← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: جاء أعرابيٌّ إلى رسول الله ﷺ ، فسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثاً ثلاثاً، وقال: "هذا الوضوء، فمن زادَ على هذا، فقد أساءَ وتعدَّى وظلمَ" (١). أي: أساء الأدب الشرعي، وتعدّى ما حده الشارع، وظلم بإتلاف الماء في غير محله. ولا في كل غسلةٍ من الثلاث أن تعم العضو حتى تحسب غسلةً، فإن لم يعم إلا بغسلات لم تحسب إلا واحدةً. (و) غسل بعد وجهه (يَدَيْهِ) من رؤوس أنامله (إلى المِرْفَقَيْنِ) - تثنية مِرْفَق -بكسر الميم وفتح الفاء، ويجوز فتح الميم وكسر الفاء- (٢). واختلف العلماء في وجوب إدخالهما في الوضوء: فأكثرُ العلماء على وجوب ذلك؛ منهم عطاء، وأبو حنيفة، وصاحباه، ومالك، والشافعي، وإمامنا، وإسحاق، وغيرهم. وقال زفر، وداود، وبعض المالكية: لا يجب؛ لأن الله - تعالى - أمر بالغسل إليهما، وجعلهما غايةً بحرف "إلى"، وهو لانتهاء الغاية، فلا يدخل المذكور بعده فيه؛ كقوله - تعالى -: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. ولنا: أنها ترد بمعنى "مع"؛ كقوله - تعالى -: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى

стр. 212

قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢]؛ أي: مع قوتكم، وقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤]، ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]. فرجحنا هنا معنى: (مع)؛ لأنه أحوط، والوضوء عبادةٌ، فيحتاط لها، ولتيقُّنِ زوال الحدث بغسل المرفقين، إذ بدونه يشك في زواله، والأصل بقاؤه، ولأن اسم اليد قد يشمل جميعها إلى المنكب، فلما قال: "إلى المرفقين"، أخرج بعض ما تناوله لفظُ اليد، فهي في غاية للإخراج، والمتيقن خروجه ما فوق المرفقين، أما هما، فمشكوك في خروجهما، فيبقى تناول لفظ اليد لهما على الأصل. وهذا تحقيق قول المبرد: إذا كان الحد من جنس المحدود، دخل فيه، نحو: بعتُ هذا الثوبَ من هذا الطرف إلى هذا الطرف (١). ولِما روى جابر ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ إذا توضأ، أدار الماء على مرفقيه. رواه الدارقطني (٢). وفي حديث أبي هريرة ﵁: أنه توضأ، فغسل يده حتى أشرع في العضد، ورِجْلَه حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيتُ رسول الله ﷺ يتوضأ. رواه مسلم (٣). وفعله ﵊ في محل الإجمال يكون بياناً، لا يقال: فقد غسل ما فوق المرفق مع أنه ليس بواجب؛ لأنا نقول: إنا لم نثبت

стр. 213

الوجوب بفعله فقط، بل جعلناه مفسراً لمجمل الآية، وإجمالُها في المرفقين دونَ ما فوقَها، وضعف ابن دقيق العيد كونَها بمعنى "مع"؛ لأن "إلى" حقيقة في انتهاء الغاية، مجازٌ بمعنى "مع"، ولا إجمال في اللفظ بعد تبين حقيقته. قال: ويدل على أنها حقيقةٌ في انتهاء الغاية، كثرةُ نصوص أهل العربية على ذلك، ومن قال: إنها بمعنى "مع"، فلم ينص على أنها حقيقةٌ في ذلك، فيجوز أن يريد المجاز، انتهى (١). قال ابن عقيلٍ في "الواضح": "إلى" موضوعةٌ لانتهاء الغاية، نحو قولك: ركبتُ إلى زيد؛ وجئتُ إلى عمرٍو، وإن أريد به دخول الغاية في الكلام، فبدليلٍ يوجب ذلك غير "إلى"، نحو قوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، أريد به مع المرافق، بدليل غير الحرف، ولذلك لم يوجب قولُه: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] دخولَ الليل مع النهار (٢). ومثلُه قولُ ابن هشام في "مغني اللبيب" حيث قال: إنها تكون للمعية، إذا ضممت شيئاً إلى آخر. وبه قال الكوفيون، وجماعةٌ من البصريين في: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢]، وقولهم: الذَّوْدُ إلى الذَّوْدِ، ولا يجوز: إلى زيدٍ مالٌ، تريد: مع زيد (٣). قال: والحاصل: أن غسل اليدين مع المرفقين فرضٌ لازمٌ مرةً واحدةً

стр. 214

تعم سائرَ العضو حتى الأظفار، نعم يُعفى عندنا عن وسخٍ يسيرٍ تحت ظفرٍ ونحوه. وكررَ سيدنا عثمان ﵁ غسل يديه (ثلاثاً)؛ لأنه سنة، كما مر. وفي روايةٍ: فقدم اليمنى على اليسرى، ولفظه كما في "الصحيحين": ثم غسلَ يَده اليمنى إلى المِرْفَقِ، ثم غسلَ يدَه اليسرى مثلَ ذلك (١). (ثم) بعد ذلك، (مَسَحَ) ﵁ (برأسِهِ)، وحذفت الباء في بعض الروايات من "رأسه"، في كل من "الصحيحين"، والكثير المشهور إثباتها؛ موافقة للفظ الآية، وليس في شيءٍ من طرق هذا الحديث في "الصحيحين" ذكر عدد المسح، وبه قال أكثر العلماء. قال في "الفروع": ثم يمسح رأسه -وهو فرضٌ إجماعاً-، ويجب مسح ظاهره كله وفاقاً لمالك، ولا يستحب تكرار المسح، وعنه: بلى؛ وفاقاً للشافعي، ونصره أبو الخطاب وابن الجوزي (٢). والصحيح من المذهب: لا يستحب ذلك. قال الحافظ ابن حجر: في "الفتح": قال الشافعي: يستحب التثليث في المسح، كما في الغسل، واستدل له بظاهر روايةِ مسلمٍ: أن النبي ﷺ توضأ ثلاثاً ثلاثاً (٣). وأُجيب: بأنه مجمل تبين في الروايات الصحيحة؛ أن المسح لم يتكرر، ويحمل على الغالب، أو يخص بالمغسول.

стр. 215

قال أبو داود في "السنن": أحاديثُ عثمان الصحاح كلها تدل على مسح الرأس مرة واحدة (١)، وكذا قال ابن المنذر: أن الثابت عن النبي ﷺ مرةٌ واحدةٌ تُمسح (٢)؛ وبأن المسح مبني على التخفيف، فلا يقاس على الغسل؛ إذ المراد منه: المبالغة في الإسباغ، وبأن العدد لو اعتبر في المسح، لصار في صورة الغسل؛ إذ حقيقة الغسل جريان الماء، والدلك ليس بمشترطٍ - على الصحيح - عند أكثر العلماء، وبالغ أبو عبيدٍ؛ فقال: لا نعلمُ أحداً من السلف استحب تثليث مسح الرأس، إلا إبراهيم التيمي. قال الحافظ ابن حجر: وفيما قال نظرٌ؛ فقد نقله ابن أبي شيبة وابنُ المنذر عن أنسٍ، وعطاء، وغيرهما، وقد روى أبو داود من وجهين صحح أحدهما ابنُ خزيمة وغيره، في حديث عثمان تثليثَ مسح الرأس، والزيادةُ من الثقة مقبولةٌ، انتهى (٣). قلت: صرّح في حديث علي ﵁ بالمرة، وهو ما رواه الترمذي، وصححه عن أبي حيَّة، قال: رأيت علياً توضأ، فغسل كفيه، ثم تمضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وذراعيه ثلاثاً، ومسح برأسه مرةً، ثم غسل قدميه، ثم قال: أحببتُ أن أريكم كيف كان طهور رسول الله ﷺ (٤).

