← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

والطبريةُ: نسبةً إلى طبرية الشام، الدرهمُ أربعة دوانق. فجمعتهما بنو أمية، وجعلوهما درهمين متساويين، كلُّ درهم ستة دوانق، فيردُّ نصابُ زكاة النقدين إلى المثقال والدرهمِ الإسلامي (١). وملكُ النصاب شرطٌ لوجوب الزكاة، ففي أثمانٍ وعروضٍ تقريبٌ، ولا يضرُّ نقصُ حبة أو حبتين؛ خلافًا لأبي حنيفة والشَّافعي. وقال الإمام مالك: إن نقص نقصًا يسيرًا يجوز جواز الوازنة، وجبت الزكاة؛ لأنّها تقوم مقام الوازنة، وإن لم تجز، أثر نقصُ درهم، وكذا إن لم تكن مضروبة (٢). وفي الذهب ثلثُ مثقال. وفي ثمر وزرع: تحديدٌ، وقيل: تقريب، فلا يؤثر نحو رِطلين ومُدَّين، ويؤثران على الأول، وعليهما، فلا اعتبارَ بنقصٍ يتداخل في المكاييل؛ كالأوقية. وتجب الزكاةُ فيما زاد على النصاب؛ وفاقًا، وقاله أَبو يوسف، ومحمد، ولو لم يبلغ نقدًا أربعين درهمًا، أو أربعة دنانير؛ خلافًا لأبي حنيفة، إلا السائمةَ، فلا زكاة في وَقْصها (٣). وأمّا نصابُ الذهب، فعشرون مثقالًا؛ لحديث علي ﵁، عن النّبي ﷺ : "ليسَ في أقلَّ من عشرينَ دينارًا شيءٌ، وفي عشرينَ نصفُ دينارٍ" رواه أَبو داود بإسناد صحيح (٤).

стр. 1682

والمثقال: درهمٌ، وثلاثة أسباع درهم، ولم يتغير المثقال في جاهلية ولا إسلام، وهو ثنتان وسبعون حبةَ شعيرٍ متوسطةً. وقيل: ثنتان وثمانون حبة، وثلاثةُ أعشار حبة من الشعير المطلق، ولا تنافي بينهما. وزِنَةُ العشرين مثقالًا بالدراهم ثمانيةٌ وعشرون درهمًا، وأربعةُ أسباع درهم، وبدينار الوقت الآن، الذي زنتهُ درهمٌ وثمنُ درهم، خمسةٌ وعشرون دينارًا، وسُبعا دينار وتُسْعُه (١). ويُضم أحدُ النقدين إلى الآخر في تكميل النصاب؛ وفاقًا لأبي حنيفة، ومالك؛ لاتفاق مقاصدِهما، وزكاتهما، فهما كنوعي الجنس. وعن الإمام أحمد ﵁ رواية ثانية؛ أنّه لا يُضم أحد النقدين إلى الآخر في تكميل النصاب. قال صاحب "المحرر": يروى أنَّ الإمام أحمد رجع إليها أخيرًا، واختارها أَبو بكر، وقدمها في "الكافي" (٢)، و"الرعاية"، وابن تميم؛ وفاقًا للشّافعي؛ للعموم، والمذهبُ الأوّلُ (٣). ويكون الضمُّ بالأجزاء لا بالقيمة، فعشرةُ مثاقيل ذهبًا نصفُ نصاب، ومئةُ درهمٍ نصفٌ، فإذا ضُمَّا، كمل النصاب، وإذا بلغ أحدُهما [نصابًا] (٤)، ضم إليه ما نقص عن الآخر (٥).

стр. 1683

(ولا فيما دونَ خمسِ ذَوْدٍ) من الإبل (صدقةٌ) مفروضة. وأنكر ابنُ قتيبة أن يقال: خمس ذود، كما لا يقال: خمس ثوب (١)، وكأنّه يرى أن الذودَ ينطلق على الواحد، وغلط في ذلك، لشيوع هذا اللفظ في الحديث الصحيح، وسماعه من العرب؛ كما صرح بذلك أهل اللغة (٢). قال في "المطالع": الذَّوْدُ: من الثلاثِ إلى التسع في الإبل، وإن ذلك يختص بالإناث، قاله أَبو عبيد، وقال الأصمعي: ما بين الثلاث إلى العشرة، وقال غيره: واحد (٣). ومقتضى لفظ الأحاديث انطلاقُه على الواحد، وليس فيه دليلٌ على ما قالوه، وإنما هو لفظ للجميع؛ كما قالوا: ثلاثة رهط، ونسوة، ونفرٍ، وفسروه، ولم يقولوه لواحد منها. وذكر ابن عبد البر: أن بعض الشيوخ رواه: في خمسٍ ذودٍ، على البدل، لا على الإضافة (٤). وهذا إن تصور له هنا، فلا يتصور في قوله: أعطانا خمسَ ذود (٥). قال القسطلاني في "شرح البخاري": الذودُ يقع على المذكر والمؤنث، والجمع والمفرد، فلذا أضاف خمس إليه (٦). قال في "الفروع": أقلُّ نصاب الإبل خمسٌ؛ إجماعًا، فتجب فيها شاةٌ؛

стр. 1684

إجماعًا، ويعتبر كون الشاة بصفة الإبل، لا بغالب غنم البلد؛ خلافًا لمالك، ثمَّ في كل خمسٍ شاةٌ إلى خمس وعشرين، ففيها بنتُ مخاضٍ لها سنةُ، وفي ستٍّ وثلاثين بنتُ لبون لها سنتان، وفي ستٍّ وأربعين حُقَّةٌ لها ثلاثُ سنين، وفي إحدى وستين جَذَعَةٌ لها أربعُ سنين، وفي ستٍّ وسبعين بِنْتا لَبون، وفي إحدى وتسعين حُقَّتان، وفي إحدى وعشرين ومئةٍ ثلاثُ بناتِ لَبون، ثمَّ تستقر الفريضة، ففي كل أربعينَ بنتُ لَبون، وفي كل خمسين حُقَّةٌ (١). (وليسَ فيما دونَ خمسةِ أَوْسُقٍ) والوَسْقُ ستون صاعًا، والصاعُ خمسةُ أرطال، وثلثٌ بالعراقي، فيكون النصاب ألفًا وست مئة رطل عراقي، ومئتان وسبعة وخمسون رطلًا،، وسُبعْ رِطْلٍ بالقدسي، وما وافقه (٢). والوسقُ والصاعُ والمدُّ مكاييلُ ضُبطت بالوزن؛ لتحفظ، والمرادُ بالأوسق: من المكيلِ المدَّخَرِ من قوتٍ وغيره، نقله أَبو طالب عن الإمام أحمد. وكذا نقل صالحٌ، وعبدُ اللَّه: ما كان يُكال ويُدَّخر، ويقع فيه القفيزُ، ففيه العُشْر. وعند الشّافعيّة: المقتاتُ في حال الاختيار، وهو من الثمار: الرُّطَبُ والعنبُ، ومن الحَبِّ: الحنطةُ، والشعيرُ، والذرة، واللوبيا، والماشُ، والسُّلْتُ، والأرز، والعدس، والحِمِّصُ، والباقِلاء، والدُّخْنُ، والجُلْبانُ، ونحوها، وكذا مذهب الإمام مالك، إلا أنّه زاد: السمسمَ والترمس.

