← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

سبب النهي ليس هو مظنة النجاسة، وإنما هو مظنة اتخاذها أوثانًا، ولئلا تتخذ ذريعة إلى نوع من الشرك؛ بالعكوف عليها، وتعلق القلوب بها رغبة ورهبة، ولما في ذلك من مشابهة الكفار بالصلاة عند القبور. وقد قال الإمام الشافعي: أكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدًا؛ مخافة الفتنة عليه، وعلى من بعده من الناس، ولا سيما وقد نبه ﵊ على العلة بقوله: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد" (١). وسبب عبادة اللات: قبر رجل صالح كان هناك يلت السويق بالسمن، ويطعم الحاج، ولذا قرىء: اللاتّ -بتشديد التاء-. وذكروا أن وَدًّا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا: أسماء قوم صالحين، كانوا بين آدم، ونوح ﵉، فلما ماتوا، قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم، كانوا أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا، وجاء آخرون، وسوس لهم الشيطان، وقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يُسقون المطر، فعبدوهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فالعكوف على القبور، والتمسح بها، وتقبيلها، والدعاء عندها، ونحو ذلك؛ هو أصل الشرك وعبادة الأوثان.

стр. 1647

وقال قتادة وغيره: كانت هذه الآلهة يعبدها قوم نوح، ثم اتخذها العرب بعد ذلك، فالسلف لم ينهوا عن الصلاة عند القبور، واتخاذها مساجد، إلا لما يخاف عليهم من الفتنة، وهذا بين ظاهر، واللَّه أعلم (١). * * *

стр. 1648

الحديث الثالث عشر عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "لَيْسَ مِنَّا ضَرَبَ الخَدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، ودَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَةِ" (١). * * * (عن) أبي عبد الرحمن (عبد اللَّه بن مسعود ﵁، عن

стр. 1649

النبي ﷺ ، قال: ليس منا)؛ أي: من أهل سنتنا، ولا من المهتدين بهدينا، وليس المراد خروجه عن الدين؛ لأن المعاصي لا يكفر بها عند أهل السنة، نعم يكفر باعتقاد حلها. وعن سفيان: أنه كره الخوض في تأويله، وقال: ينبغي أن يمسك عنه؛ ليكون أوقع في النفوس، وأبلغ في الزجر (١). (من ضرب الخدود)، وفي لفظ: "لطم" (٢)، وفي آخر: "لكم" (٣)، والخدود: جمع خد. قال في "العدة": وإنما جمع، وإن كان ليس للإنسان إلا خدان فقط: باعتبار إرادة الجمع؛ ليكون من مقابلة الجمع بالجمع، أو على حد قوله تعالى: ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ [طه: ١٣٠]، وقول العرب: شابت مفارقه، وليس إلا مفرق واحد، وإنما خص الخدود بذلك؛ لكونه الغالب في ذلك، وإلا فضرب بقية البدن داخل في ذلك. (وشق الجيوب) -بضم الجيم- جمع جيب، وإنما جمعه، وليس للإنسان إلا جيب واحد؛ لما تقدم في الخدود، والجيب مشتق من جابه؛ أي: قطعه، قال تعالى: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر: ٩]، وهو ما يفتح من الثوب لتدخل فيه الرأس للبسه، والمراد بشقه: فتحه إلى آخره، وهو من علامات التسخط (٤). (ودعا بدعوى الجاهلية)، وفي رواية مسلم: "ضرب الخدود، أو شق

стр. 1650

الجيوب، أو دعا بدعوى الجاهلية" (١)، وهي زمان الفترة قبل الإسلام؛ بأن قال في بكائه ما كانوا يقولونه من النياحة والندبة، نحو: واجبلا! واعضداه! وكذا الدعاء بالويل والثبور (٢)؛ لدلالة ذلك على عدم الرضا والتسليم للقضاء. وهذا يدل على تحريم ما ذكر من شق الجيب، وغيره، فإن وقع التصريح باستحلاله مع العلم بتحريم التسخط مثلًا بما وقع، فلا مانع من حمل النفي حينئذ على الإخراج من الدين (٣). والحاصل: أن التبري يقع بكل واحد من الثلاثة، فلا يشترط وقوعها معًا، لا سيما، ورواية مسلم مصرحة بالعطف بـ "أو" -كما ذكرنا- واللَّه أعلم (٤). تنبيهان: الأول: جاء في عدة أحاديث صحيحة، وأخبار صريحة: أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، ففي "الصحيحين" عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، عن النبي ﷺ قال: "الميت يعذب في قبره بما نيح عليه" (٥)، وفي لفظ: "يعذب بما نيح عليه" (٦) ولم يذكر: "في قبره".

стр. 1651

وفيهما عن المغيرة بن شعبة ﵁، قال: "بعث رسول اللَّه ﷺ يقول: إنه من ينح عليه يعذب بما نيح عليه" (١)، وعنه: قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن كذبًا علي ليس ككذب على أحد، من كذب علي متعمدًا، فليتبوأ مقعده من النار"، سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: من نيح عليه يعذب بما نيح عليه" رواه البخاري، واللفظ له، ومسلم (٢). وفي "مسند الإمام أحمد" عن أسيد بن أبي أسيد، عن موسى بن أبي موسى: أن النبي ﷺ قال: "الميت يعذب ببكاء الحي، إذا قالت النائحة: واعضداه! واناصراه! واكاسياه! جذب الميت، وقيل له: أنت عضدها؟! أنت ناصرها؟! أنمط كاسيها؟! "، فقلت: سبحان اللَّه! يقول اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥]، فقال: أحدثك عن أبي موسى، عن رسول اللَّه ﷺ ، وتقول هذا، فأينا كذب؟! فواللَّه! ما كذب علي أبي موسى، ولا كذب أَبو موسى على رسول اللَّه ﷺ (٣). وفي "البخاري": عن النعمان بن بشير، قال: أغمي على عبد اللَّه بن رواحة، فجعلت أخته عَمْرَةُ تبكي، وتقول: واجبلاه! واكذا واكذا! تعدد عليه، فقال حين أفاق: ما قلت شيئًا إلا وقد قيل لي: أنت كذلك؟! فلما مات، لم تبك عليه (٤)، إلى غير ذلك من الأخبار والآثار. الثاني: اختلف السلف والخلف في ذلك:

