← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

وعنه مرفوعًا: "إذا جاءَ رمضانُ، فتحتْ أبوابُ الجنّة، وغُلِّقَتْ أبوابُ النّار، وصُفِّدَتِ الشياطينُ" (١). وفي لفظ: "فُتحت أبوابُ الرحمة، وغلقتْ أبوابُ جهنم، وسُلْسِلَتِ الشياطينُ" متفق عليه (٢). وعنه مرفوعًا: "أُعطيتْ أُمتي خمسَ خصالٍ في رمضان لم تُعْطَه أمّةٌ قبلَهم: خلوفُ فمِ الصائمِ أطيبُ عند اللَّه من ريح المسك، وتستغفرُ له الملائكة حتّى يفطر، ويزين اللَّه كل يوم جنته، ثمَّ يقول: يوشكُ عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤنةَ والأذى، ويصيروا إليكِ، وتُصَفَّدُ فيه مَرَدَةُ الشياطين، فلا يخلصون فيه إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره، ويغفر لهم في آخر ليلة"، قيل: يا رسول اللَّه! أهي ليلة القدر؟ قال: "لا، ولكن العامل إنّما يُوَفَّى أجرَه إذا قضى عملَه" رواه الإمام أحمد، وغيره (٣). قال الحافظ ابن ناصر: حديث حسن، إسناده عدول (٤). والحاصل: معتمد المذهب؛ كالحنفية: عدمُ كراهةِ قولِ رمضان بدون شهر؛ خلافًا لأكثر الشّافعيّة، والمالكية، واللَّه أعلم.

стр. 1752

وقوله: "لا تَقَدَّموا" -بفتح التاء والدال-، أصله: تتقدموا، فحذفت إحدى التاءين تخفيفًا؛ أي: لا تتقدموا الشهر بصوم تعدُّونه منه احتياطًا حيث لم تكن في السماء علةٌ من غيم أو قتر؛ خلافًا للروافض الذين يرون تقديمَ الصوم على الرؤية (١). ولكراهة التقدم معان: أحدها: خوفًا من أن يُزاد في رمضان ما ليس منه، كما نُهي عن صيام يوم العيد لذلك؛ حذرًا مما وقع فيه أهلُ الكتاب في صيامهم، فزادوا فيه بآرائهم وأهوائهم. وخرج الطبراني عن عائشة ﵂: أنّ ناسًا كانوا يتقدمون الشهرَ، فيصومون قبل النّبيّ ﷺ ، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٢) [الحجرات: ١]. الثّاني: الفصلُ بين صيام الفرض والنفل؛ فإن جنس الفصل بين الفرائض والنوافل مشروع، ولذا نهى رسول اللَّه ﷺ أن يوصل صلاة مفروضة بصلاة حتّى يفصل بينهما بسلام، أو كلام، خصوصًا سنة الفجر. الثالث: أنّه للتقوي على صيام رمضان؛ فإن مواصلة الصّيام تُضعف عن صيام الفرض، فإذا حصل الفطر قبله بيوم أو يومين، كان أقرب إلى التقوِّي على صيام رمضان، وفيه نظر؛ لعدم الكراهة بالتقدم أكثرَ من ذلك، وبصيام الشهر كله، وهو أبلغ في معنى الضعف، نعم الفطرُ بنية التقوي على صيام رمضان حسنٌ لمن أضعَفَته مواصلةُ الصّيام، ومن هذا قولُ بعض الصّحابة:

стр. 1753

إنّي أحتسب نومتي كما أحتسب قومتي (١)، وفي الحديث المرفوع: "الطاعِمُ الشاكرُ كالصائمِ الصابرِ" خرَّجه التّرمذي، وغيره (٢)، وأشار إلى ذلك الحافظ ابن رجب في "لطائفه" (٣). (بصوم يوم) واحد، (ولا) بصوم (يومين). قال الحافظ ابن رجب: صيامُ آخرِ شعبانَ له ثلاثة أحوال: أحدها: أن يصوم بنية الرمضانية احتياطًا لرمضان، فهذا منهيٌّ عنه، وقد فعله بعضُ الصّحابة، وكأنّهم لم يبلغهم النهيُ عنه، وفرق ابن عمر ﵄ بين الغيمِ والصحو في يوم الثلاثين من شعبان، وتبعه الإمام أحمد. الثّاني: أن يُصام بنية النذر، أو قضاء عن رمضان، أو عن كفارة، ونحو ذلك، فجوزه الجمهور، ونهى عنه مَنْ أمرَ بالفصل بين شعبان ورمضان بفطرِ يومٍ مطلَق، وهم طائفةٌ من السلف، وحكي كراهته أيضًا عن أبي حنيفة، والشّافعيّ، وفيه نظر. الثالث: أن يُصام بنية التطوُّع المطلق، فكرهه مَنْ أمر بالفصل بين شعبان ورمضان بالفطر، منهم: الحسن، وإن وافق صومًا كان يصومه،

стр. 1754

ورخص فيه مالكٌ ومَنْ وافقه، وفرق الشّافعيّ والأوزاعي والإمام أحمد وغيرهم بين أن يوافق عادة، أو لا، وكذلك يفرق بين من تقدم صيامه بأكثر من يومين (١)، ووصله برمضان، فلا يكره؛ لقوله ﷺ : (إلا رجلًا)؛ أي: شخصًا من رجل وامرأة (كان يصوم صومًا) معتادًا؛ كأن اعتاد صومَ الدهر، أو صومَ يومٍ وفطرَ يوم، أو يوم مخصوص؛ كالاثنين والخميس، (فليصمه) على حسب عادته؛ فإنه مأذون له فيه، فمفهوم الحديث الجواز إذا كان التقدُّم بأكثرَ من يومين (٢). قال في "الفروع": يكره استقبالُ رمضان بيوم أو يومين، ذكره التّرمذي عن أهل العلم، وجزم به الأصحاب، مع ذكرهم في يوم الشّك ما يأتي، ولا يكره التقديم بأكثرَ من يومين، نص عليه؛ لظاهر هذا الحديث، وقيل: يكره بعد نصف شعبان، وحرمه الشّافعيّة؛ لحديث أبي هريرة: "إذا انتصفَ شعبانُ، فلا تصوموا" رواه الخمسة (٣)، وقد ضعفه الإمام أحمدُ وغيرُه من الأئمة (٤). وقد صَحَّحه التّرمذيُّ وغيرُه، وقال عبد الرحمن بن مهدي: إنّه حديث منكر، وكذا الإمام أحمد، وأبو زرعة الرازي، والأثرم.

