стр. 1856
← Шархи хадиса следующие страницы →
Шархи хадиса · id 17437
كشف اللثام شرح عمدة الأحكام
السفاريني
Полный текст (4 025 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1857
باب أفضل الصيام
وغيرِه؛ أي: غيرِ أفضل الصيام؛ من صيام ثلاثةِ أيام من كل شهر، والنهي عن إفراد يوم الجمعة بالصوم، وتحريم صيام العيدين، والترغيب في صيام يوم في سبيل اللَّه.
وذكر الحافظ في هذا الباب ثمانية أحاديث.
* * *
стр. 1858
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بنِ العَاصِ ﵄، قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَقُولُ: واللَّهِ! لأَصُومَنَّ النَّهَارَ، ولأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ، فقلتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، قَالَ: "فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَنَمْ وَقُمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ فَإِنَّ الحَسَنَةَ بَعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ"، فَقُلْتُ: إنِّي أُطِيقُ أَفْضلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: "فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ"، قُلْتُ: إِنَّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: "فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، فَذَلِكَ صِيامُ دَاوُدَ ﵇، وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ"، فَقُلْتُ: إِنَّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ" (١).
стр. 1859
وفي رواية قال: "لا صَومَ فَوقَ صَومِ دَاودَ -شَطْرُ الدَّهْرِ- صُمْ يومًا، وأَفطِرْ يَومًا" (١).
(عن) أبي عبدِ الرحمن (عبدِ اللَّه بنِ عمرِو بنِ العاص) السهميِّ القرشيِّ (﵄ قال) عبد اللَّه ﵁: (أُخبر) -بضم الهمزة وسكون الخاء المعجمة وكسر الموحدة مبنيًا للمفعول- (رسولُ اللَّه) -بالرفع- نائب الفاعل (أَني أقولُ)؛ أي: أُخبر من قولي: (واللَّه! لأَصومَنَّ النهارَ، ولأَقومَنَّ الليلَ ما عِشْتُ)؛ أي: مدة حياتي، (فقلت له) في هذا
стр. 1860
طَيٌّ تقديره: فقال لي ﷺ : "أنت الذي تقول: واللَّهِ لأصومنَّ النهار" إلخ (١)؟
ولمسلم: "آنت الذي تقولُ ذلك؟ " (٢)، فقلت له: (قد قلتُه بأبي أنت وأمي)؛ أي: أفديك بهما، (قال: فإنَّكَ لا تستطيعُ ذلك) الذي قلتهَ من صيام النهار وقيام الليل؛ لحصول المشقة، وإن لم يتعذر الفعل، أو إنك تبلغ من العمر ما يتعذر معه ذلك، وعلِمه ﷺ بطريق ما، أو أن المراد: لا تستطيع ذلك مع القيام ببقية الحقوق والمصالح الشرعية شرعًا (٣)، (فصم وأفطر) -بهمزة قطع- أمرُ إرشاد، (ونم) من الليل، (وقم) منه، ثم بين ما أجمل، فقال: (وصُمْ من الشهر) الهلالي (ثلاثةَ أيام)، لم يعينها، ثم علل وجه كونها ثلاثة بقوله: (فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك)؛ أي: حيث كانت الحسنة بعشر أمثالها (مثلُ صيام الدهر)؛ أي: مثلُ صيام الدهر من غير تضعيف الحسنات؛ فإن ذلك التضعيف مرتب على الفعل الحسي الواقع في الخارج، والحامل على هذا التأويل: أن القواعد تقتضي أن المقدَّر لا يكون كالمحقَّق، وأن الأجور تتفاوت بحسب تفاوت المصالح، أو المشقة في الفعل، فكيف يستوي مَنْ فعلَ الشيء بمن قدر فعله له؟ فلأجل ذلك قيل: إن المراد: أصلُ الفعل في التقدير، لا الفعلُ المرتَّب عليه التضعيفُ في التحقيق، وهذا لا يختص بهذا الفعل، بل بغيره، بل هو أنه أخذ صيام بعض الأيام المفضلة، وقيام بعض الليالي مما جاء: "من صامَ يومَ كذا، كان كمن صام شهرًا، ومن قام ليلة كذا، فكأنه قام سنة"، أو نحو ذلك (٤).
