← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

(فقال: يا رسول اللَّه! هلكتُ)، وفي بعض طرق هذا الحديث: هلكتُ وأهلكتُ (١)؛ أي: فعلتُ ما هو سبب لهلاكي وهلاكِ غيري، وهو زوجته التي وطئها (٢). (قال) ﷺ : (مالَكَ؟) -بفتح اللام-، و"ما" استفهامية، محلُّها رفعٌ بالابتداء؛ أي؛ أَيُّ شيء كائنٌ لك، أو حاصل لك (٣). وعند الإمام أحمد: "وما الذي أهلكك؟ " (٤). وعند ابن خزيمة: "وَيْحَكَ! ما شَأْنُكَ؟ " (٥). (قال: وقعتُ على امرأتي)، وفي حديث عائشة في "الصحيحين": وَطِئْتُ امرأتي (٦) (وأنا صائم)، الواو للحال. قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": يؤخذ منه أنه لا يُشترط في إطلاق اسم المشتق بقاء المعنى المشتق منه حقيقة؛ لاستحالة كونه صائمًا مجامِعًا في حالة واحدة، فعلى هذا قوله: وطئت؛ أي: شرعتُ في الوطء، أو أراد: جامعتُ بعد إذ أنا صائم (٧).

стр. 1787

(وفي رواية) في "الصحيحين" من حديث عائشة ﵄: (أصبتُ أهلي) (١)، وكذا عند البزار من حديث أبي هريرة (٢)، (في رمضان). وفي لفظ من حديث عائشة: وطئتُ امرأتي في رمضان نهارًا (٣)، (فقال رسولُ اللَّه ﷺ : هل تجد رقبةً تُعتقها؟)؛ أي: تقدر على ذلك؟ فالمراد: الوجود الشرعيُّ ليدخل فيه القدرة بالشراء ونحوه، ويخرج عنه مالكُ الرقبةِ المحتاج إليها بطريق معتبر شرعًا (٤). وفي لفظ عند الإمام أحمد: "أتستطيعُ أن تعتقَ رقبةً؟ " (٥). (قال) الرجل: (لا) أجدُ رقبة. وفي رواية عند الطحاوي: فقال: لا، واللَّهِ يا رسولَ اللَّه (٦). وفي حديث ابن عمر: فقال: والذي بعثك بالحق! ما ملكتُ رقبةً قَطُّ (٧).

стр. 1788

(قال) ﵊: (فهل تستطيعُ أن تصومَ شهرينِ متتابعين؟ قال: لا). وفي حديث سعد: قال: لا أقدر (١). وفي رواية عند البزار: وهل لقيتُ ما لقيتُ إلا من الصيام؟ (٢) وفي بعض الألفاظ: وهل أُتيتُ إلا من الصوم؟ (٣) واعلم أنه لا إشكال في الانتقال من الصوم إلى الإطعام، إلا أن قوله -كما في بعض الروايات-: وهل أُتيت إلا من الصوم يقتضي أن عدم استطاعته للصوم بسبب شدة الشبق، وعدم الصبر في الصوم عن الوقاع، فنشأ من هذا خلاف من أن هذا هل يكون عذرًا مرخصًا في الانتقال من الصيام إلى الإطعام في حق من هو كذلك -أعني: شديد الشبق-؟ الظاهر (٤): نعم. (قال) ﷺ : (فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟ قال: لا). والمسكينُ مأخوذٌ من السُّكون؛ لأن المُعدم ساكنُ الحال عن أمور الدنيا، والمراد به هنا: يشمل الفقير، وإن كان معتمد المذهب (٥): أن الفقيرَ أشدُّ حاجةً من المسكين؛ لأنه لم يجد نصفَ الكفاية، والمسكينُ مَنْ

стр. 1789

وجدَ أكثرَ كفايته، إلا أنهما إذا اجتمعا، افترقا، وإذا افترقا، اجتمعا، فكل واحد من الفقير والمسكين حيث أُفرد يشمل الآخر، وإنما يفترقان عند اجتماعهما؛ نحو قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (١) [التوبة: ٦٠]. قال ابن دقيق العيد: دلَّ قولُه: "إطعام ستين مسكينًا" على وجوب إطعام هذا العدد؛ لأنه أضاف الإطعام الذي هو مصدرُ أطعمَ إلى ستين، فلا يكون ذلك موجودًا في حقِّ مَنْ أطعمَ عشرين مسكينًا ثلاثة أيام مثلًا، ومن أجاز ذلك، فكأنه استنبط من النص معنىً يعود عليه بالإبطال (٢). والمشهورُ عن الحنفية: الإجزاء، حتى لو أطعم الجميعَ مسكينًا واحدًا في ستين يومًا، كفى، انتهى (٣). ومعتمد مذهبنا: أن الذي عليه الكفارةُ؛ لو ردَّها على مسكين واحد ستين يومًا، لم يجزئه، إلَّا أَلَّا يجدَ غيره، فيجزيه (٤). وفي رواية عند الإمام أحمد: "أفتستطيعُ أن تطعمَ ستين مسكينًا؟ " (٥).

стр. 1790

وفي حديث ابن عمر: قال: والذي بعثك بالحق! ما أُشبع أهلي (١). وحكمةُ ترتيب هذه الكفارة على ما ذكر؛ لأن مَن انتهك حرمة الصوم بالجماع، فقد أهلكَ نفسه بالمعصية، فناسب أن يعتق رقبةً فيفدي نفسَه، وقد صح: "مَنْ أعتقَ رقبةً، أعتقَ اللَّهُ بكلِّ عضوٍ منها عُضْوًا منه من النار" (٢)، وأما الصيام؛ فإنه كالمقاصَّة بجنس الجناية، وكونه شهرين؛ لأنه أمر بمصابرة النفس في حفظ كل يوم من شهر [رمضان] على الولاء، فلما أفسد منه يومًا، فكأنه أفسد الشهر. كلَّه من حيث إنه عبادة واحدة بالنوع، وكلف بشهرين مضاعفةً على سبيل المقابلة لنقيض قصده. وأما الإطعام، فمناسبته ظاهرة؛ لأنه مقابلة كل يوم بإطعام مسكين (٣). وإذا ثبتت هذه الخصال الثلاث في هذه الكفارة، فهل هي على الترتيب، أو التخيير؟ قال في "الفروع": والكفارة على الترتيب؛ وفاقًا لأبي حنيفة، والشافعي. وقيل: إنها على التخيير بين العتق والصيام والإطعام، فبأيها كَفَّرَ، أجزأه، وهذه رواية مرجوحة عندنا؛ وفاقًا لمالك في رواية عنه (٤). ومعتمد المذهب؛ كالحنفية والشافعية: اعتبارُ الترتيب.