стр. 1755

قال الإمام أحمد: لم يرو العلاء حديثًا أنكرَ منه، ورده بحديث: "لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين"؛ فإن مفهومه جواز التقدم بأكثر من يومين. وقال الطحاوي: هو منسوخ، وحكى الإجماع على ترك العمل به، وأكثر العلماء أنّه لا يُعمل به، وقد أخذ به الشّافعيّ وأصحابه، فنهوا عن ابتداء التطوع بالصّيام بعد نصف شعبان لمن ليس له عادة، وقد وافقهم بعضُ متأخري أصحابنا كما في "اللطائف" (١). ومعتمد المذهب: عدمُ الكراهة أن تقدم رمضان بصيام ثلاثة أيام فصاعدًا، وكذا إن وافق عادةً، ولو كان التقدم بصوم يوم أو يومين؛ لمنطوق هذا الحديث ومفهومه، واللَّه تعالى الموفق. * * *

стр. 1756

الحديث الثاني عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إذَا رَأَيْتُمُوهُ، فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَاقْدُرُوا لَهُ" (١).

стр. 1757

(عن) أبي عبدِ الرحمن (عبدِ اللَّه بنِ عمرَ ﵄، قال سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: إذا رأيتُموه) -يعني: هلال رمضان-، وفي لفظ عندهما: قال ابن عمر ﵄: إن رسول اللَّه ﷺ ذكر رمضان، فقال: "لا تصوموا حتّى تروا الهلال" (١)؛ يعني: إذا لم يكمل شعبان ثلاثين، ولم يكن في السّماء علة من غيم ونحوه، (فصوموا) لرؤيته، (وإذا رأيتموه)؛ يعني: هلال شوال، (فأفطروا). وفي لفظ عندهما: "ولا تُفطروا حتّى تَرَوه" (٢)؛ أي: الهلال، وليس المرادُ رؤيةَ جميع النّاس بحيث يحتاج كلُّ فرد فرد إلى رؤيته، بل المعتبر رؤيةُ بعضهم، وهو العدد الذي تثبتُ به الحقوق، وهو عَدْلان، إلا أنّه يكتفى في ثبوت هلال رمضان بعدلٍ واحد (٣). قال في "الفروع": ويُقبل في هلال رمضان قولُ عدلٍ واحد، نص عليه؛ وفاقًا للشّافعيّ، وحكاه التّرمذي عن أكثر العلماء (٤)؛ لحديثي ابنِ عمر وابنِ عبّاس، ولأنه خبر ديني، وهو أحوط، ولا تهمة فيه؛ بخلاف آخر الشهر. ومعتمد المذهب: هو خبر، فتقبل المرأةُ والعبد، ولا يختص بحاكم، فيلزم الصّوم من سمعه من عدل، ولا يعتبر لفظ الشهادة. والأصح للشّافعيّة: أنّه شهادة لا إخبار.

стр. 1758

ومذهب أبي حنيفة: يُقبل واحد في غيم، أو رآه خارجه، أو أعلى مكان منه؛ كالمنارة، ومع الصحو التواتر. ومذهب مالك: يعتبر عدلان، وكذا قولُ الشّافعيّ في القديم (١). (فإن غُمَّ عليكم) -بضم الغين المعجمة وتشديد الميم-؛ أي: إن حال بينكم وبين الهلال غيمٌ في صومكم أو فطركم (٢)، (فاقْدُروا له) -بهمزة وصل وضم الدال- (٣). قال العلامة الشيخ مرعي الحنبلي في كتابه "تحقيق الرجحان": للعلماء في قوله: "فاقْدُروا له" قولان: أحدهما: قدروا الهلال زمانًا يمكن أن يطلع فيه، وذلك ليلة الثلاثين، فأمّا الليلة التي بعدها، فلا تحتاج إلى تقدير، وهذا مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧]؛ أي: ضُيِّق. الثّاني: أنّ معنى "اقدُروا": احكموا بطلوعه من جهة الظاهر، مأخوذ من قوله تعالى: ﴿قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [النمل: ٥٧]؛ أي: حكمنا بذلك، هذا قول علمائنا. وقال المخالف: هذه الزيادة تأكيد لقوله: "لا تصوموا حتّى تَرَوا الهلالَ"؛ إذ المقصود حاصل منه، ولا يخفى أنّ التأسيس أولى من التأكيد، وتفسيرهم لهذه الزيادة يعني: قدروا له تمامَ العدِّ ثلاثين يومًا؛ أي: انظروا

стр. 1759

في أوّل الشهر وآخره، واحسبوه ثلاثين يومًا تحصيل للحاصل، هذا، وراوي الحديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ أعلم بتفسيره. قال نافع: كان عبدُ اللَّه بن عمر ﵄ إذا مضى من شعبان تسعٌ وعشرون يبعث مَنْ ينظر، فإن رأى، فذاك، وإن لم ير، ولم يحل دون منظره سحابٌ ولا قَتَرٌ، أصبح مفطرًا، وإن حال دون منظره سحابٌ أو قتر، أصبح صائمًا. رواه أَبو داود، وغيره (١)، وكذا كان عمر بن الخطّاب ﵁ يصوم إذا كانت السّماء في تلك الليلة متغيمة، وليس هذا بالتقدير، ولكنه للتحري. وقد روى الربيع عن الشّافعيّ: أنّ عليَّ بنَ أبي طالب ﵁، قال: لأَنْ أصومَ يومًا من شعبانَ أحبُّ إليَّ من أن أُفطر يومًا من رمضان (٢). وروى الإمام أحمد بسنده: أنّ أبا هريرة ﵁، قال: لأَنْ أتعجَّلَ في صوم رمضانَ بيومٍ أحبُّ إليَّ من أن أتأخَّر؛ لأنّي إذا تعجَّلْتُ، لم يَفُتْني، وإذا تأخرت، فاتني. وكذا روى الإمام أحمد بسنده عن معاوية، وعمرو بن العاص. وروى مثله سعيد بن منصور عن عائشة وأسماء ابنتي الصدِّيق -رضوان اللَّه عليهم أجمعين-. وفي هذا الحديث: دليل على عدم تعليق الحكم بالحساب (٣).

