← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

الميت من طيب يخلط، وهو الحناط، والكسر أكثر (١). وإنما نهى النبي ﷺ أن يحنط؛ لكونه محرمًا، وإلا، فالحنوط سنة. قال في "الفروع": يستحب تبخير الأكفان، بعد رشها بماء ورد وغيره، ليعلق ويبسط بعضها فوق بعض، ويجعل أحسنها أعلاها؛ ليظهر للناس كعادة الحي، ويذرّ بينها حنوطًا، وهو أخلاط من طيب، لا ظاهر العليا؛ اتفاقًا، ولا على الثوب الذي على النعش، نقله الجماعة؛ لكراهة السلف، ويطيب مواضع سجوده، ومغابنه، نص عليه الإمام أحمد، وإن طيب كله، فحسن، نعم يكره داخل عينيه، وفاقًا، وكره ورس وزعفران في حنوط، قال صاحب "المحرر": لأجل لونه، فربما ظهر على الكفن. وقال أَبو المعالي: لاستعماله غذاء وزينة، ولا يعتاد التطيب به، ويكره طليه بِصَبِر ليمسكه، وبغيره ما لم ينقل (٢). (ولا تخمروا) -بالخاء المعجمة-؛ أي: لا تغطوا (رأسه)، بل أبقوا له أثر إحرامه؛ من منع ستر رأس الرجل، ومنعه المخيط، ووجه المرأة، ومنع أخذ شيء من ظفر، وشعر؛ (فإنه) الفاء تعليلية؛ أي: لأنه (يبعث يوم القيامة ملبيًا)؛ أي: بصفة الملبين، بنسكه الذي مات فيه من حج، أو عمرة، أو هما، قائلًا: "لبيك اللهم لبيك". قال ابن دقيق العيد: فيه دليل على أن المحرم إذا مات يبقى في حقه حكم الإحرام (٣). قال شمس الدين في "شرح المقنع": إذا مات المحرم، لم يبطل حكم

стр. 1612

إحرامه بموته، ويجنب ما يجنبه المحرم؛ من الطيب، وتغطية الرأس، ولبس المخيط، وقطع الشعر، روي ذلك عن عثمان، وعلي، وابن عباس ﵃، وبه قال عطاء، والثوري، والشافعي، وإسحاق. وقال مالك، والأوزاعي، وأبو حنيفة: يبطل إحرامه بموته، ويصنع به ما يصنع بالحلال، وروي ذلك عن: عائشة، وابن عمر ﵃، وروي عن طاوس؛ قالوا: لأنها عبادة شرعية بطلت بالموت (١)؛ لانقطاع العبادة لزوال محل التكليف، وهو الحياة، لكن اتبع من أبقى حكمه الحديث، وهو مقدم على القياس (٢). قال ابن دقيق العيد: خالف في ذلك -أي: بقاء حكم الإحرام بعد الموت-: مالك، وأبو حنيفة، وهو مقتضى القياس، وغاية ما اعتذر به عن الحديث؛ ما قيل: إنه ﷺ علل هذا الحكم في هذا المحرم بعلة لا يعلم وجودها في غيره، وهو أنه يبعث يوم القيامة ملبيًا، وهذا الأمر لا يعلم وجوده في غير هذا المحرم لغير النبي ﷺ ، والحكم إنما يعم في غير محل النص بعموم علته، وغير هؤلاء يرى أن هذه العلة إنما ثبتت لأجل الإحرام؛ فتعم كل محرم، انتهى (٣). قال في "شرح المقنع": فإن قيل: هذا خاص له؛ لأنه يبعث يوم القيامة ملبيًا، قلنا: حكم النبي ﷺ في واحد حكمه في مثله، إلا أن يرد تخصيصه؛ ولهذا ثبت حكمه في شهداء أحد في سائر الشهداء (٤).

стр. 1613

(وفي رواية) لمسلم من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: (ولا تخمروا وجهه، ولا رأسه) (١). وفي لفظ آخر: "ولا تغطوا وجهه؛ فإنه يبعث يلبي" (٢). قال في "شرح المقنع": اختلف عن الإمام أحمد في تغطية الوجه: فعنه: لا يغطى، نقلها عنه إسماعيل بن سعيد، وعنه: لا بأس بتغطية وجهه، نقلها عنه سائر أصحابه.

стр. 1614

نعم، لا يغطى وجه المحرم، واللَّه أعلم (١). قال الحافظ ﵀: (الوقص: كسر العنق)، وقد وردت هذه اللفظة بعدة ألفاظ، تقدم منها: فوقصته، وأوقصته، وفي لفظ آخر: "فأقصعته" (٢) -بصاد، فعين مهملتين-، وقال: "فأقعصته" (٣) -بتقديم العين على الصاد-؛ أي: قتلته سريعًا. * * *

стр. 1615

الحديث السابع عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ، قَالَتْ: نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا (١). (عن أم عطية) نسيبة (الأنصارية) ﵂، (قالت: نهينا) -معشر النساء-، وهو -بضم النون، وكسر الهاء، مبنيًا لما لم يسم فاعله-، وفي بعض الروايات، كما عند الإسماعيلي، وابن شاهين، بسند صحيح: أنها قالت: نهانا رسول اللَّه ﷺ (٢) (عن اتباع الجنائز) نهي تنزيه