стр. 1685

وعند أبي حنيفة: تجب في الفواكه، والخضر، والبقول. وعند أبي يوسف، ومحمد: إنّما تجب في كل ما يبس وبقي من زرعٍ وثمرةٍ، وإن لم يكن مَكيلًا؛ كالتين ونحوه، لا في الخضراوات وبذورها (١). (صدقةٌ) واجبة؛ لعدم بلوغه النصاب، وفي لفظ: "ليسَ فيما دونَ خمسةِ أوساقٍ من تمرٍ، ولا حَبٍّ صدقةٌ" (٢)، وفي لفظ: "ليسَ في حَبٍّ ولا تَمرٍ صدقةٌ حتّى يبلغَ خمسةَ أوسق" (٣)، وفي بعض ألفاظ البخاري: "ليس في أقلَّ من خمسةِ أوسقٍ، ولا في أقلَّ من خمسةٍ من الإبلِ الذودِ صدقةٌ، ولا في أقلَّ من خمسةِ أواقٍ [من الوَرِق] صدقة" (٤)، وفي لفظ آخر: وأشار النّبي ﷺ بكفه بخمسِ أصابعه (٥). وكل هذه ألفاظ حديث أبي سعيد في "الصّحيحين"، أو أحدهما، واللَّه أعلم. تنبيه: أجمع العلماء على وجوب الزكاة في أربعة أصناف: المواشي، وجنس الأثمان، وعُروض التجارة، والمكيلِ المدَّخَر من الثمار والزروع بصفات مخصوصة. فأما المواشي، وجنس المقتات، وعروض التجارة المتفق على وجوب

стр. 1686

الزكاة فيها، فالإبل، والبقر، والغنم، بشرط كونها سائمة. ولا بدَّ من كمال النصاب، واستقرار الملك، وكمال الحول، وكون المالكِ حرًا مسلمًا. ومعتمد مذهب الإمام أحمد: وجوبُها حتّى في بقر الوحش وغنمِه؛ لشمول اسمِ البقر والغنم لهما؛ خلافًا للإمام الموفق، وجمعٍ، وصحح الشارح عدمَ الوجوب؛ لمفارقتها الأهليةَ صورةً وحكمًا، والإيجاب من الشارع، ولم يرد عنه نصٌّ، ولا يصحُّ القياس لوجود الفارق، والقولُ بوجوب الزكاة فيهما، وفي المتولد بين ذلك وغيره من المفردات. وتجب في الخارج من الأرض وما في حكمه من العسل، والأثمان، وعروض التجارة، واللَّه الموفق (١). * * *

стр. 1687

الحديث الثالث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:"لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ في عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ" (١). وَفي لَفْظٍ: "إلا زَكَاةَ الفِطْرِ في الرَّقِيقِ" (٢).

стр. 1688

(عن أبي هريرةَ) عبدِ الرحمنِ بن صخرٍ (﵁: أن رسول اللَّه ﷺ قال: ليس على المسلم في عبدِه)، وفي لفظ: " [و] غُلامِه صدقةٌ" (١) ما لم يكنْ للتجارةِ، ففي ثمنه زكاةٌ. (ولا)؛ أي: وليس على المسلم في (فَرَسِه) الشاملِ للذكر والأنثى، والجمعُ أفراس (٢). قال في "حياة الحيوان": الفرسُ واحدُ الخيل، الذكرُ والأنثى فيه سواء، وأصلُه التأنيث، وحكى ابنُ جني والفراء: فَرَسَةٌ، وتصغيرُ الفرس فُرَيْس، وإن أردتَ الأنثى خاصة، لم تكن إلا فُرَيْسة -بالهاء-، ولفظها مشتقة من الافتراس، لكونها تفترس الأرض بسرعة مشيها (٣). (صدقة) ما لم تكن للتجارة، فإن كانت كذلك، ففي قيمتها الزكاة إذا بلغت نصابًا. وهذا مذهب الأئمة الثلاثة.

стр. 1689

وقال أَبو حنيفة: إذا كانت سائمة الخيل ذكورًا وإناثًا، ففيها الزكاة، وإذا كانت ذكورًا منفردة، أو إناثًا منفردة، فعنه في ذلك روايتان؛ من حيث إنّ النماء بالنسل لا يحصل إلا باجتماع الذكور والإناث، وحيث وجبت الزكاة، فهو مخير بين أن يُخرج عن كل فرس دينارًا، أو يُقَوَّم ويُخرج عن كل مئتي درهم خمسةَ دراهم (١). وأمّا البغالُ والحميرُ، فلا زكاة فيها اتفاقًا، ما لم تكن معدة للتجارة، فحكمُها حكم التجارات، واللَّه أعلم. (وفي لفظ) من حديث أبي هريرة عند مسلم: (إلا) أنّها تجب (زكاةُ الفطرِ في الرقيق). قال الحافظ عبدُ الحق الإشبيلي في "الجمع بين الصّحيحين": ولم يقل البخاري: "إلا صدقة الفطر"، نعم، صح فيهما من حديث ابن عمر وغيره ﵃: أنَّ رسول اللَّه ﷺ فرضَ زكاةَ الفطرِ من رمضانَ على النّاس صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعير، على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين، ويأتي في زكاة الفطر. * * *

стр. 1690

الحديث الرابع عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:"العَجْمَاءَ جُبَارٌ، والبِئْرُ جُبَارٌ، والمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفي الرِّكَازِ الخُمُسُ" (١). الجبار: الهَدَرُ الذي لا شيء فيه، والعجماء: الدابَّة.

стр. 1691

(عن أبي هريرةَ ﵁: أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: العَجْماءُ) -بفتح العين المهملة وسكون الجيم والمد-؛ أي: البهيمة، سميت بذلك؛ لأنّها لا تتكلم، ويقال أيضًا لكل حيوان غير الإنسان، ويقال أيضًا لمن لا يُفصح، والمراد هنا: الأوّل (١). (جُبَار) -بضم الجيم وتخفيف الموحدة-؛ أي: هدر غير مضمون (٢). وفي لفظ لمسلم: "جرحُها جبارٌ" (٣)، ولا بُدَّ في رواية البخاري من تقدير؛ إذ لا معنى لكون العجماء نفسها هدرًا، وقد دلت رواية مسلم على أن ذلك المقدَّر هو الجرح، فوجب المصير إليه، لكن الحكم غير مختص به، بل هو مثال نبه به على غيره، والمراد: أنَّ إتلافات العجماء هدرٌ لا شيء فيه، وإنّما عبر بالجرح؛ لأنّه الأغلبُ، فإذا انفلتت دابةٌ، فصدمت إنسانًا، فأتلفته، أو أتلفت مالًا، فلا غرم على مالكها، أمّا إذا كان معها، فعليه ضمانُ ما أتلفته، سواء أتلفت ليلًا أو نهارًا، وسواء كان سائقَها أو راكبَهَا أو قائدَها، وسواء كان مالكَها، أو أجيرَه، أو مستأجرًا أو غاصبًا، أو موصًى له بنفعها، وسواءٌ أتلفَتْ بيدها، أو عضِّها، أو وَطْئها برجلِها، لا ما نفحت جيادًا لم يكبحها؛ أي: يجذبها بنحو لجام زيادة على العادة، أو يضربها في وجهها، ولو لمصلحة، ولا يضمن ما جنت بذنبها، وإن جنت على راكبها ونحوه، فهدر، وإن ركبها اثنان، ضمن الأوّل منهما، إلا أن يكون صغيرًا، أو مريضًا، ونحوهما، والثّاني متولٍّ تدبيرها، فعليه

стр. 1692

الضمانُ، وإن اشتركا في التصرف، اشتركا في الضمان، وكذا لو كان معها سائق وقائد، وإن كان معهما، أو مع أحدهما راكب، شاركهما. والإبل المقطَّرة، وكذا البغال، كالواحدة، على قائدها الضمان، وإن كان معه سائق، شاركه في ضمان الأخير فقط إن كان في آخرها، وإن كان في أولها، شارك في الكل، وإن كان فيما عدا الأول، شارك في ضمان ما باشر سوقَه، وفيما بعده، دون ما قبله. وأمّا إذا كانت البهيمة لا يدَ لأحد عليها، فأتلفت شيئًا، ولو صيدَ حرم، فلا ضمان على صاحبها ما لم تكن ضارية. وعند الشّافعية: يضمن القائد والسائق والراكب حتى ما أتلفت برجلها وذنبها. وقال مالكٌ: القائدُ والراكبُ والسائقُ كلُّهم ضامنون لما أصابتِ الدابةُ، إلا أن ترمح الدابة من غير أن يُفعل بها شيء ترمح له. وقال أَبو حنيفة: إنَّ الراكب والقائد لا يضمنان ما نفحت الدابة برجلها أو ذنبها، إلا إن أوقفها في الطريق. واختلفوا في السائق، فقال القدوري وآخرون: إنّه ضامن لما أصابت بيدها ورجلها؛ لأن النفحة بمرأى عينه، فأمكنه الاحتراز عنها. وقال أكثرهم: لا يضمن النفحةَ أيضًا، وإن كان يراها؛ إذ ليس على رجلها ما يمنعها به، فلا يمكنه التحرُّزُ عنه؛ بخلاف الكدم؛ لإمكانه كبحها بلجامها، وصححه صاحب "الهداية" (١).