стр. 1760

وفي "الصحيحين" وغيرهما: أنّه ﷺ قال في خطبته في حجة الوداع: "إنَّ الزمانَ قدِ استدارَ كهيئته يومَ خلقَ اللَّهُ السمواتِ والأرضَ، السنةُ اثنا عشرَ شهرًا، منها أربعةٌ حُرُمٌ، ثلاثةٌ متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب" الحديث (١). وأنزل اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [التوبة: ٣٦]، فأخبر سبحانه أنّ هذا هو الدين القيّم، لا ما عداه، فظهر بهذا عودُ المواقيت إلى الأهلّة، لا إلى العدد والحساب. قال الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية -قدّس اللَّه روحه-: وقد ذهب قوم منتسبة إلى الشّيعة من الإسماعيليةِ وغيرِهم يقولون بالعدد دون الرؤية، ومبدأُ خروج هذه البدعة من الكوفة، فمنهم من يعتمد على جدول يزعمون أنّ جعفرًا الصادق دفعه إليهم، وهذا كذب مختلَق على جعفرٍ، اختلقه عليه عبدُ اللَّه بنُ معاوية، وقد ثبت بالنقل المرضي عن جعفر وعامة أئمة أهل البيت ما عليه جماعة المسلمين، ومنهم من يعتمد على أنّ رابع رجب أوّل رمضان، أو على أن خامس رمضان الماضي أوّل رمضان الحاضر، ومنهم من يروي عن النّبيّ ﷺ حديثًا لا يُعرف في شيء من كتب الإسلام، ولا رواه عالم قط: أنّه قال: "يومُ صومِكم يومُ نحرِكم"، وغالب هؤلاء يوجبون أن يكون رمضان تامًا، ويمنعون أن يكون تسعة وعشرين يومًا. قال شيخ الإسلام: لا خلافَ بين المسلمين أنّه إذا كان مبدأ الحكم في الهلال، حسبت الشهور كلها هلالية؛ مثل أن يصوم الكفارة في هلال المحرم، أو يتوفى زوج المرأة في هلال المحرم، أو يؤلي من امرأته في

стр. 1761

هلال المحرم مثلًا، أو يبيعه في الهلال إلى شهرين أو ثلاثة، فإن جميع الشهور تحتسب بالأهلة، وإن كان بعضها أو جميعها ناقصًا، وأمّا إن وقع مبدأ الحكم في أثناء الشهر، فقيل: تحسب الشهور كلُّها بالعدد، وقيل: بل يكمل شهر بالعدد، والباقي بالأهلة، وهذان القولان روايتان عن الإمام أحمد، أصحُّهما الثّاني، وهو الصواب الذي عليه عملُ المسلمين قديمًا وحديثًا، فإن كان الشهر الأوّل كاملًا، كمل ثلاثين يومًا، وإن كان ناقصًا، جعل تسعة وعشرين يومًا، فإذا تقرر هذا، فالشهر قد ينقص، وقد لا ينقص (١). تنبيه: قد اختلف الأئمةُ الأربعة في ليلة الثلاثين من شعبان حيث كان في السّماء علةٌ من غيم أو قتر أو غيرِهما، فمذهبُ الحنفية: صومُ يومِ الشّك يقع على وجوه: أحدها: أن ينوي صومَ رمضان، وهو مكروه، تمَّ ظهر أنّ اليوم من رمضان، أجزأه، وإن ظهر أنّه من شعبان، وقع تطوُّعًا. ثانيها: أن ينويه عن واجب آخر، وهو مكروه أيضًا، إلا أنّه دون الأوّل في الكراهة، ثمَّ إن ظهر أنّه من رمضان، أجزأه، وإن ظهر أنّه من شعبان، فقيل: يقع تطوعًا، وقيل: عما نواه، وهو الأصح. ثالثها: أن ينوي التّطوع، وهو غيرُ مكروه، ثمَّ إن ظهر أنّه من رمضان، وقع عنه؛ لأن رمضان معيار لا يسع غيره. ورابعها: أن يتردَّدَ في أصل النية؛ بأن ينوي أن يصوم غدًا إن كان من

стр. 1762

رمضان، ولا يصوم إن كان من شعبان، وفي هذا الوجه لا يكون صائمًا؛ لعدم الجزم في العزيمة. خامسها: أن يتردَّدَ في وصف النية؛ بأن ينوي: إن كان غدًا من رمضان، فعنه، وإلا، فعن واجبٍ آخرَ، وهذا مكروه، ثمَّ إن ظهر من رمضان، أجزأه، وإن ظهر من شعبان، لم يجزه عن الواجب؛ للتردد في وصف النية، ويقع تطوعًا. ومذهب المالكية: يجوز صومُ يوم الشّك إن كان تطوعًا، أو عادة، ويجب إن كان قضاء، أو نذرًا، ويحرم على أحد القولين إن صامه احتياطًا، ولا يجزىء في الجميع إن ظهر من رمضان (١). ومذهب الشّافعيّة: يحرم على الصحيح عندهم صومُ يوم الشّك، ولا يصح، سواء نواه من رمضان، أو نفلًا؛ لقول عمار بن ياسر ﵁: من صامَ يومَ الشّك، فقد عصى أبا القاسم ﷺ . رواه التّرمذي، وغيره، وصحَّحوه موقوفًا، وعلّقه البخاري (٢). فلو نذر صومه، لم يصح عندهم؛ لخبر مسلم: "لا نذرَ في معصيةِ اللَّه" (٣)، ويصح صومُه عن نذرٍ وكفارة، ونفلٍ يوافق عادة؛

стр. 1763

للحديث، ومعتمد مذهبهم: حرمةُ الصوم من بعد نصف شعبان. ومذهب الحنابلة: أنه إذا حال دون مطلع الهلال غيمٌ أو قترٌ ليلةَ الثلاثينَ من شعبان، ففي صوم صَبيحة ذلك اليوم ثلاثُ روايات عن الإمام أحمد: أصحُّها: أنّه يجب صومُه بنية رمضان احتياطًا، ويجزئه صومه عن رمضانَ إن ظهر منه، ويجب على معتمد المذهب أن يجزم أنّه من رمضان، وإن لم يتحقق كما في اليوم الأخير، وليس هذا شكًا في النية، بل في المنوي؛ كما قاله الحافظ ابن الجوزي. قال أَبو بكر الأثرم: سمعت أبا عبد اللَّه أحمدَ بنَ حنبل يقول: إذا كان في السّماء سحابٌ، أو علّة، أصبح صائمًا، فإن لم يكن في السماء علة، أصبح مفطرًا، ثم قال: كان ابن عمر إذا رأى في السماء سحابًا، أصبح صائمًا، قلت لأبي عبد اللَّه: فيعتد به؟ قال: كان ابن عمر يعتد به، فإذا أصبح عازمًا على الصوم، اعتدَّ به، ويجزيه، قلت: فإن أصبح متلومًا يقول: إن قالوا: هو من رمضان، صمتُ، وإن قالوا: ليس من رمضان، أفطرتُ؟ قال: هذا لا يعجبني، يتمُّ صومه، ويقضيه؛ لأنّه لم يعزم، وهذه الرواية نقلها عن الإمام أحمد ابناه صالح وعبدُ اللَّه، وأبو داود (١)، وأبو بكر الأثرم، والمروذي، والفضل بن زياد، وهي اختيار عامة علمائنا، منهم: أَبو بكر الخلال، وصاحبه عبد العزيز، وأبو بكر النجاد، وأبو علي النجاد، وأبو القاسم الخرقي، وأبو إسحاق بن شاقلا، وأبو الحسن التميمي، وأبو عبد اللَّه بن حامد، والقاضيان أَبو علي بن أبي موسى، وأبو يعلى بن أبي الفراء. وهو مروي عن عمر بن الخطّاب، وابنه، وعلي بن أبي طالب،