стр. 1616

لا تحريم (١)؛ بدليل قولها: (ولم يعزم علينا) -بضم الياء، وفتح الزاي، مبنيًا للمفعول-؛ أي: نهيًا غير محتم، فكأنها قالت: كره لنا اتباع الجنائز من غير تحريم، وهذا قول الجمهور (٢). قال في "شرح المقنع": كره ذلك ابن مسعود، وابن عمر، وأبو أمامة، وعائشة، ومسروق، والحسن، والنخعي، والأوزاعي، وإسحاق (٣). ورخص فيه مالك، وكرهه للشابة، وقال أَبو حنيفة: لا ينبغي (٤). واستدل للجواز: بما رواه ابن أبي شيبة، من حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ كان في جنازة، فرأى عمر ﵁ امرأة، فصاح بها، فقال: دعها يا عمر. . .، الحديث، وأخرجه ابن ماجه برجال ثقات (٥). وأما ما رواه ابن ماجه أيضًا وغيره، مما يدل على التحريم؛ فضعيف، وهو ما رواه: أن رسول اللَّه ﷺ خرج، فإذا نسوة جلوس، قال: "ما يجلسكن؟ "، قلن: ننتظر الجنازة، قال: "هل تغسلن؟ "، قلن: لا، قال: "هل تحملن؟ "، قلن: لا، قال: "هل تدلين فيمن يدلي؟ "، قلن: لا، قال: "فارجعن مأزورات غير مأجورات" (٦).

стр. 1617

وعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄، قال: قبرنا مع رسول اللَّه ﷺ -يعني: ميتًا-، فلما فرغنا، انصرف رسول اللَّه ﷺ ، وانصرفنا معه، فلما حاذى رسول اللَّه ﷺ بابه، وقف، فإذا نحن بامرأة مقبلة، قال: أظنه عرفها، فلما ذهبت، إذا هي فاطمة ﵂، فقال لها رسول اللَّه ﷺ : "ما أخرجكِ يا فاطمةُ من بيتك؟ "، قالت: أتيت يا رسول اللَّه أهل هذا البيت، فرحصت إليهم ميتهم، أو عزيتهم به، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لعلك بلغت معهم الكدى؟ "، فذكر تشديدًا في ذلك، قال: فسألت ربيعة بن سيف عن الكدى، فقال: القبور فيما أحسب. رواه أَبو داود (١)، والنسائي بنحوه، إلا أنه قال في آخره: فقال: "لو بلغتها معهم، ما رأيت الجنة، حتى يراها جد أبيك" (٢). وظاهر كلام الحافظ المنذري: أن هذا الحديث حسن، قال المنذري: الكدى -بضم الكاف، وبالدال المهملة، مقصور-: هو المقابر (٣). قال ابن دقيق العيد: الحديث الذي جاء في فاطمة ﵂: إما أن يكون ذلك لعلو منصبها، وحديث أم عطية في عموم النساء، أو يكون الحديثان محمولين على اختلاف حالات النساء (٤). قلت: حرم اتباع الجنائز للنساء: الآجريُّ من أئمة علمائنا، وهو رواية عن مالك في الشابة، وقال: جميع ما يفعل النساء في الجنائز محظور عند العلماء.

стр. 1618

قال أَبو المعالي: يمنعن من اتباعها، وذكره بعضهم قول الجمهور من العلماء. وقال أَبو حفص: هو بدعة، ويجب طردهن، فإن رجعن، وإلا رجع الرجال بعد أن يحثوا في وجوههن التراب، قال أَبو حفص: ويحرم بلوغها المقبرة؛ للخبر في ذلك، ثم يحمل على وقت تحريم زيارتهن، ذكر ذلك علماؤنا، وهو تلخيص ما في "الفروع" (١). تنبيه: الذي تدل عليه الأحاديث: حرمة اتباع النساء الجنائز، وهو مخالف لحديث أم عطية، وحديث أم عطية أصح؛ فإنه متفق عليه، وما سواه لا يقاد به، فضلًا عن أن يقاومه، لا جرم وجب الأخذ بما دل عليه من الكراهة، دون التحريم، هذا إذا لم يبد منهن محظور، وإلا، حرم؛ اتفاقًا، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1619

الحديث الثامن عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "أَسْرِعُوا بِالجَنَازةِ؛ فَإنْ تَكُ صَالِحَةً، فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلكَ، فَشَرٌّ تَضَعُونَه عَنْ رِقَابِكُمْ" (١). * * * (عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ): أنه (قال: أسرعوا)

стр. 1620

إسراعًا خفيفًا بين المشي المعتاد، والخبب (بالجنازة)؛ لأن ما فوق ذلك يؤدي إلى انقطاع الضعفاء، أو مشقة الحامل، فيكره، وهذا إنما يشرع إذا لم يضره الإسراع، فإن ضره، فالثاني أفضل، فإن خيف عليه تغير أو انفجار، أو انتفاخ، زيد في الإسراع (١)، والسرعة -بالضم-: نقيض البطء (٢). ثم بين ﷺ علة الإسراع بقوله: (فإن تك) بحذف النون تخفيفًا؛ أي: الجنازة، يعني: الميت (صالحة) -بالنصب- خبر كان، (فخير) -بالرفع- خبر مبتدأ محذوف؛ أي: فهو خير (تقدمونها)؛ أي: الجنازةَ (إليه)؛ أي: إلى الخير، باعتبار الثواب، أو الإكرام الحاصل له في قبره المهيأ له فيه، فيسرع به ليلقاه قريبًا، وفي رواية: "فإن كانت صالحة، قربتموها إلى الخير" (٣)، (وإن تك) الجنازة (سوى ذلك)؛ أي: غير صالحة، (فـ) هو (شر تضعونه عن رقابكم)، فلا مصلحة لكم في مصاحبتها؛ لأنها بعيدة من الرحمة، وما كان بعيدًا عن الرحمة، فما لعبد عنده قيمة (٤). وفي "البخاري" من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا وضعت الجنازة، فاحتملها الرجال على أعناقهم؛ فإن كانت صالحة، قالت: قدموني، وإن كانت غير صالحة، قالت لأهلها: يا ويلها! أين تذهبون بها؟! يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، لو سمعها الإنسان، لصعق" (٥).

