← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

وقال القرطبي: يعني: أنهم لما قاموا بوظائف ذلك الوقت، وما يحتاج إليه [فيه]، كان أجرهم على ذلك أكثر من أجر من صام ذلك اليوم، ولم يقم بتلك الوظائف (١). وفيه: الحضُّ على المعاونة في الجهاد، وعلى أن الفطر في السفر أولى من الصيام؛ كما قدمنا. وفيه: أن الصيام في السفر جائز؛ خلافًا لمن زعم أنه لا ينعقد (٢)، وتقدم ذلك، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1822

الحديث السادس عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلَّا فِي شَعْبَانَ (١). * * * (عن) أمِّ المؤمنينَ (عائشةَ) الصديقةِ (﵂، قالت: كان

стр. 1823

يكونُ عَليَّ الصوم من رمضان)، وكررت الكون؛ لتحقيق القضية وتعظيمها، والتقدير: كان الشأن يكون كذا، والتعبير بلفظ الماضي في الأول، والمضارع في الثاني؛ لإرادة الاستمرارِ، وتكررِ ذلك الفعل منها ﵂ (١)، (فما أستطيع أن أقضي) ما فاتني من رمضان بسبب الحيض، أو غيره من الأعذار المبيحة للفطر (إلا في شعبان). زاد في رواية: الشُّغْلُ من رسول اللَّه ﷺ (٢). قال شراح "البخاري"، وغيرُهم: الشغلُ -بالرفع-: فاعلٌ لفعل محذوف؛ أي: قالت عائشة: يمنعني الشغلُ؛ أي: أوجبَ ذلك الشغلُ، أو يكون مبتدأ محذوف الخبر؛ أي: الشغلُ هو المانع لها من أجل النبي ﷺ ، أو بالنبي ﵊ (٣). وفي "البخاري": قال يحيى بن سعيد الأنصاري: الشغل من النبي ﷺ ، أو بالنبي (٤)؛ لأنها كانت مهيئة نفسَها له ﷺ ، مترصدة لاستمتاعه في جميع. أوقاتها إن أراد ذلك، وأما في شعبان، فإنه ﷺ كان يصومه، فتتفرغ عائشةُ فيه لقضاء صومها (٥). وفي لفظ مسلم: فما تقدر أن تقضيه مع رسول اللَّه ﷺ (٦)، فهو نص في كونه من قولها.

стр. 1824

وصرح البخاري بأنْه مدرَجٌ من قول يحيى؛ كما أشرنا إليه. واعترض بعضهم على كونه نصًا: بأن ليس فيه تصريح بأنه من قولها، فالاحتمالُ باقٍ. وقد كان ﵊ له تسعُ نسوة يقسم لهنَّ، ويعدل، فما تأتي نوبةُ الواحدة إلا بعد ثمانية أيام، فكان يمكنها أن تقضي في تلك الأيام. وأجيب عن هذا: بأنه ﷺ لم يكن القسم واجبًا عليه، فهن يتوقعن حاجته في كل الأوقات (١)، مع أن ظاهر كلام علمائنا: أنه ﷺ في وجوب القسم كغيره، وهو الصحيح عند الشافعية. وقال الإمام الحافظ ابن الجوزي: لا يجب عليه، مستدلًا بقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ الآية [الأحزاب: ٥١]. قال: فإنها نزلت مبيحةً لترك ذلك، وعلى المعتمد: فيحتمل أن يجاب بأنها كانت لا تصوم إلا بإذنه، ولم يكن يأذنُ؛ لاحتمال احتياجه إليها، فإذا ضاق الوقت، أذن لها (٢). وفي هذا الحديث: جوازُ تأخير قضاء رمضان، وأنه موسَّع الوقت، وقد يؤخذ منه أنه لا يؤخَّر عن شعبان حتى يدخل رمضانُ ثانٍ (٣). فإن أخره بلا عذر إلى رمضان ثانٍ، حرم عليه؛ وفاقًا، نص عليه الإمام أحمد، واحتج بهذا الحديث، وعليه أن يطعم عن كل يوم مسكينًا؛ وفاقًا

стр. 1825

لمالك، والشافعي، ورواه سعيد بإسناد جيد عن ابن عباس، ورواه الدارقطني عن أبي هريرة، وقال: إسنادٌ صحيح (١)، ورواه مرفوعًا بإسناد ضعيف (٢)، وذكره غيرُه عن جماعة من الصحابة (٣). وفي "البخاري": ويذكر عن أبي هريرة مرسلًا، وعن ابن عباس: أنه يطعم (٤). قال الماوردي: قد أفتى بالإطعام ستةُ من الصحابة لا مخالفَ لهم، انتهى. فمنهم: أَبو هريرة، وابن عباس؛ كما مر، وعمر بن الخطاب، ذكره عبد الرزاق. وإن أَخَّر القضاء بعدَ رمضان ثانٍ، فأكثرَ، لم يلزمه لكل سنة فديةٌ؛ لأنه إنما لزمه لتأخيره عن وقته، ولقول الصحابة في ذلك وفعلِهم. وللشافعية وجهان (٥). قلت: أصحُّهما عندهم: يلزمه. والحاصل: جوازُ تأخير قضاء رمضان ما لم يدركه رمضان ثانٍ، لكن عند أكثر الشافعية: إن أفطر بسبب محرم، حرم التأخير. وأوجب داود الظاهري المبادرةَ في أول يومٍ بعد العيد. وهل يجب العزم على فعله؟

стр. 1826

قال ابن عقيل في "الفصول" في الصلاة: لا ينتفي إلا بشرط العزم على الفعل في ثاني الوقت، قال: وكذا كل عبادة متراخية (١). وقال في "شرح مسلم": الصحيح عند محققي الفقهاء، وأهل الأصول فيه وفي كل واجب موسَّع: إنما يجوز تأخيره بشرط العزم على فعله (٢)، وجزمَ بهذا خاتمةُ المحققين الشيخ مرعي في "غايته" (٣). وعن علي، وابن عمر، والحسن، والشعبي: يجبُ التتابع في قضاء رمضان، وكذا قال داود، والظاهرية: يجب، ولا يشترط للصحة؛ كأدائه. وقال الطحاوي: لا فضلَ للتتابع على التفريق (٤)، والمعتمد: يندب التتابع كالفورية، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1827