стр. 216

وروى الإمام أحمد عن أبي أمامة ﵁: أن رسول الله ﷺ كان يمسح رأسه مرة واحدةً (١). وقد روى عنه: أنه كان يمسح مرةً: معاذُ بن جبل، والبراءُ، وعبدُ الله بنُ عمرٍو، وابن عمر، وابنُ عباسٍ (٢). وفي حديث الرُّبَيِّعِ بنتِ مُعَوِّذِ بنِ عفراءَ ﵂، قالت: رأيت رسول الله ﷺ توضأ، فمسح رأسه، ومسح ما أقبل منه وما أدبر، وصدغيه، وأذنيه مرةً واحدةً. رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ (٣). فالمذهب: عدم تكرار مسح الرأس، والله أعلم. تنبيهات: الأول: استيعابُ جميع الرأس بالمسح فرضٌ، هذا المذهبُ بلا ريبٍ، وعليه جماهير علمائنا متقدمهم ومتأخرهم؛ وفاقاً لمالك؛ لقوله - تعالى -: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، أضاف المسح إلى الجملة، كما أضافه في التيمم إلى الوجه بقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. فيجب استيعابهما حسبَ الإمكان؛ عملاً بظاهر الأمر، والباء لا توجب تبعيضاً، وإنما هي للإلصاق.

стр. 217

قال أبو بكرٍ غلامُ الخَلَّال: سألت ابنَ دريدٍ وأبا عبدِ الله بنَ عرفةَ عن الباء تُبَعِّضُ؟ فقالا: لا يعرف في اللغة أنها تبعض. وقال ابن برهان: من زعم أن الباء تفيد التبعيض، فقد جاء أهلَ اللغة بما لا يعرفونه (١)، ولهذا يحسن أن تقول: امسح برأسك كلِّه، والشيء لا يؤكَّدُ بضده. وتقول: امسح ببعض رأسك، فتصرح بالبعض معها، ثم لو قدرنا أنها تردُ التبعيض، فقد ترد زائدة؛ كقوله:- تعالى -: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠]، ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وكقولك: تزوجت بالمرأة، ونحو ذلك، فتصير الآية مجملةً. وقد فسرها فعلُ وضوئه ﷺ ؛ فإنه ثبتَ عنه مسحُ الكلِّ من رواية عبدِ الله بنِ زيدٍ (٢)، ومعاويةَ (٣)، وغيرهما، وترجم له البخاري باب: مسح الرأس كله، لقوله - تعالى -: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، قال: وسئل مالكٌ: أيجزئ أن يمسح على بعض رأسه؟ فاحتج بحديث عبد الله بن زيدٍ (٤)، ويأتي في كلام الحافظ - قدس الله روحه -.

стр. 218

وقال ابنُ المسيب: المرأة بمنزلة الرجل، تمسح على رأسها (١). قال الحافظ ابن حجرٍ: موضع الدلالة من الحديث والآية: أن لفظ الآية مجملٌ؛ لأنه يحتمل أن يراد منها مسحُ الكل على أن الباء زائدةٌ، أو مسحُ البعض على أنها تبعيضية، فتبين بفعل النبي ﷺ أن المراد: الأول، ولم ينقل عنه أن مسحَ بعضَ رأسه إلا في حديث المغيرة: أنه مسح على ناصيته وعِمامته (٢)؛ فإن ذلك دلَّ على أن التعميم ليس بفرض، انتهى. قلت: وحديث المغيرة لا دلالة لهم فيه؛ لأنا نقول بمقتضاه. قال في "تنقيح التحقيق": يجب مسحُ جميع الرأس، وقال أبو حنيفة: مقدارُ الربع، وقال الشافعي: أقلُّ ما يتناوله اسمُ المسح. ثم احتج لنا بحديث عبد الله بن زيدٍ، ويأتي. واحتج الخصم بحديث المغيرةِ بنِ شعبةَ ﵁: أن رسول الله ﷺ توضأ، فمسح ناصيتَهُ، ومسح على الخفين والعِمامة، متفق عليه (٣). قال الحافظ ابنُ الجوزي: وليس فيه حجةٌ لهم؛ لأنه لو جاز الاقتصار على الناصية، لما مسح على العمامة. وذكر الحافظ الضياء: أن حديث المغيرة انفرد به مسلم.

стр. 219

قال الحافظ ابن عبد الهادي: وهو كما قال (١). وقال الحافظ عبدُ الحق في "الجمع بين الصحيحين" بعد أن ذكر حديثَ المغيرة بطوله: لم يذكر البخاري المسحَ على الناصية في كتابه (٢). والحاصل: وجوب مسح جميع الرأس - على الصحيح المعتمد -. وفي حديث عمرِو بنِ عَبَسَةَ ﵁، عن النبيِّ ﷺ : "ثم يمسحُ رأسَهُ كما أمرَهُ اللهُ إلا خرجَتْ خطايا رأسِهِ من أطرافِ شعرِهِ مَعَ الماءِ" (٣)، فهذا يرشد إلى أن المسح المأمور به، يتضمن وصولَ الماء إلى أطراف الشعر؛ ولأنه عضوٌ غيرُ محدودٍ في الطهارة، فوجب استيعابه كالوجه. قال في "الفروع": وعُفي في "المترجم" (٤) و"المُبْهِج" (٥) عن يسيرٍ؛ للمشقة (٦)، وصوّبه في "الإنصاف" (٧).

стр. 220

وعن الإمام روايةٌ: يجزئ مسحُ بعضه للمرأة دونَ غيرها، قال الخَلَّال والموفَّق: هذه الرواية هي الظاهرُ عن أحمدَ. قال الخلال: العمل في مذهب أبي عبد الله: أنها إن مسحت مقدم رأسها، أجزأها. ذكره في "الإنصاف" (١)، والله أعلم. الثاني: الأذنان من الرأس، فيجب مسحهما، وبه قال سفيان الثوري، وابن المبارك. قال في "الفروع": والأذنان منه؛ وفاقاً لأبي حنيفةَ ومالكٍ، ففي وجوب مسحهما روايةٌ، خلافاً للأئمة الثلاثة (٢). قال في "تنقيح التحقيق": الأذنان من الرأس تمسحان بماء الرأس، وقال الشافعي: ليسا من الرأس، ويسن لهما ماءٌ جديد. ثم ذكر عدة أحاديث تدل لظاهر مذهبنا: منها: حديث أبي أمامة مرفوعاً: "الأُذُنانِ من الرَّأْسِ" رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والدارقطني (٣)، وصوب ابنُ عبد الهادي وقفه على أبي أمامة ﵁.

стр. 221

ومنها: ما رواه الدارقطني من حديث ابن عمرَ مرفوعاً، مثله (١). فيه: أسامةُ بن زيدٍ، عن نافع، قال الإمام أحمد: أسامة قد روى عن نافعٍ أحاديثَ مناكير، وقال النسائي: ليس بالقوي. ولنا: أن الإمام يحيى بنَ معينٍ قال فيه: ثقةٌ صالحٌ. ومنها: عن ابن عباسٍ ﵄ مثلُه مرفوعاً، رواه الدارقطني وغيره (٢). قال الحافظ ابن عبد الهادي: قد زعم ابنُ القطان: أن إسناد هذا الحديث صحيحٌ؛ قال: لثقةِ رواته، واتصاله، وإنما أعله الدارقطني بالاضطراب في إسناده، فتبعه عبدُ الحق على ذلك، وهو ليس بعيبٍ فيه. قال ابن عبد الهادي: وفيه نظرٌ كثيرٌ، انتهى. وفي الباب: عن أبي هريرة ﵁، رواه الدارقطني، وصوب إرساله (٣)، وعن عائشة، وصحح إرساله (٤). وعن الرُّبيع بنتِ مُعَوِّذٍ: أنها رأت النبيَّ ﷺ يتوضأ، قالت: فمسح رأسَه وصدغيه وأذنيه مرةً واحدةً (٥).