стр. 1693

(والبئرُ) يحفرها الرجلُ في ملكه، فيسقط فيها رجلٌ، أو دابة، فيهلك (جُبارٌ) لا ضمانَ عليه. أمّا إذا حفرها في طريق المسلمين، أو في ملك غيره بغير إذن مالك، فتلف فيها إنسانٌ، وجب ضمانُهُ على عاقلةِ حافرٍ، وعليه -أي: الحافر- الكفارةُ، وإن تلف بها غيرُ آدمي، فعلى الحافر (١). وأمّا إذا حفر بئرًا محرمًا في فِنائه، أو فِناء غيره، أو في طريق لغير مصلحة المسلمين، أو في ملك غيره بغير إذنه، ضمن، وإن حفرها بملكه، أو وضع فيها حجرًا أو حديدة وسترها، فمن دخل بإذنه، وتلف بها، فالقودُ، وإلا فلا، كمكشوفة بحيث يراها إن كان بصيرًا، أو دخل بغير إذنه (٢). وإن حفرها في سابلة واسعة لنفع المسلمين بلا ضرر بالمارة، لا لنفع نفسه، ولو بغير إذن الإمام، لم يضمن ما تلف بها؛ كبناء جسر، وكذا لو حفرها في مَواتٍ لتُمْلَك، أو ارتفاق، أو انتفاع عام، وإن فعله فيها لنفع نفسه، أو كان يضر بالمارة، أو في طريق ضيق، ضمن، سواء فعله لمصلحة عامة، أو لا، بإذن الإمام، أو لا؛ لأنّه ليس له أن يأذن فيه (٣). (والمَعْدِنُ): مأخوذ من العدن، وهو الإقامة، والمعدن مركزُ كل شيء، والجمع معادن، وهي المواضع التي يُستخرج منها جواهر الأرض؛ كالذهب؛ والفضة؛ والنحاس، وغير ذلك (٤).

стр. 1694

فإذا حفر الإنسان في ملكه، أو موات أيضًا لاستخراج ما فيه، فتلف به شيء (جبار) لا ضمانَ فيه؛ لعدم تعديه (١). (و) يجب (في الرِّكاز)، وهو الكنز من دفْنِ الجاهلية، وعند أهل العراق: هي المعادن؛ لأنّها ركزت في الأرض؛ أي: ثبتت (٢). (الخمسُ) في الحال اتفاقًا؛ أيَّ نوع كان من المال، ولو غيرَ نقد، قَلَّ أو كثر، ويجوز إخراج الخمس من غيره، ويُصرف مصرِفَ الفيء المطلق للمصالح كلها (٣). وفي عطف الركاز على المعدن دلالةٌ على تغايرهما، واختصاص الخمس بالركاز دون المعدن. واتفق الأئمة الأربعة على وجوب الخمس، سواء كان في دار الإسلام، أو دار الحرب؛ خلافًا للحسن؛ حيث فَرَّقَ بين كونه في دار الحرب، ففيه الخمس، أو دار الإسلام، فهو كالمعدن. وعند الشّافعيّة مَنْ شرطَ وجوب الخمس في الركاز بلوغَ النصاب، وكونَه من النقدين، وهو مذهب مالك أيضًا. وقال أَبو حنيفة: إن وجده في صحراء دار الحرب، فلا خُمس فيه، وهو لواجده (٤). واتفقوا على أنّه يجب فيه الخمس، كَتَمَهُ واجدُه أو أظهرَه، إلا

стр. 1695

أبا حنيفة، فإنّه قال: إن كتمه واجده، فلا شيء فيه، ومعتمدُ مذهبنا كالحنفية: أنَّ مصرف خُمس الركاز مصرفُ الفيء. وقال الشّافعيّ: مصرفه مصرفُ الصدقات. وقال مالك: هو والغنائم والجزية، وما أخذ من تجار أهل الذمة، وما صولح عليه الكفار، ووظائف الأرضين، كل ذلك يجتهد الإمام في مصارفه على قدر ما يراه من المصلحة (١). قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: (الجبار) -بضم الجيم وتخفيف الموحدة فألف ساكنة فراء-: (الهدرُ الذي لا شيء فيه)، لا طلبَ فيه، ولا قَوَدَ، ولا دِيَةَ، وأصلُه: أنَّ العرب تسمي السّيلَ جُبارًا لهذا المعنى؛ كما في "المطالع" (٢). (والعجماءُ: الدابَّةُ)، وتقدّم أن كلَّ من لا يقدر على الكلام فهو أعجمُ، ومنه حديث: "بعدد كلِّ فصيحٍ وأعجم" (٣)، قيل: أراد: بعدد كلِّ آدمي وبهيمة (٤)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1696

الحديث الخامس عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: بَعَثَ رسول اللَّه ﷺ عُمَرَ ﵁ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقِيلَ: مَنَعَ ابنُ جَمِيلٍ، وخَالِدُ بْنُ الوليدِ، والْعَبَّاسُ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إلَّا أَنْ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللَّهُ، وأمّا خالِدٌ، فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، وَقَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وأَعْتَادَهُ في سَبِيل اللَّهِ، وأَمَّا العَبَّاسُ، فَهِيَ عَلَيَّ وِمثْلُها"، ثُمَّ قَالَ النبي ﷺ : "يا عُمَرُ! أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ؟ " (١).

стр. 1697

(عن أبي هريرةَ) أيضًا (﵁، قال: بعثَ رسولُ اللَّه ﷺ ) الإمامَ (عمرَ) بنَ الخطّاب (﵁) عاملًا (على الصدقة)، وهذا لفظ مسلم. وفي رواية له أيضًا: بعث رسول اللَّه ﷺ عمرَ ساعيًا على الصدقة (١)، وأما لفظ البخاري، فقال: أمر رسول اللَّه ﷺ بالصدقة. فزعم بعضُهم أنها صدقةُ تطوُّع، ورجَّحه بعض المحققين؛ تحسينًا للظن بالصّحابة؛ إذ لا يظن بهم منعُ الواجب، وعلى هذا، فعذرُ خالدٍ واضح؛ لأنّه أخرج ماله في سبيل اللَّه، فما بقي له مال يحتمل المواساة، وتُعقب بأنّهم ما منعوه جحدًا ولا عنادًا، فالظاهر أنّها الصدقة الواجبة؛ لتعريف الصدقة باللام العهدية. وقال الإمام النّووي: إنّه الصحيح المشهور (٢). ويؤيده رواية مسلم المذكورة؛ فإنّها مُشعرة بأنّها صدقةُ الفرض؛ لأنَّ صدقة التطوع لا تُبعث عليها السعاة (٣).