стр. 1861
تنبيه:
ربما استُدل بظاهر هذا الحديث على كراهة صيام الدهر، وربما استُدل [به] على عدم الكراهة، ومعتمد المذهب: جوازه، ولم يكره إذا لم يترك به حقًا، ولا خاف منه ضررًا، ولم يصم الأيامَ المنهيَّ عن صيامها؛ يعني: العيدين، وأيام التشريق، فإن أدخل فيه يومي العيدين، وأيام التشريق، أو يومًا منها، حَرُم، وإن أفطر أيام النهي، جاز؛ خلافًا للظاهرية.
نقل حنبل عن الإمام أحمد ﵁: إذا أفطر أيامَ النهي، فليس ذلك صومَ الدهر.
ونقل صالح: إذا أفطرها، رجوتُ أن لا بأس به، وهذا اختيار القاضي وأصحابه، وصاحب "المحرر"، والأكثر؛ وفاقًا لمالك، والشافعي.
وذكر الإمام مالك: أنه سمع أهل العلم يقولونه؛ لقول حمزة بن عمرو: يا رسول اللَّه! إني أسرد الصوم، أفأصوم في السفر؟ قال: "إنْ شئتَ فصمْ" متفق عليه، وتقدم (١)، ولأن أبا طلحة وغيره من الصحابة وغيرهم فعلوه، وأجابوا عن حديث عبد اللَّه بن عمرو، وقوله ﷺ : "لا صامَ مَنْ صامَ الدهرَ" رواه البخاري (٢)؛ بأنه خشيَ عليه ما سبق.
وقال صاحب "المغني" من أئمة علمائنا: يكره صيام الدهر (٣)، وهو ظاهر رواية الأثرم عن الإمام أحمد، وللحنفية قولان (٤).
стр. 1862
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الصواب قولُ من جعله تركًا للأَوْلى، أو كرهَه، وفصَّل بعضهم بأنه إن خاف ضررًا، أو فواتَ حق، إن كان الحقُّ الذي يفوت به واجبًا، حَرُم، وإن كان مندوبًا أولى من الصيام، كُرِه، وإن كان يقوم مقامه، فلا كراهة، وحيث جاز بلا كراهة، فصومُ يومٍ وفطرُ يومٍ أفضلُ منه؛ خلافًا لطائفة من الفقهاء والعباد، ذكره شيخ الإسلام (١)، وهو ظاهرُ حال من سرده، ومنهم أَبو بكر النجَّاد أحد أعلام علمائنا؛ حملًا لخبر عبد اللَّه بن عمرو عليه، وعلى من في معناه؛ لأنه ﷺ لم يرشد حمزةَ بنَ عمرو إلى يوم ويوم.
قال الإمام أحمد: ويعجبني أن يفطر منه أيامًا؛ يعني: أنه أولى؛ للخروج من الخلاف، وجزم به جماعة، وقاله إسحاق، وليس المراد كراهة، فلا تعارض، واللَّه أعلم (٢).
قال عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄: (فقلت): يا رسول اللَّه! (إني أُطيق أفضلَ من ذلك)؛ أي: أكثر من صوم ثلاثة أيام من كل شهر، (قال ﷺ : فصم يومًا، وأفطر يومين) -بالإفراد في الأول، والتثنية في الآخر-، وفي رواية حسين المعلم في: الأدب من "الصحيح": "فصم من كل جمعة ثلاثة أيام" (٣).