стр. 1652

فقالت طائفة: اللَّه يتصرف في خلقه بما يشاء، وأفعال اللَّه لا تعلل، ولا فرق بين التعذيب بالنوح عليه، والتعذيب بما هو منسوب إليه؛ لأن اللَّه تعالى خالق الجميع، واللَّه تعالى يؤلم الأطفال، والبهائم، والمجانين؛ بغير عمل عملوه. وقالت أخرى: هذه الأحاديث غير صحيحة، وقد أنكرتها عائشة ﵂، واحتجت بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ٥]، وفي "الصحيحين" عن عروة، قال: ذكر عند عائشة؛ أن [ابن] عمر ﵃ يرفع إلى النبي ﷺ : "أن الميت يعذب في قبره ببكاء أهله"، فقالت: وَهِلَ -أي: ذهب وهمه إلى ذلك-، إنما قال النبي ﷺ : إنه ليعذب بخطيئته، أو بذنبه، وإن أهله ليبكون عليه الآن" (١). وفيهما عن عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن أبي مليكة، قال: توفيت بنت لعثمان بمكة، وجئنا لنشهدها، وحضرها ابن عمر، وابن عباس ﵃، وإني لجالس بينهما، أو جلست إلى أحدهما، ثم جاء الآخر فجلس إلى جنبي. زاد مسلم: فإذا صوت من الدار. وعند الحميدي من رواية عمرو بن دينار، عن ابن أبي مليكة: فبكى النساء، فقال عبد اللَّه بن عمر ﵄ لعمرو بن عثمان: ألا تنهى عن البكاء؟! فإن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه"؟ فقال ابن عباس ﵄، قد كان عمر ﵁ يقول بعض ذلك، ثم حدث -أي: ابن عباس-، قال: صدرت مع عمر ﵁ من مكة، حتى إذا كنا بالبيداء، إذا هو بركب تحت ظل

стр. 1653

شجرة، فقال: اذهب فانظر من هؤلاء الركب؟ قال: فنظرت، فإذا صهيب، فأخبرته، فقال: ادعه لي، فرجعت إلى صهيب، فقلت: ارتحل فالحقْ بأمير المؤمنين، فلما أُصيب عمر، دخل صهيب يقول: واأخاه! واصاحباه! فقال عمر ﵁: يا صهيب! أتبكي عليَّ، وقد قال رسول اللَّه ﷺ : "إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه"؟! قال ابن عباس ﵄: فلما مات عمر ﵁، ذكرت ذلك لعائشة ﵂ فقالت: يرحم اللَّه عمر، واللَّه! ما حدث رسول اللَّه ﷺ : أن اللَّه ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه، لكن -وفي رواية بزيادة الواو- رسول اللَّه ﷺ قال: "إن اللَّه ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه"، وقالت: حسبكم القرآن: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥]. قال ابن عباس ﵄ عند ذلك: واللَّه هو أضحك وأبكى؛ تقريرًا لما ذهبت إليه عائشة قال ابن أبي مليكة: واللَّه ما قال ابن عمر ﵄ شيئًا (١). قال ابن المنير: سكوت ابن عمر لا يدل على الإذعان، فكأنه كره المجادلة، إذ المجلس إذ ذاك لا يقبل المماراة (٢). قال الخطابي: الرواية إذا ثبتت، لم يكن في دفعها سبيل بالظن، وقد رواه عمر، وابنه، وكذلك المغيرة بن شعبة، وليس فيما حكت عائشة ﵂ ما يدفع الرواية بجواز صحة الخبرين، إذ لا منافاة بينهما (٣).

стр. 1654

وقد حملت طائفة ذلك على من أوصى به، أو كانت عادتهم ذلك، ولم ينههم، يعني: يوصي قبل موته ألَّا يحدثوا قولًا ولا فعلًا منكرًا، وهذا كان مشهورًا عند العرب، وهو كثير في أشعارهم، كقول طرفة: [من الطويل] إذا مِتُّ فانْعِيْني بما أنا أَهْلُه ... وشُقِّي عليَّ الجَيْبَ يا بنةَ مَعْبَدِ (١) وصحح هذا القول طوائف، منهم: أَبو البركات ابن تيمية؛ لأنه إذا غلب على ظنه فعلهم له، ولم يوصهم بتركه، فقد وصى به، وصار كمن ترك النهي عن المنكر مع القدرة عليه، فأما إذا أوصاهم بتركه، فخالفوه؛ فاللَّه أكرم من أن يعذبه بذلك. قال الإمام ابن القيم: وقد حصل بهذا القول إجراء الخبر على عمومه في أكثر الموارد، قال: وإنكار عائشة ﵂ لذلك بعد رواية الثقات لا يعول عليه؛ فإنهم قد يحضرون ما لا تحضره، ويشهدون ما تغيب عنه، واحتمال السهو والغلط بعيد جدًا، خصوصًا في حق خمسة من أكابر الصحابة، وهم: عمر، وابنه، وأبو موسى الأشعري، والمغيرة بن شعبة، والنعمان بن بشير في قصة عبد اللَّه بن رواحة -رضوان اللَّه عليهم أجمعين-. ثم إن عائشة ﵂ محجوجة بروايتها عنه: أنه قال ﵊: "إن اللَّه يزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه" (٢)، فإذا لم تمتنع زيادة الكافر عذابًا بفعل غيره، مع كونه مخالفًا لظاهر الآية، لم يمتنع ذلك في حق المسلم؛ فإن اللَّه تعالى كما لا يظلم عبده المسلم؛ لا يظلم الكافر، واللَّه أعلم.

стр. 1655

وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس اللَّه روحه- مذهبًا حسنًا، وملخصه: بأن هذه الأحاديث لا تحتاج إلى شيء من هذه التعسفات، وليس فيها -بحمد اللَّه- إشكال، ولا مخالفة لظاهر القرآن، ولا لقاعدة من قواعد الشرع، ولا تتضمن عقوبة الإنسان بذنب غيره؛ فإن النبي ﷺ لم يقل: إن الميت ليعاقب ببكاء أهله عليه، أو بنوح أهله عليه، وإنما قال: إنه ليعذب بذلك. ولا ريب أن ذلك يؤلمه ويعذبه، والعذاب هو الألم الذي يحصل له، وهو أعم من العقاب، والأعم لا يستلزم الأخص، وقد قال النبي ﷺ : "قطعة من العذاب" (١)، وهذا العذاب يحصل للمؤمن والكافر، ويحصل للميت الألم في قبره بمجاورة أهل البدع والفسق والعصيان، ويتأذى بذلك كما يتأذى الإنسان بما يشاهده من عقوبة جاره، ونص الإمام أحمد على أن الموتى يتأذون بفعل المعصية عندهم، فإذا بكى أهل الميت عليه البكاء المحرم؛ من لطم الخدود، وتمزيق الثياب، وخمش الوجوه، وتسويدها، وقطع الشعر ونتفه، ودعاء بدعوى الجاهلية، وكل هذا موجود في غالب جهال أهل زماننا، فإذا وجدت هذه الأفعال والأقوال على هذا الوجه، حصل للميت الألم في قبره بذلك، فهذا التألم هو عذابه بالبكاء عليه، انتهى (٢). ومثل هذا ما حكاه القبب القسطلاني بأن تعذيبه توبيخ الملائكة له بما

стр. 1656

يندبه به أهله، وذكر حديث أبي موسى عند الإمام أحمد مرفوعًا: "الميت يعذب ببكاء الحي إذا قالت النائحة: واعضداه! واناصراه! واكاسياه! جبذ الميت، وقيل له: أنت عضدها؟! ... " الحديث (١)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1657

الحديث الرابع عشر عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ شَهِدَ الجَنَازةَ حَتَّى يُصَلِّي عَلَيْهَا، فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ، فَلَهُ قِيرَاطَان"، قِيلَ: وَمَا القِيرَاطَانِ؟ قَالَ: "مِثْلُ الجَبَلَيْنِ العَظِيمَيْنِ" (١). ولِمسلمٍ: "أَصْغَرُهُما مِثْلُ أُحُدٍ" (٢).