стр. 222

احتج من لم يقل: إنهما من الرأس بأخذِ النبيِّ ﷺ ماءً جديداً لهما. قلنا: لا حجة في هذا؛ لأنا نقول: هذا الأولى، والله تعالى الموفق (١). (ثم) بعد مسح رأسه، (غسل) سيدنا عثمان بن عفان ﵁ (كلتا رِجْلَيْهِ)، كذا في رواية ابن عساكر. قال الحافظ ابن حجر: وهي التي اعتمدها صاحب "العمدة"، وللأصيلي والكشميهني: ثم غسلَ كلَّ رجلٍ، قال: وللمستملي والحموي: "كل رجله". قال: وهي تفيد تعميم كل رجلٍ بالغسل. قال: وفي نسخةٍ: "رجليه" بالتثنية، وهي بمعنى الأول، انتهى (٢). قال في "شرح الوجيز": غسلُ الرجلين فرضٌ عند العلماء كافةً؛ للآية؛ فقد روى جماعةٌ منهم: علي، وابنُ مسعودٍ، وابنُ عباسٍ ﵃: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] بالنصب، عطفاً على المغسول. ولا بد من دخول الكعبين - وهما العظمان الناتئان في جانبي الرجل - في الغسل اتفاقاً. وتقدم في الحديث الثالث الرد على المخالف من الشيعة. (ثلاثاً): هذا يدل على استحباب التكرار في غسل الرجلين ثلاثاً. وبعض الفقهاء لا يرى ذلك، وقد ورد في بعض الروايات، من حديث عبد الله بن زيدٍ ﵁: وغسل رجليه حتى أنقاهما، رواه مسلم (٣).

стр. 223

والذي قدمه في "صحيح مسلمٍ" من حديث عثمان هذا، ما هذا لفظه: ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مراتٍ، ثم غسل اليسرى مثل ذلك. متفقٌ عليه (١). وفي حديث معاويةَ - حين حكى وضوءَ رسول الله ﷺ : أنه غسل رجليه بغير عددٍ، رواه أبو داود (٢). والحاصل: أنه ثبت عنه ﷺ الوضوءُ مرةً مرةً (٣)، ومرتين مرتين (٤)، والتثليث (٥)، وهو أكثرُ فعله وقوله. وثبت وجودُ التثليث في بعض الأعضاءِ دون بعضٍ؛ فربما غسل عضواً ثلاثاً، وآخر مرتين، وآخر مرةً، وبالعكس. وكل ذلك جائزٌ من غير كراهةٍ، على أشهر الروايتين عن الإمام أحمد؛ وفاقاً للشافعي، وإسحاق، وغيرهما، والله أعلم. تنبيهات: الأول: كلمة "كلتا" مفردةٌ لفظاً، مثناة معنى، مضافة أبداً لفظاً ومعنى إلى كلمة واحدةٍ معرفةٍ دالة على اثنين، ككلمة كلا، إما بالحقيقةِ والتنصيصِ؛ نحو: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ﴾ [الكهف: ٣٣]، و"كلتا رجليه"، أو الحقيقة

стр. 224

والاشتراك، نحو: "كلانا"؛ فإن لفظة: "نا" مشتركةٌ بين الاثنين والجماعة، أو بالمجاز؛ كقوله (١): [من الرمل] إِنَّ لِلْخَيْرِ وَلِلشَّرِّ مَدًى ... وَكِلا ذَلِكَ وَجْهٌ وَقَبَلْ فإن لفظة: "ذلك" حقيقةً في الواحدة، وأشير بها إلى المثنى على معنى وكلا [ما ذكر]، واحترز بقوله: إلى كلمةٍ واحدة، عن نحو: [من البسيط] كِلاَ أَخِي وَخَلِيلي واجِدِي عَضُدِي. . . . . . . . . . . . . فإنه ضرورة نادرة. وأجاز ابنُ الأنباري إضافتَها إلى المفرد بشرط تكريرها، نحو: كلاي، وكلاكَ حسنان. وأجاز الكوفيون إضافتها إلى النكرة المختصة، نحو: كلا الرجلين عندك محسنان، فإن رَجُلين تخصيصهما بوصفهما بالظرف. وحكوا: كلتا جاريتين عندك مقطوعةٌ يدهما؛ أي: تاركةٌ للغزل، كما في "مغني اللبيب". قال: ويجوز مراعاة لفظ "كلا" و"كلتا" في الإفراد، نحو: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ [الكهف: ٣٣]، ومراعاة معناها، وهو قليلٌ، وقد اجتمعا في قوله (٢): [من البسيط] كِلاَهُمَا حِينَ جَدَّ الجَرْيُ بَيْنَهُمَا ... قَدْ أَقْلَعَا وَكِلاَ أَنْفَيْهِمَا رَابِي والله - تعالى - أعلم (٣).

стр. 225

الثاني: أفاد وضوء سيدنا عثمان ﵁ اعتبارَ الترتيب؛ لأن حُمرانَ حكى ذلك عنه بالعطف بحرف "ثم" المفيدة لذلك، ولأنه أدخل مسح الرأس بين غسل بقية الأعضاء، فلو لم يكن الترتيب معتبراً، لأتى بغسل الأعضاء المغسولة على حِدَتها، ثم بالممسوح، أو بالعكس، وكذا أمر الله في محكم كتابه، فأدخل ممسوحاً بين مغسولاتٍ. قال في "الفروع": ومن فروض الوضوء: الترتيبُ؛ خلافاً لأبي حنيفةَ؛ ومالكٍ (١). قال في "شرح الوجيز": الترتيبُ جعلُ كل واحدٍ من شيئين فصاعداً في مرتبته التي يستحقها بوجهٍ ما، وجملة ذلك: أن الترتيب في الوضوء كما ذكر الله - تعالى - واجبٌ في قول إمامنا. قال الإمام الموفق: ولم أر عنه فيه اختلافاً. وهو قول الشافعي؛ لأن في الآية قرينةً تدل على أنه أريد بها الترتيب؛ فإنه أدخل ممسوحاً بين مغسولين، والعرب لا تقطع النظير عن نظيره إلا لفائدةٍ، ولا فائدة هنا سوى الترتيب. فإن قيل: بل فائدته استحبابُ الترتيب. فالجواب: أن الآية إنما سيقت لبيان الواجب، ولذلك لم يذكر فيها شيئاً من السنن، ولأنه متى اقتضى اللفظ الترتيب، كان مأموراً به، والأمر يقتضي الوجوب (٢).