الحديث السابع عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ مَاتَ وعَلَيْهِ صِيَامٌ، صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ" (١). وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ: هَذَا فِي النَّذْرِ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ (٢). * * * (عن عائشة) أم المؤمنين (﵂: أن رسولَ اللَّه ﷺ قال: من مات) قال في "الفتح": عام في المكلفين؛ لقرينة (وعليه صيام) الواو

стр. 1828

للحال، (صامَ عنه وليُّه) خبر بمعنى الأمر، تقديره: فليصمْ عنه وليُّه (١)، ولو بغير إذنه، أو أجنبيٌّ بالإذن عن الميت قبل موته، أو من القريب، بأجرة أو دونها، وهذا قول الشافعي في القديم، ومال إليه من علمائنا صاحبُ "النظم"، فقال: لو قيل: لم أُبْعِدْ، وهو قول طاوس، وقتادة، ورواية عن الحسن، والزهري، ومذهب أبي ثور، وداود؛ لهذا الحديث (٢)، ولم ير ذلك الجمهور، وبالغ إمامُ الحرمين من الشافعية ومن تبعه، فادعوا الإجماعَ على ذلك، مع أنها مسألة مختلَف فيها، حتى إن الإمام الشافعي ذهب إليه في القديم. وأجاز الصيامَ عن الميت أصحابُ الحديث. وقال البيهقي في "الخلافيات": هذه السنة ثابتة، لا أعلم بينَ أهل الحديث في صحتها خلافًا، فوجب العملُ بها. ومذهبُ الشافعي في الجديد كمالك وأبي حنيفة: لا يُصام عن الميت. وقال الإمام أحمد، والليث، وإسحاق، وأبو عبيد: لا يُصامُ عنه إلا النذرُ (٣)، ولهذا قال الحافظ المصنف: (وأخرجه)؛ أي: حديثَ عائشةَ هذا (أَبو داود) وغيره؛ يعني: مع كونه من متفق الشيخين، فقول ابن دقيق العيد: ليس هذا الحديث مما اتفق الشيخان على إخراجه (٤)، ذهولٌ (٥).

стр. 1829

(وقال) أَبو داود بعد إخراجه لهذا الحديث: (هذا)؛ أي: صوم الولي عن الميت مختصٌّ وجوبُه عليه، وجوازه منه (في) صوم (النذر)، فمعتمد المذهب: أن من مات وعليه صوم منذور في الذمة، ولم يصم منه شيئًا مع إمكانه، ففُعِلَ عنه، أجزأ عنه، فإن لم يخلف تركةً، لم يلزم الوليّ شيءٌ، لكن يُسن له فعله عنه بنفسه؛ لتفرغ ذمته؛ كقضاء دينه، وإن خلف تركة، وجب، فيفعله الولي بنفسه استحبابًا، فإن لم يفعل، وجب أن يدفع من تركته إلى من يصوم عنه عن كل يوم طعامَ مسكين، ويجزىء فعلُ غيره عنه بإذنه وبدونه، وإن مات وقد أمكنه صومُ بعضِ ما نذره، قضى عنه ما أمكنه صومُه فقط، ويجزىء صومُ جماعة عنه في يوم واحد عن عدتهم من الأيام. وأما لو نذرَ صومَ شهر بعينه، فمات قبل دخوله، لم يُصَم، ولم يُقْضَ عنه. قال المجد: وهو مذهب سائر الأئمة، ولا أعلم فيه خلافًا. وإن مات في أثنائه، سقط باقيه، هذا تحرير المذهب (١).

стр. 1830

قال أَبو داود ﵁: (وهو)؛ أي: حمل حديث عائشة في وجوب الصوم عن الميت على المنذور (قولُ) سيدِنا الإمام (أحمدَ) بن محمد (بنِ حنبلٍ) ﵁، وكذا هو مذهب مَنْ وافقه من الأئمة؛ كالليث بن سعد، وإسحاق بن راهويه ﵄، فحملوا العمومَ الذي في حديث عائشة على المقيد في حديث ابن عباس ﵄ كما يأتي في الحديث الآتي، يؤيد هذا: أن عائشة ﵂ سُئلت عن القضاء عمن مات وعليه من رمضان صيام، أيقضى عنه؟ قالت: لا، بل يطعم. رواه سعيد بإسناد جيد، وكذا قال ابن عباس، وأنه إن نذر، قضى عنه وليه، فالراوي أعلم بما روى (١). قال في "الفروع" فيمن عليه قضاء رمضان: إن أخر القضاء حتى مات، فإن كان لعذر، فلا شيء عليه، نص عليه؛ وفاقًا، ولغير عذر، فمات، ولو قبل أن يدركه رمضان آخر، أُطعم عنه لكل يوم مسكين، ولا يُصام عنه؛ لأن الصوم الواجب بأصل الشرع لا يُقضى عنه (٢). تتمة: أَبو داود هو صاحب "السنن"، اسمه سليمانُ بنُ الأشعث بنِ إسحقَ بنِ بَشير -بفتح الموحدة-، الأزديُّ السجستانيُّ؛ نسبةً إلى إقليم من خراسان، وهو إقليم لبلاد الهند، ووهم ابن خلكان فقال: سجستان قريةٌ من قرى البصرة، انتهى. وهو -بكسر السين المهملة-، وربما ينسب إليها: سِجْزِيّ، على غير قياس، أو لأن الإقليم يسمى سجزًا، على الخلاف في ذلك، قاله البرماوي.