стр. 1764

وأنس بن مالك، وأبي هريرة، ومعاوية، وعمرو بن العاص، والحكم بن أيوب الغفاري، وعائشة، وأسماء ابنتي أبي بكر الصديق -رضوان اللَّه عليهم أجمعين-. وقال به من كبراء التابعين: سالمُ بنُ عبد اللَّه بنِ عمر، ومجاهدٌ، وطاوس، وأبو عثمانَ النهديُّ، ومُطَرِّفُ بنُ عبد اللَّه، وميمونُ بن مهرانَ، وبكر بن عبد اللَّه المزنيُّ، وغيرهم -رحمهم اللَّه تعالى-. والرواية الثّانية عن الإمام أحمد: لا يجبُ الصوم، بل يجوز في حالَيئذٍ، اختاره شيخُ الإسلام ابن تيمية، قال: لأنّ الصّحابة -رضوان اللَّه عليهم- كان يصبحُ منهم الصائمُ والمفطر، فلا الصائمُ يَعيب على المفطر، ولا المفطرُ يعيبُ على الصائم (١). والرواية الثالثة: النّاس تبعٌ للإمام، فإن صام، وجب الصوم، وإلا، فلا، فيتحرى في كثرة كمال الشهور قبله ونقصها (٢). ومعتمدُ المذهب الذي استقر عليه: وجوبُ الصوم ليلة الثلاثين من شعبان بشرط كون في السّماء علّة، واللَّه تعالى الموفق. * * *

стр. 1765

الحديث الثالث عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَسَحَّرُوا؛ فَإِنَّ في السُّحُورِ بَرَكَةً" (١). (عن) أبي حمزةَ (أنسِ بنِ مالكٍ ﵁، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : تَسَحَّروا) وهو تفعُّل من السَّحَر، وهو قُبيل الصبح. قال علماؤنا كالشّافعيّة: يدخل وقتُه بنصف اللّيل، وفيه نظر؛ لأنّ السّحر لغةً قُبيلَ الفجر، ومن ثمَّ خصّه بعضُهم بالسدُس الأخير، والمراد:

стр. 1766

الأكلُ في ذلك الوقت، وذلك لأنّ معنى التفعُّل هنا في الزمن المصوغ من لفظه؛ فإنه من معاني تفعَّلَ؛ كتغدى، وتعشَّى (١). وتحصل فضيلةُ السُّحور بأكلٍ أو شربٍ؛ لحديث أبي سعيد: "ولو أن يجرعَ أحدُكم جرعةً من ماء"، وفيه عبد الرحمن بنُ زيدِ بنِ أسلم، ضعيف، رواه الإمام أحمد، وغيره (٢). وروى الإمام أَحمد من حديث جابر ﵁ مرفوعًا: "من أَرادَ أَنْ يَصومَ، فليتسَحَّرْ ولو بشيء" (٣). وكمال فضيلة السّحور تحصل بالأكل؛ لحديث عمرو بن العاص: أنّ [رسول اللَّه ﷺ قال]: "فصلُ ما بينَ صيامِنا وصيامِ أهلِ الكتابِ أكلةُ السّحر" رواه الإمام أحمد، ومسلم، وغيرهما (٤)، والأمرُ به للندب. قال في "الفروع": ولا يجب السّحور، حكاه ابن المنذر وغيره إجماعًا (٥). ويدل على كون الأمر في الحديث للندب قوله: (فإن في السّحور) -بفتح السين المهملة-: اسم لما يُتَسَحَّر به، و-بالضم-: الفعلُ (بركةً) اسم إن (٦).

стр. 1767

قال ابن دقيق العيد: وهذه البركة يجوز أن تعود إلى الأمور الأخروية؛ فإنّ إقامة السّنة، توجب الأجرَ وزيادته، ويحتمل أن تعود إلى الأمور الدنيوية؛ كقوة البدن على الصّوم، وتيسيرِه من غير إجحافٍ به، والبركةُ محتملة لأن تضاف إلى كل واحد من الفعلِ والمتسحَّرِ به معًا، وليس ذلك من باب حمل اللفظ الواحد على معنيين مختلفين، بل من باب استعمال المجاز في لفظة "في"، وعلى هذا يجوز أن يقال: "فإنّ في السّحور بركةً" -بفتح السين-، وهو الأكثر، و-بضمها- (١). قال القسطلَّاني: ومن وجوه البركة في السّحور: أن يبارك في اليسير منه، بحيث تحصل به الإعانةُ على الصوم، ومن ثمَّ جاء في الحديث: "ولو بشربةِ ماءٍ" (٢). وعند الطبراني عن أبي أمامة مرفوعًا: "ولو بتمرة، ولو بحباتِ زبيب" (٣)، ويكون ذلك بالخاصية، كما بورك في الثريد، والاجتماع على الطعام، أو المراد بالبركة: نفي التبعة. وفي حديث أبي هريرة؛ كما في "الفردوس": "ثلاثةٌ لا يُحاسب عليها العبدُ: أكلةُ السَّحَر، وما أفطرَ عليه، وما أكلَ مع الإخوان". أو المراد بها: التقوي على الصّيام وغيره من أعمال النهار. وفي حديث جابر عند ابن ماجه، والحاكم مرفوعًا: "استعينوا بطعامِ

стр. 1768

السَّحَرِ على صيامِ النَّهارِ، وبِالقَيْلولَةِ على قِيامِ اللّيل" (١)، ويحصلُ به النشاطُ، ومدافَعَةُ سوءِ الخلُق الذي يثيره الجوع (٢). وقال القاضي عياض: قد تكون هذه البركة ما يتفق للمتسَحِّر من ذكر أو صلاة أو استغفار، وغير ذلك من زيادات الأعمال التي لولا القيامُ للسحور، لكان الإنسانُ نائمًا عنها، وتاركًا لها (٣). تنبيه: إن قلنا: المراد بالبركة: التقويةُ على الصيام ونحوه، فالسَّحور -بالفتح-، وإن قلنا: المراد بها: ما يحصل من الأجر والثواب -فبالضم-؛ لأنّه مصدر بمعنى التسحُّر، واللَّه تعالى الموفق (٤). * * *

стр. 1769

الحديث الرابع عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَاِبتٍ ﵁، قَالَ: تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَ أَنَسٌ: قُلْتُ لِزَيْدٍ: كَمْ كَانَ بَيْنَ الأَذَانِ وَالسَّحُورِ؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً (١). * * * (عن أنس بن مالك) خادمِ رسولِ اللَّه ﷺ المتقدِّمِ ذكرُه، (عن زيد بن