стр. 1698

(فقيل) القائل عمر ﵁؛ لأنّه المرسَل: (منعَ ابنُ جميل) أن يعطي الزكاةَ؛ كما في رواية أبي عبيد في آخر الحديث: أن يعطوا (١)، وهو مقدر، ولا بد؛ لأنَّ "منع" يستدعي مفعولًا، وقوله في الرواية: "أن يعطوا" في محل نصب على المفعولية، وكلمة "أن" مصدرية، أي: منع هؤلاء الإعطاء (٢). وابن جميل:-بفتح الجيم وكسر الميم-. قال ابن مندَهْ: لم يُعرف اسمُه، ومنهم من سماه: حميدًا، وقيل: عبد اللَّه، وذكره الذهبي فيمن عُرف بأبيه ولم يُسَمَّ (٣). وقال ابن الجوزي: في الصّحابة جماعةٌ لا يعرفون إلا بآبائهم، منهم ابنُ جميل (٤). وفي كتاب "رجال العمدة" لعبد القادر من المتأخرين: أنّه رأى في كتاب "شرح الأمثال" لأبي عبيد البكري: أنَّـ[ـه]، أَبو جهم بن جميل، وشكَّ هل رأى: أَبو جهم، أو أَبو جهيم (٥)؟ وقد قيل: إنّه كان منافقًا، ثمَّ تاب بعد؛ كما حكاه المهلَّب، قيل: وفيه نزل قوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا﴾ الآية في قوله: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٤]، فقال: استتابني اللَّه، فتاب، وصلح حاله، والمشهور في

стр. 1699

الآية أنّها نزلت في غير ذلك، كما في "شرح الزهر البسام" للبرماوي (١). (و) منع (خالدُ بنُ الوليدِ) بنِ المغيرة بنِ عبدِ اللَّه بنِ عمرَ بنِ مخزومِ بنِ يقظةَ بنِ مرةَ بنِ كعبِ بنِ لؤيٍّ، القرشيُّ المخزوميُّ، يكنى: أبا سليمان، وأمّه لُبابةُ الصغرى -بضم اللام وتخفيف الموحدة بعدها ألف ثمَّ موحدة-، وأمّا أختها لبابة الكبرى، فامرأةُ العبّاس أمُّ عبدِ اللَّه بنِ عبّاس وإخوته، وكلاهما بنتُ الحارثِ، أختُ ميمونةَ بنتِ الحارث زوجِ النَّبيِّ ﷺ كما تقدّم-. وخالدٌ أحدُ أشراف قريش، قال الزبير: كانت له العقبةُ، وأعِنَّةُ الخيل، أمّا العقبة، فكانوا يضربونها يجمعون فيها ما يجهزون به الجيش، وأمّا الأعنة، فإنه كان يكون المقدَّمَ على خيول قريش في الحرب، ولم يزل يولِّيه النَّبيُّ ﷺ أَعِنَّةَ الخيل، فيكون في مقدَّمها في محاربة العرب، هاجر بعد الحديبية، وكانت في ذي العقدة سنة ست، والمشهور أنّه إنّما هاجر سنة ثمان مع عمرو بن العاص، وعثمان بن طلحة، وأبلى في الإسلام بلاءً حسنًا، وسماه رسول اللَّه ﷺ في غزوة مؤتة: سيفَ اللَّه، ولا يصحُّ له مشهدٌ مع رسول اللَّه ﷺ قبل فتح مكة، ولمّا عزله عمر ﵁ عن حِمْصَ، لم يُر مرابطًا بها إلى أن مات ﵁ سنة إحدى وعشرين أو اثنتين وعشرين، وقبره مشهور هناك على نحو ميل من حمص -رضي اللَّه تعالى عنه-. روي له عن رسول اللَّه ﷺ ثمانية عشر حديثًا، اتفقا منها على حديث واحد، واللَّه أعلم (٢).

стр. 1700

(و) منع (العبّاسُ) بنُ عبدِ المطلبِ بنِ هاشم ﵁ (عَمُّ رسولِ اللَّه ﷺ )، كنيتهُ: أَبو الفضل، وكان أَسَنَّ من رسول اللَّه ﷺ بسنتين، وقيل: بثلاث، وأمُّه امرأةٌ من النَّمِرِ بنِ قاسطٍ، اسمها نُتَيْلَة -بضم النون وفتح المثناة فوق-، وهي أوّل عربية ألبست الكعبةَ الحريرَ والديباجَ وأصنافَ الكسوة، وذلك أنَّ العبّاس ضلّ وهو صبيٌّ، فنذرت إن وجدته، لتكسوَنَّ البيتَ الحرام، فوجدته، ففعلت ذلك. وكان العبّاس رئيسًا في الجاهلية، وإليه كانت عِمارةُ المسجد الحرام وسقايتُه، وحضر بيعةَ العقبة يسدِّدُ العقدَ مع الأنصار للنَّبيِّ ﷺ ، ولم يكن أسلم حينئذ، وكان أنصرَ النّاس لرسول اللَّه ﷺ بعد أبي طالب، وكان جوادًا، وَصولًا للرحم، وكان النَّبيُّ ﷺ يكرمه، ويُجِلُّه، وكان له من الولد: الفضلُ، وعبد اللَّه، وعبيد اللَّه، وعبد الرحمن، وقُثَم، ومَعْبَد، وكلهم من أُمِّ الفضل، وفيهم يقولُ الشاعر (١): [من الرجز] مَا وَلَدَتْ نَجِيبَةٌ مِنْ فَحْلِ ... كَسِتَّةٍ مِنْ بَطْنِ أُمِّ الفَضْلِ أَكْرِمْ بِهَا مِنْ كَهْلَةٍ وَكَهْلِ

стр. 1701

وله منها بنت يقال لها: أم حبيبة، ومن غيرها جماعة؛ كما أشار إلى ذلك ابن الجوزي في "منتخب المنتخب". ولد قبل سنة الفيل، ومات يوم الجمعة لاثنتي عشرة خلت من رجب سنة اثنتين وثلاثين، وهو ابن ثمان وثمانين سنة، ودفن بالبقيع، وعليه القبةُ الكبيرةُ الشهيرة، وصلّى عليه عثمانُ بن عفان. وكان العبّاس ﵁ أسلمَ قديمًا، وكتمَ إسلامه، وخرج مع المشركين يومَ بدر مُكْرَهًا، فقال النَّبيُّ ﷺ : "مَنْ لَقِيَ العَبَّاسَ، فَلَا يَقْتُلْهُ؛ فإنَّه خرجَ مُكْرَهًا" (١)، فأسره أَبو اليَسَر -بفتح المثناة تحت وفتح السين المهملة- كعبُ بنُ عمرو، ففادى نفسه، ورجع إلى مكة، ثمَّ أقبل إلى المدينة مهاجرًا. رُوي له عن رسول اللَّه ﷺ خمسة وثلاثون حديثًا، اتفقا على حديث، ولمسلم ثلاثة أحاديثَ، وللبخاري حديثٌ، ومناقبُه ومآثره كثيرة جدًا ﵁، وعن بنيه الطاهرين- (٢). (فقال النَّبيُّ ﷺ ) بيان لوجه الامتناع، ومن ثمَّ عبر بالفاء: (ما يَنْقِمُ ابنُ

стр. 1702

جميل) -بكسر القاف مضارع نَقَم بالفتح-؛ أي: ما يكره، وَيُنْكِرُ (١). وفي "النهاية": أي: ما ينقم شيئًا من منع الزكاة إلا أن يكفر النعمة (٢)، ومن ثمَّ قال: (إلا أنّه)؛ أي: ابن جميل (كان فقيرًا، فأغناه اللَّه)، زاد في رواية البخاري: "ورسوله"؛ أي: من فضله بما أفاء اللَّه على رسوله، وأباح لأمته من الغنائم ببركته ﵊، والاستثناء مفرغ، فمحلُّ "أن" وصلتها نصبٌ على المفعول به، أو على أنّه مفعولٌ لأجله، والمفعولُ به حينئذ محذوف، ومعنى الحديث كما قاله غير واحد: أنه ليس ثَمَّ شيء ينقم ابنُ جميل، فلا موجبَ للمنع، وهذا مما يقصد العرب في مثله تأكيدَ النفي والمبالغةَ فيه بإثبات شيء، وذلك الشيء لا يقتضي إثباته، فهو منتف أبدًا، ويسمى مثل ذلك عند البيانيين: تأكيدَ المدح بما يشبه الذم، وبالعكس: فمن الأوّل: قول الشاعر (٣): [من الطويل] وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِراعِ الكَتَائِبِ ومن الثّاني: هذا الحديثُ وشبهُه؛ أي: ما ينبغي لابن جميل أن ينقم شيئًا إلا هذا، وهذا لا يوجب له أن ينقم شيئًا، فليس له ثَمَّ شيء ينقمه، فينبغي أن يعطي مما أعطاه اللَّه، ولا يكفر بأنعمه، فكأن غناه أدّاه إلى كفر نعمة اللَّه تعالى (٤).