стр. 1831

وأبو داود أحدُ الأئمة الأعلام، وحفاظ الأنام، ومصنف أحد الكتب الستة المشهورة في الإسلام، مناقبه كثيرة، وأخباره شهيرة. ولد سنة اثنتين ومئتين، وقدم بغداد مرارًا، ثم نزل إلى البصرة وسكنها. قال ابن خلكان: كان أَبو داود في الدرجة العالية من النُّسك والصلاح، طاف البلاد، وكتب عن العراقيين والخراسانيين والشاميين والمصريين والجزريين، وجمع كتابَ "السنن" قديمًا، وعرضه على الإمام أحمد بن حنبل ﵁، فاستجادَه، واستحسنه. قال: وعدَّه الشيخ أَبو إسحاق الشيرازي في "طبقات الفقهاء" من جملة أصحاب الإمام أحمد بن حنبل. قلت: هو أحدُ نَقَلَة مذهب الإمام أحمد، بل من أَجَلِّ نقلته؛ كحرب الكرماني، وأبي بكر المروذي، والأثرم، وغيرهم من الأئمة. وقال إبراهيم الحربي: لما صنف أَبو داود كتاب "السنن": أُلين لأبي داود الحديثُ كما أُلين لداودَ الحديدُ. وكان أَبو داود يقول: كتبت عن رسول اللَّه ﷺ خمس مئة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب -يعني: "السنن"-، جمعت فيه أربعة آلاف وثمان مئة حديث، ذكرت الصحيحَ وما يشبهه ويقاربه، ويكفي الإنسانَ لدينه من ذلك أربعةُ أحاديث: أحدها: قوله ﷺ : "الأعمالُ بالنيات" (١). والثاني: قوله: "مِنْ حُسْنِ إسلامِ المرءِ تَرْكُه ما لا يَعْنيه" (٢).

стр. 1832

والثالث: قوله: "لا يَكونُ المؤمنُ مؤمنًا حتى يَرْضى لأخيهِ ما يرضاهُ لنفسِه" (١). والرابع: قوله: "الحلال بيّن والحرام بيّن"، الحديث (٢). وجاءه سهلُ بنُ عبدِ اللَّه التُّسْتَرِيُّ ﵀ زائرًا، فرحب به، وأجلسه، فقال: يا أبا داود! لي إليك حاجة، قال: وما هي؟ قال: حتى تقولَ: قضيتُها، قال: قضيتُها مع الإمكان، قال: أخرجْ لي لسانَك الذي حدثتَ به عن رسول اللَّه ﷺ حتى أُقَبِّلَه، قال: فأخرجَ لسانَه فَقَبَّلَه (٣). وذكر الحافظُ ابنُ حجر في كتابه "الفتح": أن ابنَ عبدِ البر أخرج بسند جيد عن أبي داود هذا ﵁: أنه كان في سفينة، فسمع عاطسًا على الشط حَمِدَ، فاكترى قاربًا بدرهم حتى جاء إلى العاطس، فَشَمَّته، ثم رجع، فسئل عن ذلك، فقال: لعله يكون مُجابَ الدعوة، فلما رقدوا، سمعوا قائلًا يقول: يا أهل السفينة! إن أبا داود اشترى الجنةَ من اللَّه بدرهم (٤). قال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: اتفق العلماء على وصف أبي داود بالحفظ والإتقان، والورع والعفاف، ومعرفتِه بعللِ الحديث.

стр. 1833

وقال أَبو العلاء الحسن الداودي: رأيت النبي ﷺ في المنام، فقال: "من أرادَ أن يستمسكَ بالسنن، فليقرأ كتابَ أبي داود". ومناقبُه لا تحصر ﵁. توفي بالبصرة يوم الجمعة منتصفَ شوال سنة خمس وسبعين ومئتين، وعمره ثلاث وسبعون سنة (١)، وكان ولده أَبو بكر عبدُ اللَّه بنُ أبي داود من أكابر الحفاظ، وفحولِ علماء المذهب، عالمًا متقنًا، متفقًا عليه، إمامًا، وله كتاب "المصابيح"، وشارك أباه في أكثر شيوخه بمصر والشام، وسمع ببغداد وخراسان وأصبهان وشيراز، وتوفي سنة ست عشرة وثلاث مئة ﵀، ورضي عنه- (٢). * * *

стр. 1834

الحديث الثامن عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أُمِّي ماتَتْ، وَعَلَيها صَوْمُ شَهْرٍ، أَفأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ فَقَالَ: "لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْنٌ، أَكُنْتَ قَاضِيَهُ عَنْهَا؟! "، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى" (١). وَفِي رِوَايَةٍ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟، فَقَالَ: "أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ، أَكَانَ ذَلِكَ يُؤَدِّي عَنْهَا؟! "، قالتْ: نَعَمْ، قال: "فَصُومِي عَنْ أُمِّكِ" (٢).

стр. 1835

(عن) ترجمان القرآن الحبر المفخم (عبدِ اللَّه بنِ عباس ﵄، قال: جاء رجل) قال القسطلاني في "شرح البخاري": لم يسم الرجل (١)، وقال البرماوي في "شرح الزهر": حديث ابن عباس: جاء رجل (إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه! إن أمي ماتت وعليها صومُ شهرٍ) بالإضافة (أفأقضيه عنها؟)، الحديث. السائل هو سعدُ بنُ عُبادةَ كما قد يُفهم ذلك عن رواية ذكرها المصنف -يعني: الحافظ عبد الغني- في باب: النذر من كتابه هذا، وذلك أنها من رواية ابن عباس، فالظاهر أن القضية واحدة، نعم، أشار ابن دقيق العيد إلى أن الحديث يحتمل أن يكون في صوم نذر، وأن يكون خلافه (٢). قال البرماوي: والظاهر الأولى؛ لما ذكرناه، ولكون اللفظ متقاربًا. وأمُّ سعد هي عَمْرَةُ بنتُ مسعودِ بنِ قيسِ بن عمرِو بنِ زيدِ بنِ مناة ﵄. (فقال) ﵊: (أرأيت لو كان على أمك دين) من ديون الآدميين، (أكنتَ قاضِيَه عنها؟) لتبرأ ذمَّتُها منه، (قال: نعم) كنتُ أفعلُ ذلك، (قال) ﵇: (فَديْنُ اللَّه أحقُّ أن يُقْضى)؛ أي: كما أن حق العبد يُقضى، فحقُّ اللَّه أحقُّ. وهذا الحديث أخرجه البخاري في الصوم، وكذا مسلم، وأخرجه