стр. 1621

قال في "شرح المقنع": يستحب الإسراع بالجنازة، لا نعلم فيه خلافًا بين الأئمة؛ للحديث، قال: واختلفوا في الإسراع المستحب: فقال القاضي: هو إسراع لا يخرج عن المشي المعتاد، وهو قول الشافعي. وقال أصحاب الرأي: يخب ويرمل؛ لما روي عن عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال: كنا في جنازة عثمان بن أبي العاص، وكنا نمشي مشيًا خفيفًا، فلحقنا أَبو بكرة، فرفع سوطه فقال: لقد رأيتنا مع رسول اللَّه نرمل رملًا (١). ولنا: ما روى الإمام أحمد من حديث أبي سعيد: أنه ﷺ مر عليه بجنازة تمخض مخضًا، فقال: "عليكم بالقصد في جنائزكم" (٢)، ولأن الإسراف في الإسراع يمخضها، ويؤذي حاملها ومتبعها، ولا يؤمن على الميت. وقال ابن عباس ﵄ في جنازة ميمونة: لا تزلزلوا، وارفقوا؛ فإنها أمكم (٣).

стр. 1622

وفي "الفروع": يستحب الإسراع بها دون الخبب؛ وفاقًا، نص عليه الإمام أحمد، زاد ابن الجوزي: وفوق السعي، وعند القاضي: لا يخرج عن المشي المعتاد كما ذكرناه عنه آنفًا، قال: وتراعى الحاجة، نص عليه؛ وفاقًا (١). فوائد: الأولى: يستحب التربيع في حمل الجنازة، ومعناه: الأخذ بقوائم السرير الأربع، وهو سنة؛ وفاقًا لأبي حنيفة، والشافعي، وقاله المالكية، وصفته: أن يضع قائمة النعش اليسرى المقدمة على كتفه اليمنى، ثم ينتقل إلى المؤخرة، ثم يُمنى النعش على كتفه اليسرى يبدأ بمقدمتها، نقله الجماعة؛ وفاقًا لأبي حنيفة، والشافعي. وعن الإمام أحمد رواية ثانية: أنه يبدأ بالمؤخرة (٢). ودليل استحبابه ذلك: قول ابن مسعود ﵁: "إذا تبع أحدكم جنازة، فليأخذ بجوانب السرير الأربع، ثم ليتطوع بعد أو ليذر؛ فإنه من السنة" رواه سعيد في "سننه" (٣)، وهذا يقتضي سنة رسول اللَّه ﷺ . ولا يكره حمله بين العمودين، كل واحد من العامودين على عاتقه؛ خلافًا لأبي حنيفة، وليس حمل الميت بين العمودين كل واحد على عاتق الحامل له بأفضل من التربيع؛ خلافًا للشافعي.

стр. 1623

وعن الإمام أحمد رواية: أن التربيع، وحملَه بين العمودين سواء؛ وفاقًا لمالك (١). الثانية: اتباع الجنازة سنة، وفاقًا، لقول البراء بن عازب ﵄: أمرنا النبي ﷺ باتباع الجنائز. متفق عليه (٢). قال في "شرح المقنع": اتباع الجنازة على ثلاثة أضرب: أحدها: أن يصلي عليها، ثم ينصرف، قال زيد بن ثابت: إذا صليت فقد قضيت الذي عليك (٣)، وقال أَبو داود: رأيت الإمام أحمد ما لا أحصي صلَّى على جنائز، ولم يتبعها إلى القبر، ولم يستأذن (٤). الثاني: أن يتبعها إلى القبر، ثم يقف حتى تدفن، ويأتي الكلام على هذا في آخر أحاديث الباب. الثالث: أن يقف بعد الدفن، فيستغفر له، ويسأل اللَّه له التثبيت، ويدعو له بالرحمة، فإنه روي عن النبي ﷺ : أنه كان إذا دفن ميتًا، وقف، فقال: "استغفروا اللَّه له، واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل" رواه أَبو داود (٥). ويستحب لمتبع الجنازة: أن يكون متخشعًا، مفكرًا في مآله، متعظًا

стр. 1624

بالموت، وبما يصير إليه الميت، لا يتحدث بأحاديث الدنيا، ولا يضحك. قال سعد بن معاذ: ما تبعت جنازة، فحدثت نفسي بغير ما هو مفعول بها (١). ورأى بعض السلف رجلًا يضحك، فقال: تضحك، وأنت تتبع الجنازة؟! لا كلمتك أبدًا (٢). الثالثة: يستحب كون المشاة أمام الجنازة، نص عليه الإمام أحمد؛ وفاقًا لمالك، والشافعي (٣). قال في "شرح المقنع": أكثر أهل العلم يرون الفضيلة للماشي أن يكون أمام الجنازة، وروي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وابن عمر، وأبي هريرة، والحسن بن علي، وابن الزبير، وأبي قتادة، وغيرهم من الصحابة -رضوان اللَّه عليهم (٤) -. وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم، من حديث ابن عمر ﵄: أنه رأى رسول اللَّه ﷺ ، وأبا بكر، وعمر يمشون أمام الجنازة (٥).

стр. 1625

وروى الطبراني، عن سالم: أن ابن عمر كان يمشي بين يدي الجنازة، وقد كان رسول اللَّه ﷺ وأبو بكر وعمر يمشون أمامها (١). قال ابن المنذر: ثبت أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة. وقال أَبو صالح: كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ يمشون أمام الجنازة، ولأنهم شفعاء له بدليل قوله ﵇: "ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مئة، كلهم يشفعون له، إلا شفعوا فيه" رواه مسلم (٢)، والشفيع يتقدم المشفوع له (٣). وقال الأوزاعي، وأصحاب الرأي: المشي خلفها أفضل؛ لما روى ابن مسعود، عن النبي ﷺ : أنه قال: "الجنازة متبوعة، ولا تتبع، ليس منا من تقدمها" رواه الإمام أحمد (٤)، وفي سنده يحيى الجابر، قال يحيى بن معين فيه: لا شيء، وقال مرة: ضعيف. وقال ابن حبان: يروي المناكير، لا يجوز الاحتجاج به بحال. وفيه أَبو ماجد، وهو تابعي، قال الدارقطني: مجهول. قال الحافظ ابن عبد الهادي في "تنقيح التحقيق": حديث أبي ماجد عن ابن مسعود، رواه أَبو داود، وابن ماجه، والترمذي، وقال: غريب، وسمعت محمد بن إسماعيل يضعف حديث أبي ماجد هذا (٥).