стр. 1658

(عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر (﵁، قال) أَبو هريرة: (قال رسول اللَّه ﷺ : من شهد الجنازة) في رواية لمسلم من حديث خباب: "من خرج مع جنازة من بيتها" (١)، وللإمام أحمد من حديث أبي سعيد: "فمشى معها من أهلها" (٢) (حتى يصلِّي) -بكسر اللام-، وفي رواية الأكثر -بفتحها-، وهي محمولة عليها؛ فإن حصول القيراط متوقف على وجود الصلاة من الذي يشهد (٣) (عليها)؛ أي: على الجنازة، وفي رواية الكشميهني من نسخ البخاري: "عليه"؛ أي: الميت (٤) (فله)؛ أي: لمن شهدها حتى صلى عليها من الأجر (قيراط)، فلو تعددت الجنائز، واتحدت الصلاة عليها دفعة واحدة، هل تتعدد القراريط بتعددها، أو لا تتعدد؛ نظرًا لاتحاد الظاهر الصلاة؟! الظاهر: التعدد، ونص عليه غير واحد، واستظهره الأذرعي من الشافعية، ومقتضى التقييد في رواية الإمام أحمد وغيرها بقوله: "فمشى معها من أهلها" (٥): أن القيراط يختص بمن حضر من أول الأمر إلى انقضاء الصلاة، لكن ظاهر حديث البزار من طريق ابن عجلان، عن أبيه، عن

стр. 1659

أبي هريرة، بلفظ: "فإن انتظرها حتى تدفن، فله قيراط" (١) حصوله لمن صلى فقط، لكن يكون قيراطه دون قيراط من شيع مثلًا وصلى، ويؤيد ذلك رواية مسلم عن أبي هريرة حيث قال: "أصغرهما مثل أحد"، ففيه دلالة على أن القراريط تتفاوت، وفي مسلم -أيضًا-: "من صلى على جنازة ولم يتبعها، فله قيراط" (٢)، فظاهره: حصول القيراط وإن لم يقع اتباع، لكن يمكن حمل الاتباع هنا على ما بعد الصلاة، لا سيما وحديث البزار ضعيف (٣). (ومن شهدها)؛ أي: الجنازة (حتى تدفن)؛ أي: يفرغ من دفنها بأن يُهال عليها بالتراب، وعلى ذلك تحمل رواية مسلم: "حتى توضع في اللحد" (٤)، (فله)، وفي لفظ: "كان له" (٥) (قيراطان) من الأجر المذكور، وهل يحصل ذلك بقيراط الصلاة، أو بدونه، فتكون ثلاثة قراريط؟ المعتمد الأول (٦). قال الإمام ابن القيم في كتابه "بدائع الفوائد": سئل أَبو نصر بن الصباغ عن القيراطين هل هما غير الأول، أو به؟، فقال: بل القيراطان: الأول، وآخر معه؛ بدليل قوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: ١]. قال ابن القيم: قلت: ونظير هذا قوله ﷺ : "من صلى العشاء في جماعة، فكأنما أقام نصف الليل، ومن صلى الفجر في جماعة، فكأنما أقام

стр. 1660

الليل كله" (١)، ونظيره قوله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [فصلت: ٩ - ١٠]، فهي أربعة باليومين الأولين، ولولا ذلك لكانت أيام التخليق ثمانية (٢). وهل يحصل قيراط الدفن وإن لم يحصل اتباع؟ فيه بحث. لكن مقتضى رواية البخاري في كتاب: الإيمان من "صحيحه" حيث قال: "وكان معها حتى يصلي عليها، ويفرغ من دفنها" (٣): أن القيراطين إنما يحصلان بمجموع الصلاة والاتباع في جميع الطريق وحضور الدفن، فإن صلى مثلًا وذهب إلى القبر وحده، فحضر الدفن، لم يحصل له إلا قيراط واحد، صرح به النووي في "المجموع"، (٤) وغيره. نعم، له أجر في الجملة، ومقتضى جميع الأحاديث: أن من اقتصر على التشييع، فلم يصل، ولم يشهد الدفن، فلا قيراط له، إلا على ما يفهم من كلام الإمام ابن عقيل فيما يأتي (٥). (قيل)، وعند أبي عوانة: قال أَبو هريرة: قلت: يا رسول اللَّه (٦)! (وما القيراطان؟ قال) ﷺ : هما (مثل الجبلين العظيمين). (و) أخص من ذلك ما في رواية (لمسلم) من تمثيل (أصغرهما)؛ أي: القيراطين بأنه (مثل) جبل (أحد).

стр. 1661

قال الطيبي: "قوله: مثل أحد": تفسير للمقصود من الكلام، لا للفظ القيراط، والمراد: أنه يرجع بنصيب كبير من الأجر. وقال الزين بن المنير: أراد تعظيم الثواب، فمثَّله للعيان بأعظم الجباب خلقًا، وأكثرها إلى النفوس المؤمنة حبًا؛ لأنه الذي قال ﷺ في حقه "جبل يحبنا ونحبه" (١). والقيراط -بكسر القاف-، قال الجوهري: نصف دانق (٢)، والدانق سدس درهم، فعلى هذا يكون القيراط جزءًا من اثني عشر جزءًا من الدرهم. وقال الإمام ابن عقيل: نصف سدس درهم، أو نصف عشر دينار. وقال ابن الأثير: هو نصف عشر الدينار في أكثر البلاد، وفي الشام جزء من أربع وعشرين جزءًا (٣). وقال القاضي أَبو بكر بن العربي: الذرة جزء من ألف وأربعة وعشرين جزءًا من حبة، والحبة ثلث القيراط، والذرة تُخرج من النار، فكيف بالقيراط (٤)؟. فائدة: قال الإمام ابن القيم في كتابه "البدائع": لم أزل حريصًا على معرفة المراد بالقيراط في هذا الحديث، وإلى أي شيء نسبته، حتى رأيت

стр. 1662

لابن عقيل فيه كلامًا، قال: القيراط نصف سدس درهم مثلًا، أو نصف عشر دينار، ولا يجوز أن يكون المراد هنا جنس الأجر؛ لأن ذلك يدخل فيه ثواب الإيمان بأعماله؛ كالصلاة والحج وغيره، وليس في صلاة الجنازة ما يبلغ هذا، [فـ]ـلم يبق إلا أن يرجع إلى المعهود، وهو الأجر العائد إلى الميت، ويتعلق بالميت، صبر على المصاب فيه وبه، وتجهيزه، وغسله، ودفنه، والتعزية به، وحمل الطعام إلى أهله، وتسليتهم، وهذا مجموع الأجر الذي يتعلق بالميت، فكان للمصلي والجالس إلى أن يقبر سدس ذلك، أو نصف سدسه إن صلى وانصرف. قال ابن القيم: قلت: كأن مجموع الأجر الحاصل على تجهيز الميت من حين الفراق إلى وضعه في لحده، وقضاء حق أهله وأولاده وجبرهم دينار مثلًا، فللمصلّي عليه فقط من هذا الدينار قيراط، والذي يتعارفه النّاس من القيراط أنّه نصف سدس، فإن صلّى عليه وتبعه، كان له قيراطان منه، وهما سدسه، وعلى هذا فيكون نسبة القيراط إلى الأجر الكامل بحسب عظم ذلك الأجر الكامل في نفسه، فكلما كان أعظم، كان القيراط منه بحسبه، فهذا بين هاهنا. وأمّا قوله ﷺ : "مَنِ اقتنى كلبًا إلَّا كَلْبَ ماشيةٍ أو زرعٍ، نقصَ من أجرِه أو من عمله كُل يوم قيراطٌ" (١)، فيحتمل أن يراد به هذا المعنى أيضًا بعينه، وهو نصفُ سدسِ أجر عمله ذلك اليوم، ويكون صغرُ هذا القيراط وكبرُهُ بحسب قلة عمله وكثرته، فإذا كانت له أربعة وعشرون ألفَ حسنةٍ مثلًا،