стр. 1770

ثابت) بنِ الضحَّاكِ بنِ لَوذانَ -بفتح اللام والذال المعجمة- الأنصاريِّ النجاريِّ، كان أحدَ كتاب النّبيّ ﷺ يكتب له الوحي، وكذا المراسلات، ولمّا قدم ﷺ المدينة، كان زيدٌ ابن إحدى عشرة سنة، وكان عمره يوم بعاث ست سنين، وفيها قتل أبوه. استصغرهُ النّبيُّ ﷺ يومَ بدر مع مَنِ استصغرهم، فلم يشهدْها، ثمَّ شهد أُحدًا وما بعدها، وقيل: أوّل مشاهده الخندقُ، وأعطاه النّبيُّ ﷺ يومَ تبوكَ راية بني النجار، وقال: "بالقرآن تقدم" (١). وكان زيد أعلمَ الصّحابة بالفرائض، حتّى قال ﷺ : "أَفْرَضُكُم زيدٌ" (٢)، وأحدَ من جمعَ القرآن، وكتبه في خلافة أبي بكر، ونقله من الصُّحف إلى المصحف في زمن عثمان. مات بالمدينة سنة خمس وأربعين، وله ستٌّ وخمسون سنة. روي له عن رسول اللَّه ﷺ اثنان وسبعون حديثًا، اتفقا على خمسة، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بحديث (﵁) (٣). (قال) زيد بن ثابت، ويكنى بأبي سعيد، وقيل: بأبي خارجة -بفتح الخاء المعجمة والجيم-: (تَسَحَّرنا) المراد: أنا والنبيُّ ﷺ كما ترشد إليه رواية النّسائيّ وابن حبان فيما يأتي (مع رسول اللَّه ﷺ ثم) بعدَ سحورنا (قام) ﵊ (إلى الصّلاة)؛ أي: صلاة الفجر، (قال أنس) بنُ مالك ﵁: (قلت لزيد) بن ثابت ﵁:

стр. 1771

(كم كانَ بين السّحورِ والأذان؟ قال) زيد: هو (قدر) قراءةِ (خمسينَ آيةً) من القرآن. قال في "الفتح": والمدة التي بين الفراغ من السّحور والدخول في الصّلاة، وهي قراءة الخمسين آية أو نحوها، قدرُ ثلث خمس ساعة، ولعلها مقدارُ ما يتوضأ، فأشعر ذلك بتأخير السّحور (١). وفي "النّسائيّ" و"ابن حبان" عن أنس ﵁، قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ : "يا أنسُ! إنّي أريدُ الصّيامَ، أَطْعِمْني شيئاَّ"، فجئته بتمر وإناء فيه ماء، وذلك بعد ما أذن بلال، قال: "يا أنس! انظرْ رجلًا يأكل معي"، فدعوت زيدَ بنَ ثابت، فجاء فتسحَّر معه، ثمَّ قام فصلّى ركعتين، ثمَّ خرج إلى الصلاة (٢). فعلى هذا فالمراد بقوله: كم كان بين الأذانِ والسّحور؟ أي: أذان ابنِ أمِّ مكتوم؛ لأنّ بلالًا كان يؤذن قبل الفجر، والآخر يؤذن إذا طلع (٣)، وقد قال ﷺ كما في "الصّحيحين" وغيرهما من حديث عائشة ﵂ إنّ بلالًا كان يؤذن بليل، فقال رسول اللَّه ﷺ : "كلوا واشربوا حتى يؤذِّنَ ابنُ أمِّ مكتوم؛ فإنه لا يؤذِّنُ حتّى يطلُع الفجرُ" (٤). قال في "الفروع": يُسن تأخيرُ السّحور إجماعًا ما لم يخشَ طلوع

стр. 1772

الفجر؛ اتفاقًا، ذكره أَبو الخطّاب، والأصحاب، للأخبار، ولأنه أقوى على الصوم، وللتحفظ من الخطأ، والخروج من الخلاف (١)؛ فإنّ في "الإقناع": ويُكره تأخيرُ الجماعِ مع الشّك في طلوع الفجر، لا الأكلُ والشربُ (٢). قال الإمام أحمد: إذا شَكَّ في الفجر، يأكلُ حتي يستيقن طلوعَه، وإنه قول ابن عباس، وعطاء، والأوزاعي. قال الإمام أحمد: يقول اللَّه تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ الآية [البقرة: ١٨٧]. وذكر ابن عقيل في "الفصول": إذا خاف طلوعَ الفجر، وجبَ عليه أن يُمسك جزءًا من الليل؛ ليتحقق له صومُ جميع اليوم، وجعله أصلًا لوجوب صوم ليلة الغيم، وقطع جماعة بوجوب إمساك جزء من اللّيل في أوله وآخره في أصول الفقه وفروعه، وأنّه مما لا يتم الواجب إلا به، وذكره في "الفنون"، وأبو يعلى الصغير. ويُسَنُّ تعجيلُ الإفطار إذا تحقق غروب الشّمس إجماعًا، وله الفطر بالظن وفاقًا، ويُقبل فيه قولُ الواحد؛ كالوقت والقبلة، وإذا غاب حاجب الشّمس الأعلى، أفطر الصائم حكمًا، وإن لم يطعم، ذكره في "المستوعب" (٣)، وغيره (٤). وقوله ﷺ : "إذا أقبلَ اللَّيلُ من هاهنا، وأَدْبَرَ النهارُ من هاهنا، وغَرَبَتِ

стр. 1773

الشَّمْسُ، فقدْ أفطرَ الصائمُ" (١)؛ أي: أفطر شرعًا، فلا يثاب على الوصال، والفطرُ قبل الصّلاة أفضلُ وفاقًا؛ لفعله ﷺ (٢). وكان عمرُ وعثمانُ ﵄ لا يُفطران حتّى يُصليا المغرب، وينظرا إلى اللّيل الأسود. رواه مالك (٣). وفي "الصّحيحين" عن سهل بن سعد ﵁: أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يزالُ النّاسُ بخيرٍ ما عَجَّلُوا الفطرَ" (٤). وروى الإمام أحمد، والتّرمذي، وحسَّنه، وابنُ خزيمةَ، وابن حبان في "صحيحيهما" عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "قال اللَّه : إنَّ أَحَبَّ عبادي إليَّ أعجلُهم فِطْرًا" (٥). قال ابن دقيق العيد: وللمتصوفة وأرباب الباطن في هذا المعنى كلامٌ تشوفوا فيه إلى اعتبار معنى الصّوم وحكمته، وهو كسرُ شهوة البطن والفرج، قالوا: وإن لم تتغير عليه عادته في مقدار أكله، لا يحصل له المقصود من الصّوم، وهو كسر الشهوتين.