стр. 1836

أَبو داود في الأيمان والنذور، والترمذي في الصوم، وكذا النسائي، وابن ماجه (١). (وفي رواية) عن ابن عباس ﵄، قال: (جاءت امرأةٌ إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: يا رسول اللَّه! إن أمي ماتت). قال البرماوي في "المبهمات من شرح الزهر البسام": اسم المرأة السائلة غاثية -بالغين المعجمة والثاء المثلثة فمثناة تحتية فهاء تأنيث-، أو: غايثة -بتقديم المثناة تحت على المثلثة-، على خلاف في ذلك، وذكره الذهبي في "التجريد" من مرسلات عطاء الخراساني (٢)، (وعليها)؛ أي: أمي (صومُ نذر) بالإضافة، والواو للحال، وقد بين أَبو بشر في رواية عند الإمام أحمد سببَ النذر، ولفظه: أن امرأة ركبت البحر، فنذرت أن تصوم

стр. 1837

شهرًا، فماتت قبل أن تصوم (١)، وهذا صريح في أنه غير رمضان (٢)، (أفأصومُ عنها) نذرَها الذي ماتت ولم تؤد؟ (فقال) ﵊ لها: (أرأيتِ لو كان على أُمِّكِ دَين) لآدمي ([فـ] قَضَيْتيهِ عنها) بدفعه لمن هو له، (أكان) استفهام تقرير (ذلك) القضاءُ لدَيْنِها الصادرِ منكِ (يؤدِّي عنها)، وتبرأ به ذمتها، ولا يسوغ لربِّ الدين بعد ذلك مطالبتُها بشيء منه؟ (قالت: نعم) يؤدِّي ذلك عنها، (قال) ﵊: (فصومي عن أُمِّك)، فعلَّل ﷺ قضاءَ الصوم بعلَّة عامة للنذر وغيره، لكنْ للنذر وصفٌ لا يُلغى، فيسوغ اعتبارُه في الحديث، وهذا ظاهر لا غبار عليه. وفي قوله ﷺ : "لو كان على أُمِّكِ دينٌ ... إلخ" دليلٌ على جواز القياس في الشريعة؛ من حيث إن النبي ﷺ قاسَ وجوبَ حقِّ اللَّه تعالى على وجوب أداء حقِّ العباد، وجعله من طريق الأحق، فيجوز لغيره القياسُ؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، ولاسيما قوله ﷺ : "أرأيت إرشادًا وتنبيهًا على العلة التي هي كشيء مستقر في نفس المخاطب. وفي قوله -عليه والسلام-: "فدينُ اللَّه أحق بالقضاء" دلالة على المسائل التي اختلف الفقهاء فيها عند تزاحم حق اللَّه تعالى وحق العباد؛ كما إذا مات وعليه دينُ آدمي، ودينُ الزكاة مثلًا، وضاقت التركَةُ عن الوفاء بكل واحد منهما (٣)، ومعتمد مذهب الإمام أحمد: التسوية بينهما، واللَّه تعالى الموفق. * * *

стр. 1838

الحديث التاسع عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطْرَ" (١). * * * (عن) أبي العباس (سهلِ بنِ سعدِ) بنِ مالكٍ (الساعديِّ) الخزرجيِّ الأنصاريِّ (﵁)، كان اسمه حَزنًا، فسماه النبيُّ ﷺ سهلًا، مات النبي ﷺ وله خمسَ عشرةَ سنة، ومات سهلٌ بالمدينة سنة إحدى

стр. 1839

وتسعين، وقيل: سنة ثمان وثمانين، وهو آخرُ من مات من الصحابة بالمدينة. قال ابن سعد: بلا خلاف، وكان عمره يومئذ ستًا وتسعين سنة، وقيل: مئة سنة. روي له عن رسول اللَّه ﷺ مئة حديث، وثمانية وثمانون حديثًا، اتفقا على ثمانية وعشرين، وانفرد البخاري بأحد عشر (١). قال سهل بن سعد الساعدي ﵁: (أن رسول اللَّه ﷺ قال: لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر) من الصوم بعد تحقُّق الغروب بالرؤية، أو بإخبار عدل فصاعدًا، فـ"ما" ظرفية؛ أي: مدة فِعْلهم ذلك امتثالًا للسنة، واقفين عند حدودها، غيرَ متنطعين ولامتعاطين بعقولهم ما يغير قواعدها (٢). وروي من حديث أبي هريرة أيضًا، وزاد فيه: "لأن اليهود والنصارى يؤخرون" أخرجه أَبو داود، وابن خزيمة، وغيرهما (٣). وتأخيرُ أهل الكتاب له أمدٌ، وهو ظهور النجم (٤).

стр. 1840

وقد روى ابنُ حبان، والحاكمُ من حديث سهلٍ أيضًا: "لا تزالُ أُمتي على سُنَّتي ما لم تنتظرْ بفطرِها النجومَ" (١). فيكره للصائم أن يؤخر الفطر إن قصد ذلك، ورأى أن فيه فضيلة (٢). وروى الإمام أحمد، والترمذي من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "يقول اللَّه : أَحَبُّ عبادي إليَّ أَعْجَلُهم فِطْرًا" (٣). قال في "الفروع": يُسن تعجيلُ الإفطار إذا تحقَّق غروب الشمس إجماعًا، قال: والفطرُ قبل الصلاة أفضلُ اتفاقًا؛ لفعله ﷺ ، وإذا غاب حاجب الشمس الأعلى، أفطر الصائم حكمًا، وإن لم يطعم، واستدل بقوله ﷺ في الحديث الآتي: "إذا أقبل الليلُ من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس، أفطر الصائم" (٤)؛ أي: أفطر شرعًا، فلا يثاب على الوصال كما هو ظاهر "المستوعب" (٥)، انتهى (٦). وفي "صحيح مسلم" عن أبي عطية مالك بن عامر، قال: دخلت أنا ومسروق على عائشة ﵂، فقال لها مسروق: رجلان من