стр. 1663

نقص منها كلَّ يوم ألفا حسنة، وعلى هذا الحساب، واللَّه أعلم بمراد رسوله ﷺ ، وهذا مبلغ العلم في فهم هذا الحديث، انتهى (١). قلت: الذي ينبغي: اعتبارُ قيراط المصلّي، أو قيراطي المصلّي والمشيِّع إلى أن يدفن الميت بأكمل حالات المصاب، وإلا فقد يكون عاريًا عن الثواب، أو محتملًا للذنوب؛ لعدم الصبر والتسخط، فيعرى المصلّي عن الثواب، ولا قائل به، وبه أجبت من عارض ما قدمنا، وكذلك ينبغي اعتبار مقتني الكلب في الجملة، وهذا ظاهر، واللَّه الموفق. * * *

стр. 1664

كتاب الزكاة قال ابن قتيبة: الزكاةُ من الزَّكاء، وهو النَّماء والزيادة، سميت بذلك؛ لأنّها تُثَمِّرُ المالَ، وتنمِّيه، يقال: زَكا الزرع: إذا بورك فيه (١). وقال الأزهرِي: سميت بذلك؛ لأنّها تزكي الفقراء؛ أي: تنميهم. قال: وقوله تعالى: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]؛ أي: تطهر المخرجين، وتزكي الفقراء (٢). وهي في الشرع: اسمٌ لمالٍ مخرَجٍ مخصوصٍ بأوصاف مخصوصة، من مال مخصوص، لطائفة مخصوصة (٣). وسمي هذا المال المخرج بها؛ لأنّه يطهر المال من الخبث، ويقيه من الآفات، والنفسَ من رذيلة البخل، ويثمر لها فضيلة الكرم، ويستجلب به البركة في المال، ومدح المخرج عنه. وهي أحدُ أركان الإسلام، يكفرُ جاحدُها، ويقاتَل الممتنعون من

стр. 1665

أدائها، وتؤخذ منهم، وإن لم يقاتلوا قهرًا؛ كما فعل الصدّيق الأعظم ﵁. واختلف العلماء ﵃ هل فرضت بمكة أم بالمدينة؟. ذكر صاحب "المغني"، و"المحرر"، وشيخ الإسلام ابن تيمية: أنها مدنية، ويؤيد ذلك رواية الوالبي عن ابن عبّاس ﵄ في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ [الفتح: ٤]، قال: الرحمة، إنَّ اللَّه بعث نبيه ﷺ بشهادة أنْ لا إله إلا اللَّه، فلما صدَّقوا به، زادهم الصّلاة، فلما صدَّقوا به، زادهم الصّيام، فلما صدَّقوا به، زادهم الزكاة، فلما صدَّقوا به، زادهم الحج، فلما صدَّقوا به، زادهم الجهاد، ثمَّ أكملَ دينهم، فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١) [المائدة: ٣]. وكذا ذكر ابن عقيل في "الواضح" في مسألة النسخ: أن الزكاة بعد الصّوم (٢). ثمَّ إنَّ المصنف -رحمه اللَّه تعالى- ذكر في هذا الباب ستة أحاديث. * * *

стр. 1666

الحديث الأول عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى اليَمَنِ: "إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَإِذَا جِئْتَهُم، فَادْعُهُم إلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلهَ إلَّا اللَّهُ، وأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطاعُوا لَكَ بذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُم أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ في كُلِّ يَوْمِ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُم أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُم أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِم، فَتُرَدُّ عَلَىَ فُقَرَائِهِم، فَإنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ؛ فَإنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجابٌ" (١).

стр. 1667

(عن عبدِ اللَّه بنِ عبّاسٍ ﵄، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ لمعاذِ بنِ جَبَلٍ) ﵁ (حين)؛ أي: وقت (بعثَهُ) ﵊ (إلى اليمن) سنة عشرٍ قبل حجة الوداع؛ كما في أواخر المغازي من "صحيح البخاري" (١). وقيل: في آخر سنة تسع عند منصَرَفِه من غزوة تبوك، رواه الواقدي، وابن سعد في "الطبقات" (٢)، يعلِّمهم القرآنَ وشرائع الإسلام، ويقضي بينهم، ويقبضُ الصدقات من عمال أهل اليمن. واليمن -محركة-: مما عن يمين القبلة من بلاد الغَوْر، والنسبة إليها: يَمَنِيٌّ، ويَمَانِيٌّ، ويَمانٍ، وهي بلاد واسعة من عُمان إلى نجران، وتسمى: الخضراء؛ لكثرة أشجارها وزرعها (٣).

стр. 1668

وأهلُها أرقُّ النّاس قلوبًا، وأعرفُهم للحق، سماهم اللَّه: النّاس حيث قال: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] في قول. (إنك) يا معاذُ (ستأتي قومًا أهلَ كتابٍ) لعلَّ هذا منه ﷺ كالتمهيد والتوطئة للوصية باستجماع همته في الدّعاء لهم؛ فإنّ أهلَ الكتاب أهلُ علم، ومخاطبتُهم لا تكون كمخاطبة جُهَّال المشركين وعَبَدَةِ الأوثان في العناية بها (١). (فإذا جِئْتَهم فادْعُهم) أوّلًا (إلى) شيئين: أحدهما: (أن يشهدوا أَنْ لا إله إلا اللَّه). (و) الثّاني: أن يشهدوا (أنَّ محمدًا رسولُ اللَّه)، والبداءةُ في المطالبة بالشهادتين؛ لأنَّ ذلك أصل الدين الذي لا يصحُّ شيء من فروعه إلا به، فمن كان منهم غيرَ موحد على التحقيق؛ كالنصارى، فالمطالبة متوجهةٌ إليه بكل واحدة من الشهادتين عينًا. ومن كان موحِّدًا؛ كاليهود، فالمطالبة له بالجمع بين ما أقرَّ به من التّوحيد، وبين الإقرار بالرسالة، فإن كان هؤلاء اليهود الذين كانوا باليمن عندَهم ما يقتضي الإشراكَ، ولو باللزوم، تكون مطالبتُهم بالتّوحيد لنفي ما يلزم من عقائدهم. وقد ذكر الفقهاء أن مَنْ كان كافرًا بشيء، ومؤمنًا بغيره، لم يدخل في الإسلام إلا بالإيمان بما كفر به (٢). (فإنْ هم أطاعوا لك بذلك)؛ أي: انقادوا بما أمرتهم به، ودعوتهم إليه؛ بأن تلفَّظوا بالشهادتين، (فأخبرهم) -بفتح الهمزة-؛ من الإخبار.