стр. 1774

قال: والصواب -إن شاء اللَّه تعالى-: أن ما زاد في المقدار حتّى تعدم هذه الحكمة بالكلية، لا يستحب؛ كعادة المترفين في التأنُّق في المأكل، وكثرة الاستعداد لها، وما لا ينتهي إلى ذلك، فهو مستحبٌّ على وجه الإطلاق، وقد تختلف مراتب هذا الاستحباب باختلاف مقاصد النّاس وأحوالهم، واختلاف مقدار ما يستعملونه، انتهى (١). * * *

стр. 1775

الحديث الخامس عَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُدْرِكُهُ الفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ (١). (عن عائشةَ) الصدِّيقةِ (وأُمِّ سلمةَ) هندٍ بنتِ أبي أُمية، واسمه سهلُ بنُ المغيرة المخزوميُّ، أُمَّي المؤمنين (﵄: أنّ رسول اللَّه ﷺ كان يدركه الفجر) الثّاني (وهو جنب من) جماع (أهله)؛ إزالةً لاحتمال دعوى كونِ جنابته من احتلامٍ، فيكون رخصةً لصحةِ صومِ مَنْ طلع الفجر [عليه] وهو جنب من ذلك للعذر لإمكان عدم تقدم العلم بالجنابة (٢)، (ثم) كان ﷺ (يغتسل) بعد طلوع الفجر، (ويصوم) بقية يومه.

стр. 1776

وفي رواية عن عائشة: كان يدركه الفجرُ في رمضان من غير حلم (١). وللنّسائي عنها: من غير احتلام (٢). وفي لفظ له: كانُ يصبح جنبًا مِنِّي (٣). وإنّما فعل رسولُ اللَّه ﷺ ذلك، وإن كان الأفضلُ الغسلَ قبل الفجر؛ بيانًا للجواز. والاحتلام يطلق على الإنزال، وقد يقع الإنزال من غير رؤية شيء في المنام. وأرادت عائشة، وأم سلمة ﵄ بالتقييد "من أهله"، وبالجماع من غير احتلام: المبالغةَ في الردِّ على مَنْ زعم أن فاعل ذلك عمدًا مفطرٌ، وهو أَبو هريرة ﵁؛ فإنّه كان يرى أن من أصبحَ جنبًا من جماع، لا يصحُّ صومهُ؛ لحديث الفضل بن عبّاس ﵄ في "مسلم"، وحديث أسامة ﵁ في "النّسائيّ"، عن النّبيّ ﷺ : "مَنْ أدركَهُ الفجرُ جُنُبًا، فلا يَصُمْ" (٤). وفي النّسائيّ عن أبي هريرة ﵁: أنّه قال: لا وربِّ هذا

стр. 1777

البيت! ما أنا قلتُ: مَنْ أدركه الصبحُ وهو جنبٌ فلا يصمْ، محمدٌ وربِّ الكعبةِ قاله (١). وإنما حلف أَبو هريرة، مع أنّه لم يسند سماعه من النّبيّ ﷺ ، وإنما أسنده للفضل وأسامة؛ لشدة وثوقه بخبرهما (٢)، ثمَّ إن أبا هريرة ﵁ رجع عن مقالته، وقال: هما -يعني: عائشة، وأم سلمة- أعلمُ، وتركَ حديثَ الفضلِ وأسامةَ، ورآه منسوخًا؛ فإن حديث عائشة وأم سلمة يرجَّحُ على غيره؛ لأنّهما رأتا ذلك عن مشاهدة؛ بخلاف غيرهما، ولأنّ حديثهما أقوى إسنادًا من حديث الرجحان؛ لأنّه جاء عنهما من طرق كثيرة جدًا بمعنى واحد، حتّى قال ابن عبد البر: إنّه صح، وتواتر، وأمّا أَبو هريرة، فأكثرُ الروايات عنه أنّه كان يفتي به، ولم يسمع ذلك من النّبيّ ﷺ ، وإنما سمعه عنه بواسطة الفضل وأسامة بن زيد ﵄ (٣)، وقد اتفق الفقهاء على العمل بهذا الحديث، وصار ذلك إجماعًا، أو كالإجماع، كما قال ابن دقيق العيد (٤). وفي "الفروع" للعلامة ابن مفلح: ومن أصبح جنبًا، ثمَّ اغتسل، صحَّ صومُه؛ وفاقًا، مع أنّه يُسن قبلَ الفجر، وعليه يُحمل نهيُه ﷺ ، أو أنّه منسوخ؛ لأنّ اللَّه تعالى أباح الجماع وغيرَه إلى طلوع الفجر، احتج به ربيعةُ، والشّافعيّ، وجماعة، ولفعله ﷺ ، متفق عليه. وكذا إن أخره يومًا، صحَّ، وأثمَ؛ وِفاقًا.

стр. 1778

وفي "المستوعب": يجيء على الرواية التي تقول: يكفر بترك الصّلاة إذا تضايق وقت التي بعدها، وكذا الحائض تؤخِّرُ الغسلَ؛ يعني: يصح صومها (١). قال ابن دقيق العيد -بعدَ ذكر مسألة الجنابة-: ولم يقع خلافٌ بين الفقهاء المشهورين في مثل هذا إلا في الحائض إذا طهرت، وطلع عليها الفجرُ قبل أن تغتسل، ففي مذهب مالك في ذلك قولان؛ أعني: في وجوب القضاء (٢). قلت: ومثله رواية مرجوحة في مذهبنا، فقد نقل صالح في الحائض تؤخره بعد الفجر: تقضي، ومعتمد المذهب: لا (٣)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1779

الحديث السادس عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ؛ فَإنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ" (١) * * * (عن أبي هريرة) عبدِ الرحمنِ بنِ صخرٍ (﵁، عن النّبيّ ﷺ ): أنّه (قال: مَنْ)؛ أي: أي شخصٍ، ذكرٍ أو أنثى (نسي، وهو)؛

стр. 1780

أي: والحال أنّه (صائم)، سواء كان الصّوم فرضًا أو نفلًا، (فأكل أو شرب)، سواء كان الأكل أو الشرب قليلًا أو كثيرًا. وقد روى عبد الرزاق، عن عمرو بنِ دينار: أنّ إنسانًا جاء إلى أبي هريرة ﵁، فقال: أصبحتُ صائمًا، فنسيتُ فطعمتُ، فقال: لا بأس، قال: ثمَّ دخلتُ على إنسان، فنسيت فطعمت وشربت، فقال: لا بأس، اللَّه أطعمك وسقاك، قال: ثم دخلت على آخر فنسيت فطعمت، فقال أَبو هريرة: أنت إنسانٌ لم تتعوَّدِ الصّيام (١). قال في "الفروع": وإنما يُفطر إذا فعل شيئًا من المفطرات عامدًا ذاكرًا لصومه، مختارًا، فلا يفطر ناسٍ؛ خلافًا لمالك، نقله الجماعة، ونقله ابن عقيل في مقدمات الجماع، وذكره الخرقي في الإمناء بقبلة أو تكرار نظر، وأنه يفطر بوطئه دون الفرج ناسيًا (٢). (فليتم) -بفتح الميم، ويجوز كسرها على التقاء الساكنين- (صومَه) مفعول "يتم"، فسماه ﷺ صومًا، والظاهر: حملُهُ على الحقيقة الشرعية، وإذا كان صومًا، وقع مجزيًا، ويلزم من ذلك عدم وجوب القضاء (٣). ورواه الدارقطني، بمعناه، وزاد: "ولا قضاءَ عليه" (٤)، وفي لفظ: "من أفطرَ يومًا من رمضان ناسيًا، فلا قضاءَ عليه ولا كفارةَ" رواه الدارقطني. وقال: تفرد به ابنُ مرزوق، وهو ثقة (٥).