стр. 1841

أصحاب محمد ﷺ كلاهما لا يألو عن الخير، أحدُهما يعجِّل المغرب والإفطار، والآخرُ يؤخر المغربَ والإفطار، فقالت: مَنْ يعجِّلُ المغربَ والإفطار؟ قال: عبد اللَّه، فقالت: هكذا كان رسول اللَّه ﷺ يصنع (١). عبد اللَّه هو ابن مسعود، والرجل الآخر هو أَبو موسى الأشعري ﵄. وفي هذا الحديث: ردٌّ على الشيعة الذين يؤخرون الفطور إلى ظهور النجوم (٢). ومعتمد مذهبنا: كراهةُ الوصال، لا تأخير الفطور إلى السحر، ولا يلزم من كون الشيء مستحبًا أن يكون نقيضُه مكروهًا مطلقًا (٣)، وخرج بقولنا: تحقق الغروب: ما إذا ظنه، فلا يُسن له تعجيلُ الفطر، وأمّا إذا شك هل غربت الشمس أو لا؟ فيحرم الفطر به (٤). نعم، له الفطر بالظن اتفاقًا؛ لأن الناس أفطروا على عهد رسول اللَّه ﷺ ، ثم طلعت الشمس، وكذا أفطر عمر ﵁، والناس في عهده كذلك، ولأن ما عليه أمارة يدخله التحري، ويقبل فيه قول واحد؛ كالوقت والقِبلة، وكان عمر وعثمان ﵄ لا يفطران حتى يصليا المغرب (٥). ويُسن أن يُفطر على الرُّطَب، فإن لم يجد، فعلى التمر، فإن لم يجد،

стр. 1842

فعلى الماء؛ لفعله ﷺ . رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وحسنه من حديث أنس (١). ورووا أيضًا، وصححه الترمذي من حديث سلمان الضَّبيُّ: "إذا أفطر أحدُكم، فليفطرْ على تمر، فإن لم يجد، فعلى ماء، فإنه طهور" (٢). ويسن أن يدعو عند فطره، فقد روى ابن ماجه، والترمذي، وحَسَّنه من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "ثلاثةٌ لا تُرَدُّ دعوتُهم: الإمامُ العادلُ، والصائمُ حينَ يُفطر، ودعوةُ المظلوم" (٣). ولابن ماجه من حديث ابن عمرو ﵄ مرفوعًا: "للصائم عندَ فطرِه دعوةٌ لا تُرَدُّ" (٤). واقتصر جماعة على قول: "اللهمَّ إني لكَ صمتُ، وعلى رزقِكَ أفطرتُ، سبحانَكَ وبحمدِكَ، اللهمَّ تقبلْ مني إنَّك أنت السميع العليم" رواه الدارقطني من حديث أنس، ومن حديث ابن عباس ﵃ مرفوعًا، وفيهما: "تقبل منّا" (٥).

стр. 1843

وذكر بعضهم فيها قولَ ابن عمر: كان رسول اللَّه ﷺ يقول إذا أفطر: "ذهبَ الظمأ وابتلت العروقُ وثبتَ الأجرُ إن شاء اللَّه تعالى" رواه النسائي، والدارقطني، وقال: إسناده حسن، ورواه الحاكم، وقال: على شرط البخاري (١). والعمل بهذا الخبر أولى، كما في "الفروع" (٢)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1844

الحديث العاشر عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا، وأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ" (١). (عن) أمير المؤمنين أبي حفص (عمرَ بنِ الخطاب ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : إذا أقبلَ الليلُ من هاهنا، وأدبرَ النهارُ من هاهنا)؛ أي من المغرب، ولا ريبَ أن إقبال الليل وإدبار النهار متلازمان، وإن كان قد يكون أحدُهما أظهر للعين في بعض المواضع من الآخر، فيستدل

стр. 1845

بالظاهر على الخافي؛ كما لو كان في جهة المغرب ما يستر البصر عن إدراك الغروب، وكان المشرق ظاهرًا بارزًا، فيستدل بطلوع الليل على غروب الشمس (١). والذي في "الصحيحين" -كما رأيته- زيادة: "وغربت الشمس" (٢). وفي لفظ عندهما عن [ابن] عمر ﵄: سمعت رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "إذا أقبلَ الليلُ، وأدبرَ النهارُ، وغابتِ الشمسُ" (٣) (فقد أفطر الصائم)؛ أي: حكمًا. قال في "الفروع": فلا يثاب على الوصال؛ كما هو ظاهر "المستوعب". قال: ويحتمل أنه يجوز له الفطر، قال: والعلامات الثلاث متلازمة، ذكره في "شرح مسلم" (٤) عن العلماء، وإنما جمع بينها؛ لئلا يشاهد غروب الشمس، فيعتمد على غيرها، كذا قال العلامة ابن مفلح في "الفروع". ورأيت بعض أصحابنا يتوقف في هذا، ويقول: يقبل الليل مع بقاء الشمس، ولعله ظاهر "المستوعب" (٥)، انتهى (٦). وإنما قيد بالغروب إشارة إلى اعتبار تحقق الإقبال والإدبار والعلامات بواسطة الغروب، لا لسبب آخر، فالأمور الثلاثة، وإن كانت متلازمة في