стр. 226

ولأن قوله ﵇ في حديث عمرِو بنِ عَبَسَةَ: "ثم يمسحُ رأسَه كما أمرَهُ اللهُ، ثم يغسلُ رجليه إلى الكعبينِ كما أمَرُه اللهُ" رواه الإمام أحمد، وابن خزيمة (١)، وأصله في "صحيح مسلم" (٢) دليلٌ على أن الله - تعالى- أمر بمسح الرأس بعد اليدين، وبغسل الرجلين بعد المسح، ولأنه ﷺ كان يتوضأ مرتباً، فكان فعله مفسراً للآية، والأخبار والآثار تدل على اعتبار الترتيب في الأعضاء الأربعة، والله أعلم. الثالث: يستفاد من وضوئه ﵁ اعتبارُ الموالاة؛ وهي ألَّا يؤخَّرَ غسلُ عضوٍ حتى يجفَّ ما قبله في الزمن المعتدل. وهي من فروض الوضوء عندنا؛ خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي؛ نص إمامنا على اعتبارها في رواية صالحٍ، وعبدِ الله، والميموني، وحربٍ، وأبي داود، وبها قال مالك؛ لما روى خالدُ بنُ معدان عن بعض أزواج النبيِّ ﷺ : أن رسول ﷺ رأى رجلاً يصلي، وفي ظهرِ قدمِه لمعةٌ قدر الدرهم لم يُصبها الماء، فأمره رسول الله ﷺ أن يعيد الوضوء والصلاة. رواه الإمام أحمد، وأبو داود. وليس فيه لأحمد: الصلاة (٣). قال الأثرم: قلت لأحمد: هذا إسنادٌ جيدٌ؟ قال: جيد (٤). وأخرج مسلم من حديث عمر بن الخطاب ﵁: أن رجلاً

стр. 227

توضأ، فترك موضعَ ظُفْرٍ على قدمه، فأمره النبيُّ ﷺ فقال: "ارجِعْ فأحسنْ وضوءك"، فرجع فتوضأ ثم صلى (١). فهذه الأحاديث ونحوها تدل على اعتبار الموالاة. نعم لا يضر الجفاف؛ لاشتغاله بالآخَر بسنَّةٍ، كتخليلٍ أو إسباغ، أو إزالةِ شكٍّ، والله أعلم. وبعد فراغ سيدنا عثمان من وضوئه على النحو المشروح، (قال) ﵁: (مَنْ توضَّأَ) من المسلمين (نَحْوَ) أي قريبَ أو شِبْهَ، فإن لفظة "نحو" لا تطابق لفظة "مثل"، فإن لفظة "مثل" يقتضي ظاهرها المساواة من كل وجهٍ، إلا في الوجه الذي يقتضي التغاير بين الحقيقتين؛ بحيث تخرجهما عن الوحدة، ولفظة "نحو" لا تعطي ذلك. قال ابن دقيق العيد: ولعلها استعملت بمعنى المثل مجازاً، أو لعله لم يترك مما يقتضي المثليةَ إلا ما لا يقدحُ في المقصود، فقد يظهر في الفعل المخصوص أن فيه أشياءَ ملغاةً عن الاعتبار في المقصود من الفعل، فإذا تركت هذه الأشياء، لم يكن الفعل مماثلاً حقيقةً لذلك الفعل، ولم يقدح تركُها في الفعل المقصود منه، وهو رفع الحدث، وترتُّب الثواب، وإنما احتيج إلى هذا؛ لأن هذا الحديث ذُكر لبيان فعلٍ يقتدى به يحصِّل للثواب الموعود عليه، فلا بد وأن يكون الوضوء المحكيُّ المعقول محصلاً لهذا الغرض؛ فلهذا قلنا: إما أن يكون استعمل "نحو" في غير حقيقتها، يعني: بمعنى "مثل"؛ أي: مثل (وضوئي هذا) الذي شاهدتموه، أو يكون ترك

стр. 228

ما علم قطعاً أنه لا يخل بالمقصود، فاستعمل "نحو" في حقيقتها مع عدمِ فوات المقصود. ويمكن أن يقال: إن الثواب يترتَّب على مقاربة ذلك الفعل تسهيلاً وتوسيعاً على المخاطبين من غير تضييقٍ وتقييدٍ بما ذكرناه، إلا أن الأول أقربُ إلى مقصود البيان، انتهى (١). قال النووي في شرح هذا الحديث: إنما لم يقل: مثل؛ لأن حقيقة مماثلته لا يقدر عليها غيره (٢). قال الحافظ ابنُ حجرٍ في "شرح البخاري": لكن ثبت التعبير بها في رواية البخاري في "الرقاق" من طريق معاذِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن حُمرانَ، ولفظه: "من توضَّأَ مثلَ هذا الوضوءِ". وله في "الصيام": من رواية معمرٍ: "مَنْ تَوَضَّأَ بوضوئي هذا". ولمسلمٍ من طريق زيدِ بنِ أسلمَ عن حُمران: "من توضأ مثل وضوئي هذا" (٣). وعلى هذا، فالتعبير بـ: نحو، من تصرف الرواة؛ لأنها تطلق على المثلية مجازاً، ولأن "مثل" وإن كانت تقتضي المساواة ظاهراً، لكنها تطلق على الغالب، فبهذا تلتئم الروايتان، ويكون المتروك بحيث لا يخل بالمقصود، انتهى (٤). فائدةٌ: النحو يطلق على معانٍ شتَّى، منها: الطريقُ، والجهةُ، والقصدُ،

стр. 229

ظرفاً واسماً، وعِلْمُ العربية، والقربُ، والمثلُ، والجانبُ، والعدلُ، والرعدةُ، والتمطِّي، ونحَاهُ: صَرَفَهُ، وغيرها (١). (ثم صَلَّى) بعد فراغه من نحو هذا الوضوء المشروح (رَكْعَتَيَن). فيه: استحباب صلاة ركعتين عقب الوضوء، وسيأتي لذلك ذكر - إن شاء الله تعالى -. (لا يُحَدِّثُ فيهما)؛ أي: في حالِ صلاته لهما. قال الحافظ ابنُ حجرٍ: المراد به: ما تسترسلُ النفسُ معه، ويمكن المرءَ قطعُه؛ لأن قوله: يحدث يقتضي تكسباً منه، فأما ما يهجم من الخطرات والوساوس، ويتعذر دفعه، فذلك معفوٌّ عنه. ونقل القاضي عياض عن بعضهم: بأن المراد: من لم يحصل له حديث النفس أصلاً ورأساً (٢). ويشهد له ما أخرجه ابن المبارك في "الزهد" بلفظ: لم يسر فيهما (٣). ورده النووي، فصوب حصول هذه الفضيلة المذكورة في الحديث مع طريان الخواطر العارضة غير المستقرة (٤)، نعم من اتفق أن يحصل له عدم حديث النفس أصلاً، أعلى درجة بلا ريبٍ. ثم إن تلك الخواطر، منها ما يتعلق بالدنيا، ومنها ما يتعلق بالآخرة، والحديث محمول على المتعلق بالدنيا. يؤيده ما وقع في رواية الحكيم الترمذي (٥) في هذا الحديث: "لا يحدث نفسه بشيءٍ من الدنيا"، وهي في