وفي "الصحيحين" من حديث ابن عمرو: أن رسول اللَّه ﷺ قال له: "صمْ يومًا، ولك أجرُ ما بقي"، قال: إني أطيق أكثرَ من ذلك، قال: "فصم يومين، ولك أجر ما بقي"، قال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: "صُم ثلاثةَ
стр. 1863
أيام ولك أجرُ ما بقي"، قال: إني أطيق أكثر من ذلك (١)، قال: "صمْ أربعةَ أيام، ولك أجرُ ما بقي"، قال: إني أطيقُ أكثر من ذلك.
وفي رواية: "أما يكفيك من كل شهر ثلاثةُ أيام؟ "، قال: قلت: يا رسول اللَّه! قال: "خمسًا"، قلت: يا رسول اللَّه! قال: "سبعًا"، قلت: يا رسول اللَّه! قال: "تسعًا"، قلت: يا رسول اللَّه! قال: "إحدى عشرة" (٢)، (قلت: إني أطيق أفضل)؛ أي: أكثر (من ذلك، قال ﷺ : فصمْ يومًا وأفطِرْ يومًا، فذلك صيامُ داودَ ﵇).
ولفظ داودَ أعجميُّ، قال ابنُ عباس وغيره: عبراني، ومعناه: القصيرُ العمر، وهو داود بن إيشا -بكسر الهمزة وسكون الياء المثناة تحت وبالشين المعجمة- من سبط يهوذا -بفتح المثناة تحت وضم الهاء وبالذال المعجمة- بنِ يعقوبَ بنِ إسحاقَ بن إبراهيم -عليهم الصلاة والسلام-، وهو أَبو سليمان النبيِّ ﵇، جمعَ اللَّه له بين النبوة والملك، وقد كان راعيًا، فآتاه اللَّه الملك بعد قتله جالوتَ بسبع سنين، وذلك لما استُشهد طالوتُ، أعطى بنو إسرائيل داودَ خزائنَ طالوت، وملَّكوه على أنفسهم، ولم يجتمع بنو إسرائيل على ملك إلا على داود، وفضلُ داود ومعجزاته وكراماته مشهورة في الكتاب والسنة، ذكرها اللَّه تعالى في القرآن العظيم في اثني عشر موضعًا من كتابه العزيز (٣).
وفي "البخاري" عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: "خُفِّفَ على داودَ القرآنُ -يعني: الزبور-، فهو يأمر بدابته تُسْرَج، فيقرؤه
стр. 1864
قبل أن تُسْرَج، وكان لا يأكل إلا من عمل يده" (١).
وفي الترمذي: "كان من دعاء داود ﵇: اللهمَّ إني أسألُكَ حُبَّكَ، وحُبَّ مَنْ يحبُّكَ، والعملَ الذي يُبلغني حُبَّكَ، اللهمَّ اجعلْ حُبَّكَ أَحَبَّ إليّ من نفسي وأهلي ومنَ الماءِ البارد". وقال ﷺ : "كان داودُ أعبدَ البشر" (٢).
وأوصى ابنَه سليمانَ ﵇. ففي "حلية الأولياء" لأبي نعيم عن الفضيل، قال: قال داود: إلهي! كُنْ لابني سليمانَ كما كُنْتَ لي، فأوحى اللَّه تعالى إليه: يا داودُ! قل لابنك سليمانَ يكنْ لي كما كنتَ لي حتى أكونَ له كما كنتُ لكَ (٣).
قال كعبُ الأحبار، ووهبُ بن منبه -رحمهما اللَّه تعالى-: كان داود ﵇ أحمرَ الوجه، أبيضَ الجسم، طويلَ اللحية فيها جُعودة، حسنَ الصوت والخلق، طاهرَ القلب، بينه وبين موسى خمس مئة وسبعٌ وسبعون سنة.
ويزعم أهل الكتاب أن عمره تسع وتسعون سنة، ومدة ملكه أربعون سنة.