стр. 1791

(قال) أَبو هريرة ﵁: (فمَكُثَ) -بضم الكاف وفتحها- (النبيُّ ﷺ )، وفي رواية ابن عيينة: فقال له النبي ﷺ : "اجلس" (١)، قيل: وإنما أمره بالجلوس لانتظار الوحي في حقه، أو كان عَرَفَ أنه سيؤتى بشيء يُعينه به (٢). (فبينا) -بغير ميم- (نحن على ذلك)، وجوابُ "بينا" قولُه: (أُتي النبي ﷺ ) -بضم الهمزة مبنيًا للمفعول-، ولم يُسَمَّ الآتي، ولكن عند البخاري في الكفارات: فجاء رجل من الأنصار (٣) (بعَرَق) -بفتح العين والراء- متعلق بأُتي (فيه)؛ أي: ذلك العَرَقِ (تمر)، ولأبي ذر من ألفاظ البخاري: "فيها" بالتأنيث على معنى القفة (٤). قال القاضي عياض: المِكْتل والقُفَّةُ والزنبيلُ سواء (٥). وزاد ابن أبي حفصة عند الإمام أحمد: فيه خمسة عشر صاعًا (٦). وفي حديث عائشة عند ابن خزيمة: فأتي بعرق فيه عشرون صاعًا (٧)، وفي حديثها عند الشيخين، قالت: أتى رجلٌ إلى النبي ﷺ في المسجد في

стр. 1792

رمضان، فقال يا رسول اللَّه! احترقتُ احترقتُ، إلى أن قال: "اجلس"، فجلس، فبينما هو على ذلك، أقبل رجلٌ يسوق حمارًا عليه طعام (١). قال أَبو هريرةَ، أو الزهريُّ، أو غيره: (والعَرَقُ: المِكْتَل) -بكسر الميم وفتح الفوقية-: الزنبيلُ الكبير، يسع خمسةَ عشرَ صاعًا، ويقال: زبيل -بإسقاط النون- (٢). وفي "النهاية": أُتي بعَرقَ من تمر، هو زنبيل منسوج من نسائج الخوص، وكل شيء مضفور فهو عَرَق، وعَرَقة -بفتح الراء فيهما- (٣). وفي "المطالع": الزنبيل: القفةُ الكبيرةُ، وعندي أنه خُرْج من سَعَف، أو حَلْفَاءَ يُحمل على الدابة، وهو العَرَق، انتهى (٤). وعند مسدد: أنه ﷺ أمر له ببعضه (٥)، وهو يجمع بين الروايات، فمن قال: يسع عشرين، أراد: أصل ما كان فيه، ومن قال: خمسة عشر، أراد: قدر ما تقع به الكفارة (٦). (قال ﷺ )، وفي لفظ: بزيادة الفاء (٧): (أين السائل؟)، زاد في بعض الروايات: "آنِفًا" (٨)، وسماه سائلًا؛ لأن كلامه متضمن للسؤال؛ فإن

стр. 1793

مراده: هلكتُ، فما ينجِّيني، وما يخلصني مثلًا (١)؟ (قال) الرجل: (أنا)، وفي، حديث عائشة ﵂ عندهما: فقال رسول اللَّه ﷺ : "أينَ المحترقُ آنِفًا؟ " (٢)، فقام الرجل، (قال) رسول اللَّه ﷺ : (خُذْ هذا فتصدَّقْ به)، وفي لفظ: "خذها فتصدَّقْ" (٣)، وفي حديث عائشة: "تصدَّقْ بهذا" (٤)، (فقال الرجل): أتصدق به (على) شخصٍ (أفقر مني يا رسول اللَّه؟!) بالاستفهام التعجبي، وحذف الفعل، لدلالة "تصدق به" عليه، وفي حديث عائشة ﵂: فقال: يا رسول اللَّه! أغيرنا؟ فواللَّه إنا لَجِياعٌ ما لنا شيء (٥). وفي رواية: على أفقرَ من أهلي؟ (٦) (فواللَّه! ما بين لابَتَيْها) -بغير همز-: تثنية لابَة. قال بعض رواته: (يريد) باللابتين: (الحرتين) -بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء-: أرض ذات حجارة سود؛ كما يأتي في كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-، والضمير راجع إلى المدينة المنورة -على ساكنها أفضل الصلاة وأتم السلام-؛ فإنها بين حرتين (أهلُ بيتٍ أفقرُ من أهل بيتي) برفع "أهل" اسم ما، ونصب "أفقر" خبرها إن جُعلت ما حجازية، وبالرفع إن جعلت تميمية، قاله الزركشي وغيره.

стр. 1794

وقال البدرُ الدماميني (١): وكذا إن جعلناها حجازية ملغاة من عمل النصب؛ بناءً على أن قوله: "ما بين لابتيها" خبرٌ مقدم، وأهلُ بيتٍ مبتدأ، وأفقرُ صفة له (٢). وفي رواية: ما أحدٌ أحقَّ به من أهلي، ما أحدٌ أحوجَ إليه مني يا رسول اللَّه (٣)، (فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه) تعجُّبًا من حال الرجل في كونه جاء أولًا هالكًا محترقًا خائفًا على نفسه، راغبًا في فدائها مهما أمكنه، فلما وجد الرخصة، طمع أن ياكل ما أُعطيه في الكفارة (٤). والأنياب: جمعُ ناب، وهي الأسنان الملاصقة للرَّباعِيات، وهي أربعة، والضحكُ غيرُ التبسُّم، وقد ورد أن ضحكه ﷺ [كان] تبسمًا (٥)؛ أي: في غالب أحواله (٦).

стр. 1795

وفي بعض ألفاظ الحديث: جُلُّ ضحكه التبسُّم (١). وقيل: إن ضحكهُ ﷺ من رحمة اللَّه تعالى الأعرابي، وتوسعته عليه، وإطعامه له هذا الطعام، وإحلاله له بعد أن كُلِّف إخراجَه (٢)، (ثم) بعد فراغه ﷺ من ضحكه، (قال) له: (أطعمه)؛ أي: ما في المِكتَل من التمر (أَهْلَكَ) مِمَّن تلزمُك نفقتُه، أو زوجتك، أو مطلق أقاربك. ولابن عيينة في الكفارات من "صحيح البخاري": "أطعمه عيالك" (٣). وفي رواية: فقال: "كُلْه" (٤)، وفي رواية: "خُذْها وكُلْها وأنفقْها على عيالك" (٥). وفي الحديث عند أبي داود بإسناد جيد من حديث هشام بن سعد، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: "وصم يومًا مكانه" (٦). تنبيهات: الأول: قال جمهور الأمة بإيجاب الكفارة بإفطار المجامع عامدًا (٧).