стр. 1846

الأصل، فقد يتخلف التلازم ظاهرًا، فيظن إقبال الليل من المشرق، وليس به حقيقة، بل لوجود شيء يغطي الشمس، وكذلك إدبار النهار، فلذا قيد بالغروب (١). قال ابن دقيق العيد: قوله: "فقد أفطر الصائم" يجوز أن يكون المراد به: فقد حَلَّ له الفطر، ويجوز أن يكون المراد به: فقد دخل في الفطر، وتكون الفائدة فيه: أن الليل غير قابل للصوم، وأنه بنفس دخوله خرج الصائم من الصوم، فيمتنع الوصال بمعنى الصوم الشرعي، وإن وجد الإمساك الحسي، فهو وإن أمسك حسًا، فهو مفطر شرعًا، وفي ضمنه إبطالُ فائدة الوصال شرعًا، إذ لا يحصل به ثواب الصوم (٢)، كما قدمناه. وفي رواية شعبة: "فقد حل الإفطار" (٣)، وهي تؤيد كونَ المراد: أنه دخل وقتُ فطره، ورجَّحه ابن خزيمة، وقال: قوله: "فقد أفطر الصائم" خبر، ومعناه الإنشاء؛ أي: فليفطرِ الصائمُ، قال: ولو كان المراد: فقد صار مفطرًا، كان فطر جميع الصوام واحدًا، ولم يكن للترغيب في تعجيل الإفطار معنى (٤). * * *

стр. 1847

الحديث الحادي عشر عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الوِصَالِ، قَالُوا: إِنَّكَ تُواصِلُ، فَقَالَ: "إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى" رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةُ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ (١).

стр. 1848

وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيد الخدْرِيِّ ﵁: "فَأَيُكُمْ أَرادَ أَنْ يُواصِلَ، فَلْيُواصِلْ إِلَى السَّحَرِ" (١). (عن) أبي عبدِ الرحمن (عبدِ اللَّه بنِ) الإمام (عمرَ) بنِ الخطاب أميرِ المؤمنين (﵄، قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن الوصال) في الصوم، وهو أن يصوم -فرضًا أو نفلًا- يومين فأكثر من غير تناوله بالليل مطعومًا عمدًا بلا عذر، أو مشروبًا (٢). قال في "الفروع": يكره الوصال، وهو أَلَّا يفطر بين اليومين؛ لأن النهي وقع رفقًا ورحمة، ولهذا واصل ﷺ بهم، وواصلوا بعده.

стр. 1849

قال صاحب "المحرر" المجدُ بنُ تيمية: لا خلاف في أن الوصال لا يُبطل الصوم؛ لأن النهي ما تناول وقت العبادة، ولأنه ﷺ لم يأمر الذين واصلوا بالقضاء (١). قال في "الفروع": وتزول الكراهة بأكل تمرة ونحوها؛ لأن الأكل مَظِنَّة القوة، وكذا بمجرد الشرب؛ على ظاهر ما رواه المرُّوذي عن الإمام أحمد: أنه كان إذا واصل، شربَ شربةَ ماء؛ خلافًا للشافعية (٢). وقضية كلامه كغيره: أن نحو الجماع والاستقاءة وغيرهما من المفطرات لا يخرجه عن الوصال، وصرَّحَ به الشافعية، وهو ظاهرٌ من جهة المعنى؛ لأن النهي عن الوصال للضعف، ونحو الجماع لا يمنع حصوله، لكن قال الروياني من الشافعية: هو -يعني: المواصل- أن يستديم جميع أوصاف جميع الصائمين. وقال الجرجاني في "الشافي": أن يترك ما أُبيح له من غير إفطار (٣). وفي "الإقناع": وهو أَلَّا يفطر بين اليومين (٤). وفي "الفروع": وقيل: يحرم -يعني: الوصال-، واختاره ابن البنَّاء، وحكاه ابن عبد البر عن الأئمة الثلاثة وغيرهم، وللشافعية وجهان. قال الإمام أحمد: لا يعجبني -يعني: الوصال-، وأومأ إلى إباحته لمن يطيقه.

стр. 1850

وروي عن عبد اللَّه بن الزبير ﵄ (١)، وعن ابنه عامر، وغيرهما. ونقل حنبل عن الإمام أحمد ﵁: أنه واصل بعسكر المتوكل ثمانيةَ أيام حتى كلّمه في ذلك، فشرب سويقًا. قال أَبو بكر: يحتمل أن الإمام أحمد فعله -يعني: الفطر- حيث لا يراه حنبل؛ لأنه لا يخالف النبي ﷺ . قال في "الفروع": كذا قال، فكأنه لم يرتض بما قاله (٢). ولا يكره الوصال إلى السحر، نص عليه الإمام أحمد، وقاله إسحاق؛ لقوله ﷺ في حديث أبي سعيد: "فَأَيُّكُمْ أَرادَ أَنْ يُواصِلَ، فَلْيُواصِلْ إلى السحر" رواه البخاري، لكن ترك الأولى؛ [لتعجيل] (٣) الفطر. وذكر القاضي عياض المالكي: أن أكثر العلماء كرهه (٤). وفي "شرح البخاري" للقسطلاني في قوله ﷺ لأصحابه: "لا تواصلوا" نهي يقتضي الكراهة، وهل هي للتنزيه، أو للتحريم؟ والأصح عند الشافعية: التحريم. قال الرافعي: وهو ظاهر نص الشافعي، وكرهه مالك، قال الأُبي: ولو

стр. 1851

إلى السحر، واختار اللخمي جوازه إلى السحر؛ لحديث: "مَنْ واصلَ، [فليواصل] إلى السحر"، وقول أشهب: من واصل أساء، ظاهره التحريم (١). وقال علماؤنا، منهم الإمام الموفق في "المغني": يكره للتنزيه لا لِلتحريم (٢). (قالوا) -يعني: الصحابة؛ يعني: قال بعضهم-: (إنك) يا رسول اللَّه (تواصل)، وفي حديث أبي هريرة ﵁: فقال رجل من المسلمين (٣)، ولم يسم، فكأن القائل واحدٌ، ونسب إلى الجميع؛ لرضاهم به. وفيه دليل: على استواء المكلفين في الأحكام، وأن كل حكم ثبت في حقه ﷺ ثبت في حق أمته، إلا ما استثني، فطلب الصحابة ﵃ الجمعَ بين قوله في النهي، وبين فعله للوصال الدالِّ على الإباحة؛ فأجابهم باختصاصه به (٤)، (فقال ﷺ : إنِّي لستُ مثلكم)، وفي لفظ: "إني لست كهيئتكم" (٥)، وفي آخر: "لستُ كأحدِكم" (٦)، وفي آخر: "كأحد منكم" (٧)، (فإني أُطْعَم وأُسْقَى) -بضم الهمزة فيهما-، وفي رواية: "إني أَبيت أُطعم وأُسقى" (٨) حقيقة، فيؤتى بطعام وشراب من عند اللَّه كرامةً له