стр. 230

"الزهد" لابن المبارك -أيضاً-، و"المصنف" لابن لأبي شيبة (١)، وأما ما يتعلق بالآخرة، فإن كان أجنبياً، أشبهَ أحوال الدنيا، وإن كان من متعلقات الصلاة، فلا بأس به (٢)؛ كالفكر في معاني المتلو من القرآن العزيز، والدعوات والأذكار الواقعة في الصلاة؛ بخلاف اشتغال قلبه بتفهيم مسائل البيع والشراء والشفعة، ودقائق الفقه التي في غير صلاته، فليس كل أمر محمود ومندوب إليه يندب استحضاره في الصلاة، بل المطلوب من المصلي أن يكون حاضر القلب، مقبلاً على الله في صلاته، قد أشعر قلبه عظمةَ من هو واقفٌ بين يديه، وأما من ذهب قلبه في أنواع الوساوس وأودية الأماني، فليس له من صلاته إلا ما عقل منها، فبين صلاتي هذين كما قال حسان بن عطية: إن الرجلين ليكونان في الصلاة الواحدة، وإن ما بينهما في الفضل كما بين السماء والأرض، وذلك أن أحدهما مقبلٌ بقلبه على الله ، والآخر ساهٍ غافل (٣). كما أشار إليه في "الكلم الطيب" (٤)، وفي "الفتاوى المصرية" (٥) لشيخ الإسلام ابن تيمية. من العلماء من قال: إذا غلب الوسواس على قلبه في أكثر الصلاة، لم تصح صلاته، وعليه الإعادة، وهذا قول ابن حامد، وابن الجوزي من

стр. 231

أصحاب الإمام أحمد، والغزالي من الشافعية (١). لكن المشهور عن الأئمة أن الفرض يسقط بذلك. وقال ابن عباسٍ ﵄: ليس لك من صلاتك إلا ما عَقَلْت منها (٢). وفي سنن أبي داود وغيره، عن النبي ﷺ : أنه قال: "إن العبدَ لينصَرِفُ من صلاتِه وما يُكتبُ له منها إلا نصفُها، إلا ثلثُها، إلا ربعُها، إلا خمسُها، إلا سدسُها، إلا سبعُها، إلا ثمنُها، إلا تسعُها، إلا عشرُها" (٣). قال ابن تيمية: فهذا بينٌ أنه لا يُثاب إلا على عمله بقلبه، لكن معنى سقوط الفرض عنه: أن ذمته تبرأ من الإثم، فلا يعاقب عقوبة تارك الصلاة، وهو مع ذلك: لا يكون له ثوابٌ، فيكون كما جاء في الأثر: "رُبَّ قائمٍ حَظُّه من قيامِه السَّهرُ، وربَّ صائمٍ حظُّه من صيامِه الجوعُ والعطشُ" (٤). انتهى ملخصاً (٥). (نَفْسَهُ) -بالنصب- مفعول "يُحدِّثُ"، والمراد: لم يسترسل مع نفسه في

стр. 232

أودية الأماني، وضروب الوساوس، ولفظ البخاري: "لا يحدث نفسه فيها بشيءٍ"؛ أي: مما قدمنا ذكره من الأماني. ونفس الإنسان: روحه، أو الروح غير النفس، وأن يراد بالروح: النفس المتردد في البدن، والنفس التي يتوفاها الله عند نوم الإنسان، وهو جسمٌ مخالفٌ بالماهية لهذا الجسم المحسوس، نوراني طري حقيقي متحركٌ ينفذ إلى جوهر الأعضاء، ويسري فيها سريان الماء في الورد، وسريان الدهن في الزيتون، والنار في الفحم. فما دامت هذه الأعضاء صالحةً لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف، بقي هذا الجسم اللطيف متشابكاً بهذه الأعضاء، وأفادها هذه الآثار من الحس والحركة والإرادة، وإذا فسدت هذه الأعضاء بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها، وخرجت عن قبول تلك الآثار، فارق الروح البدن، وانفصل إلى عالم الأرواح. هذا الذي صوبه الإمام ابن القيم في كتابه "الروح" من عدة أقوال، وقال: إنه لا يصح غيره، وذكر على صحته مئة دليلٍ وبضعة عشر دليلاً (١). (غُفر له)؛ أي: لذلك المتطهر للصلاة المذكورة - وصلى الركعتين اللتين حفظ فيهما قلبه بإقباله فيهما على ربه، ولم يحدث نفسه ويسترسل معها في أودية الأماني. والغفرُ: السترُ، والمغفرة والتكفير يتقاربان، فالمغفرة: سترُ الذنوب، ووقاية شرها، ولهذا سُمي ما ستر الرأس ووقاه في الحرب مِغْفَراً، ولا يسمّى كل ساتر للرأس مِغْفَراً، والتكفير من هذا القبيل؛ لأن أصل الكُفر: الستر والتغطية.

стр. 233

وفرق بعض المتأخرين بينهما: بأن التكفير: محو أثر الذنب، حتى كأنه لم يكن، والمغفرة تتضمن من ذلك إفضال الله على العبد وإكرامه. ونظر في هذا الفرق الحافظ ابن رجب في "شرح الأربعين". وقيل: إن المغفرة لا تكون إلا مع عدم العقوبة والمؤاخذة؛ لأنها وقاية شر الذنب بالكلية، والتكفير قد يقع بعد العقوبة، فإن المصَائب الدنيوية كلها مكفرات للخطايا، وهي عقوبات، وكذلك العفو يقع مع العقوبة وبدونها، وكذلك الرحمة (١). (ما)؛ أي: الذي (تَقَدَّمَ) على صلاته الركعتين المذكورتين. (من ذَنْبِهِ)، الذي كان قد فعله. والذنب: الإثم، والجمع: ذنوبٌ. وظاهره يعم الكبائر والصغائر، لكن العلماء خصوه بالصغائر، وقالوا: الكبائر إنما تكفر بالتوبة. قال ابن دقيق العيد: وكأن المستند في ذلك: أنه ورد مقيداً في مواضع؛ كقوله ﷺ : "الصلواتُ الخمسُ، والجمعةُ إلى الجمعةِ، ورمضانُ إلى رمضانَ، كَفَّاراتٌ لما بينَهُنَّ، ما اجتُنبتِ الكبائرُ" (٢)، فجعلوا هذا القيد في هذه الأمور مقيداً للمطلق في غيرها، انتهى (٣). وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح": وهذا فيمن له كبائر وصغائر، ومن ليس له إلا صغائر، كُفرت منه، ومن ليس له إلا كبائر، خُفف عنه منها

стр. 234

بمقدار ما لصاحب الصغائر، ومن ليس له صغائر ولا كبائر، يُزاد في حسناته بنظير ذلك. وفي الحديث: التعليم بالفعل؛ لكونه أبلغ وأضبط للمتعلم. والترغيبُ في الإخلاص. وتحذيرُ من لَهَا في صلاته بالتفكير في أمور الدنيا من عدم القبول، ولا سيما إن كان في العزم على معصية؛ فإن المرء يحضره في صلاته ما هو مشغوف به أكثر من خارجها (١)؛ فإن العبد إذا قام في العبادة، غار الشيطان منه، فإنه قد قام في أعظم مقامٍ وأقربه وأغيظه للشيطان وأشده عليه، فهو يحرص ويجتهد كل الاجتهاد أَلَّا يقيمه فيه، بل لا يزال به يَعِدُه ويُمنِّيه ويُنْسِيه ويُجْلِبُ عليه بَخَيْلِه، ورَجِلِهِ، حتى يهوِّنَ عليه شأنَ الصلاة، فيتهاون بها فيتركها، فإن عجز عن ذلك منه، وعصاه العبد، وقام في ذلك المقام، أقبل عدوُّ الله حتى يخطر بينه وبين نفسه، ويحول بينه وبين قلبه، فيذكِّره في الصلاة ما لم يكن يذكر قبل دخوله فيها، حتى ربما كان قد نسي الشيء والحاجةَ، وأيس منها، فيذكِّره إياها في الصلاة؛ ليشغل قلبه بها، ويأخذه عن ربه ، فيقوم فيها بلا قلبٍ، فلا ينال من إقبال الله وكرامته وقربه ما يناله المقبلُ على ربه، الحاضرُ بقلبه وقالبه في صلاته، فينصرف من صلاته مثلما دخل فيها بخطاياه وذنوبه وأثقاله، لم تَخِفَّ عنه بالصلاة، فإن الصلاة إنما تكفر سيئات من أدى حقها، وأكملَ خشوعها، ووقف بين يدي الله بقلبه وقالبه، فهذا إذا انصرف منها، وجد خِفَّة من نفسه، وأحسَّ