стр. 1796

ومعتمد مذهبنا: وجوبها على مَنْ جامع في صوم رمضان في حالة يلزمه فيها الإمساكُ، وعليه القضاء بلا عذر؛ وفاقًا للأئمة الثلاثة، والمراد؛ بذَكَرٍ أصليٍّ في فرج أصليٍّ، أنزلَ أم لا، سواء كان الفرج قُبلًا أو دُبرًا، من آدمي أو غيره، حي أو ميت، وسواء كان عامدًا أو ساهيًا أو جاهلًا أو مخطئًا، مختارًا كان أو مكرَهًا، على معتمد المذهب، نصًا، سواء أُكره على فعله، أو أولجَتْ ذكرَه فيها مثلًا وهو نائم. وتقدم ذكرُ اختلاف الأئمة في الناسي. ومن جامعَ يعتقده ليلًا، فبان نهارًا، وجب عليه القضاء، وكذا الكفارةُ عندنا، وعند الثلاثة: لا كفارةٌ. وأما المكرَهُ، فعليه الكفارةُ عندنا؛ كالحنفية والمالكية، لكن نقل ابن القاسم من المالكية: كلُّ أمر غُلب عليه الصائمُ، فليس عليه قضاءٌ ولا كفارةٌ. قال الأصحاب: وهذا يدل على إسقاط القضاء مع الإكراه والنسيان، انتهى (١). ويختص وجوب الكفارة برمضان؛ وفاقًا بين الأئمة؛ لأن غيره لا يساويه؛ خلافًا لقتادة في إيجابه لهما في جماعه في قضائه. ومعتمد مذهبنا: لا كفارةَ بغير جماع؛ وفاقًا للشافعية، نعم الإنزال بالمساحقة ألحقه في "المنتهى" بالجماع (٢)، لكن عند الشافعية: لا كفارة، إلا أن يفطر بنفس الجماع، ومذهب مالك، وأبي حنيفة: يكفِّرُ من أكل وشرب.

стр. 1797

قال في "الفروع": مذهب مالك: يكفِّر من أكل وشرب، وحُكي عنه أيضًا: في القيء، وبلعِ الحصاةِ: التكفيرُ وعدمُه، ومذهبه: أن الكفر يمنع وجوب الكفارة والقضاء، ومذهب أبي حنيفة: يكفِّر للأكل والشرب إن كان مما يُتغذى به، أو يُتداوى به، واللَّه أعلم (١). الثاني: المرأة المطاوِعَةُ يفسد صومُها، وتكفِّرُ؛ وفاقًا لأبي حنيفة، ومالك، ولأحد قولي الشافعي؛ كالرجل، وعنه: لا كفارة عليها؛ وفاقًا لمعتمد قول الشافعي، وهو الذي استقر عليه مذهبه؛ لعدم أمر الشارع لها بها (٢). ويفسد صومُ المكرَه على الوطء، نص عليه، ولو أكره زوجته على الوطء في رمضان، دفعَتْهُ بالأسهل فالأسهل، ولو أفضى إلى [ذهاب] نفسه؛ كالمارِّ بين يدي المصلي؛ كما في "الفنون" لابن عقيل، وجزم به في "الإقناع" (٣)، كـ "الفروع" (٤). الثالث: وقع في كتاب "المدونة" من قول ابن القاسم من المالكية: ولا يعرف مالك غير الإطعام (٥). قال ابن دقيق العيد: وهي معضلة لا يهتدى إلى توجيهها، مع مصادمتها للحديث، غير أن بعض المحققين من أصحابه حمل هذا اللفظ وتأوله على الاستحباب في تقديم الإطعام على غيره من الخصال، وذكروا لذلك

стр. 1798

وجوهًا لا تقاوم ما دلَّ عليه الحديثُ من البداءة بالعتق، ثم بالصوم، ثم بالإطعام، فلا أقلَّ من دلالته على الاستحباب، مع أن دلالته للوجوب أظهرُ، واللَّه أعلم (١). الرابع: تباينت المذاهب في مفهوم قوله ﷺ للأعرابي: "أطعِمْهُ أهلَكَ"، فمن قائل: هو دليل على إسقاط الكفارة عنه؛ لعدم إمكان صرفِ كفارته إلى أهله ونفسه، وإذا تعذر أن تقع كفارته، ولم يبين النبي ﷺ له استقرارَ الكفارة في ذمته إلى حين اليسار، لزم من مجموع ذلك سقوطُ الكفارة بالإعسار المقارن (٢). قال علماؤنا، منهم صاحب "الفروع": وتسقط هذه الكفارة بالعجز في ظاهر المذهب، نص عليه؛ وفاقًا للقديم من قولي الشافعي، وعن الإمام أحمد رواية: لا تسقط؛ وفاقًا لأبي حنيفة، والشافعي على معتمد مذهبه؛ لأنه ﷺ أمر بها الأعرابي لما جاءه العَرَق بعد ما أخبره بعسرته. قال بعضهم: فلو كَفَّرَ عنه غيرُه بإذنه، وقيل: أو دونه، فله أخذها، وعنه: لا يأخذها، وأطلق ابن أبي موسى مِنَّا: هل يجوز له أكلُها، أم كان خاصًا بذلك الأعرابي؟ على روايتين (٣). قلت: الذي استقرَّ عليه المذهبُ: أنه إن كَفَّر عنه غيره بإذنه، فله أكلُها، وكذا لو مَلَّكه ما يكفِّر به، جاز له أكلُه مع أهليته، اعتمده في "الإقناع" (٤)، وغيره، واستوجه في "الفروع" احتمال أنه ﷺ رخَّص