стр. 1703

(وأمّا خالدٌ، فإنَّكُم تظلمونَ خالدًا) عبر بالظاهر دون أن يقول: تظلمونه، مع أنّ المقام إضمارُه؛ تفخيمًا لشأنه، وتعظيمًا لأمره؛ نحو: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٣]، ونظائره، والمعنى: تظلمونه بطلبكم منه زكاةَ ما عندَه (١)، (و) الحال أنّه (قدِ احتبسَ)؛ أي: وقفَ قبل الحول (أدراعَه) جمعُ دِرْع -بكسر الدال المهملة وسكون الراء فعين مؤنثة، وقد تذكَّر-: الزردية من الحديد (٢). (وأعتاده)، وفي رواية: "وأَعْتُدَهُ" (٣)، وهو جمع قلة للعتاد، وهو ما أعدَّه الرّجل من السلاح والدوابِّ وآلة الحرب (٤) (في سبيل اللَّه)، فلا زكاة عليه فيها، وتاء "أَعْتُدَهُ " مضمومة، جمع عَتَد -بفتحتين-. قال الدارقطني: قال الإمام أحمد ﵁: قال علي بن حفص: "وأعتاده"، وأخطأ فيه وصَحَّفَ، وإنّما هو: "وأعتده" (٥). ورواه بعض رواة البخاري: "وأعبده" -بالموحدة- جمع عبد، حكاه عياض وغيرُه (٦)، وهو موافق لراوية: "واحتبس رقيقه" (٧). قال في "النهاية": وفي معنى هذا الحديث قولان: أحدهما: أنّه كان طولب بالزكاة عن أثمان الدروع والأعتُد على معنى:

стр. 1704

أنّها كانت عنده للتجارة، فأخبرهم النبيُّ ﷺ أنه لا زكاة عليه فيها، وأنّه قد جعلها حبسًا في سبيل اللَّه. والثّاني: أنّه اعتذار لخالد، ودفعٌ عنه، يقول: إذا كان خالدٌ قد جعل أدراعه وأعتُده في سبيل اللَّه تبرعًا وتقربًا إلى اللَّه، وهو غير واجب عليه، فكيف يستجيز منعَ الصدقةِ الواجبةِ عليه (١)؟! (وأمّا العبّاسُ) زاد البخاري: بنُ عبدِ المطلب عمُّ رسول اللَّه ﷺ ، فصرَّحَ بوصفه بأنّه عمُّه، تنبيه على تفخيمه واستحقاق إكرامه، ودخول اللام على عبّاس مع كونه علمًا؛ للَمْحِ الصفة (٢)، (فهي)؛ أي: الصدقة المطلوبة منه (عليَّ ومثلُها) معها. في معنى ذلك وجهان: أحدهما: أن تكون هذه اللفظة صيغة إنشاء لالتزام ما لزم العبّاس، ويؤيد ذلك قوله: (ثمَّ قال)؛ يعني: (النّبيّ ﷺ : يا عمرُ! أما شعرتَ)؛ أي: علمتَ وفطنتَ (أنَّ عمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبيه)، وفي رواية: "العبّاسُ صِنْوُ أبي" (٣)، والصنوُ -بالفتح، ويضم-: المِثْل، وأصلُه أن يطلع نخلتان من عِرْقٍ واحدٍ، يريد ﷺ : أنّ أصلَ العبّاس وأصلي واحدٌ، وهو مثلُ أبي، أو مثلي، وجمعُه صِنْوانٌ (٤)؛ فإنّ هذه اللفظة تُشعر بما ذكر؛ فإنّ كونَه صنوَ أبيه يناسب تحمُّلَ ما عليه. الثّاني: أن يكون إخبارًا عن أمر وقع ومضى، وهو تسلُّفُ صدقةِ عامين

стр. 1705

من العبّاس، وقد ورد ذلك صريحًا من حديث علي -رضى اللَّه عنه- عند التّرمذي (١)، ومن حديث ابن عبّاس عند الدارقطني، وفي إسنادهما ضعف، ولفظه: بعثَ النَّبيُّ ﷺ عمرَ ساعيًا، فأتى العبَّاسَ، فأغلظَ له، فأخبر النَّبيَّ ﷺ ، فقال: "إنَّ العبَّاس قد أسلفَنا زكاةَ مالِه العامَ والعامَ المقبلَ" (٢)، هذا على رواية مسلم، وأمّا لفظ البخاري: "فهي عليه صدقةٌ ومثلُها معَها"، ويحتمل ذلك وجهين: أحدهما: أنّها عليه ثابتة سيتصدق بها، ومثلها معها يضيفه إليها كرمًا منه، فيكون النّبيُّ ﷺ ألزمَه بتضعيف صدقته؛ ليكون ذلك أرفعَ لقدره، وأنبهَ لذكره، وأنفى للذبِّ عنه. الثّاني: أنّها مِنَّا عليه صدقة؛ أي: إن زكاة ماله كالصدقة عليه؛ لأنّه استدان في مفاداة نفسه وعقيل يومَ بدر، فصار من الغارمين الذين لا تلزمهم الزكاةُ. وهذا التأويل استبعده البيهقي (٣)؛ لأنَّ العباس من بني هاشم، فتحرم عليهم الصدقة. وحمله بعضُهم على أن ذلك كان قبل تحريم الصدقة على بني هاشم. وما اعتمده الحافظ من الراوية أدلُّ على المطلوب، وأبعدُ عن هذه التكلفات، واللَّه أعلم (٤). * * *

стр. 1706

الحديث السادس عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ، قَالَ: لَمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، قَسَمَ فِي النَّاسِ، وَفي المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَلَمْ يُعْطِ الأَنْصَارَ شَيْئًا، فَكَأَنَّهُمْ وَجَدُوا إذْ لَمْ يُصِبْهُمْ مَا أَصَابَ النَّاسُ، فَخَطَبَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: "يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بي، وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ، فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِي، وَعَالَةً، فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ، قَالَ: "مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تُجِيبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ "، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ، قَالَ: "لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُم: جِئْتَنَا كَذَا وكَذَا، أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بالشَّاةِ والبَعِيرِ، وَتَذْهَبُونَ بالنَّبِيَّ ﷺ إِلَى رِحَالِكُمْ؟ لَوْلَا الهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصَارِ، وَلَو سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وشِعْبًا، لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأَنْصَارِ وَشِعْبَهَا، الأَنْصَارُ شِعَارٌ، وَالنَّاسُ دِثَارٌ، إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الحَوْضِ" (١).