стр. 1626

وقال البيهقي: هو حديث يحيى بن عبد اللَّه الجابر، ضعيف، وأبو ماجدة، وقيل: أَبو ماجد مجهول، وقال الدارقطني: مجهول متروك. وقال البخاري: قال الحميدي، عن ابن عيينة، قلت ليحيى الجابر: من أَبو ماجد؟ قال: طار طير علينا، فحدثنا، وهو منكر الحديث، وقال الترمذي: أَبو ماجد رجل مجهول (١). واحتجوا بقول علي ﵁: فضل الماشي خلف الجنازة، على الماشي قدامها، كفضل المكتوبة على التطوع، سمعته من رسول اللَّه ﷺ ، رواه الإمام أحمد (٢)، من غير سنده إلى رسول اللَّه ﷺ ، وقال: إنه رأي للإمام علي، لا رواية. وأما رفعه لرسول اللَّه ﷺ : فرواه ابن شاهين، عن أبي سعيد، عن علي، فقال له أبو سعيد: قلت: برأيك تقول؟ قال: بل سمعته من رسول اللَّه ﷺ غير مرة، ولا مرتين، حتى بلغ سبع مرات (٣). قال ابن الجوزي في "تحقيق التعليق": حديث باطل، في إسناده جماعة متروكون (٤). ويستحب كون الراكب خلف الجنازة، باتفاق. وقد روى الإمام أحمد من حديث المغيرة بن شعبة، عن النبي ﷺ : أنه

стр. 1627

قال: "الراكب خلف الجنازة، والماشي أمامها قريبًا عن يمينها، أو عن يسارها" (١). وفي "البخاري": عن أنس ﵁: أنه قال: "أنتم مشيعون، فامشوا بين يديها وخلفها، وعن يمينها، وعن شمالها" (٢). وقال غيره -أي: غير أنس-: امش قريبًا منها، وهذا موقوف على أنس، وهو يدل لقول صاحب "الرعاية" من علمائنا: أنه يمشي حيث شاء (٣). وفي "الكافي": حيث مشى فحسن (٤)، وهو قول الثوري وغيره، وبه قال ابن حزم، لكنه قيده بالماشي؛ لحديث المغيرة بن شعبة المروي في السنن الأربعة، وصححه ابن حبان والحاكم، مرفوعًا: "الراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها" (٥)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1628

الحديث التاسع عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁، قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا، فَقَامَ وَسْطَهَا (١).

стр. 1629

(عن) أبي سعيد (سمرة) -بفتح السين المهملة، وضم الميم- (بن جندب) -بضم الدال المهملة، وفتحها- ابن هلال بن حَريج -بفتح الحاء المهملة، وكسر الراء، وبالجيم- الفزاري -بفتح الفاء، وبالزاي، فراء بعد الألف- حليف الأنصار، نزل الكوفة، وولي البصرة، وعداده في البصريين، توفي أبوه وهو صغير، فقدمت به أمه على النبي ﷺ المدينة، فتزوجها أنصاري، فكان في حجره حتى كبر، قيل: أجازه النبي ﷺ يوم أحد (﵁)، وتقدمت ترجمته في آخر باب: المواقيت. (قال: صليت وراء النبي ﷺ )؛ أي: خلفه، وإن كان جاء بمعنى قدام؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩]؛ أي: أمامهم (١)، وهو ظرف مكان ملازم للإضافة، ونصبه على الظرفية (على امرأة) هي: أم كعب الأنصارية، نقله ابن بشكوال، عن مصنف النسائي (٢)، وهو في "صحيح مسلم": أنه ﷺ صلى على أم كعب، ماتت أم كعب وهي نفساء (٣)، إلا أنه لم يصرح بأنه قام وسطها (ماتت في نفاسها) "في" هنا للتعليل، كما في قوله ﵇: "أن امرأة دخلت النار في هرة" (٤)، (فقام) ﷺ (وسطها)، وفي لفظ: فقام عليها وَسَطَها (٥) -بفتح السين-؛ أي: محاذيًا لوسطها،

стр. 1630

وعلى رواية المصنف بإسقاط لفظة "عليها"؛ تسكن السين المهملة، فيكون ظرفًا، ومن فتح جعله اسمًا، والمراد على الوجهين: عجيزتها (١)، وكون هذه المرأة في نفاسها وصف غير معتبر، اتفاقًا، وإنما هو حكاية أمر وقع (٢). واختلف في [وصف] كونها امرأة: فاعتبرها الإمام أحمد، والشافعي، وإسحاق، وأبو يوسف، ومحمد: فيقف الإمام والمنفرد حذاء صدر الرجل، ووسط المرأة، وفي "الترمذي" وحسنه: أن أنسًا ﵁ صلى على رجل، فقام عند رأسه، ثم صلى على امرأة، فقام حيال وسط السرير، فقال له العلاء بن زياد: هكذا رأيت رسول اللَّه ﷺ قام على الجنازة؛ من المرأة مقامك منها، ومن الرجل مقامك منه؟ قال: نعم، فلما فرغ، قال: احفظوا. ورواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه (٣). ولأن المرأة تخالف الرجل في موقف الصلاة، فجاز أن تخالفه هنا، وقيام الإمام عند وسطها أستر لها، فكان أولى؛ قاله في "شرح المقنع" (٤). وقال ابن دقيق العيد: قيل: إن سبب ذلك؛ أن النساء لم يكن يسترن في