стр. 1669

وفي لفظ عندهما: "فأعلمهم" (١) -بقطع الهمزة-؛ من الإعلام (أَنَّ اللَّه) -بفتح الهمزة-؛ لأنها في محل نصب مفعولٌ ثانٍ للإعلام أو الإخبار ( ) نعتان للَّه تعالى (قد فرضَ)، وفي لفظ: "قد افترض" (٢)، وفي آخر: "افترض" (٣) بإسقاط "قد" (عليهم خمسَ صلواتٍ في كل يوم وليلة)، فخرج الوتر، (فإن هم أطاعوا)؛ أي: امتثلوا وأذعنوا (لك بذلك)؛ أي: بوجوبها، أو بادروا إلى فعلها، ولو لم يتلفظوا بالإقرار بالوجوب، فالشرطُ عدمُ الإنكار، والإذعان للوجوب، لا التلفظ بالإقرار (٤). (فأخبرهم)، وفي لفظ: "فأعلمهم" (٥) (أنَّ اللَّه) تعالى (قد فرضَ)، وفي لفظ: "افترض" (٦) (عليهم صدقةً)؛ أي: زكاة في أموالهم (تؤخَذُ) -بضم أوله مبنيًا للمفعول- (من) مال (أغنيائِهم) المكلَّفين وغيرِهم، (فترَدُّ)، وفي رواية: "وترد" (٧) -بالواو- (على فقرائِهم)، وبدأ بالأهم فالأهم، وذلك من التلطف في الخطاب؛ لأنّه لو طالبهم بالجميع في أول الأمر، لنفرت نفوسُهم من كثرتها. واقتصارُه على الفقراء من غير ذكر بقيةِ أصناف أهل الزكاة مشعرٌ بجواز إخراجها إلى صنف واحد.

стр. 1670

وخصَّ الفقراء بالذكر؛ لأنهم الأغلبُ والأهم، وتفيد الإضافة في قوله: "فقرائهم" منعَ صرف الزكاة للكافر. وقد يستدلّ به على منع نقل الزكاة عن بلد المال؛ لأنّ الضمير في قوله: "فقرائهم" يعود على أهل اليمن، وعورض بأن الضمير يرجع إلى فقراء المسلمين، وهم أعم من أن يكونوا فقراءَ أهل تلك البلد أو غيرهم (١). قال ابن دقيق العيد: قد استدلّ به على عدم جواز النقل للزكاة عن بلد المال، وفيه ضعف؛ لأنّ الأقرب أنّ المراد: تؤخذ من أغنيائهم من حيث إنّهم مسلمون، لا من حيث إنّهم أهل اليمن، وكذلك الرد على فقرائهم، وإن لم يكن هذا هو الأظهر، فهو محتمل احتمالًا قويًا، ويقويه: أن أعيانَ الأشخاص المخاطبين في قواعد الشرع الكلية لا تعتبر، ولولا وجودُ مناسبة في باب الزكاة، لقطع بأن ذلك غير معتبر، وقد وردت صيغة الأمر بخطابهم في الصّلاة، فلا يختص بهم قطعًا -أعني: الحكم-، وإن اختص بهم خطاب المواجهة، انتهى (٢). (فإن هم أطاعوا لك بذلك)، أي: أذعنوا بفريضة ذلك ومشروعيته، أو بادروا فأخرجوا الزكاة، ولم يجحدوا وجوبها، فقد أسلموا، فلهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم، فإذا بذلوا لك الواجب في أموالهم، (فإياك وكَرائِمَ أموالهم). وفي رواية: "وتَوَقَّ -أي: احذر- كرائمَ أموالهم" (٣) جمع كريمة، وهي

стр. 1671

العزيزة عند ربِّ المال، النفيسةُ من ماله، إما باعتبار كونها أكولة؛ أي: مُسَمَّنة للأكل، أو رُبَّى -بضم الراء وتشديد الموحدة-؛ أي: قريبة العهد بولادة. وقال الأزهري: إلى خمسة عشر يومًا من ولادتها؛ لأنَّ الزكاة شُرعت لمواساة الفقراء، فلا يناسب الإجحاف بمال الأغنياء، إلا إن رضوا بذلك (١). تنبيهات: الأوّل: معتمد المذهب: جوازُ نقل الزكاة إلى دون مسافة قصر، نص عليه الإمام أحمد؛ لأنّه في حكم بلد واحد؛ بدليل أحكام رخص السفر. وللشّافعيّة وجهان: معتمد مذهبهم: المنعُ، وأمّا نقلُها إلى مسافة القصر، فلا يجوز، ولو لرحِمٍ، وشدةِ حاجةٍ، أو لاستيعابِ الأصناف، فإن خالف وفعل، أجزأ. وقال أَبو حنيفة والشّافعي: بعدم الإجزاء، وكذا عند مالك في قول. وقال: يجوز مع رجحان الحاجة، وكرهه أَبو حنيفة إلا لقرابة أو رجحان حاجة. واختار الآجريُّ جوازَه لقرابة. واتفقوا على أنّه إذا استغنى أهل بلد عنها، جاز نقلها (٢). الثّاني: اتفق الأئمة الثلاثة على أنّه يجوز وضعُ الزكاة في صنف واحد من الأصناف الثمانية، وقال الشّافعي: بوجوب استيعابها، ولا بد من كل

стр. 1672

صنف أقلُّ الجمع، وهو ثلاثة، إلا ما استثني (١). الثالث: يجب إخراج زكاةٍ على الفور، ولا يجوز تأخيره عن وقت وجوبها مع إمكانه، إلا إن خاف ضررًا؛ كرجوع ساعٍ، أو خوفِه على نفسه، أو ماله، ونحوه، أو أخرها لمن حاجتُه أشدُّ، أو لقريب، أو جار، أو لتعذر إخراجِها من النصاب، لغيبته، أو غيرها. فإن جحد وجوبها، فإن كان جهلًا -ومثلُه يجهلُه-؛ كقريب عهد بالإسلام، أو نشوئه ببادية بعيدة يخفى عليه، عُرِّفُ ذلك، ونُهي عن المعاودة، فإن أصرَّ، أو كان عالمًا بوجوبها، كفر، وأُخذت منه إن كانت وجبت، واستُتيب ثلاثة أيام وجوبًا، فإن لم يتب، قُتل كفرًا وجوبًا. ومن منعها بخلًا بها، [أ] وتهاونًا، أخذت منه، وعزَّره إمام عدل فيها، أو عامل زكاة، إلا أن يكون المانعُ جاهلًا. فإن كان المنع لكون الإمام لايعدل فيها؛ بأن كان يضعها في غير مواضعها، لم يعزَّر. وإن غَيَّبَ مالَه، أو كتمَه، وأمكن أخذُها، أُخذت منه من غير زيادة، وإن لم يمكن أخذُها، استُتيب ثلاثة أيام وجوبًا، فإن تاب وأَخرجَ، وإلا قُتل حدًّا، وأُخذت من تركته، واللَّه تعالى الموفق (٢). وقوله ﷺ : (واتَّقِ) يا معاذُ (دعوةَ) الشخصِ (المظلوم) من ذكر وأنثى؛ (فإنه)؛ أي: الشأن والأمر، والفاء للتعليل؛ أي: لأنّه (ليسَ بينها)؛ أي: دعوة المظلوم (وبين اللَّه) (حجابٌ) يحجبها عنٍ الوصول إليه -جلَّ شأنه-، وهو يجيبها ولا بد، بعد النهي عن أخذ كرائم الأموال، إشعارٌ