стр. 1799

للأعرابي فيه لحاجته، ولم تكن كفارة، ولا تسقط غير هذه الكفارة بالعجز، وكذا كفارة الوطء في الحيض على معتمد المذهب. وقال مالك: لا تسقط الكفارة بالإعسار المقارن (١). والحاصل: أن معتمد مذاهب الأئمة الثلاثة: عدمُ سقوطها، ومعتمد مذهبنا: أنها تسقط، واللَّه أعلم. (قال) الحافظ المصنف (﵀ ورضي عنه-: (الحَرَّةُ): واحدةُ الحرتين في قوله: (يريد يعني بلابتيها: الحرتين). (هي أرض تركبها حجارةٌ سودٌ)؛ لشدة حرّها، ووهج الشمس فيها، وجمعها حِرارٌ، وَحَرَّات (٢). وفي "النهاية": اللابة: الحَرَّةُ، وهي الأرض ذاتُ الحجارة السود التي قد ألبستها لكثرتها، وجمعها لاباتٌ، فإذا كثرت، فهي اللَّابُ، واللُّوبُ، مثل: قارة وقار وقور، وألفها منقلبة عن واو، والمدينة بين حرتين عظيمتين (٣)، واللَّه تعالى الموفق. * * *

стр. 1800

[كتاب] الصوم في السفر وغيره أي: غير الصوم في السفر؛ من قضاء رمضان، والنذر، وتعجيل الفطر، والنهي عن الوصال، ونحو ذلك. اعلم: أن أكثر الفقهاء من أصحاب الشافعي، وأحمد، وغيرهم جعلوا السفرَ نوعين: نوعًا يختصُّ بالسفر الطويل؛ كقصر الصلاة، والفطر في رمضان، والمسح على الخفين ثلاثةَ أيام، والجمع بين الصلاتين، وحدُّوا السفر الطويل بيومين معتدلين بسير الأثقال ودبيب الأقدام (١)؛ كما تقدم في كتاب: الصلاة في القصر. وذكر الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في هذا الباب أحد عشر حديثًا. * * *

стр. 1801

الحديث الأول عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الأَسْلَمِيَّ ﵁ قَالَ للنَّبِيِّ ﷺ : أَصُومُ في السَّفرِ، وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيامِ، قَالَ: "إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وإنْ شِئْتَ فَأَفْطِر" (١). * * *

стр. 1802

(عن عائشةَ) الصدِّيقةِ أُمِّ المؤمنين (﵂: أن حمزةَ بنَ عمرِو) بنِ عُويمر بنِ الحارثِ (الأسلميَّ) نسبة إلى أحد أجداده، وهو أسلمُ بنُ أَفصى (﵁) روى عنه ابنه محمد، وعائشة، وعروة بنُ الزبير، وغيرُهم، مات سنة إحدى وستين وله ثمانون سنة، وهو معدود في أهل الحجاز، روي له تسعة أحاديث، لمسلم منها حديث: أنه كان يصوم الدهر (١). (قال) حمزةُ الأسلميُّ (للنبي ﷺ ): إني (أصومُ في السفر)، وفي لفظ: سألَ رسولَ اللَّه ﷺ عن الصيام في السفر (٢)، (وكان) حمزةُ هذا (كثيرَ الصيام). وفي لفظ آخر عنها: أن حمزة بنَ عمرو الأسلميَّ سأل النبيَّ ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه! إني رجل أَسْرُدُ الصومَ، أفأصومُ في السفر (٣)؟ (قال) ﷺ مجيبًا له: (إن شئتَ فصم، وإن شئتَ فأَفْطِر) -بهمزة قطع-، وعند مسلم من رواية أبي مُراوح، عن حمزة بن عمرو الأسلمي ﵁، قال: يا رسول اللَّه! أجدُ لي قوةً على الصيام في السفر، فهل عليَّ جُناحٌ؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "هي رخصةٌ من اللَّه، فمن أخذَ بها، فحَسَنٌ،

стр. 1803

ومن أحبَّ أن يصومَ، فلا جُناحٌ عليه" (١)، وهذا ربما أشعرَ بأنه سأل عن صيام الفريضة؛ لأن الرخصة إنما تُطْلَق في مقابلة الواجب (٢)، وأصرَحُ من هذا ما رواه أَبو داود، والحاكم من طريق محمد بن حمزة بن عمرو، عن أبيه: أنه قال: يا رسول اللَّه! إني صاحبُ ظهر أعالجه أسافر عليه، [وأكريه] (٣)، وإنه ربما صادفني هذا الشهرُ -يعني: رمضان-، وأنا أجدُ القوة، وأجدني أن أصوم أهون عليَّ من أن أؤخره فيكونَ دَينًا عليّ، فقال: "أيَّ ذلك شِئْتَ يا حمزةُ" (٤). وبهذا تعلم ما في كلام ابن دقيق العيد من القُصور (٥)؛ حيث قال: وربما استدل به من يُجيز صومَ رمضان في السفر، فمنعوا الدلالة من حيث ما ذكرنا؛ يعني: من عدم التصريح بأنه صومُ رمضان من عدم دلالته على كونه صومَ رمضان؛ لأن الحديث بعضُه يفسر بعضًا، وباجتماع طرقه تعلم الدلالة منه (٦)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1804

الحديث الثاني عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ وَلا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ (١). (عن) أبي حمزةَ (أنسِ بنِ مالك ﵁، قال: كنا نسافر مع النبي ﷺ ) في غزواته وحجِّه وعُمَرِه، (فلم يعبِ الصائمُ) من أصحابه الكرام (على المفطِرِ) منهم، (ولا) كان يعيب (المفطرُ على الصائم) منهم، فهذا أصرح في الدلالة على جواز صوم رمضان في السفر من حيث إنه جعل الصوم في السفر عرضة لأن يعاب حتى نفى ذلك بقوله: فلم يعب الصائم

стр. 1805

على المفطر. . . إلخ. وذلك إنما يتأتى في الصوم الواجب، وأما النفلُ، فلا يحسن أن يُعاب على تركه (١). وفيه رد على مَنْ أبطلَ صوم المسافر؛ فإن ترك الصحابة ﵃ الإنكارَ على الصائم يُشعر بأنه من المتعارَف عندهم. وفي حديث أبي سعيد ﵁ عند مسلم: كنا نغزو مع رسول اللَّه ﷺ ، فلا يجدُ الصائمُ على المفطِر، ولا المفطِرُ على الصائم (٢)، يرون من وجدَ قوةً فصامَ، فإن ذلك حسن، ومَن وجد ضَعْفًا فأفطر: أن ذلك حسن، وهذا التفصيل هو المعتمد، وهو رافعٌ للنزاع، قامعٌ للدفاع (٣). وأصرح من هذين الحديثين في الدلالة على جواز الفطر والصوم: * * *