стр. 1631

ذلك الوقت بما يسترن به اليوم، فقيام الإمام عند عجيزتها يكون كالسترة لها من خلفه، انتهى (١). ومشهور مذهب أبي حنيفة: أن يقوم الإمام والمنفرد من الرجل والمرأة حذاء الصدر. وقال مالك: يقف عند وسط الرجل؛ لأن ذلك يروى عن ابن مسعود، ويقف عند منكب المرأة؛ لأن الوقوف عند أعاليها أمثل وأسلم (٢). قال في "الفروع": ويستحب وقوف الإمام عند صدر الرجل، ووسط المرأة، نقله واختاره الأكثر؛ وفاقًا للشافعي، والخنثى بينهما. وعنه -أي: الإمام أحمد-: يقف عند رأس الرجل، وعنه: عند صدريهما؛ وفاقًا لأبي حنيفة؛ لا عند وسطه ومنكبها؛ خلافًا لمالك (٣). تتمة: جمعُ الموتى في الصلاة عليهم أولى من الصلاة على كل واحد على حدته، ويجعل وسط المرأة حذاء صدر الرجل، والخنثى بينهما. وإذا كانوا رجالًا فقط، أو نساء فقط، أو خناثى فقط: سوى بين رؤوسهم، ويقدم إلى الإمام من كل نوع أفضلهم، فإن تساووا، فسابق، فإن تساووا: فقرعة، ويقدم الفاضل أمام المفضولين في المسير. وعند الشافعية: إن جاءت الجنائز دفعة واحدة: قدم إلى الإمام الأفضل، لكن لا مزية للحر على الرقيق؛ لانقطاع الرق بالموت. وإن جاؤوا واحدًا بعد واحد: قدم أسبق كل نوع؛ فإن كانوا رجالًا: قدم

стр. 1632

إليه أسبقهم، وإن كانوا رجالًا، وصبيانًا، وخناثى، ونساءً: قدم الرجل على المرأة، وإن جاء بعدها، وكذلك الصبي يقدم على الخنثى، والخنثى على الأنثى، واللَّه سبحانه أعلم (١). * * *

стр. 1633

الحديث العاشر عَنْ أَبِي مُوسَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ﵁: أَنَّ رسول اللَّه ﷺ بَرِىءَ مِنَ الصَّالِقَةِ والحَالِقَةِ والشَّافَّةِ (١). [الصالقة: التي ترفع صوتها عند المصيبة]. * * * (عن أبي موسى عبد اللَّه بن قيس) الأشعري (﵁) تقدمت

стр. 1634

ترجمته في باب: السواك: (أن رسول اللَّه ﷺ برىء) -بفتح الموحدة، وكسر الراء، وبالهمز- (من الصالقة) -بالصاد المهملة، والقاف-: الرافعة صوتها في المصيبة، قال ابن دقيق العيد: والأصل: السالقة -بالسين-، وهو: رفع الصوت بالعويل والندب، وقريب منه قوله تعالى: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩]، والصاد قد تبدل من السين، انتهى (١). وفي "النهاية": الصلق: الصوت الشديد، والمراد: رفعه في المصائب، وعند الفجيعة بالموت، ويدخل فيه النوح، ويقال بالسين (٢)، (و) من (الحالقة) التي تحلق شعرها للمصيبة، (و) من (الشاقة) لثوبها لأجل المصيبة. وسبب إيراد أبي موسى لهذا الحديث: ما في "الصحيحين": أنه وجع وجعًا شديدًا، فغشي عليه، ورأسه في حجر امرأة من أهله -أي: حضنها، وهو - بتثليث الحاء المهملة-. زاد مسلم: فصاحت. وله من وجه آخر: أغمي على أبي موسى، فأقبلت امرأته أم عبد اللَّه تصيح برنة" (٣). وفي "النسائي": هي أم عبد اللَّه بنت أبي دومة (٤). وفي "تاريخ البصرة" لعمر بن شَبَّة: أن اسمها صفية بنت دمون، وأن

стр. 1635

ذلك وقع حين كان أَبو موسى أميرًا على البصرة، من قبل عمر بن الخطاب ﵁، فلم يستطع أَبو موسى أن يرد عليها شيئًا، فلما أفاق، قال: أنا، وفي لفظ: إني بريء ممن برىء منه رسول اللَّه ﷺ ؛ إن رسول اللَّه ﷺ برىء من الصالقة، فذكره (١). قال القاضي: برىء من فعلهن، أو مما يستوجبن من العقوبة، أو من عهدة ما لزمني بيانه، وأصل البراءة: الانفصال، وليس المراد التبري من الدين، والخروج منه (٢). قال النووي: ويحتمل أن يراد به ظاهره؛ وهو البراءة من فاعل هذه الأمور (٣). وفي حديث أبي هريرة ﵁، مرفوعًا: "ثلاثة من الكفر باللَّه: شق الجيب، والنياحة، والطعن في النسب" رواه ابن حبان في "صحيحه" والحاكم، وقال: صحيح الإسناد (٤)، وفي رواية لابن حبان: "ثلاث هي الكفر" (٥). وفي "ابن ماجه"، و"صحيح ابن حبان"، عن أبي أمامة ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ لعن الخامشة وجهها، والشاقة جيبها، والداعية بالويل والثبور (٦).