стр. 1673

بأنَّ أخذها ظلم (١)؛ أي: اجعل بينك وبين دعوة المظلوم العدل والإنصاف وقايةً تقيك من شدةِ الانتقام، وحلولِ الغضب ممن لا يظلم مثقالَ ذرة. وفي حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ثلاثة لا تُرَدُّ دعوتُهم: الصائمُ حتّى يُفطرَ، والإمامُ العادلُ، ودعوةُ المظلومِ يرفعُها اللَّه فوقَ الغَمام، وتُفتح لها أبوابُ السماء، ويقولُ الربُّ: وعِزِّتي وجَلالي! لأنصرنَّكِ ولو بَعْدَ حينٍ" رواه الإمام أحمد، والتّرمذي، وحسَّنه، وابن ماجه، وابن خزيمة، وابن حِبّانَ في "صحيحيهما" (٢). وفي رواية للتّرمذي، وحسَّنه: "ثَلاثُ دَعَواتٍ لا شَكَّ في إجابتهِنَّ: دعوةُ المظلومِ، ودعوةُ المسافرِ، ودعوةُ الوالدِ على الولدِ"، ورواه أَبو داود بتقديم وتأخير (٣). وفي حديث ابن عمر ﵄، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اتَّقُوا دعوةَ المظلومِ؛ فإنَّها تصعَدُ إلى السماء كأنَّها شرارةٌ" رواه الحاكم، وقال: رواته متفقٌ على الاحتجاج بهم، إلا عاصمَ بنَ كليب، فاحتج به مسلمٌ وحده (٤). وفي حديث عقبةَ بنِ عامرٍ الجهنيِّ ﵁، عن النّبي ﷺ ،

стр. 1674

قال: "ثلاثةٌ تُستجابُ دعوتُهم"، فذكر منهم: المظلومَ. رواه الطبراني بإسناد صحيح (١). وفي "مسند الإمام أحمد" بإسناد حسن من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "دعوةُ المظلومِ مستجابَةٌ وإنْ كانَ فاجرًا، ففجورُه على نفسِه" (٢). وفي "المسند" أيضًا من حديث أنسٍ مرفوعًا: "دعوةُ المظلومِ ولو كانَ كافرًا ليسَ دونَها حجابٌ" (٣). وفي "أوسط الطبراني"، و"الصغير" من حديث علي مرفوعًا: "يقول اللَّه : اشتدَّ غَضَبِي على مَنْ ظلمَ مَنْ لا يجدُ له ناصِرًا غَيري" (٤). وفي "صحيح ابن حبان"، "ومستدرك الحاكم" من حديث أبي ذر الغفاري ﵁، قال: قلت: يا رسول اللَّه! ما كانت صحفُ إبراهيم؟ قال: "كانَتْ أَمثالًا كُلُّها: أَيُّها الملِكُ المسلَّطُ المبتلَى المغرورُ! إنّي لم أبتعثك لتجمعَ الدنيا بعضَها على بعض، ولكني بعثْتُكَ لتردَّ عني دعوةَ المظلومِ؛ فإنّي لا أردُّها وإنْ كانَتْ من كافرٍ" الحديث بطوله (٥). قال الطيبي: في قوله: "فإنّه ليس بينَها وبينَ اللَّه حجابٌ": هذا تعليل

стр. 1675

للاتِّقاء، وتمثيلٌ للدعاء؛ كمن يقصد دارَ السلطان متظلِّمًا فلا يُحْجَبُ (١). قال ابن العربي: إلا أنّه -وإن كان مطلقًا- فهو مقيد بالحديث الآخر: أن الداعي على ثلاث مراتب: إما أن يُعَجَّل له ما طلبَ، وإما أن يُدَّخَر له أفضلُ منه، وإما أن يُدفع عنه من السوء مثلُه (٢). وفي الحديث: دليل على تعظيم أمر الظلم. وفي "صحيح مسلم" وغيره من حديث جابرِ بنِ عبد اللَّه ﵄: أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "اتَّقُوا الظُّلْمَ، فإنَّ الظلمَ ظلماتٌ يومَ القيامة، واتَّقُوا الشُّحَّ؛ فإن الشحَّ أهلكَ مَنْ كانَ قبلَكُم، حَمَلَهُم على أَنْ سَفَكوا دماءَهُمْ، واستَحَلُّوا مَحارِمَهُم" (٣). وفي "الصحيحين" من حديث ابن عمر ﵄، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الظلم ظلمات يوم القيامة" (٤). وحقيقةُ الظلم لغةً: وضعُ الشيءِ في غيرِ موضعهِ (٥). وشرعًا: التصرُّفُ في غير ملكٍ، أو في ملك الغير، وهو مأمور باجتنابه شرعًا وعقلًا.

стр. 1676

ولا يصلح العالَم إلا بالإقامة على سنن العدل والاستقامة. وفي وصية عمرِو بنِ العاص لابنه عبدِ اللَّه ﵄: يا بني! احفظْ عني ما أُوصيك به: إمامٌ عدلٌ خيرٌ من مطرٍ وَبْل، وأسدٌ خطومٌ خيرٌ من إمامٍ ظَلُوم، وإمامٌ ظلومٌ غشومٌ خيرٌ من فتنةٍ تدومُ (١). والظلم من حيث هو يتنوَّع أنواعًا كثيرة: فأعظمُه: الشركُ باللَّه؛ كما قال : ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. والكذبُ على اللَّه تعالى، ويدخل في هذا أمناءُ اللَّه على شريعته، المتوسطون بينه وبين خليقته؛ كما أشار -جلَّ شأنه- إلى هذا في قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ الآية [الأنعام: ٩٣]. وكذا وُلاة الأمور من الخلفاء والسلاطين والأمراء، وكل ذي ولاية، حتّى على أهل بيته. وفي خبر: "أشدُّ النّاس عذابًا يومَ القيامة مَنْ أشركَهُ اللَّهُ في حُكمه، فأدخلَ عليه الجَوْرَ في عدله" (٢)؛ يعني: من جعله حاكمًا على خلقه، فساسهم بالسياسة الظالمة، والعوائد الفاسدة الآثمة، والقوانين الباطلة، ووضعِ المكوسِ، وظلمِ الرعايا، والاستئثار بالغيِّ والكبر، والفخر والعجب والخيلاء.