стр. 1852

في ليالي صومه، كذا قيل، ورُدَّ بأنه لو كان كذلك، لم يكن مُواصلًا، والجمهورُ على أنه مجازٌ عن لازم الطعام والشراب [وهو القوة]، أو أن اللَّه تعالى يخلُق فيه من الشبع والريِّ ما يُغنيه عن الطعام والشراب، فلا يحسُّ بجوع ولا عطش. والفرقُ بينه وبين الأول: أنه على الأول يُعطى القوة من غير شبع ولا ري، [بل] مع الجوع والظمأ، وعلى الثاني: يُعطى القوة مع الشبع والري. ورجَّح قوم الأولَ؛ لأنه يفوتُ بالثاني مقصودُ الصوم والوصال؛ فإن الجوع والظمأ روحُ هذه العبادة بخصوصها (١). قال الإمام ابن القيم في قوله ﷺ : "إني أُطعم وأُسقى": يحتمل أن يكون المراد: ما يغذِّيه اللَّه به من معارفه، وما يفيضه على قلبه من لذة مناجاته، وقرة عينه بقربه، ونعيمه بحبه، قال: ومن له أدنى تجربة وشوق يعلم استغناءَ الجسم بغذاء القلب والروح عن كثير من الغذاء الحيواني، ولاسيما الفرحان الظافر بمطلوبه، الذي قرت عينه بمحبوبه (٢). (ورواه)؛ أي: هذا الحديث جماعةٌ من الصحابة ﵃، منهم: (أَبو هريرة) كما في "الصحيحين"، ولفظه: نهى رسول اللَّه ﷺ عن الوصال، فقال رجل من المسلمين: فإنك يا رسول اللَّه تواصل، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لستُمْ مثلي، إني أَبيتُ يُطْعمني ربي ويَسقيني"، فلما أَبَوا أَن ينتهوا عن الوصال، واصل بهم يومًا، ثم يومًا، ثم رأوا الهلال، فقال:

стр. 1853

"لو تأخَّرَ الهلالُ، لزدتُكُم" كالمنكِّلِ لهم حين أَبوا أن ينتهوا (١). وفي بعض ألفاظ البخاري: كالمنكر لهم -بالراء- (٢). وفيهما من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إياكم والوصالَ"، قالوا: فإنك تواصلُ يا رسول اللَّه، قال: "إنكم لستُمْ في ذلك مثلي، إني أَبيتُ يُطعمني ربي ويَسقيني، فاكْلَفوا من الأعمال ما تُطيقون"، ولفظ البخاري: "إياكم والوصالَ، إياكم والوصال" (٣). (و) منهم: (عائشةُ) الصديقةُ ﵂، ولفظه كما في "الصحيحين": قالت: نهاهم النبيُّ ﷺ عن الوصال رحمةً لهم، قالوا: إنك تواصل، قال: "إني لَسْتُ كهيئتِكُم، إني أَبيتُ يُطعمني ربي ويسقيني"، لم يقل البخاري في حديث عائشة: "أبيت" (٤). (و) منهم (أنسُ بنُ مالك) ﵁، ولفظه في آخر الحديث، قال: فأخذ يواصل رسولُ اللَّه ﷺ ، وذلك في آخر الشهر، فأخذ رجالٌ من أصحابه يواصلون، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ما بالُ رجالٍ يُواصلون؟! إنكم لستُمْ مثلي، أما واللَّه! لو تمادَّ لي الشهرُ، لواصلتُ وصالًا يدع المتعَمِّقون تعمُّقهم، إنكم لستُمْ مثلي"، أو قال: "إني لستُ مثلَكم، إني أظلُّ يُطعمني ربي ويَسقيني" (٥)، وفي بعض طرق البخاري من حديث أنس مرفوعًا: "لا

стр. 1854

تواصلوا"، قالوا: إنك تواصل، قال: "لستُ كأحدكم" الحديث (١). قال الحافظ المصنف -رحمه اللَّه تعالى-: (ولمسلم) -يعني: دون البخاري-، والصواب عكسُه، وهو للبخاري دون مسلم (عن أبي سعيد الخدري ﵁): أنه سمع النبي ﷺ يقول: "لا تواصلوا، (فأيكم أراد)، وفي لفظ: "فأيكم إذا أراد" (٢) (أن يواصل، فليواصل إلى السحر)، وفي لفظ: "حتى السحر" (٣)، قالوا: فإنك تواصل يا رسول اللَّه، قال: "إني لستُ كهيئتكم إني أَبيتُ لي مُطْعِم يُطِعُمني، وساقٍ يَسْقيني". وأخرجه أَبو داود، ولم يخرجه مسلم، ونبه على انفراد البخاري به الحافظُ عبدُ الحق في "جمعه بين الصحيحين" (٤)، والضياء المقدسي في "المختارة" (٥)، ولم ينبه عليه ابنُ دقيق العيد، وكان عليه ذلك. قال القسطلاني في "شرح البخاري" تبعًا للحافظ ابن حجر: والحافظ عبد الغني عزا ذلك للبخاري فقط في "عمدته الكبرى"، فلعله وقع له في "عمدته الصغرى" سبق قلم (٦). تنبيه: مما يؤيد القولَ بعدم التحريم في الوصال، وأنه الكراهة فقط أشياءُ منها: قوله في حديث عائشة: رحمةً لهم؛ أي: لأجل الرحمة، فهو كنهيه