стр. 1806

الحديث الثالث عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁، قَالَ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في شَهْرِ رَمَضَانَ، في حَرٍّ شَديدٍ، حَتَّى إنْ كَانَ أَحَدُنا لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الحَرِّ، وَمَا فينا صَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَة (١). * * * (عن أبي الدَّرْداء) -بفتح الدال المهملة وسكون الراء ثم دال مهملة-، اسمه عُويمر بن عامر، ويقال: ابن قيس بن زيد، من بني كعب ابن الخزرج، الأنصاريِّ الخزرجيِّ، اشتهر بكنيته، والدرداءُ ابنته. تأخر إسلامُه عن أول الهجرة، فكان آخرَ أهلِ داره إسلامًا، وحَسُنَ

стр. 1807

إسلامُه، وكان فقيهًا عالمًا حكيمًا، اختُلف في شهوده أُحدًا، وشهد ما بعدَها، وسكن الشام، وولي قضاء دمشق في خلافة عثمان، ولاه معاويةُ إذ كان أميرًا بها على الأصح والأشهر عند أهل الحديث؛ كما قاله ابن عبد البر، وكان القاضي هو الذي يكون خليفة الأمير إذا غاب. وقيل: إن عمر هو الذي ولاه، وقيل: عثمان، والأميرُ يومئذ معاوية. ومات أَبو الدرداء بها سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: إحدى، وقيل: أربع، وقيل: مات بعد صفين، ودفن هو وزوجته أم الدرداء الصغرى، وهي التابعيةُ التي لها روايةٌ في "الصحيحين"، واشتهارٌ بالعلم والعفة والعقل، واسمها هُجيمة -بضم الهاء وفتح الجيم فياء مثناة تحت ساكنة فميم-، ويقال: جهيم بنت حيي، وقيل: حي، ولما مات، خطبها معاوية، فقالت: لا أتزوجُ زوجًا في الدنيا حتى أتزوج أبا الدرداء في الجنة -إن شاء اللَّه تعالى-. وله قبر مشهور داخل قلعة دمشق، يزار ويتبرك به. وأما زوجته أم الدرداء الكبرى، فهي الصحابية التي كانت عنده قبل الصغرى، واسمها خَيْرَةُ -بفتح الخاء المعجمة وسكون المثناة تحت-، قاله الإمام الحافظ ابن الجوزي، بنتُ أبي حدرد الأسلميةُ. قال الحميدي في آخر "الجمع بين الصحيحين" عن هذه: ليس لها في "الصحيحين" حديث. رُوي لأبي الدرداء عن النبي ﷺ مئة وتسعة وسبعون حديثًا، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بثمانية (١).

стр. 1808

(-رضي اللَّه) تعالى (عنه-، قال) أَبو الدرداء المذكور: (خرجْنا مع رسول اللَّه ﷺ ) في بعض أسفاره، زاد مسلم من طريق سعيد بن عبد العزيز: (في شهر رمضان)، وليس ذلك في غزوة الفتح؛ لأن عبد اللَّه بن رواحةَ المذكورَ في هذا الحديث أنه كان صائمًا استُشهد بمؤتةَ قبل غزوة الفتح بلا خلاف، ولا في غزوة بدر؛ لأن أبا الدرداء لم يكن حينئذ أسلمَ (١). (في حَرٍّ شديد)، ولفظ البخاري: في يوم حارٍّ (حتى إن كان) "إن" مخففة عن الثقيلة، واسمها ضمير الشأن؛ أي: حتى إنه كان (أحدُنا ليضعُ) معشرَ الصحابة الكائنين معه حينئذٍ، وفي لفظ البخاري: حتى يضع الرجل (يده على رأسه من شدة الحرِّ) الحاصل حينئذ، (وما فينا)، أي: والحال أنه لم يكن فينا حينئذٍ (صائمٌ إلا رسولُ اللَّه ﷺ ، وعبدُ اللَّه بن رواحة)، أي: عبد اللَّه، وهذا يُعيِّن كونَ تلك السفرة غيرَ غزوة الفتح؛ لأن الذين استمروا على الصيام من الصحابة في الفتح كانوا جماعة، وفي هذه ابن رواحة وحده، ولأن ابن رواحة لم يكن يوم الفتح؛ لأنه استُشهد قبلُ؛ كما أشرنا إليه آنفًا (٢).

стр. 1809

ووجه الدلالة من هذا الحديث ظاهرة؛ إذ لو لم يكن الصوم والفطر كلٌّ منهما جائزًا مباحًا في السفر، لما صام رسولُ اللَّه ﷺ وابنُ رواحة، وأفطرَ الصحابةُ (١). قال العلامة ابن مفلح في "فروعه": للمسافر الفطرُ إجماعًا، وهو مَنْ له القصرُ وفاقًا، وإن صامه، أجزأه، نقله الجماعة؛ وفاقًا، وقيل: لا؛ لقوله ﷺ : "ليسَ مِنَ البِرِّ الصِّيامُ في السَّفَرِ" (٢)، وعمرُ وأبو هريرةَ يأمرانِه بالإعادة، وقاله الظاهرية، ويروى عن ابن عوف، وابن عمر، وابن عباس ﵃، والسنة الصحيحة تردُّ هذا القول. وسأل إسحاقُ بنُ إبراهيمَ الإمامَ أحمدَ عن الصوم في السفر لمن قويَ، فقال: لا يصوم. وحكاه صاحب "المحرر" عن الأصحاب، قال: وعندي: لا يكره إذا قوي عليه، واختاره الآجري. وظاهر كلام ابن عقيل في "مفرداته"، وغيره: لا يُكره الصوم، بل تركُه أفضل. ومعتمد المذهب: يُسن للمسافر الفطرُ، ويكره له الصوم، ولو لم يجد له مشقة، ويجزيه. وليس للمسافر -وكذا المريض- أن يصوم في رمضان عن غيره؛ وفاقًا لمالك، والشافعي؛ كالمقيم الصحيح؛ وفاقًا، فيقع صومُ المسافر، وكذا المريض في رمضان عن غيره باطلًا؛ وفاقًا لمالك، والشافعي.