стр. 1677

قال يزيد بن حاتم: ما هبتُ شيئًا هيبةَ رجلٍ ظلمتُه وأنا أعلمُ أنْ لا ناصرَ له إلا اللَّه (١). ويروى أنَّ بعض الملوك رقم على بساطه هذين البيتين: [من البسيط] لَا تَظْلِمَنَّ إِذَا مَا كُنْتَ مُقْتَدِرًا ... فَالظُّلْمُ مَصْدَرُهُ يُفْضي إِلَى النَّدَمِ تَنَامُ عَيْنَاك وَالْمَظْلُومُ مُنْتَبِهٌ ... يَدْعُو عَلَيْكَ وَعَيْنُ اللَّهِ لَمْ تَنَمِ (٢) وقال بعضهم وأحسنَ: [من الوافر] أَتَهْزَأُ بِالدُّعَاءِ وَتَزْدَرِيهِ ... وَمَا تَدْرِي بِمَا صَنَعَ الدُّعَاءُ سِهَامُ اللَّيْلِ نَافِذَةٌ وَلَكِنْ ... لَهَا أَمَدٌ وَلِلأَمَدِ انْقِضَاءُ (٣) ووجد تحت فراش يحيى بنِ خالدٍ البرمكيِّ رقعةٌ فيها مكتوب: [من الوافر] وَحَقِّ اللَّهِ إنَّ الظُّلْمَ لُومُ ... وَإِنَّ الظُّلْم مَرْتَعُهُ وَخِيمُ إِلَى دَيَّانِ يَوْمِ العَرْضِ نَمْضِي ... وَعِنْدَ اللَّهِ تَجْتَمِعُ الخُصُومُ وقال بعضهم وأحسنَ: [من الطويل] إِذَا ظَالِمٌ استَحْسَنَ الظُّلْمَ مَذْهَبًا ... وَزَادَ عُتُوًّا فِي قَبِيحِ اكْتِسَابِهِ فَكِلْهُ إِلَى صَرْفِ الزَّمَانِ فَإِنَّهُ ... سَيُبْدِي لَهُ مَا لَمْ يَكُنْ فِي حِسَابِهِ فَكَمْ قَدْ رَأَيْنَا ظَالِمًا مُتَجَبِّرًا ... يَرَى النَّجْمَ تِيهًا تَحْتَ ظِلِّ رِكَابِهِ فَلَمَّا تَمَادَى وَاسْتَطَالَ بِظُلْمِهِ ... أَنَاخَتْ صُرُوفُ الحَادِثَاتِ بِبَابِهِ وَعُوقِبَ بِالذَّنْبِ الَّذِي كَانَ قَدْ جَنَى ... وَصَبَّ عَلَيْهِ اللَّهُ سَوْطَ عَذَابِهِ (٤)

стр. 1678

وفي "صحيح البخاري" من حديث أبي هريرة ﵁، عن النّبي ﷺ ، قال: "مَنْ كانتْ عندَهُ مَظْلَمَةٌ لأخيه من عِرْضٍ أو شيء، فَلْيتحلَّلْهُ منهُ اليومَ من قبلِ أَلَّا يكونَ له دينارٌ ولا درهمٌ، إنْ كان له عملٌ صالح، أُخذ منه بقدرِ مظلمتِهِ، وإن لم يكنْ له حسناتٌ، أُخِذَ من سيئاتِ صاحبهِ فَحُمِلَ عليه" (١). ورواه التّرمذي أيضًا، وقال في آخره: "رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا كانتْ له عندَ أخيهِ مظلمةٌ في عرضٍ أو مالٍ" (٢). وفي "صحيح مسلم" من حديث أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "أَتَدْرونَ مَنِ الُمْفِلسُ؟ "، قالوا: المفلسُ فينا مَنْ لا درهمَ له ولا مَتاعَ، فقال: "إنَّ المفلسَ مِنْ أُمَّتي مَنْ يأتي يومَ القيامةِ بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتي وقد شتمَ هذا، وقذفَ هذا، وأكلَ مالَ هذا، وسفكَ دمَ هذا، وضربَ هذا، فيُعْطى هذا من حسناتِه، وهذا من حسناتِه، فإن فنيت حسناتُه قبلَ أن يقضيَ ما عليه، أُخِذَ من خطاياهُم، فطُرحَتْ عليه، ثُمَّ طُرح في النّار". ورواه التّرمذي أيضًا (٣). * * *

стр. 1679

الحديث الثاني عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، وَلا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ" (١).

стр. 1680

(عن أبي سعيدٍ) سعدِ بنِ مالكِ بنِ سِنان (الخدريِّ ﵁، قالَ: قالَ رسولُ اللَّه ﷺ : ليسَ فيما دُونَ خمسٍ أواقٍ) -بالتنوين؛ كجوارٍ -، ويقال: أَواقي -بالتشديد والتخفيف- (١)، ويقال: أُوقِيَّة -بضم الهمزة وتشديد الياء-، ووقية، وأنكرها بعضهم. والأوقيةُ أربعون درهمًا بالاتفاق، فالنصابُ مئتا درهم (٢)، فليس فيما دونها من الفضة (صدقةٌ). ولا شيءَ في المغشوش حتّى يبلغ خالصُه نصابًا، فإن شكَّ هل فيه نصابٌ خالصٌ؟ خُيِّرَ بين سبكهِ وإخراجِ زكاةِ نقدِه إن بلغ نصابًا، وبينَ استظهارِه وإخراجِ قدرِ زكاته بيقين (٣). والاعتبارُ بالدرهم الإسلامي الذي زِنَتُه ستةُ دَوانِقَ، والعشرةُ دراهمَ سبعةُ مثاقيلَ، فالدرهمُ نصفُ مثقال، وخُمُسه، فيكون خمسين حبةَ شعير، وخُمسَ حبة. وكانت الدراهم في صدر الإسلام صنفين: سوداء وهي البغلية: نسبةً إلى ملك يقال له: رأسُ البغل، الدرهمُ منها ثمانيةُ دوانقَ.

стр. 1681

والطبريةُ: نسبةً إلى طبرية الشام، الدرهمُ أربعة دوانق. فجمعتهما بنو أمية، وجعلوهما درهمين متساويين، كلُّ درهم ستة دوانق، فيردُّ نصابُ زكاة النقدين إلى المثقال والدرهمِ الإسلامي (١). وملكُ النصاب شرطٌ لوجوب الزكاة، ففي أثمانٍ وعروضٍ تقريبٌ، ولا يضرُّ نقصُ حبة أو حبتين؛ خلافًا لأبي حنيفة والشَّافعي. وقال الإمام مالك: إن نقص نقصًا يسيرًا يجوز جواز الوازنة، وجبت الزكاة؛ لأنّها تقوم مقام الوازنة، وإن لم تجز، أثر نقصُ درهم، وكذا إن لم تكن مضروبة (٢). وفي الذهب ثلثُ مثقال. وفي ثمر وزرع: تحديدٌ، وقيل: تقريب، فلا يؤثر نحو رِطلين ومُدَّين، ويؤثران على الأول، وعليهما، فلا اعتبارَ بنقصٍ يتداخل في المكاييل؛ كالأوقية. وتجب الزكاةُ فيما زاد على النصاب؛ وفاقًا، وقاله أَبو يوسف، ومحمد، ولو لم يبلغ نقدًا أربعين درهمًا، أو أربعة دنانير؛ خلافًا لأبي حنيفة، إلا السائمةَ، فلا زكاة في وَقْصها (٣). وأمّا نصابُ الذهب، فعشرون مثقالًا؛ لحديث علي ﵁، عن النّبي ﷺ : "ليسَ في أقلَّ من عشرينَ دينارًا شيءٌ، وفي عشرينَ نصفُ دينارٍ" رواه أَبو داود بإسناد صحيح (٤).