стр. 1707

(عن) أبي محمدٍ (عبدِ اللَّه بنِ زيدِ بن عاصمٍ) المازنيِّ ﵁ تقدّمت ترجمته في الوضوء. (قال: لمّا أفاء اللَّه) (على رسوله) محمد ( ﷺ ). قد تكرر ذكرُ الفيء في الأحاديث على اختلاف تصرفه، وهو مما حصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب ولا جهاد. وأصل الفيء: الرجوعُ، يقال: فاء يَفيء فَيْئَةً وفَيْئًا، كأنّه كان في الأصل لهم، فرجع إليهم، ومنه قيل للظل الذي يكون بعد الزوال: فيء؛ لأنّه يرجع من جانب الغرب إلى جانب الشرق (١). (يوم)؛ أي: زمن غزوة (حنين)، وذلك عام ثمان في شوال بعد فتح مكة المشرفة. وحنين: اسم موضع بين مكة والطائف، فسميت الغزوة باسم مكانها، وتسمى أيضًا: غزوةَ هَوازِن؛ لأنّهم الذين أتوا لقتال رسول اللَّه ﷺ (٢). قال في "الهدي": وتسمى أيضًا: غزوة أوطاس (٣)، وأوطاسُ: اسم موضع بين مكة والطائف أيضًا، فسميت الغزوة باسم مكانها تارة، وباسم المقاتلين للمسلمين تارة. وانتهى رسول اللَّه ﷺ إلى الجعرانة بعد قُفوله من غزوة الطائف ليلة

стр. 1708

الخميس لخمس ليال خَلَوْنَ من ذي العقدة، فأقام بها ثلاثةَ عشرَ يومًا لقسمِ ما قسم، والجعرانة: ما بين الطائف ومكة، وهي إلى مكة أقرب، واعتمر في ذي العقدة من الجعرانة، فدخل مكة، فطاف وسعى ماشيًا، وحلق، ورجع إلى الجعرانة من ليلته، كأنّه كان بائتًا بها ﷺ (١)، ولمّا انصرف من الطائف إلى الجعرانة (قسم) ﷺ (في النّاس) من الأعراب، و (في المؤلَّفة قلوبهم) من أهل مكة من صناديد قريش، فأوّلُ مَنْ أَعطى ﷺ من المؤلَّفة [أَبو] (٢) سفيان بن حرب، أعطاه أربعين أوقية، ومئة من الإبل، فقال: ابني يزيد؟ ويقال له: يزيد الخير، فأعطاه كذلك، فقال: ابني معاوية؟ فأعطاه كذلك، فأخذ أَبو سفيان وابناه ثلاث مئة من الإبل، ومئة وعشرين أوقية من الفضة، فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول اللَّه! لأنتَ كريمٌ في الحرب وفي السلم، لقد حاربتُك فَنِعْمَ المحاربُ كنتَ، ثم سالمتُك فنعمَ المسالم أنت، هذا غايةُ الكرم، جزاك اللَّه خيرًا (٣). وأعطى حكيم بن حزام مئة من الإبل، ثمَّ سأله مئة أخرى، فأعطاه إياها، ثمَّ سأله مئة أخرى، فأعطاه، وقال له: "يا حَكيمُ! هذا المال خَضِرَةٌ حُلْوة، مَنْ أخذَهُ بسخاوة نفس، بوركَ له فيه، ومن أخذَهُ بإشرافِ نفسٍ، لم يُبارَكْ له فيه، وكانَ كالذي يأكلُ ولا يشبعُ، واليدُ العليا خيرٌ من اليد السفلى"، فأخذ حكيم المئة الأولى، وترك ما عداها، وقال: يا رسول اللَّه! والذي بعثك بالحق! لا أَرْزَأُ -أي: أنقصُ- أحدًا بعدك شيئًا -أي: من ماله- حتّى أفارق الدنيا، فكان أَبو بكر يدعو حكيمًا ليعطيه العطايا، فيأبى أن

стр. 1709

يقبل منه شيئًا، وكذلك عمر، فأبى أن يقبل، فقال عمر: يا معشر المسلمين! إني أعرض عليه حقّه الذي قسم اللَّه له من هذا الفيء، فيأبى أن يأخذه (١). وأعطى ﷺ جُبير بنَ مطعم، والأخنس بن شريق، والحارثَ بنَ هشامِ بنِ المغيرة المخزوميَّ، وهو أخو أَبو جهل، وأعطى حاطبَ بنَ عبد العزى القرشيَّ العامريَّ، وسهيلَ بن عمرو بن عبد شمس العامريَّ، وأعطى الأقرعَ بنَ حابس التميميَّ، وعُيَيْنَةَ بنَ حصنٍ الفزاريَّ، والعبّاسَ بنَ مِرْداسٍ (٢). وفي "مسند الإمام أحمد"، و"صحيح مسلم"، والبيهقي، عن رافع بن خديج ﵁: أنّ رسول اللَّه ﷺ أعطى المؤلفة قلوبهم من سبي حنين كل رجل منهم مئة من الإبل، فذكر الحديث، وفيه: وأعطى العبّاسَ بنَ مرداس دون المئة (٣). وفي "الهدي": أنّها خمسون (٤)، فأنشأ العبّاسُ بنُ مرداس يقول: [من المتقارب] أَتَجْعَلُ نَهْبِي وَنَهْبَ الْعُبَيْـ ... ـدِ بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالأَقْرَعِ فَمَا كَانَ حِصْنٌ وَلَا حَابِسٌ ... يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ في المَجْمَعِ وَمَا كُنْتُ دُونَ امْرِىءٍ مِنْهُمَا ... وَمَنْ تَضَعِ اليَوْمَ لَمْ يُرْفَعِ

стр. 1710

فبلغ ذلك رسولَ اللَّه ﷺ ، فدعاه، وقال: "أنتَ القائلُ: أصبحَ نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة؟ "، فقال أَبو بكر الصديق ﵁: بأبي أنتَ وأمي! واللَّهِ ما كنتَ شاعرًا، ولا ينبغي لك، وما أنت براوية، قال: "فكيف؟ "، فأنشده أَبو بكر، فقال النّبيّ ﷺ : "اقْطَعُوا عَنِّي لسانَهُ"، ففزع منها عبّاس، وقالوا: أمر بالعباس بن مرداس أن يمثل به، وإنّما أراد ﷺ أن يقطعوه بالعطية (١). قال في "الهدي": فأكملوا له المئة (٢). وأعطى ﷺ عِكْرِمَةَ بنَ أبي جهلٍ، وصَفْوانَ بنَ أُميةَ، والنُّضَيْرَ -بالضّاد المعجمة والتصغير- بنَ الحارث مئة مئة. وفي "الصّحيح" عن صفوان ﵁، قال: ما زال رسول اللَّه ﷺ يعطيني من غنائم حنين وهو أبغضُ الخلق إليَّ حتى ما خلقَ اللَّه تعالى شيئًا أحبَّ إليَّ منه (٣). وفي "صحيح مسلم": أنّه أعطاه مئة من النعم، ثمَّ مئة، ثمَّ مئة (٤). وأعطى ﷺ جماعةً غيرَ مَنْ ذكرنا، وتركَ خيار النّاس من المسلمين، لم يعطهم ﷺ ، وَكَلَهم إلى حُسْن إسلامهم، (ولم يعط الأنصار) أوسيَّهم وخزرجيَّهم يومئذ من ذلك النفل (شيئًا)، لا كثيرًا، ولا قليلًا، (فكأنّهم)؛

стр. 1711

أي: الأنصار (وَجَدوا) في أنفسهم، أي: غضبوا. وفي حديث: "إنّي أسألك فلا تجد عليَّ" (١)، أي: لا تغضب. يقال: وَجَدَ عليه يَجِدُ وَجْدًا ومَوْجَدَةً (٢). (إذ) تعليلية؛ أي: لأنّه (لم يصبهم) من قسم رسول اللَّه ﷺ (ما أصاب النّاس) من العطاء. وفي رواية في "المسند"، و"الصّحيحين" من حديث أنس، وعبد اللَّه بن زيد ﵄: أنّ رسول اللَّه ﷺ لمّا أصاب غنائمَ حنين، وقسم للمؤلَّفين من قريش وسائر العرب ما قسم، ولم يكن في الأنصار منها شيء قليل ولا كثير، وجد هذا الحيُّ من الأنصار في أنفسهم حتّى كثرت فيهم القالَةُ، حتّى قال قائلهم: يغفرُ اللَّه لرسوله ﷺ ، إنّ هذا لهو العجب، يعطي قريشًا -وفي لفظ: الطلقاء والمهاجرين-، وتركنا وسيوفُنا تقطر من دمائهم! إذا كانت شديدة، فنحن ندعى، ويعطي الغنيمة غيرنا، ووددنا أنا نعلم ممن كان هذا، فإن كان من أمر اللَّه، صبرنا، وإن كان من رأي رسول اللَّه ﷺ ، استعتبناه (٣). وفي حديث أبي سعيد عند الإمام أحمد، وابن إسحاق: فقال رجل من