стр. 1855

لهم عن قيام الليل خشيةَ أن يُفْرض عليهم، يؤيد ذلك ما روى أَبو داود بإسناد صحيح، عن رجل من الصحابة ﵃، قال: نهى النبيُّ ﷺ عن الحِجامة والمواصلة، ولم يحرمها؛ إبقاءً على أصحابه (١). وما في البخاري من حديث ابن عمر ﵄؛ فقد روى أن النبي ﷺ واصل، فواصل الناس، فشق عليهم، فنهاهم (٢). ومنها: فعلُ أصحابه الكرام ﵃، فقد روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، عن عبد اللَّه بن الزبير ﵄: أنه كان يواصل خمسةَ عشرَ يومًا (٣)، مع ما ثبت في "الصحيحين": أنه ﷺ واصل بأصحابه بعد النهي (٤)، فلو كان للتحريم، لما أقرهم عليه، فعُلم أنه أراد بالنهي: الرحمةَ لهم، والتخفيفَ عنهم كما صرحت به عائشةُ (٥). ومنها: أنه تركُ الأكل والشرب المباح، فلم يكن محرمًا؛ كما لو تركه في حال الفطر. فإن قيل: فصومُ يوم العيد محرَّم مع كونه تركًا للأكل والشرب المباح. قلنا: ما حرم ترك الأكل والشرب بنفسه، وإنما يحرم بنية الصوم، ولهذا لو تركه من غير نية الصوم، لم يكن محرمًا، والليل لا صوم فيه،

стр. 1856

فظهر عدمُ التحريم، ونحن نعلم أن الصحابة لم يفهموا من نهيه ﷺ التحريمَ، ولو فهموه، ما فعلوه (١). وأيضًا لو كان محرمًا، ما أقرهم على ذلك، ولبين لهم [حرمته] (٢)، وتأخيرُ البيان عن وقت الحاجة غير جائز، وهذا ظاهر لمن تأمله مع خلع رِبْقَة التقليد من عنقه، واللَّه الموفق. * * *

стр. 1857

باب أفضل الصيام وغيرِه؛ أي: غيرِ أفضل الصيام؛ من صيام ثلاثةِ أيام من كل شهر، والنهي عن إفراد يوم الجمعة بالصوم، وتحريم صيام العيدين، والترغيب في صيام يوم في سبيل اللَّه. وذكر الحافظ في هذا الباب ثمانية أحاديث. * * *

стр. 1858

الحديث الأول عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بنِ العَاصِ ﵄، قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَقُولُ: واللَّهِ! لأَصُومَنَّ النَّهَارَ، ولأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ، فقلتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، قَالَ: "فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَنَمْ وَقُمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ فَإِنَّ الحَسَنَةَ بَعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ"، فَقُلْتُ: إنِّي أُطِيقُ أَفْضلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: "فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ"، قُلْتُ: إِنَّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: "فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، فَذَلِكَ صِيامُ دَاوُدَ ﵇، وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ"، فَقُلْتُ: إِنَّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ" (١).

стр. 1859

وفي رواية قال: "لا صَومَ فَوقَ صَومِ دَاودَ -شَطْرُ الدَّهْرِ- صُمْ يومًا، وأَفطِرْ يَومًا" (١). (عن) أبي عبدِ الرحمن (عبدِ اللَّه بنِ عمرِو بنِ العاص) السهميِّ القرشيِّ (﵄ قال) عبد اللَّه ﵁: (أُخبر) -بضم الهمزة وسكون الخاء المعجمة وكسر الموحدة مبنيًا للمفعول- (رسولُ اللَّه) -بالرفع- نائب الفاعل (أَني أقولُ)؛ أي: أُخبر من قولي: (واللَّه! لأَصومَنَّ النهارَ، ولأَقومَنَّ الليلَ ما عِشْتُ)؛ أي: مدة حياتي، (فقلت له) في هذا

стр. 1860

طَيٌّ تقديره: فقال لي ﷺ : "أنت الذي تقول: واللَّهِ لأصومنَّ النهار" إلخ (١)؟ ولمسلم: "آنت الذي تقولُ ذلك؟ " (٢)، فقلت له: (قد قلتُه بأبي أنت وأمي)؛ أي: أفديك بهما، (قال: فإنَّكَ لا تستطيعُ ذلك) الذي قلتهَ من صيام النهار وقيام الليل؛ لحصول المشقة، وإن لم يتعذر الفعل، أو إنك تبلغ من العمر ما يتعذر معه ذلك، وعلِمه ﷺ بطريق ما، أو أن المراد: لا تستطيع ذلك مع القيام ببقية الحقوق والمصالح الشرعية شرعًا (٣)، (فصم وأفطر) -بهمزة قطع- أمرُ إرشاد، (ونم) من الليل، (وقم) منه، ثم بين ما أجمل، فقال: (وصُمْ من الشهر) الهلالي (ثلاثةَ أيام)، لم يعينها، ثم علل وجه كونها ثلاثة بقوله: (فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك)؛ أي: حيث كانت الحسنة بعشر أمثالها (مثلُ صيام الدهر)؛ أي: مثلُ صيام الدهر من غير تضعيف الحسنات؛ فإن ذلك التضعيف مرتب على الفعل الحسي الواقع في الخارج، والحامل على هذا التأويل: أن القواعد تقتضي أن المقدَّر لا يكون كالمحقَّق، وأن الأجور تتفاوت بحسب تفاوت المصالح، أو المشقة في الفعل، فكيف يستوي مَنْ فعلَ الشيء بمن قدر فعله له؟ فلأجل ذلك قيل: إن المراد: أصلُ الفعل في التقدير، لا الفعلُ المرتَّب عليه التضعيفُ في التحقيق، وهذا لا يختص بهذا الفعل، بل بغيره، بل هو أنه أخذ صيام بعض الأيام المفضلة، وقيام بعض الليالي مما جاء: "من صامَ يومَ كذا، كان كمن صام شهرًا، ومن قام ليلة كذا، فكأنه قام سنة"، أو نحو ذلك (٤).
следующие страницы →