стр. 235

بأثقال قد وُضِعت عنه، فوجد نشاطاً وراحةً وروحاً، حتى يتمنى أنه لم يكن خرج منها؛ لأنها قرة عينه، ونعيم روحه، وجنة قلبه، ومستراحه في الدنيا، فلا يزال كأنه في سجن وضيق حتى يدخل فيها، فيستريح بها لا منها، فالمحبون يقولون: نصلي فنستريح بصلاتنا، كما قال إمامهم وقدوتهم ونبيهم ﷺ : "يا بلال! أرحنا بالصلاة" (١)، ولم يقل: أرحنا منها (٢). وسنرجع إلى شيءٍ من هذا في الصلاة - إن شاء الله تعالى -. تنبيه: وقع في رواية البخاري في الرقاق قال في آخر هذا الحديث: قال النبي ﷺ : "لا تغتروا"؛ أي: فتستكثروا من الأعمال السيئة بناء على أن الصلاة تكفرها؛ فإن الصلاة التي تكفر بها الخطايا هي التي يقبلها الله تعالى، وأنَّى للعبد اطلاع على ذلك؟! قلت: لفظ البخاري عن حمران: قال: أتيت عثمان بطهور وهو جالس على المقاعد، فتوضأ فأحسن الوضوء، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ وهو في هذا المجلس، فأحسن الوضوء، ثم قال: "من توضأ مثلَ هذا الوضوء، ثم أتى المسجدَ، فركعَ ركعتين، ثم جلسَ، غفر له ما تقدَّم من ذنبه". قال: وقال النبي ﷺ : "لا تغتروا" (٣). * * *

стр. 236

الحديث الثامن عَن عَمْرِو بْنِ يَحْيَى المَازِنِيِّ، عَنْ أَبيهِ، قالَ: شَهِدْتُ عَمْرَو بنَ أبي حَسَنٍ، سَأَلَ عَبْدَ اللهِ بْنَ زَيْدٍ، عَنْ وُضُوءِ رَسولِ الله ﷺ ؟ فَدَعَا بتَوْرٍ مِنْ مَاءً، فَتَوَضَّأَ لَهُم وُضُوءَ النبيِّ ﷺ ، فَأَكْفَأَ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلاثاً، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ في التَّوْرِ، فَمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ واسْتَنْثَرَ ثَلاثاً بِثَلاثِ غَرَفَاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثاً، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَيْهِ، فَغَسَلَهُمَا مَرَّتيْن إلى المِرْفَقَيْنِ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَيْهِ، فَمَسَحَ رَأْسَهُ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ مَرَّةً واحِدَةً، ثمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ (١). وفي رواية: بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ، ثمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى المَكَانِ الَّذي بَدَأَ مِنْهُ (٢).

стр. 237

وفي رواية: أَتَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَأَخْرَجْنَا لَهُ مَاءً في تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ (١). قال ﵁: التَّوْرُ إِنَاءٌ يُشْبِهُ الطَّسْتِ. * * * (عن عَمْرِو بنِ يحيى) بنِ عمارة بن أبي الحسنِ تميمٍ (المازنيِّ) من بني مازنِ بنِ النجارِ الأنصاريِّ.

стр. 238

فأما عمرٌو: فروى عنه الإمام مالكٌ، ووهبٌ، وخلقٌ، وهو ثقةٌ، أخرج له الستة، توفي سنة أربعين ومئة (١). وأما والده يحيى: فوثقه النسائي وغيره، وأخرج له الجماعة. روى عن عبد الله بن زيد بن عاصم، وأبي سعيد الخدري، وشقران بن أنس بن مالك، وغيرهم. وروى عنه: الزهريُّ، ومحمدُ بن يحيى بن حبان، وابنه عمرو، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة (٢). (قال): -يعني: يحيى بن عمارة -: (شهدتُ عَمْرَو بنَ أبي حسنٍ) اسمُهُ: تميمٌ، فعمَارةُ وعمرٌو هذا أخوه، فيكون يحيى روى عن عمه عمرو بن أبي الحسن الأنصاري المازني من بني مازن بن النجار. ووقع في "سنن أبي داود": أن عمرو بن يحيى هو السائل لعبد الله بن زيدٍ، فقال له: هل تستطيع أن تريني كيف كان رسولُ الله ﷺ يتوضأ (٣)؟ وهو مخالفٌ لما في "الصحيحين" وغيرهما: أنه روى عن أبيه سؤالَ عمِّ

стр. 239

أبيه عمرِو بنِ أبي حسنٍ لعبد الله بنِ زيدٍ؛ لأنه هو الذي سأله، وليس لعمرِو بن أبي الحسن روايةٌ في شيءٍ من الكتب الستة. وأما أبوه أبو الحسن؛ فهو معدود من الصحابة؛ يقال: شهد العقبة وبدراً، وأما ابناه عمرٌو، وعمارة، فقيل: لهما صحبةٌ، فقد ذكر ابن منده عمارة في الصحابة. وأما عمرو بن أبي الحسن، فذكره أبو موسى المديني في كتابه الذي أدخل به من أخل به ابن منده في الصحابة، وقال: أورده سعيد -يعني: القرشي - في الصحابة (١). (سأَلَ) عمرُو بنُ أبي الحَسنِ (عبدَ اللهَ بنَ زيدِ) بن عاصمٍ بن كعب بن عمرو بن عوف المازني، خال عبّاد بن تميم، كنيته: أبو محمد، ويُعرف بابن أم عمارة، واسمها: نسيبة -بفتح النون وضمها-، شهد أُحُداً، ولم يشهد بدراً، كما قاله ابن عبد البر. وقال ابن قتيبة وأبو نعيمٍ: شهدها. ويقال: إنه الذي قتل مسيلمة الكذاب، وهو قول خليفة بن خياط، والواقدي، وغيرهما. وقال غيرهم: شارك في قتله وحشيُّ بنُ حرب، فوحشيٌّ رماه بالحربة التي رمى بها حمزة ﵁، وأجهز على مُسيلمة عبدُ الله بنُ زيدٍ

стр. 240

بسيفه، وكان مسيلمةُ قد قَتَلَ خبيبَ بنَ زيدٍ أخا عبد الله بن زيدٍ، فقضى الله أن شارك في قتله. قال الحافظ عبد الغني المصنف ﵀ ورضي عنه -: وقد روي من وجهٍ غريبٍ عن معاوية بن أبي سفيان أنه قال: أنا قتلت مسيلمة، فيحتمل-أيضاً- أن يكون شاركه فيه. وقُتِلَ عبدُ الله بن زيد ﵁ يوم الحرة بالمدينة سنة ثلاثٍ وستين من الهجرة، وهو ابن سبعين سنةً (١). وهو غير عبد الله بن زيدِ بنِ عبدِ ربِّه الذي نادى بالأذان، وَرُوِيَ حديثُهُ - كما قاله الحفاظ - من المتقدمينَ والمتأخرين، وغَلَّطوا سفيانَ بنَ عيينةَ في قوله: إنه هو، وممن نصّ على غَلَطِهِ البخاري (٢). وتوفي عبدُ الله بن زيدٍ هذا سنة اثنتين وثلاثين، وهو ابن أربعٍ وستين سنةً. (عن وُضُوء) متعلقٌ بـ: "سأل" (رَسولِ اللهِ ﷺ ). (فدعا) عبدُ الله بنُ زيدٍ ﵁ (بِـ) إحضار (تَوْرٍ) - بالتاء المثناة -. قال في "المطالع" (٣): التور: مثل قدح القدر من الحجارة، ويطلق