стр. 1810

ومذهب أبي حنيفة: يجوز عن واجبٍ للمسافر، ولأصحابه خلاف في المريض؛ لأنه لا يخير، بل إن تضرر، لزمه الفطر، وإلا، لزمه الصوم. والأصحُّ عن أبي حنيفة: لا يصح النفل. ومن نوى الصوم في سفره، فله الفطر، وفاقًا، فعلى هذا: لا كفارة بالجماع؛ وفاقًا لأبي حنيفة، والشافعي. وعن مالك رواية: عليه الكفارة. نعم، له الجماع بعد فطره بغيره؛ كفطره بسبب مباح، مع أن مذهبه أن الأكل والشرب كالجماع. ومن نوى الصوم، ثم سافر في أثناء اليوم طوعًا أو كرهًا، فالأفضلُ عدمُ الفطر، وله الفطرُ، لظاهر الآية، والأخبار الصريحة، وعنه: لا يجوز، وهو مذهب الثلاثة، ووافق المدنيون من أصحاب مالك إمامَنا على جواز الفطر، واللَّه تعالى الموفق (١). * * *

стр. 1811

الحديث الرابع عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: "مَا هَذَا؟ "، قَالُوا: صَائِمٌ، فَقَالَ: "لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ في السَّفَرِ" (١). وَلِمُسْلِمٍ: "عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ" (٢).

стр. 1812

(عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّه ﵄، قال: كان رسولُ اللَّه ﷺ في سفر) من أسفاره، وهو غزوة الفتح كما في الترمذي (١)، وكانت في رمضان في الثامنة، أو غزوة تبوك كما رواه الشافعي (٢)، (فرأى) ﵇ (زحامًا) -بكسر الزاي-: اسمٌ للزحمة، والمراد هنا: الوصف المحذوف؛ أي: فرأى قومًا مزدحمين (٣)، (و) رأى (رجلًا) قيل: هو أَبو إسرائيل العامريُّ، واسمه قيس، كذا في "القسطلاني شرح البخاري" (٤)، وحاشية العلقمي على "الجامع الصغير". وقال البرماوي في "شرح الزهر البسام": قال بعضهم: هذا أَبو إسرائيل رجل من الأنصار. قال الخطيب، وابن الأثير: قيل: اسم أبي اسرائيل يُسَيْر -بضم المثناة

стр. 1813

تحت وفتح السين المهملة ثم مثناة تحت وآخره راء-. وقال الحافظُ عبد الغني بن سعيد: اسمه قيصر -بفتح القاف وسكون المثناة تحت وفتح الصاد المهملة ثم راء-. قال: وليس في الصحابة من يشاركه في كنيته ولا في اسمه. قال البرماوي: كأن من فسر الرجل هنا بأبي إسرائيل أخذه مما ذكروه في حديث: أن رجلًا نذر ألَّا يتكلم، وأن يقف للشمس، وأَلَّا يستظلَّ، الحديث (١)، من أن هذا الرجل هو أَبو إسرائيل كما قاله الخطيب، وابن عبد البر، وابن الأثير، وغيرهم هناك. وقال عبد الغني: لا يعرف إلا في هذا الحديث. وقال ابن بشكوال: هو أَبو إسرائيل الفهري، واسمه يسير (٢)، كذا في "المنتقى" لابن الجارود (٣). وقال أَبو عمر: أسير، انتهى. وكأن هذا الذي نقله عن أبي عمر في غير "الاستيعاب"، وأما فى "الاستيعاب"، فلم يزد على أن قال: قيل: اسمه يسير (٤). وبالجملة: فظنَّ مَنْ فَسَّرَ مَنْ ظُلِّلَ عليه في السفر بأبي إسرائيل أن الواقعتين واحدة، والظاهر أنهما قضيتان، لا تعلُّق لإحداهما بالأخرى؛ لأن مدار الحديث على جابر، وساقه في الصوم في السفر، وقد روي أن

стр. 1814

قضية جابر كانت في الفتح على ما في الترمذي، أو في تبوك كما رواه الشافعي، وكانت بعدما أضحى النهار، والحديث الثاني رواه مرفوعًا على ابن عباس، ومرسَلًا على حُميدِ بن قيس المكي الأعرج، وثورِ بن زيدٍ الديليِّ المدنيِّ. فأما حديث ابن عباس، ففي البخاري، وأبي داود: بينما رسولُ اللَّه ﷺ يخطب، إذا هو برجل قائم، فسأل عنه، فقالوا: أَبو إسرائيل نذرَ أن يقوم في الشمس، ولا يقعد، ويصومَ ولا يفطر، ولا يستظل ولا يتكلم، فقال رسول اللَّه ﷺ : "مُروهُ فَلْيَسْتَظِلَّ، ولْيَقْعُدْ، ولْيَتَكَلَّمْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ" (١). وأما حديثُ حُميد، وثورٍ، فأخرجه مالك في "الموطأ": رأى رجلًا قائمًا في الشمس، الحديث (٢). فالظاهر من سياق ذلك أنه كان في الحضَر؛ بدليل قوله: وهو يخطب، وأيضًا ساقه في نذر ما لا يجوز، ومع تمام التأمل تعرف المغايرة بين الحديثين من عدة أوجه، واللَّه تعالى أعلم. (قد ظُلِّلَ عليه)؛ أي: فجُعل عليه شيءٌ يظله من الشمس لما حصل له؛ يعني: جُعل عليه شيء من شدة العطش وحرارة الصوم، وقوله: ظُلِّلَ -بضم الظاء مبنيًا للمفعول-، والجملة حالية (٣)، (فقال) ﵊: (ما هذا؟)، وللنسائي: "ما بالُ صاحِبِكُم هذا؟ " (٤)، فـ (قالوا)؛

стр. 1815

أي: مَن حضرَ من الصحابة، ولابن عساكر: قالوا -بإسقاط الفاء- (١): (صائمٌ) خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هذا، أو هو صائم، (فقال) ﵇: (ليسَ مِنَ البِرِّ) -بكسر الباء-؛ أي: ليس من الطاعة والعبادة (الصَّومُ في السَّفَر) إذا بلغ بالصائم هذا المبلغ من المشقة، ولا حجة فيه لبعض الظاهرية القائلين بعدم انعقاد الصوم في السفر؛ لأنه عام خرج على سبب، فإن قيل بخصوصه، فلا حجة فيه، وإلا، حمل على مَنْ حالُه مثلُ حال الرجل، وبلغَ به ذلك المبلغَ (٢). وحديث ابن عباس ﵄: أن رسول اللَّه ﷺ خرج إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ الكَدِيدَ؛ أي: -بفتح الكاف وكسر الدال الأولى-: موضعٌ بينه وبين المدينة سبع مراحِل أو نحوها، وبينه وبين مكة نحو مرحلتين (٣)، أفطرَ، فأفطر الناسُ، متفق عليه (٤). وفي "البخاري" عنه: أن رسول اللَّه ﷺ خرج في رمضان من المدينة، ومعه عشرةُ آلاف، وذلك على رأس ثمان سنين ونصفٍ من مقدَمِهِ المدينةَ، فسار بمن معه من المسلمين إلى مكة، يصوم ويصومون حتى بلغ كديد، وهو ماء بين عسفان وقديد، أفطر، وأفطروا (٥).