стр. 1712

الأنصار لأصحابه: لقد كنت أحدثكم أن لو استقامتِ الأمور، لقد آثرَ عليكم غيرَكم، فردُّوا عليه ردًا عنيفًا (١). قال أنس كما في "المسند"، و"الصّحيحين" وغيرها: فحُدِّثَ رسولُ اللَّه ﷺ بمقالتهم. وقال أَبو سعيد: فمشى سعدُ بنُ عبادة إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه! إنّ هذا الحيَّ من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم، قال: "فيم؟ "، قال: فيما كان من قَسْمك هذه الغنائم، قال: "فأينَ أنتَ من ذلكَ يا سعدُ؟ "، قال: ما أنا إلا امرؤٌ من قومي، قال: "فاجْمَعْ لي قومَكَ في هذه القضية، فإذا اجتمعوا، فأَعْلِمْني"، فخرج سعدٌ يصرخُ فيهم حتّى جمعهم. وقال أنس: فأرسل ﷺ إلى الأنصار، فجمعهم في قبة من أَدَم وهي -بفتح الهمزة المقصورة والدال المهملة فميم-: جلدٌ بلا دبغ، ولم يدع غيرهم، فجاء رجل من المهاجرين، فأذن له فيهم، فدخلوا، وجاء آخرون فردهم، حتّى إذا لم يبق من الأنصار أحد إلا اجتمع له، أتاه، فقال: يا رسول اللَّه! قد اجتمع لك هذا الحيُّ من الأنصار حيثُ أمرتني بأن أجمعهم، فخرج رسول اللَّه ﷺ إليهم، فقال: "هل فيكم أحدٌ من غيركم؟ "، قالوا: لا يا رسول اللَّه، إلا ابن أختنا، قال: "ابنُ أخْتِ القومِ مِنْهم" (٢)، فقام رسول اللَّه ﷺ (فخطبَهُمْ)، فحمد اللَّه وأثني عليه. بما هو أهله، (ثمَّ قال: يا معشرَ الأنصار!).

стр. 1713

قال في "القاموس": المعشر؛ [كمسكن] (١): الجماعةُ، وأهلُ الرّجل (٢). والأنصارُ جمعُ ناصر؛ كأصحاب وصاحب، أو جمع نصير؛ كأشراف وشريف، واللام للعهد، وهم الأوس والخزرج، صار ذلك عليهم عَلَمًا، وقد سماهم اللَّه ورسوله بذلك، وكانوا قبلَ ذلك يعرفون [ببني] (٣) قَيْلَة: اسم امرأة -بقاف مفتوحة وياء تحتانية ساكنة-، وهي الأم التي تجمع القبيلتين -رضوان اللَّه عليهم- (٤). (ألم أجدْكم ضُلَّالًا) المراد به هنا: ضلالُ الشرك والكفر. وفي الحديث: دليل على إقامة الحجة عند الحاجة إليها على الخصم (٥). (فهداكم اللَّه بي) هداية تامة موصلَة إلى سعادَتَي المعاش والمعاد، وهي هداية الإيمان، ولا شك أنّ نعمة الإيمان أعظمُ النعم، فلا يوازيها شيء من أمر الدنيا، فلهذا قدَّمها رسول اللَّه ﷺ على غيرها، ثمَّ أتبع ذلك بذكر نعمة الألفة، فقال: (وكنتم) يا معشرَ الأنصار (متفرقين) على غاية من التباعُد والتقاطُع والتنافُر حتّى جرت بينهم حروبٌ قبل البعثة، وبعدَها قبل إسلامهم، منها يومُ بعاث الذي قُتل فيه مالكٌ والد أنسِ بنِ مالك (٦)،

стр. 1714

(فألفكم اللَّه بي) بعدَ تلك المقاطعة والفرقة، فصرتم تتعاطفون وتتواصلون، يعطف بعضكم على بعض، ويرحم بعضُكم بعضًا، ويصل بعضكم بعضًا، (و) كنتم يا معشر الأنصار (عالَةً) جمعُ عائل، وهو الفقير؛ أي: كنتم فقراء، (فأغناكم اللَّه بي)، أتبع ﷺ تعداد نعمة الألفة بتعداد نعمة المال؛ لأنّ نعمة الألفة أعظمُ؛ إذ تُبذل الأموالُ في تحصيل الألفة واتحاد الكلمة، فختم ﷺ بتعداد نعمة الغنى والمال، وكان ﷺ (كلما قال) لهم (شيئًا) مما عدَّده عليهم من النعم، (قالوا) مجيبين بالاعتراف: (اللَّه ورسوله أَمَنُّ)؛ أي: أكثر مَنًّا وأعظمُ إحسانًا، وفي أسمائه تعالى المنَّانُ، وهو المنعِمُ المعطي؛ من المن، وهو العطاء، لا من المِنَّة، وكثيرًا ما يرد المنُّ في كلامهم بمعنى الإحسان إلى من لا يستثيبه ولا يطلب الجزاء عليه، والمنَّانُ من أبنية المبالغة، كالسَّفّاك والوهَّاب. وفي الحديث: أنّه ﷺ قال: "ما أَحَدٌ أَمَنَّ عَلَينا من ابنِ أَبِي قُحافَة" (١)؛ أي: ما أحدٌ أجودَ بماله وذاتِ يده من الصدِّيقِ الأعظمِ أبي بكر -رضوان اللَّه عليه- (٢). وفي جوابهم -رضوان اللَّه عليهم- بما أجابوا استعمالُ الأدب، والاعترافُ بالحق (٣).

стр. 1715

ثمَّ إنّه ﷺ (قال) لهم: (ما يمنعُكم أن تُجيبوا رسولَ اللَّه؟) أيُّ شيء يمنعكم من إجابته ﷺ ؟ (قالوا) -رضوان اللَّه عليهم-: (اللَّه ورسوله أَمَنُّ). وفي رواية: قالوا: وما نقول يا رسول اللَّه؟ وبماذا نجيبك؟ المنُّ للَّه تعالى ولرسوله ﷺ (١). (قال) ﷺ لهم: (لو شئتُم لقلتُم: جئْتَنا كذا وكذا)، وفي لفظ: أنه قال: "واللَّهِ! لو شئتمُ لقلتُمْ فصدقْتُمْ وصُدِّقتُمْ، جئتَنا طريدًا فآويناك، وعائلًا فآسيناكَ، وخائفًا فآمناكَ، ومخذولًا فنصرناك، ومكذَّبًا فصدَّقْناك" (٢)، وهو الذي كنى عنه الراوي بكذا وكذا؛ تأدبًا، وفي ذلك جبرٌ للأنصار، وتواضعٌ وحسنُ مخاطبة ومعاشرة منه ﷺ (٣)، فقولهم: المنُّ للَّه ورسوله تمامُ الأدب -رضوان اللَّه عليهم-. ثمَّ قال ﷺ : "ما حديثٌ بَلَغَني عنكم؟ "، فقال فقهاءُ الأنصار: أمّا رؤساؤنا، فلم يقولوا شيئًا، وأمّا أناسٌ مِنَّا حَديثةٌ أسنانُهم، قالوا: يغفرُ اللَّه تعالى لرسوله ﷺ ، يعطي قريشًا ويتركُنا وسيوفُنا تقطُرُ من دمائهم، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنّي لأُعطي رجالًا حَديثي عهدٍ بكفرٍ فأُؤَلفهم" (٤).

