأقعصته" (٣) -بتقديم العين على الصاد-؛ أي: قتلته سريعًا. * * *

стр. 1615

الحديث السابع عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ، قَالَتْ: نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا (١). (عن أم عطية) نسيبة (الأنصارية) ﵂، (قالت: نهينا) -معشر النساء-، وهو -بضم النون، وكسر الهاء، مبنيًا لما لم يسم فاعله-، وفي بعض الروايات، كما عند الإسماعيلي، وابن شاهين، بسند صحيح: أنها قالت: نهانا رسول اللَّه ﷺ (٢) (عن اتباع الجنائز) نهي تنزيه
следующие страницы →