стр. 1682

والمثقال: درهمٌ، وثلاثة أسباع درهم، ولم يتغير المثقال في جاهلية ولا إسلام، وهو ثنتان وسبعون حبةَ شعيرٍ متوسطةً. وقيل: ثنتان وثمانون حبة، وثلاثةُ أعشار حبة من الشعير المطلق، ولا تنافي بينهما. وزِنَةُ العشرين مثقالًا بالدراهم ثمانيةٌ وعشرون درهمًا، وأربعةُ أسباع درهم، وبدينار الوقت الآن، الذي زنتهُ درهمٌ وثمنُ درهم، خمسةٌ وعشرون دينارًا، وسُبعا دينار وتُسْعُه (١). ويُضم أحدُ النقدين إلى الآخر في تكميل النصاب؛ وفاقًا لأبي حنيفة، ومالك؛ لاتفاق مقاصدِهما، وزكاتهما، فهما كنوعي الجنس. وعن الإمام أحمد ﵁ رواية ثانية؛ أنّه لا يُضم أحد النقدين إلى الآخر في تكميل النصاب. قال صاحب "المحرر": يروى أنَّ الإمام أحمد رجع إليها أخيرًا، واختارها أَبو بكر، وقدمها في "الكافي" (٢)، و"الرعاية"، وابن تميم؛ وفاقًا للشّافعي؛ للعموم، والمذهبُ الأوّلُ (٣). ويكون الضمُّ بالأجزاء لا بالقيمة، فعشرةُ مثاقيل ذهبًا نصفُ نصاب، ومئةُ درهمٍ نصفٌ، فإذا ضُمَّا، كمل النصاب، وإذا بلغ أحدُهما [نصابًا] (٤)، ضم إليه ما نقص عن الآخر (٥).

стр. 1683

(ولا فيما دونَ خمسِ ذَوْدٍ) من الإبل (صدقةٌ) مفروضة. وأنكر ابنُ قتيبة أن يقال: خمس ذود، كما لا يقال: خمس ثوب (١)، وكأنّه يرى أن الذودَ ينطلق على الواحد، وغلط في ذلك، لشيوع هذا اللفظ في الحديث الصحيح، وسماعه من العرب؛ كما صرح بذلك أهل اللغة (٢). قال في "المطالع": الذَّوْدُ: من الثلاثِ إلى التسع في الإبل، وإن ذلك يختص بالإناث، قاله أَبو عبيد، وقال الأصمعي: ما بين الثلاث إلى العشرة، وقال غيره: واحد (٣). ومقتضى لفظ الأحاديث انطلاقُه على الواحد، وليس فيه دليلٌ على ما قالوه، وإنما هو لفظ للجميع؛ كما قالوا: ثلاثة رهط، ونسوة، ونفرٍ، وفسروه، ولم يقولوه لواحد منها. وذكر ابن عبد البر: أن بعض الشيوخ رواه: في خمسٍ ذودٍ، على البدل، لا على الإضافة (٤). وهذا إن تصور له هنا، فلا يتصور في قوله: أعطانا خمسَ ذود (٥). قال القسطلاني في "شرح البخاري": الذودُ يقع على المذكر والمؤنث، والجمع والمفرد، فلذا أضاف خمس إليه (٦). قال في "الفروع": أقلُّ نصاب الإبل خمسٌ؛ إجماعًا، فتجب فيها شاةٌ؛

стр. 1684

إجماعًا، ويعتبر كون الشاة بصفة الإبل، لا بغالب غنم البلد؛ خلافًا لمالك، ثمَّ في كل خمسٍ شاةٌ إلى خمس وعشرين، ففيها بنتُ مخاضٍ لها سنةُ، وفي ستٍّ وثلاثين بنتُ لبون لها سنتان، وفي ستٍّ وأربعين حُقَّةٌ لها ثلاثُ سنين، وفي إحدى وستين جَذَعَةٌ لها أربعُ سنين، وفي ستٍّ وسبعين بِنْتا لَبون، وفي إحدى وتسعين حُقَّتان، وفي إحدى وعشرين ومئةٍ ثلاثُ بناتِ لَبون، ثمَّ تستقر الفريضة، ففي كل أربعينَ بنتُ لَبون، وفي كل خمسين حُقَّةٌ (١). (وليسَ فيما دونَ خمسةِ أَوْسُقٍ) والوَسْقُ ستون صاعًا، والصاعُ خمسةُ أرطال، وثلثٌ بالعراقي، فيكون النصاب ألفًا وست مئة رطل عراقي، ومئتان وسبعة وخمسون رطلًا،، وسُبعْ رِطْلٍ بالقدسي، وما وافقه (٢). والوسقُ والصاعُ والمدُّ مكاييلُ ضُبطت بالوزن؛ لتحفظ، والمرادُ بالأوسق: من المكيلِ المدَّخَرِ من قوتٍ وغيره، نقله أَبو طالب عن الإمام أحمد. وكذا نقل صالحٌ، وعبدُ اللَّه: ما كان يُكال ويُدَّخر، ويقع فيه القفيزُ، ففيه العُشْر. وعند الشّافعيّة: المقتاتُ في حال الاختيار، وهو من الثمار: الرُّطَبُ والعنبُ، ومن الحَبِّ: الحنطةُ، والشعيرُ، والذرة، واللوبيا، والماشُ، والسُّلْتُ، والأرز، والعدس، والحِمِّصُ، والباقِلاء، والدُّخْنُ، والجُلْبانُ، ونحوها، وكذا مذهب الإمام مالك، إلا أنّه زاد: السمسمَ والترمس.

стр. 1685

وعند أبي حنيفة: تجب في الفواكه، والخضر، والبقول. وعند أبي يوسف، ومحمد: إنّما تجب في كل ما يبس وبقي من زرعٍ وثمرةٍ، وإن لم يكن مَكيلًا؛ كالتين ونحوه، لا في الخضراوات وبذورها (١). (صدقةٌ) واجبة؛ لعدم بلوغه النصاب، وفي لفظ: "ليسَ فيما دونَ خمسةِ أوساقٍ من تمرٍ، ولا حَبٍّ صدقةٌ" (٢)، وفي لفظ: "ليسَ في حَبٍّ ولا تَمرٍ صدقةٌ حتّى يبلغَ خمسةَ أوسق" (٣)، وفي بعض ألفاظ البخاري: "ليس في أقلَّ من خمسةِ أوسقٍ، ولا في أقلَّ من خمسةٍ من الإبلِ الذودِ صدقةٌ، ولا في أقلَّ من خمسةِ أواقٍ [من الوَرِق] صدقة" (٤)، وفي لفظ آخر: وأشار النّبي ﷺ بكفه بخمسِ أصابعه (٥). وكل هذه ألفاظ حديث أبي سعيد في "الصّحيحين"، أو أحدهما، واللَّه أعلم. تنبيه: أجمع العلماء على وجوب الزكاة في أربعة أصناف: المواشي، وجنس الأثمان، وعُروض التجارة، والمكيلِ المدَّخَر من الثمار والزروع بصفات مخصوصة. فأما المواشي، وجنس المقتات، وعروض التجارة المتفق على وجوب
следующие страницы →