стр. 241

على الطست، وهو المراد هنا (١). (من ماء)؛ أي: فيه ماء، (فَتَوضَّأَ) عبدُ الله بنُ زيدٍ ﵁ (لهم)؛ أي: للسائل، بيان كيفية وضوء رسول الله، والحاضرين (وُضُوءَ) هُ؛ يعني: نحو وضوءِ (النبي ﷺ ). (فَأَكْفَأَ) أي: كبَّ من الماء، يقال: كفأه؛ كمنعه: صَرَفَهُ، وكَبه، وقلبه، كأكفأه، قاله في "القاموس" (٢)، وقال: كبه: قلبه، وصرعه، كأكبه، وكبكبه، فأكب، وهو لازمٌ متعد (٣). وفي "النهاية": كفأتُ الإناءَ، وأكفأْتُهُ: إذا كببتُهُ، وإذا أَمَلْتُهُ. ومنه حديث الهِرة: "أنه كان يَكفأُ لها الإناءَ" (٤)؛ أي: يُميله لتشربَ منه بسهولة (٥).

стр. 242

(على يَدَيْهِ مِنْ) ماء (التَّوْرِ، فغسلَ يديهِ) من ذلك الماء (ثَلاثاً) من المرافق، ولم يدخل يده في التور قبل غسلها، (ثم) بعد غسل يديه (أدخلَ يدَهُ في التور)، فتناول بها من الماء الذي فيه، (فمضمض) فمه بالماء، (واستنشق) في أنفه منه، (واستنثر)؛ أي: استخرج الماء الذي في أنفه (ثلاثاً)؛ أي: لكلٍّ من فيه وأنفه ثلاثاً ثلاثاً (بثلاث غَرَفات)، فكان يتمضمض ويستنشق ويستنثر من غرفةٍ، ثم يفعل ذلك ثانياً وثالثاً، وهذه إحدى كيفيات المستحب في المضمضة والاستنشاق؛ فإنه إن شاء فعلهما من غرفةٍ، وإن شاء من ثلاث، كما يرشد إليه هذا الحديث، وإن شاء من ست. وتقدم أن المضمضة إدارةُ الماء في الفم، والاستنشاق: اجتذابُ الماء بالنَّفَس إلى باطن الأنف، والمستحَبُّ أن يتمضمض ويستنشق بيمينه، ويستنثر بشماله، وفي بعض ألفاظ حديث عثمان: "ثم غرفَ بيمينه، ثم رفعَها إلى فيه، فمضمضَ واستنشقَ بكفٍّ واحدةٍ، واستنثر بيساره، فعل ذلك ثلاثاً، ثم ذكرَ سائرَ الوضوء، ثم قال: إن النبيَّ ﷺ توضأ لنا كما توضأتُ لكم، فمن كان سائلاً عن وضوء رسول الله ﷺ ، فهذا وضوءه " رواه سعيد بن منصور (١). وفي لفظٍ لهما: فمضمض واستنشق من كف واحدة، فعل ذلك ثلاثاً (٢).

стр. 243

(ثم أدخل) عبدُ الله بن زيدٍ ﵁ (يَدَهُ) فاستخرج بها ماء، (فغسل) به (وَجْهَهُ)، فعل ذلك (ثَلاثاً، ثم أدخلَ يديه)، فأخرج بهما ماءً، (فغسلَهما) به (مَرَّتين) من رؤوس الأنامل (إلى المِرْفَقَين)، كما قدمنا ذلك في حديث عثمان، إلا أنه هنا لم يأت في غسل اليدين بالتثليث، بل اكتفى بمرتين، وترجم له البخاري: باب: الوضوء مرتين مرتين لكل عضوٍ، وذكر الحديث (١)، وليس فيه الغسل مرتين، إلا في اليدين إلى المرفقين، نعم روى النسائي من طريق سفيان بن عيينة، في حديث عبد الله بن زيدٍ هذا التثنيةَ في اليدين والرجلين، ومسحَ الرأس، وتثليثَ غسل الوجه (٢). ونظر الحافظ ابنُ حجرٍ في هذه الرواية (٣)، والله أعلم. وفي مسلم من حديث عبد الله بن زيدٍ -أيضاً- ﵁: أنه رأى رسول الله ﷺ توضأ، فمضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ويده اليمنى ثلاثاً، والأخرى ثلاثاً (٤). (ثم أدخل يديه)، فاغترف من التور ماءً، (فمسح رأسه) بكلتا يديه، (فأقبل بهما)؛ أي: يديه بعد أن وضع إبهامي يديه على الصدغين من مقدم رأسه، ثم مرهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى مقدمه، وهو معنى قوله: (وأدبر). فإن قيل: مقتضى الإقبال أن يبدأ من مؤخر رأسه مقبلاً إلى مقدمه، ثم يدبر بهما؛ لأن ذهابه إلى جهة القفا إدبارٌ، ورجوعه إلى جهة الوجه إقبالٌ؟!

стр. 244

قلتُ: أجاب بعض العلماء عن هذا: بأن الواو لا تقتضي الترتيب، فالتقدير: أدبر وأقبل. وأحسنُ من هذا قولُ ابن دقيق العيد: الإقبالُ والإدبار من الأمور الإضافية؛ أعني: أنه ينسب إلى ما يقبل إليه ويدبر عنه، والمؤخَّر محلٌّ يمكن أن يُنسب الإقبال إليه، والإدبار عنه، فيمكن حمله على هذا. ويحتمل أن يريد بالإقبال: الإقبال على الفعل لا غير. قال ابن دقيق العيد: ويضعفه قوله: وأدبر (١). (مرةً واحدةً) فلا يستحب في مسح الرأس التثليث، وهو مذهبنا؛ كالحنفية والمالكية. والأحاديث وردت مطلقةً ومقيدةً بمرةٍ واحدة، فحمل المطلق على المقيد. (ثم غسل رجليه)، وفي رواية لمسلمٍ: ومسح برأسه بماء غير فضل يديه، وغسل رجليه حتى أنقاهما (٢). وتقدم الكلام على غسل الرجلين. (وفي رواية) في كيفية مسح الرأس: أن عبد الله بن زيدٍ ﵁ (بدأ) في مسحه (بمقدم رأسه)، بأن وضع إبهامي يديه على صدغيه، وأصابعَ يديه على حدِّ منابت شعره؛ فإنه حد الرأس من مقدمه من حيث لا يسمى وجهاً، وهو ما يحاذي النزعتين والتحذيف والصدغين والمفصل والجبينين (حتى ذهبَ بهما)؛ أي: يديه، ماراً بالماء على رأسه مسحاً إلى