стр. 1636

وفي "سنن أبي داود" عن أسيد بن أبي أسيد التابعي، عن امرأة من المبايعات، قالت: كان فيما أخذ علينا رسول اللَّه ﷺ في المعروف الذي أخذ علينا: ألا نخمش وجهًا، ولا ندعو ويلًا، ولا نشق جيبًا، ولا ننشر شعرًا (١). تنبيه: معتمد المذهب: عدم جواز الندب، والنياحة، وشق الثياب، ولطم الخدود، وما أشبه ذلك من الصراخ، وخمش الوجه، ونتف الشعر ونشره وحلقه. وفي "الفصول" للإمام ابن عقيل: يحرم النحيب، والتعداد، وإظهار الجزع؛ لأن ذلك يشبه التظلم من الظالم، وهو عدل من اللَّه تعالى. نعم، يباح يسير الندبة الصدق، إذا لم يخرج مخرج النوح، ولا قصد نظمه (٢)؛ كقول سيدة نساء العالمين: يا أبتاه! أجاب ربًا دعاه (٣)، ونحو ذلك. قال في "شرح المقنع": وقال بعض أصحابنا: هو مكروه، ونقل حرب عن الإمام أحمد كلامًا يحتمل إباحة النوح والندب، واختاره الخلال وصاحبه؛ لأن واثلة بن الأسقع، وأبا وائل: كانا يستمعان النوح ويبكيان. وقال الإمام أحمد: إذا ذكرت المرأة مثل ما حكي عن فاطمة، في مثل الدعاء، لا يكون مثل النوح، يعني: لا بأس به، وحكى ما روي عنها؛ من قولها: يا أبتاه! من ربه ما أدناه، إلى جبريل أنعاه، يا أبتاه! أجاب ربًا

стр. 1637

دعاه (١). قال: وروي عن علي، عن فاطمة ﵄: أنها أخذت قبضة من تراب قبر النبي ﷺ فوضعتها على عينيها، ثم قالت: [من الكامل] ماذا على مَنْ شَمَّ تربةَ أحمدٍ ... ألا يشمَّ مدى الزمانِ غَواليا صُبَّتْ عليَّ مصائبٌ لو أَنَّها ... صُبت على الأيام صِرْنَ لياليا (٢) والمذهب: التحريم؛ للأحاديث الصحيحة الصريحة (٣). وفي "الفروع": يحرم الندب والنياحة -نص عليهما، والصراخ، وخمش الوجه، ونتف الشعر ونشره، وشق الثوب، ولطم الخدود، ونحوه؛ اتفاقًا، زاد جماعة: والتحفي، وذكره ابن عبد البر في النياحة إجماعًا (٤)، ويأتي له تتمة في الثالث عشر، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1638

الحديث الحادي عشر عَنْ عائِشَةَ ﵂، قاَلتْ: لَمَّا اشْتكَى النَّبِيُّ ﷺ ، ذَكَرَ بَعْضُ نِسائِهِ كَنيسَةً رَأَيْنَها بِأَرْضِ الحَبَشَةِ، يُقالُ لَها مارِيةَ، وكانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَأُمُّ حَبيبَةَ أَتَتا أَرْضَ الحَبَشَةِ، فَذَكَرَتا مِنْ حُسْنِها وَتَصاويرَ فيها، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: "أُولئكَ إذا ماتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، بَنَوا على قَبْرِهِ مَسْجِدًا، ثُمَّ صَوَّرُوا فيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّه" (١).

стр. 1639

(عن عائشة) الصديقة أم المؤمنين (﵂، قالت: لما اشتكى) من الشكاة، وهي: المرض (النبي ﷺ ) -بالرفع- فاعل اشتكى، يعني: لما مرض مرضه الذي مات فيه، (ذكر بعض نسائه) ﷺ (كنيسة) -بفتح الكاف-، وهي: متعبد اليهود، أو النصارى، والكفار (رأينها بأرض الحبشة) لما كُنَّ مهاجرات من مكة إليها (يقال لها)؛ أي: لتلك الكنيسة: (مارية) -بكسر الراء، وتخفيف المثناة التحتية-: علم للكنيسة، (وكانت أم سلمة) -بفتح اللام- أم المؤمنين، واسمها: هند بنت أبي أمية المخزومية، (وأم حبيبة) -بفتح الحاء- أم المؤمنين أيضًا، اسمها: رملة بنت أبي سفيان ﵄ (أتتا أرض الحبشة) مع زوجيهما اللذين كانتا معهما، وهما: أَبو سلمة، وعبد اللَّه بن جحش. وكان عبد اللَّه بن جحش، قد أسلم، وهاجر بزوجته أم حبيبة ﵂ إلى أرض الحبشة، ثم تنصر، ومات هناك على النصرانية، فتزوجها رسول اللَّه ﷺ ، كما مر في قصة النجاشي. روى عنها: أخواها: معاوية، وعنبسه ابنا أبي سفيان، وغيرهما، روي لها عن رسول ﷺ خمسة وستون حديثًا، اتفقا على حديثين، ولمسلم مثلهما، روى لها الجماعة. توفيت سنة أربع وأربعين، وقيل: قبل معاوية بسنة، ومعاوية إنما مات في رجب سنة ستين. وأما أم سلمة: فهي هند بنت أبي أمية، واسمه: سهيل بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمرو بن مخزوم المخزومية أم المؤمنين، ويقال: إن أم سلمة أول ظعينة دخلت المدينه مهاجرة. وكانت هي وزوجها أَبو سلمة أول من هاجر إلى أرض الحبشة، فولدت

стр. 1640

له بها زينب، وولدت له بعد ذلك: سلمة، وعمر، ودرة، ومات أَبو سلمة ﵁ سنة أربع، أو ثلاث، فتزوجها النبي ﷺ في ليال بقين من شوال من تلك السنة. وماتت سنة سبع وخمسين، وقيل: اثنتين وستين، وصلى عليها أَبو هريرة، وقيل: سعيد بن زيد، ورد: بأن وفاته كانت سنة إحدى وخمسين، ودفنت بالبقيع، وكان عمرها أربعًا وثمانين سنة، وهي آخر زوجات النبي ﷺ موتًا، وقيل: بل ميمونة. روي لها عن النبي ﷺ ثلاث مئة حديث، وثمانية وسبعون حديثًا، اتفقا على ثلاثة عشر حديثًا، ولمسلم مثلها، وللبخاري ثلاثة (١). (فذكرتا)؛ أي: أم سلمة، وأم حبيبة (من حسنها)؛ أي: الكنيسة المسماة بمارية (وتصاوير) مصورةٍ (فيها، فرفع) رسول اللَّه ﷺ (رأسه) الشريف (فقال: أولئك) -بكسر الكاف، ويجوز فتحها- (إذا مات) منهم، وفي بعض نسخ البخاري: (فيهم)، ولفظ "جمع الصحيحين" للحافظ عبد الحق: "إن أولئك إذا كان فيهم" (٢) (الرجل الصالح) فمات، (بنوا على قبره مسجدًا، ثم صوروا فيه)؛ أي: في ذلك المسجد (تلك الصور) جمع صورة.