стр. 1781

وللحاكم، وقال: على شرط مسلم: "من أكلَ في رمضان ناسيًا، فلا قضاءَ عليه ولا كفارةَ" (١). وعند مالك: يبطل الصّوم بالأكل ونحوه، ولو ناسيًا، ويجب القضاء، والحديث صريح في رده. وقول ابن دقيق العيد: قولُ مالك بوجوب القضاء هو القياس؛ فإن الصّوم قد فات ركنُه، وهو من باب المأمورات، والقاعدة تقتضي أنّ النسيان لا يؤثر في باب المأمورات (٢)، منظور فيه؛ لأنّه قياس في مقابلة نص، فوجب طرحه؛ إذ من شرط المصير إلى القياس عدمُ مخالفة النص، وهنا النص صرح بإتمام الصّوم، وفي الحديث الآخر بعدم القضاء، فما بقي للقياس هنا مدخل (٣). ثمَّ علل ﷺ كونَ النّاسي لا يفطر بقوله: (فإنما أطعمه اللَّه) ، (وسقاه)، ليس له فيه قصد. قال الطيبي: "إنما" للحصر؛ أي: ما أطعمه أحدٌ، ولا سقاه إلا اللَّه، فدلّ على أن هذا النسيان من اللَّه تعالى، ومن لطفه في حق عباده؛ تيسيرًا عليهم، ودفعًا للحرج (٤). وقال الخطابي: النسيانُ ضرورةٌ، والأفعال الضرورية غيرُ مضافة في

стр. 1782

الحكم إلى فاعلها، ولا يؤاخَذ فيها، واللَّه أعلم (١). تنبيه: اختلف العلماء في جماع الناسي، هل يوجبُ فسادَ الصّوم، ويوجب الكفارة، أم لا؟ فمعتمد المذهب: أنّ الناسي كالعامد، نقله الجماعة، واختاره الأصحاب؛ وفاقًا لمالك، والظاهرية. وعنه: لا يُكَفِّر، اختاره ابنُ بطة؛ وفاقًا لمالك في رواية. وعنه: لا يقضي، اختاره الآجري، وأبو محمد الجوزي، وشيخ الإسلام ابن تيمية؛ وفاقًا لأبي حنيفة، والشّافعي. وذكر في "شرح مسلم" (٢) أنّه قول جمهور العلماء (٣). قال ابن دقيق العيد: ومن أراد إلحاق الجماع بالمنصوص عليه -أي: من الأكل والشرب-، فإنما طريقه القياس، والقياسُ مع الفارق متعذِّر، إلا إذا بيَّن القائسُ أَنّ الوصفَ الفارقَ مُلْغى؛ فإنّ نسيانَ الجماع نادرٌ بالنسبة إليه (٤). ويأتي الكلام على جماع الصائم في الحديث الآتي، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1783

الحديث السابع عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رسول اللَّه ﷺ ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يا رَسولَ اللَّهِ! هَلَكْتُ، قَالَ: "مَا لَكَ؟ "، قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ، وفي رواية: أَصَبْتُ أَهْلِي في رَمَضَانَ، فَقَالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : "هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُها؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَينِ؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ "، قَالَ: لَا، فَمَكَثَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ، أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، والعَرَقُ: المِكْتَلُ، قَالَ ﷺ : "أَيْنَ السَّائِلُ؟ "، قَالَ: أَنَا، قَالَ: "خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ"، فَقَالَ الرَّجُلُ: عَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسولَ اللَّهِ؟! فَوَ اللَّهِ! مَا بَيْنَ لَابَتَيْها -يُرِيدُ: الحَرَّتَينِ- أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيابُهُ، ثُمَّ قَالَ: "أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ" (١). الحرَّةُ: أرضٌ تركبُها حجارةٌ سُودٌ.

стр. 1784

(عن أبي هريرة ﵁، قال: بينما) -بالميم-، وتضاف إلى الجملة الاسمية والفعلية، وتحتاج إلى جواب يتمُّ به المعنى، والأفصح في جوابها ألَّا يكون فيه "إذ"، و"إذا"، ولكن كثير مجيئها كذلك، ومنه هذا الحديث (١) (نحن جلوسٌ عند)، وفي لفظ (٢): مَعَ (رسول اللَّه ﷺ ، إذ جاءه)؛ أي: النّبيَّ ﷺ (رجل) هو سلمة بنُ صخر بن سلمان الخزرجيُّ

стр. 1785

الأنصاريُّ البياضيُّ -بفتح الموحدة- نسبة إلى بياضة بن عامر بن زريق من الخزرج، وقيل: اسمه سلمان بن صخر. قال البرماوي: والأوّل أصحُّ وأشهر، حتى قال ابن عبد البر: سلمان وهمٌ، وليس في الصّحابة سلمان إلا الفارسي، وأبو عامر الضَّبيُّ (١)، ولكن في الحصر نظر، فقد ذكر صاحب "التجريد" (٢): سلمانَ بنَ ثمامةَ بنِ شراحيل الجعفيَّ، وسلمانَ بنَ خالدٍ الخزاعيَّ، إذا علم ذلك، فسلمة بن صخر هذا هو المظاهِرُ من امرأته أَلَّا يطأها في رمضان حتّى ينسلخ، فوطئها فيه، ذكره الحافظ عبد الغني بن سعيد، فيكون له القصتان في كفارة الظهار، وجماع رمضان، والظاهر: اختلافُ الواقعتين؛ لأنّ هذه نهارًا، وقضية الظهار كانت ليلًا؛ كما في بعض طرق حديثه: أنّه رأى خَلْخالها في ضوء القمر؛ كما في التّرمذي، وغيره (٣)، وقد يُجمع بينهما: أنّه كان الابتداء ليلًا، وتمادى إلى النهار، وذلك أنّه كان امرأً يصيب من النساء ما لا يُصيب غيرُهُ، فلمّا دخل رمضان، حلف أَلَّا يطأها حتى ينسلخَ رمضانُ، فبينا هي تحدثه ذات ليلة، انكشف له منها شيء، فما لبث أن نزا عليها، فلما أصبح، غدا على النبي ﷺ ، فذكر له ذلك الحديث بطوله؛ كما في "أبي داود" وغيره (٤).