стр. 1716

وفي رواية: "إنَّ قريشًا حديثو عهدٍ بجاهليةٍ ومُصيبةٍ، وإنّي أردتُ أن أجبرَهُم وأتَأَلَّفَهُمْ" (١)، "أَوَجَدْتُم يا معشرَ الأنصار في نفوسِكم في لُعَاعة"، وهي -بضم اللام وبعينين مهملتين-: بقْلةٌ خضراء ناعمة شُبهت بها زهرةُ الدنيا ونعيمُها؛ في قلة بقائِها من الدنيا (٢) "تألَّفْتُ بها قومًا ليسلموا، ووَكَلْتُكُم إلى ما قَسَمَ اللَّه لكم من الإسلام؟! " (٣)، (ألا) وفي لفظ: "أفلا" (٤) -بزيادة الفاء- (ترضون) يا معشرَ الأنصار (أن يذهبَ النّاسُ بالشاةِ والبعيرِ، وتذهبون بالنَّبيِّ ﷺ ؟). وفي رواية: "يذهب النّاس بالشاة والبعير إلى رحالهم" (٥). وفي لفظ: "بالدنيا، وتذهبون برسول اللَّه ﷺ (إلى رحالكم) تحوزونه إلى بيوتكم؟ فواللَّهِ! لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به" (٦)، (لولا الهجرة) وفضيلتُها، (لكنت امرأً من الأنصار)؛ أي: في الأحكام والأعداد، ولا يجوز أن يكون المراد النسب قطعًا (٧)، (ولو سلكَ النّاسُ) غيرُ الأنصار

стр. 1717

(واديًا)، وهو مفرجٌ بين جبال أو تلال أوآكام، والجمع أَوداءٌ وأودية (١)، (وشِعْبًا) -بكسر الشين المعجمة-: الطريق في الجبل، ومسيل الماء في بطن أرض، أو ما انفرج بين الجبلين (٢)، ومن ثم في بعض الروايات في "الصحيحين" الاقتصار على ذكر الشِّعب، وفي بعضها الاقتصارُ على ذكر الوادي، وفي بعضها الجمعُ بينهما، والعطف بأو، وفي بعضها العطف بالواو كما ذكر المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، (لسلكتُ واديَ الأنصار وشِعْبَها) الذي سلكَتْه دون وادي غيرها وشعبها، (الأنصارُ)، وفي رواية: "أنتم" (٣) (شعار)، وهو -بكسر الشين المعجمة-: الثوب الذي يلي الجسد (٤)، (والناسُ) غيرُكم (دِثار) -بكسر الدال المهملة والثاء المثلثة المفتوحة-، وهو الثوب الذي فوق الشعار (٥)، واستعمال اللفظتين مجاز عن قربهم منه ﷺ ، واختصاصهم به، وتمييزهم عن غيرهم في ذلك (٦)، يعني: أنَّ الأنصار بطانته ﷺ وخاصَّتُه، وأنّهم أحقُّ به وأقربُ إليه من غيرهم، وهو تشبيه بليغ (٧). ثمَّ قال ﷺ : "الأنصارُ كرشي وعيبتي" (٨)، قال في "النهاية": أراد أنّهم

стр. 1718

بطانتُه وموضعُ سره وأمانته، والذين يعقد عليهم في أموره، واستعار الكرش والعَيْبَة: لذلك؛ لأنَّ المجترَّ يجمع علفَه في كرشه، والرجل يضع ثيابه في عَيْبته. وقيل: أراد بالكرش: الجماعة؛ أي: جماعتي وصحابتي، يقال: عليه كرش من النّاس؛ أي: جماعة (١)، قال: والعربُ تكني عن القلوب والصدور بالعِياب؛ لأنّها مستودَعُ السرائر؛ كما أنّ العِيابَ مستودعُ الثياب (٢)، والعَيْبَة: -بفتح العين المهملة وسكون التحتية بعدها موحدة فهاء تأنيث-. ثمَّ قال ﷺ : "اللهمَّ ارْحَمِ الأنصارَ، وأبناءَ الأنصارِ، وأبناءَ أبناءِ الأنصار"، فبكى القوم حتّى أَخْضلوا لِحاهُم؛ أي: بَلُّوها، وقالوا: رضينا باللَّه ورسوله حَظًّا وقسمًا (٣). وذكر محمد بن عمر الواقديُّ: أنّ رسول اللَّه ﷺ أراد حينئذْ دعاهم أن يكتب بالبحرين لهم خاصة بعدَه دون النّاس، وهي يومئذ أفضلُ ما فُتح عليه من الأرض، فأبوا، وقالوا: لا حاجة لنا بالدنيا بعدَك (٤). قلت: وهو عند البخاري من حديث أنس بغير تقييده بيومئذ، ففي "صحيح البخاري" عن أنس ﵁، قال: دعا رسول اللَّه ﷺ الأنصار ليكتبَ لهم بالبحرين، فقالوا: لا واللَّهِ حتّى تكتبَ لإخواننا من

стр. 1719

قريش بمثلِها، فقال: "ذلك لهم ما شاء اللَّه"، كل ذلك يقولون له (١)، فقال لهم ﷺ : (إنكم ستلقَوْنَ بعدي أَثَرَةً). وفي رواية: "سَتَجدونَ بعدي أثرةً شديدةً" (٢)، وهي -بفتح الهمزة والثاء المثلثة وبضم الهمزة وسكون المثلثة وبفتحتين، ويجوز كسرُ أوّله مع إسكان ثانيه-؛ أي: يُستأثر عليكم بما لَكُم فيه اشتراكٌ في الاستحقاق (٣). (فاصبروا) على ذلك، ولا تجزعُنَّ، ولا تَنازعوا (حتّى تلقوني) يوم الحشر والنشور في الموقف بين يدي اللَّه (على الحوض) المورود؛ يعني: الكوثر الذي وعده اللَّه به، فتشربون منه والنّاسُ عطاشٌ. وفي إخباره ﷺ بذلك عَلَم من أعلام النبوة، ودلائل رسالته؛ إذ هو خبر عن مستقبل وقع على وَفْق ما أخبر به ﷺ (٤). وفي الحديث دلالة على فضائل الأنصار، ومزاياهم على غيرهم، وهم جديرون بكل فضيلة، وحَرِيُّون بكل مَنْقَبة. وفي "البخاري": أنّ غيلانَ بنَ جرير قال: قلتُ لأنس بن مالك ﵁: أرأيتم اسمَ الأنصار أكنتم تُسمون به، أم سماكم اللَّه -تعالى وتبارك- به؟ قال: بل سمانا اللَّه (٥).

стр. 1720

وفي "البخاري" أيضًا عن أبي هريرة ﵁: قال أَبو القاسم ﷺ : "لو أَنَّ الأنصارَ سلكوا واديًا أو شِعْبًا، لَسلكْتُ واديَ الأنصار، ولولا الهجرةُ، لكنتُ امرأً منَ الأنصارِ"، فقال أَبو هريرة: ما ظلم بأبي وأمي، آووه ونصروه، وكلمة أخرى (١). وأخرج البخاري، ومسلم، والتّرمذي، وغيرهم عن البراء بن عازب ﵄: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول في الأنصار: "لا يُحِبُّهم إلا مؤمن، ولا يُبغضهم إلا منافقٌ، فمَنْ أحبَّهم، أَحَبَّه اللَّه، ومن أبغضهم، أبغضه اللَّه" (٢). وروى البخاري، ومسلم، والنّسائيّ، وغيرهم من حديث أنس ﵁، قال رسول اللَّه ﷺ : "آيةُ الإيمانِ حُبُّ الأنصار، وآيةُ النفاقِ بغضُ الأنصار" (٣). وفي رواية: "آيةُ المنافقِ بغضُ الأنصار، وآيةُ المؤمن حُبُّ الأنصار" (٤).
следующие страницы →