стр. 1641

قال القرطبي: إنما صور أوائلهم الصور؛ ليتأنسوا بها، ويتذكروا أفعالهم الصالحة، فيجتهدون كاجتهادهم، ويعبدون اللَّه عند قبورهم، ثم خلفهم قوم جهلوا مرادهم، ووسوس لهم الشيطان أن أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور، ويعظمونها، فحذر النبي ﷺ عن مثل ذلك؛ سدًا للذريعة المؤدية [إلى ذلك] (١). وفي لفظ: "صوروا تلك الصورة" (٢) -بالإفراد-، يعني: التي مات صاحبها، فنفَّرَ ﵊ عن مثل فعلهم، بقوله: (أولئك) -بفتح الكاف وكسرها- (شرار الخلق عند اللَّه)، ومحل القصد من حديث المنع من اتخاذ قبور الأنبياء والصلحاء وغيرهم مساجد، ومقتضى الذم والتنفير: التحريم، لا سيما وقد ثبت اللعن عليه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "الفتاوى المصرية": بناء المساجد على القبور محرم، باتفاق الأئمة، ولو بنى عليه غير مسجد، نهي عنه أيضًا باتفاق العلماء، وإنما تنازعوا في تطيينه: فرخص فيه الإمام أحمد، والشافعي، وكرهه أَبو حنيفة، كالتجصيص، قال: والبناء على القبور من المساجد والترب محدث في الإسلام من قريب، انتهى (٣). وقال ابن دقيق العيد في شرح حديث عائشة هذا: فيه دليل على تحريم مثل هذا الفعل، وقد تظاهرت دلائل الشريعة على المنع من التصوير، ولقد أبعد غاية البعد من قال: إن ذلك محمول على الكراهة، وأن هذا التشديد كان في ذلك الزمان؛ لقرب عهد الناس بعبادة الأوثان، وهذا الزمان حيث

стр. 1642

انتشر الإسلام، وتمهدت قواعده، لا يساويه في هذا المعنى، ولا يساويه في هذا التشديد. قال: وهذا باطل قطعًا؛ لأنه ورد في الأحاديث الإخبار عن أمر الآخرة بعذاب المصورين، وأنه يقال لهم: "أحيوا ما خلقتم"، وهذه علة مخالفة لما قاله مدعي الكراهة، وقد صرح بذلك في قوله ﵇ "المشبهون بخلق اللَّه" (١)، وهذه علة عامة مستقلة مناسبة، لا تخص زمانًا دون زمان. قال: وليس لنا أن نتصرف في النصوص المتظاهرة المتظافرة، بمعنى خيالي يمكن ألا يكون هو المراد، مع اقتضاء اللفظ للتعليل بغيره؛ وهو التشبيه بخلق اللَّه، وقوله ﵇: "بنوا على قبره مسجدًا" إشارة إلى المنع من ذلك، وقد صرح به في الحديث الآخر؛ حيث لعن اليهود والنصارى؛ لكونهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٢). * * *

стр. 1643

الحديث الثاني عشر عنها: قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: "لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ والنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ"، قَالَتْ: وَلَوْلَا ذَاكَ، أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا (١). * * *

стр. 1644

(عنها) -أي: عن أم المؤمنين عائشة الصديقة بنت الصديق ﵂، وعن أبيها- (قالت: قال رسول اللَّه ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه)، وفي لفظ: في مرضه الذي مات فيه (١): (لعن اللَّه اليهود والنصارى)؛ أي: أبعدهم من رحمته، وطردهم عن دار كرامته (اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، وفي لفظ: "مسجدًا" (٢) -بالإفراد- على إرادة الجنس. (قالت) عائشة ﵂: (ولولا ذلك)؛ أي: خشية أن يتخذ قبره مسجدًا، (أبرز قبره) ﵊؛ أي: كشف وظهر، وفي لفظ: لأبرزوا قبره (٣) -بلفظ الجمع- لكن لم يبرزوه؛ أي: لم يكشفوه، بل بنوا عليه حائلًا؛ لوجود خوف الاتخاذ، فامتنع الإبراز؛ لأن (لولا) امتناع لوجود (غير أنه خشي) هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: غير أني أخشى (٤) (أن يتخذ) قبره الشريف (مسجدًا). وهذا قالته عائشة ﵂ قبل أن يوسع المسجد، ولذا لما وسع، جعلت الحجرة الشريفة مثلثة الشكل محدودة، حتى لا يتأتى لأحد أن يصلي إلى جهة القبر المقدس مع استقبال القبلة (٥). قال في "الفروع": يحرم اتخاذ المسجد على القبور، وبينها، ذكره بعضهم وفاقًا، قال شيخنا -يعني: شيخ الإسلام ابن تيمية-: يتعين إزالتها، لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين، قال: ولا تصح الصلاة فيها على