стр. 1786

(فقال: يا رسول اللَّه! هلكتُ)، وفي بعض طرق هذا الحديث: هلكتُ وأهلكتُ (١)؛ أي: فعلتُ ما هو سبب لهلاكي وهلاكِ غيري، وهو زوجته التي وطئها (٢). (قال) ﷺ : (مالَكَ؟) -بفتح اللام-، و"ما" استفهامية، محلُّها رفعٌ بالابتداء؛ أي؛ أَيُّ شيء كائنٌ لك، أو حاصل لك (٣). وعند الإمام أحمد: "وما الذي أهلكك؟ " (٤). وعند ابن خزيمة: "وَيْحَكَ! ما شَأْنُكَ؟ " (٥). (قال: وقعتُ على امرأتي)، وفي حديث عائشة في "الصحيحين": وَطِئْتُ امرأتي (٦) (وأنا صائم)، الواو للحال. قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": يؤخذ منه أنه لا يُشترط في إطلاق اسم المشتق بقاء المعنى المشتق منه حقيقة؛ لاستحالة كونه صائمًا مجامِعًا في حالة واحدة، فعلى هذا قوله: وطئت؛ أي: شرعتُ في الوطء، أو أراد: جامعتُ بعد إذ أنا صائم (٧).

стр. 1787

(وفي رواية) في "الصحيحين" من حديث عائشة ﵄: (أصبتُ أهلي) (١)، وكذا عند البزار من حديث أبي هريرة (٢)، (في رمضان). وفي لفظ من حديث عائشة: وطئتُ امرأتي في رمضان نهارًا (٣)، (فقال رسولُ اللَّه ﷺ : هل تجد رقبةً تُعتقها؟)؛ أي: تقدر على ذلك؟ فالمراد: الوجود الشرعيُّ ليدخل فيه القدرة بالشراء ونحوه، ويخرج عنه مالكُ الرقبةِ المحتاج إليها بطريق معتبر شرعًا (٤). وفي لفظ عند الإمام أحمد: "أتستطيعُ أن تعتقَ رقبةً؟ " (٥). (قال) الرجل: (لا) أجدُ رقبة. وفي رواية عند الطحاوي: فقال: لا، واللَّهِ يا رسولَ اللَّه (٦). وفي حديث ابن عمر: فقال: والذي بعثك بالحق! ما ملكتُ رقبةً قَطُّ (٧).

стр. 1788

(قال) ﵊: (فهل تستطيعُ أن تصومَ شهرينِ متتابعين؟ قال: لا). وفي حديث سعد: قال: لا أقدر (١). وفي رواية عند البزار: وهل لقيتُ ما لقيتُ إلا من الصيام؟ (٢) وفي بعض الألفاظ: وهل أُتيتُ إلا من الصوم؟ (٣) واعلم أنه لا إشكال في الانتقال من الصوم إلى الإطعام، إلا أن قوله -كما في بعض الروايات-: وهل أُتيت إلا من الصوم يقتضي أن عدم استطاعته للصوم بسبب شدة الشبق، وعدم الصبر في الصوم عن الوقاع، فنشأ من هذا خلاف من أن هذا هل يكون عذرًا مرخصًا في الانتقال من الصيام إلى الإطعام في حق من هو كذلك -أعني: شديد الشبق-؟ الظاهر (٤): نعم. (قال) ﷺ : (فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟ قال: لا). والمسكينُ مأخوذٌ من السُّكون؛ لأن المُعدم ساكنُ الحال عن أمور الدنيا، والمراد به هنا: يشمل الفقير، وإن كان معتمد المذهب (٥): أن الفقيرَ أشدُّ حاجةً من المسكين؛ لأنه لم يجد نصفَ الكفاية، والمسكينُ مَنْ

стр. 1789

وجدَ أكثرَ كفايته، إلا أنهما إذا اجتمعا، افترقا، وإذا افترقا، اجتمعا، فكل واحد من الفقير والمسكين حيث أُفرد يشمل الآخر، وإنما يفترقان عند اجتماعهما؛ نحو قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (١) [التوبة: ٦٠]. قال ابن دقيق العيد: دلَّ قولُه: "إطعام ستين مسكينًا" على وجوب إطعام هذا العدد؛ لأنه أضاف الإطعام الذي هو مصدرُ أطعمَ إلى ستين، فلا يكون ذلك موجودًا في حقِّ مَنْ أطعمَ عشرين مسكينًا ثلاثة أيام مثلًا، ومن أجاز ذلك، فكأنه استنبط من النص معنىً يعود عليه بالإبطال (٢). والمشهورُ عن الحنفية: الإجزاء، حتى لو أطعم الجميعَ مسكينًا واحدًا في ستين يومًا، كفى، انتهى (٣). ومعتمد مذهبنا: أن الذي عليه الكفارةُ؛ لو ردَّها على مسكين واحد ستين يومًا، لم يجزئه، إلَّا أَلَّا يجدَ غيره، فيجزيه (٤). وفي رواية عند الإمام أحمد: "أفتستطيعُ أن تطعمَ ستين مسكينًا؟ " (٥).

стр. 1790

وفي حديث ابن عمر: قال: والذي بعثك بالحق! ما أُشبع أهلي (١). وحكمةُ ترتيب هذه الكفارة على ما ذكر؛ لأن مَن انتهك حرمة الصوم بالجماع، فقد أهلكَ نفسه بالمعصية، فناسب أن يعتق رقبةً فيفدي نفسَه، وقد صح: "مَنْ أعتقَ رقبةً، أعتقَ اللَّهُ بكلِّ عضوٍ منها عُضْوًا منه من النار" (٢)، وأما الصيام؛ فإنه كالمقاصَّة بجنس الجناية، وكونه شهرين؛ لأنه أمر بمصابرة النفس في حفظ كل يوم من شهر [رمضان] على الولاء، فلما أفسد منه يومًا، فكأنه أفسد الشهر. كلَّه من حيث إنه عبادة واحدة بالنوع، وكلف بشهرين مضاعفةً على سبيل المقابلة لنقيض قصده. وأما الإطعام، فمناسبته ظاهرة؛ لأنه مقابلة كل يوم بإطعام مسكين (٣). وإذا ثبتت هذه الخصال الثلاث في هذه الكفارة، فهل هي على الترتيب، أو التخيير؟ قال في "الفروع": والكفارة على الترتيب؛ وفاقًا لأبي حنيفة، والشافعي. وقيل: إنها على التخيير بين العتق والصيام والإطعام، فبأيها كَفَّرَ، أجزأه، وهذه رواية مرجوحة عندنا؛ وفاقًا لمالك في رواية عنه (٤). ومعتمد المذهب؛ كالحنفية والشافعية: اعتبارُ الترتيب.
следующие страницы →