стр. 245

أن انتهى بذلك (إلى قَفاهُ)؛ أي: إلى قفا رأسه من الزرقتين التي وراء الأذنين إلى ما يسمى قفا. وليس ظهر الرقبة من الرأس، فلا يجب مسحها، بل ولا يستحب، خلافاً للحنفية؛ فالأذنان والبياض الذي فوقهما من الرأس -كما قدمناه في حديث عثمان-. ويجب أن يبلغ بالمسح إلى جزءٍ من الوجه، كما يبلغ بغسل الوجه إلى جزء من الرأس؛ ليحصل الاستيعاب؛ من باب: ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجبٌ، (ثم رَدَّهما)؛ أي: ردَّ عبدُ الله بنُ زيدٍ ﵁ يديه راجعاً بهما إلى جهة وجهه، (حتى رجعَ إلى المكانِ الذي بدأ) بالهمز (منه)، وهو مقدَّم رأسه، وهذا يرد قولَ من قال: يبدأ بمؤخر رأسه، ويمر إلى جهة الوجه، ثم يرجع إلى المؤخر محافظةً على ظاهر قوله: (أقبل وأدبر). وينسب الإقبال إلى ناحية المقدم والوجه، والإدبار إلى ناحية المؤخر؛ فإن الحديث مصرحٌ بكيفية الإقبال والإدبار صريحاً، لا يحتمل التأويل، والحديث صحيحٌ متفقٌ على صحته. (وفي رواية) في حديث عبد الله بن زيدٍ ﵁: (أتانا رسولُ الله ﷺ ، فأخرجَنْا له ماءً في تَوْرٍ). وفي لفظٍ: أن رسول الله ﷺ توضأ في إناءٍ (من صُفْرٍ) -بضم الصاد المهملة -أي: من نحاسٍ، وفاعله يقال له الصفَّار؛ كما في "القاموس" (١). ولم يذكر مسلم: إناء الصفر، وإنما ذكره البخاري.

стр. 246

(قال) الحافظ أبو محمد المصنف (﵁: التور: إناءٌ يشبه الطَّسْت). تقدم أن التور -بالتاء المثناة-. والطست -بكسر الطاء المهملة وفتحها وبإسقاط التاء-، وجمعه طساس، ويجمع على طسوس، وفي حديث الإسراء: واختلف إليه ميكائيل بثلاث طساس من زمزم (١). قال في "القاموس": الطَّسُّ الطَّسْتُ؛ كالطَّسَّة، والطِّسَّة، والجمع: طُسوس، وطِساس، وطَسيس، وطَسَّاتٌ، والطَّسَّاسُ صانعُه، والطِّساسةُ حِرْفته (٢). قال في "النهاية": والهاء فيه بدل من السين، فجمع إلى أصله (٣). وفي "القاموس": الطست: الطسُّ، أبدل من إحدى السينين تاءً، وحكي بالشين المعجمة (٤). وفي "المطالع": التور: مثل قدح القدر من الحجارة (٥). والحاصل: أنه إناءٌ لا من جملة الأوعية يكون من نحاسٍ، وهو الطست، ومن غير نحاسٍ، والله أعلم. وفي الحديث: جواز الاغتراف للطهارة من الماء القليل، وأنه لا يستعمل لذلك، ولا تعتبر نية الاغتراف، والله أعلم. * * *

стр. 247

الحديث التاسع عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُعْجِبُه التَّيَمُّنُ في تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وطَهُورِهِ، وَفي شَأْنِهِ كلِّهِ (١).

стр. 248

(عن عائشة) أُمَّ المؤمنين (﵂): أنها (قالت: كان رسولُ الله ﷺ يُعجبُه التيمُّنُ)؛ أي: يحبه ويرضاه، وتعني بالتيمن: الابتداء باليمين، قيل: لأنه ﷺ كان يحب الفأل الحسن؛ إذ أصحاب اليمين أهل الجنة. زاد البخاري من رواية شعبة: "ما استطاع"، فنبه على المحافظة على ذلك ما لم يمنع مانعٌ. (في تنعُّلِه)؛ أي: في لبس نعله؛ بأن يبدأ بلبس رجله اليمنى للنعل. (و) في (ترجُّلِه) وهو ترجيلُ شعره؛ أي: تسريحُه ودهنُه؛ بأن يبدأ بالشق الأيمن من رأسه، وكذا لحيته. قال في "المشارق": رجَّل شعَره: إذا مشَّطه بماءٍ أو دُهنٍ لِيَلِين، ويرسل الثائر، ويمد المنقبض (١). زاد أبو داود من رواية شعبة: "وسِواكِه" (٢). (و) في (طهوره) بأن يبدأ بغسل يده اليمنى قبل اليسرى، ورجله اليمنى كذلك، في الوضوء، وبالشق الأيمن في الغسل. والبداءة باليمين من السنة المستحبة، وإن كنا نقول باعتبار الترتيب، إلا أن اليدين كالعضو الواحد، وكذا الرجلين، ومن ثم جُمعا في القرآن حيث قال - تعالى -: ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾ [المائدة: ٦] ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦].

стр. 249

(وفي شأنه كله)، وفي أكثر الروايات بإسقاط الواو. وفي روايةٍ أبي الوقت بإثباتها. قال الحافظ ابن حجرٍ: وهي التي اعتمدها صاحب "العمدة" (١)، يعني: المصنف - رحمه الله تعالى -. قال ابن دقيق العيد. هو عامٌّ مخصوصٌ؛ لأن دخول الخلاء والخروج من المسجد ونحوهما يبدأ فيهما باليسار، انتهى (٢). وتأكيد الشأن بقوله: "كلِّه" يدل على التعميم؛ لأن التأكيد يرفع المجاز، فيمكن أن يقال: حقيقة الشأن ما كان فعلاً مقصوداً، وما يستحب فيه التياسر ليس من الأفعال المقصودة، بل هي إما تروك، وإما غير مقصودةٍ. وهذا كله على تقدير إثبات الواو، وأما على إسقاطها، فقوله: "في شأنه كله" متعلقٌ بـ"يعجبه"، لا بالتيمن؛ أي: يعجبه في شأنه كله التيمن في تنعله إلخ؛ أي: لا يترك ذلك سفراً ولا حضراً، ولا في فراغه ولا شغله. قاله في "الفتح" (٣). وقال الطيبي: قوله "في شأنه" بدل من قوله: "في تنعله"؛ بإعادة العامل، قال: وكأنه ذكر التنعل؛ لتعلقه بالرجل، والترجل؛ لتعلقه بالرأس، والطهور؛ لكونه مفتاح أبواب العبادة، فكأنه نبه على جميع الأعضاء، فيكون كبدل الكل من الكل. ووقع في رواية مسلمٍ بتقديم قوله: "في شأنه كله" على قوله: "في تنعله إلخ".

стр. 250

وزاد الإسماعيلي من طريق غندر عن شعبة: أن عائشة -أيضاً- كانت تُجمله تارةً، وتبينه تارةً. قال الحافظ ابنُ حجرٍ: فعلى هذا يكون أصلُ الحديث ما ذُكر من التنعل وغيره، ويؤيده رواية مسلمٍ وابن ماجه، كلاهما عن أشعث بدون قوله: "في شأنه كله" (١)، وكأن الرواية المقتصرة (في شأنه كله) من الرواية بالمعنى (٢). وفي الحديث: استحباب البداءة بشق الرأس الأيمن في الترجل والغسل والحلق، لا يقال: هو من باب الإزالة، فيبدأ فيه بالأيسر، بل من باب العبادة والتزيين، وقد ثبت الابتداء في الشق الأيمن، وفي الحلق -كما سيأتي-. وفيه: البداءة بالرجل اليمنى في التنعل، وفي إزالتها باليسرى. وفيه: البداءة باليد اليمنى في الوضوء، وكذا الرِّجل، وبالشق الأيمن في الغسل- كما تقدم -، واستدل به على استحباب الصلاة عن يمين الإمام، وفي ميمنة المسجد، وفي الأكل والشرب باليمين (٣). والحاصل: أن قاعدة الشرع المستمرة: استحباب البداءة في اليمين في كل ما كان من باب التكريم والتزيين، وما كان بضدها استحب فيه التياسر، والله الموفق. * * *
следующие страницы →