стр. 1645

ظاهر المذهب؛ للنهي واللعن، وليس فيها خلاف؛ لكون المدفون فيها واحدًا، وإنما اختلف أصحابنا في المقبرة المجردة عن مسجد؛ هل حدها ثلاثة أقبر، أو ينهى عن الصلاة عند القبر الفذ؟ على وجهين (١). وفي "الهدي" للإمام ابن القيم: لو وضع المسجد والقبر معًا، لم يجز، ولا يصح الوقف، ولا الصلاة (٢). قال العلامة الشيخ مرعي في كتابه "زيارة المشاهد والقبور": واختلف الفقهاء في علة النهي: فذهبت طائفة: إلى أنه تعبدي. وذهب آخرون: إلى أن سبب كراهة الصلاة في المقبرة، ليس إلا كونها مظنة للنجاسة؛ لما يختلط بالتراب من صديد الموتى، وبنى على هذا الفرق بين المقبرة الجديدة، والقديمة، وبين أن يكون بينه وبين التراب حائل، أو لا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: المقصود الأكبر بالنهي عن الصلاة عند القبور، ليس هو هذا؛ فإنه ﵇ قد بين: أن اليهود والنصارى كانوا "إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا" (٣)، فلعن رسول اللَّه ﷺ فاعل ذلك، يحذر أمته ويخوفهم من فعل مثل ذلك، وقد قال ﷺ : "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام" (٤)، فهذا يبين: أن

стр. 1646

سبب النهي ليس هو مظنة النجاسة، وإنما هو مظنة اتخاذها أوثانًا، ولئلا تتخذ ذريعة إلى نوع من الشرك؛ بالعكوف عليها، وتعلق القلوب بها رغبة ورهبة، ولما في ذلك من مشابهة الكفار بالصلاة عند القبور. وقد قال الإمام الشافعي: أكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدًا؛ مخافة الفتنة عليه، وعلى من بعده من الناس، ولا سيما وقد نبه ﵊ على العلة بقوله: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد" (١). وسبب عبادة اللات: قبر رجل صالح كان هناك يلت السويق بالسمن، ويطعم الحاج، ولذا قرىء: اللاتّ -بتشديد التاء-. وذكروا أن وَدًّا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا: أسماء قوم صالحين، كانوا بين آدم، ونوح ﵉، فلما ماتوا، قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم، كانوا أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا، وجاء آخرون، وسوس لهم الشيطان، وقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يُسقون المطر، فعبدوهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فالعكوف على القبور، والتمسح بها، وتقبيلها، والدعاء عندها، ونحو ذلك؛ هو أصل الشرك وعبادة الأوثان.

стр. 1647

وقال قتادة وغيره: كانت هذه الآلهة يعبدها قوم نوح، ثم اتخذها العرب بعد ذلك، فالسلف لم ينهوا عن الصلاة عند القبور، واتخاذها مساجد، إلا لما يخاف عليهم من الفتنة، وهذا بين ظاهر، واللَّه أعلم (١). * * *

стр. 1648

الحديث الثالث عشر عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "لَيْسَ مِنَّا ضَرَبَ الخَدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، ودَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَةِ" (١). * * * (عن) أبي عبد الرحمن (عبد اللَّه بن مسعود ﵁، عن

стр. 1649

النبي ﷺ ، قال: ليس منا)؛ أي: من أهل سنتنا، ولا من المهتدين بهدينا، وليس المراد خروجه عن الدين؛ لأن المعاصي لا يكفر بها عند أهل السنة، نعم يكفر باعتقاد حلها. وعن سفيان: أنه كره الخوض في تأويله، وقال: ينبغي أن يمسك عنه؛ ليكون أوقع في النفوس، وأبلغ في الزجر (١). (من ضرب الخدود)، وفي لفظ: "لطم" (٢)، وفي آخر: "لكم" (٣)، والخدود: جمع خد. قال في "العدة": وإنما جمع، وإن كان ليس للإنسان إلا خدان فقط: باعتبار إرادة الجمع؛ ليكون من مقابلة الجمع بالجمع، أو على حد قوله تعالى: ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ [طه: ١٣٠]، وقول العرب: شابت مفارقه، وليس إلا مفرق واحد، وإنما خص الخدود بذلك؛ لكونه الغالب في ذلك، وإلا فضرب بقية البدن داخل في ذلك. (وشق الجيوب) -بضم الجيم- جمع جيب، وإنما جمعه، وليس للإنسان إلا جيب واحد؛ لما تقدم في الخدود، والجيب مشتق من جابه؛ أي: قطعه، قال تعالى: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر: ٩]، وهو ما يفتح من الثوب لتدخل فيه الرأس للبسه، والمراد بشقه: فتحه إلى آخره، وهو من علامات التسخط (٤). (ودعا بدعوى الجاهلية)، وفي رواية مسلم: "ضرب الخدود، أو شق

стр. 1650

الجيوب، أو دعا بدعوى الجاهلية" (١)، وهي زمان الفترة قبل الإسلام؛ بأن قال في بكائه ما كانوا يقولونه من النياحة والندبة، نحو: واجبلا! واعضداه! وكذا الدعاء بالويل والثبور (٢)؛ لدلالة ذلك على عدم الرضا والتسليم للقضاء. وهذا يدل على تحريم ما ذكر من شق الجيب، وغيره، فإن وقع التصريح باستحلاله مع العلم بتحريم التسخط مثلًا بما وقع، فلا مانع من حمل النفي حينئذ على الإخراج من الدين (٣). والحاصل: أن التبري يقع بكل واحد من الثلاثة، فلا يشترط وقوعها معًا، لا سيما، ورواية مسلم مصرحة بالعطف بـ "أو" -كما ذكرنا- واللَّه أعلم (٤). تنبيهان: الأول: جاء في عدة أحاديث صحيحة، وأخبار صريحة: أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، ففي "الصحيحين" عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، عن النبي ﷺ قال: "الميت يعذب في قبره بما نيح عليه" (٥)، وفي لفظ: "يعذب بما نيح عليه" (٦) ولم يذكر: "في قبره".
следующие страницы →