стр. 1816

وفي "الصحيحين" عنه ﵁، قال: فصام رسول اللَّه ﷺ ، [وأفطر، فمن شاء صام] (١)، ومَنْ شاء أفطر (٢). وفيهما عنه، قال: لا تَعِبْ على من صام، ولا على من أفطر، قد صام رسولُ اللَّه ﷺ وأفطر (٣). فائدة: قال الزركشي، وتبعه صاحب "جمع العدة لفهم العمدة" (٤): "من" في قوله ﷺ "ليسَ منَ البِرِّ" زائدة لتأكيد النفي، وقيل: للتبعيض، وليس بشيء، وتعقبه البدر الدماميني، فقال: هذا عجيب؛ لأنه أجاز ما المانعُ منه قائمٌ، ومنعَ ما لا مانع منه، وذلك أن من شروط زيادة "من" أن يكون مجرورها نكرة، وهو في الحديث معرفة، وهذا هو المذهبُ المعوَّلُ عليه، وهو مذهب البصريين؛ خلافًا للأخفش والكوفيين، وأما كونها للتبعيض، فلا يظهر لمنعه وجهٌ؛ إذ المعنى: أن الصوم في السفر ليس معدودًا من أنواع البر، وأما رواية: "ليسَ من امْبِرِّ امْصيام في امسفر" -بإبدال اللام ميمًا في لغة أهل اليمن-، فهي في "مسند الإمام أحمد" (٥). قال السخاوي في "شرح المفصل" في هذا الحديث: يجوز أن يكون

стр. 1817

النبي ﷺ تكلم بذلك لمن هذه لغته، أو تكون هذه لغة الراوي التي لا ينطق بغيرها؛ لا أنَّ النبي ﷺ أبدلَ اللام ميمًا. قال الأزهري: والوجه أَلَّا تثبت الألف في الكتابة؛ لأنها ميم جعلت كالألف واللام (١). (ولـ) لإمام (مسلم) في "صحيحه" في هذا الحديث: قال شعبة: وكان يبلغني من يحيى بن أبي كثير: أنه كان يزيد: أنه ﷺ قال: (عليكم برُخْصة اللَّهِ التي رخص لكم). تقدم تعريف الرخصة، وأنها ما ثبتَ على خلافِ دليلٍ شرعي لمعارضٍ راجح، وفي هذا دليل على استحباب التمسك بالرخصة إذا دعت الحاجة إليها، ولا يمشي مع النفس على وجه التشديد والتنطع والتعمق (٢)، فربما كان ذلك من دسائسها الخفية، وآفاتها المخفية، واللَّه الموفق. * * *

стр. 1818

الحديث الخامس عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: "كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي السَّفَر، فَمِنَّا الصَّائِمُ، ومنَّا المُفْطِرُ، قَالَ: فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ، وَأَكْثَرُنَا ظِلًّا صَاحِبُ الكِسَاءِ، فَمِنَّا مَنْ يَتَّقِي الشَّمْسَ بيَدِهِ، قَالَ: فَسَقَطَ الصُّوَّامُ، وقَامَ المُفْطِرُونَ، فَضَرَبُوا الأَبْنِيَةَ، وَسَقَوُا الرِّكَابَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالأَجْرِ" (١). * * * (عن) أبي حمزةَ (أنسِ بنِ مالك) الأنصاريِّ (﵁، قال: كنا مع النبي ﷺ في السفر) دون الحضر، يحتمل أنه في غزوة تبوك، أو

стр. 1819

الفتح، (فمنا) معشرَ أصحابه (الصائمُ، ومنا المفطرُ). (قال) أنس ﵁: (فنزلنا منزلًا) من منازل ذلك السفر (في يوم حار)؛ أي: شديد الحر، (وأكثرُنا ظِلًّا) يومئذ (صاحبُ الكساء) الجملة حالية، والكساء -بالكسر-: إزار غليظ، وهو الخميصة، وقال أَبو عبيد: الخميصة: كساء مربَّع له عَلَمان، قيل: [و] كساء رقيق من أي لون كان، وقيل: لا تسمى خميصة حتى تكون سوداء معلمة، والجمع أكسية (١)، (فمنا)، وفي ثسخة: "ومنا" (٢) (من يتقي الشمسَ بيده)؛ لعدم ما يتقي حرَّها به سوى يديه. وفيه دليل: على جواز فطر المسافر وصومه -كما مر-. فيه: إشعارٌ بما كانوا عليه من الضيق، وعدمِ التوسُّع في الملابس. (قال) أنس ﵁: (فسقط الصُّوَّامُ) جمع صائم؛ لشدة ما بلغهم من حر الشمس وحرارة الصوم، (وقام المفطرون)؛ لفضل قُوَّتهم، (فضربوا الأبنية) من الخيام والقباب (وسقوا الركاب) من الإبل وغيرها. (فقال رسول اللَّه ﷺ : ذهب المفطِرون اليومَ بالأجر) العظيمِ؛ لما قاموا به من الخدمة والعمل المتعدي نفعُه. وفيه دليل على أنه إذا تعارضت المصالح، قُدِّم أولاها وأقواها. قال ابن دقيق العيد: قوله ﵇: "ذهب المفطِرون اليومَ بالأجر" فيه وجهان:

стр. 1820

أحدهما: أن يراد أجرُ تلك الأفعال التي فعلوها، والمصالحِ التي جرت على أيديهم، ولا يراد مطلقُ الأجر على سبيل العموم. والثاني: أن يكون أجرهم بلغ في الكثرة بالنسبة إلى أجر الصوام مبلغًا ينغمر فيه أجرُ الصوم، فتحصل المبالغةُ بسبب ذلك، ويجعل كأن الأجر كله للمفطر، وهذا قريب مما يقوله بعض الناس في إحباط الأعمال الصالحة ببعض الكبائر من أن ثواب ذلك العمل يكون مغمورًا جدًا بالنسبة إلى ما يحصل من عقاب الكبيرة، فكأنه كالمعدوم المحبط، وإن كان الصوم هاهنا ليس من المحبَطات، غير أن المقصود إنما هو التشبيهُ في أن ما قَلَّ جدًا قد يُجعل كالمعدوم مبالغةً، ونظير هذا في الحسيات ما يحصل من الألم بمعاطاة الأدوية الكريهة لإزالة الأمراض العظيمة؛ فإن ألم الدواء يقع مغمورًا بما ينشأ عنه من صحة الجسد، ودفعِ تلك الأمراض الوخيمة، واللَّه أعلم (١). ولفظ البخاري عن أنس ﵁: كنا مع النبي ﷺ أكثرُنا ظلًّا الذي يستظل بكسائه، فأما الذين صاموا، فلم يعملوا شيئًا، وأما الذين أفطروا، فبعثوا الركاب، وامتهنوا وعالجوا، فقال ﷺ : "ذهب المفطرون"، فذكره، وليس المراد نقصَ أجر الصوام، بل المراد أن المفطرين حصل لهم أجرُ عملهم، ومثلُ أجر الصوام بتعاطيهم أشغالَهم وأشغالَ الصوام، فلذلك قال: بالأجر كله؛ لوجود الصفات المقتضية لتحصيل الأجر منهم. قال ابن أبي صفرة: أجر الخدمة في الغزو أعظمُ من أجر الصيام (٢).

стр. 1821

وقال القرطبي: يعني: أنهم لما قاموا بوظائف ذلك الوقت، وما يحتاج إليه [فيه]، كان أجرهم على ذلك أكثر من أجر من صام ذلك اليوم، ولم يقم بتلك الوظائف (١). وفيه: الحضُّ على المعاونة في الجهاد، وعلى أن الفطر في السفر أولى من الصيام؛ كما قدمنا. وفيه: أن الصيام في السفر جائز؛ خلافًا لمن زعم أنه لا ينعقد (٢)، وتقدم ذلك، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1822

الحديث السادس عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلَّا فِي شَعْبَانَ (١). * * * (عن) أمِّ المؤمنينَ (عائشةَ) الصديقةِ (﵂، قالت: كان

стр. 1823

يكونُ عَليَّ الصوم من رمضان)، وكررت الكون؛ لتحقيق القضية وتعظيمها، والتقدير: كان الشأن يكون كذا، والتعبير بلفظ الماضي في الأول، والمضارع في الثاني؛ لإرادة الاستمرارِ، وتكررِ ذلك الفعل منها ﵂ (١)، (فما أستطيع أن أقضي) ما فاتني من رمضان بسبب الحيض، أو غيره من الأعذار المبيحة للفطر (إلا في شعبان). زاد في رواية: الشُّغْلُ من رسول اللَّه ﷺ (٢). قال شراح "البخاري"، وغيرُهم: الشغلُ -بالرفع-: فاعلٌ لفعل محذوف؛ أي: قالت عائشة: يمنعني الشغلُ؛ أي: أوجبَ ذلك الشغلُ، أو يكون مبتدأ محذوف الخبر؛ أي: الشغلُ هو المانع لها من أجل النبي ﷺ ، أو بالنبي ﵊ (٣). وفي "البخاري": قال يحيى بن سعيد الأنصاري: الشغل من النبي ﷺ ، أو بالنبي (٤)؛ لأنها كانت مهيئة نفسَها له ﷺ ، مترصدة لاستمتاعه في جميع. أوقاتها إن أراد ذلك، وأما في شعبان، فإنه ﷺ كان يصومه، فتتفرغ عائشةُ فيه لقضاء صومها (٥). وفي لفظ مسلم: فما تقدر أن تقضيه مع رسول اللَّه ﷺ (٦)، فهو نص في كونه من قولها.

стр. 1824

وصرح البخاري بأنْه مدرَجٌ من قول يحيى؛ كما أشرنا إليه. واعترض بعضهم على كونه نصًا: بأن ليس فيه تصريح بأنه من قولها، فالاحتمالُ باقٍ. وقد كان ﵊ له تسعُ نسوة يقسم لهنَّ، ويعدل، فما تأتي نوبةُ الواحدة إلا بعد ثمانية أيام، فكان يمكنها أن تقضي في تلك الأيام. وأجيب عن هذا: بأنه ﷺ لم يكن القسم واجبًا عليه، فهن يتوقعن حاجته في كل الأوقات (١)، مع أن ظاهر كلام علمائنا: أنه ﷺ في وجوب القسم كغيره، وهو الصحيح عند الشافعية. وقال الإمام الحافظ ابن الجوزي: لا يجب عليه، مستدلًا بقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ الآية [الأحزاب: ٥١]. قال: فإنها نزلت مبيحةً لترك ذلك، وعلى المعتمد: فيحتمل أن يجاب بأنها كانت لا تصوم إلا بإذنه، ولم يكن يأذنُ؛ لاحتمال احتياجه إليها، فإذا ضاق الوقت، أذن لها (٢). وفي هذا الحديث: جوازُ تأخير قضاء رمضان، وأنه موسَّع الوقت، وقد يؤخذ منه أنه لا يؤخَّر عن شعبان حتى يدخل رمضانُ ثانٍ (٣). فإن أخره بلا عذر إلى رمضان ثانٍ، حرم عليه؛ وفاقًا، نص عليه الإمام أحمد، واحتج بهذا الحديث، وعليه أن يطعم عن كل يوم مسكينًا؛ وفاقًا

стр. 1825

لمالك، والشافعي، ورواه سعيد بإسناد جيد عن ابن عباس، ورواه الدارقطني عن أبي هريرة، وقال: إسنادٌ صحيح (١)، ورواه مرفوعًا بإسناد ضعيف (٢)، وذكره غيرُه عن جماعة من الصحابة (٣). وفي "البخاري": ويذكر عن أبي هريرة مرسلًا، وعن ابن عباس: أنه يطعم (٤). قال الماوردي: قد أفتى بالإطعام ستةُ من الصحابة لا مخالفَ لهم، انتهى. فمنهم: أَبو هريرة، وابن عباس؛ كما مر، وعمر بن الخطاب، ذكره عبد الرزاق. وإن أَخَّر القضاء بعدَ رمضان ثانٍ، فأكثرَ، لم يلزمه لكل سنة فديةٌ؛ لأنه إنما لزمه لتأخيره عن وقته، ولقول الصحابة في ذلك وفعلِهم. وللشافعية وجهان (٥). قلت: أصحُّهما عندهم: يلزمه. والحاصل: جوازُ تأخير قضاء رمضان ما لم يدركه رمضان ثانٍ، لكن عند أكثر الشافعية: إن أفطر بسبب محرم، حرم التأخير. وأوجب داود الظاهري المبادرةَ في أول يومٍ بعد العيد. وهل يجب العزم على فعله؟
следующие страницы →