قال كعب: والنصارى تزعم أن قبره في الكنيسة الحسمانية ببيت القدس
стр. 1865
- صلوات اللَّه وسلامه على نبينا وعليه، وعلى سائر أنبياء اللَّه ووسله أجمعين (١).
(وهو)؛ أي: صيامُ داود ﵇ (أفضلُ الصيام).
وفي "الصحيحين" من حديث ابن عمرو ﵄: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن أحبَّ الصيامِ إلى اللَّه صيامُ داودَ" (٢)، وهذا يدل على أفضلية هذا الصيام على صوم الدهر، ويترجَّح من حيث المعنى بأن صيام الدهر قد يفوِّتُ بعضَ الحقوق، وبأن من اعتاده لا يكاد يشقُّ عليه، بل تضعف شهوتُه عن الأكل، وتقلُّ حاجته إلى الطعام والشراب نهارًا، ويألف تناوله في الليل؛ بحيث يتجدد له طبع زائد، بخلاف من يصوم يومًا؛ ويفطر يومًا؛ فإنه لا يزال ينتقل من فطر إلى صوم، ومن صوم إلى فطر.
وقد نقل الترمذي عن بعض أهل العلم: أنه أشقُّ الصوم (٣)، ويأمن مع ذلك من تفويت الحقوق (٤).
وفي "فتاوى ابن عبد السلام" من الشافعية: أن صوم الدهر أفضلُ من صيام داود -يعني: صوم يوم؛ وفطر يوم-؛ لأنه أكثر عملًا، فيكون أكثر ثوابًا (٥)، وبذلك جزم الغزالي منهم، بشرط أَلَّا يصوم الأيام المنهيَّ عنها، وأَلَّا يرغب عن السنة بأن يجعل الصوم حجرًا على نفسه (٦).
стр. 1866
قال عبد اللَّه: (فقلت: إني أطيقُ أكثرَ من ذلك) يا رسول اللَّه، (فقال ﷺ : لا أفضلَ من ذلك).
قال في "الفروع": أفضل صوم التطوع (١)، نص الإمام أحمد عليه؛ لقوله ﷺ لعبد اللَّه بن عمرو: "صمْ يومًا وأفطرْ يوما، فذلك صيامُ داود ﵇، وهو أفضل الصيام" (٢). فأجراه الإمام أحمد على ظاهره، وأيده بقوله ﷺ : "لا أفضل من ذلك"، ومن فضل صيام الدهر حُمِلَ قوله ﵇: "لا أفضل من ذلك"؛ أي: بالنسبة إلى مَنْ حالُه مثلُ حالك؛ يعني: من يتعذر عليه الجمعُ بين الصوم الأكثرِ والقيامِ بالحقوق (٣).
قال ابن دقيق العيد: والأقرب: أن يجري على ظاهر الحديث في تفضيل صيام داود ﵇؛ لأن الأفعال متعارضة المصالح والمفاسد، وليس كل ذلك معلومًا لنا، ولا مستحضرًا، وإذا تعارضت المصالح والمفاسد، فمقدار تأثير كل واحدة منهما في الحث أو المنع غيرُ متحقق لنا، فالطريق حينئذ أن يفوَّضَ الحكمُ إلى صاحب الشرع، ويُجرى على ما دل عليه ظاهر اللفظ، مع قول الظاهر هاهنا، وأما زيادة العمل، واقتضاء القاعدة لزيادة الأجر بسببه، فيعارضه اقتضاء العادة والجبلة للتقصير في حقوق يعارضها الصوم الدائم، ومقادير ذلك الفائت مع مقادير ذلك الحاصل من الصوم غير معلومة لنا، انتهى (٤).
(وفي رواية) في "الصحيحين" من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص -
стр. 1867
رضي اللَّه عنهما-، (قال): إن رسول اللَّه ﷺ ذُكر له صومي، فدخل عليَّ، فألقيت له وسادة من أَدَم حشوُها ليفٌ، فجلس على الأرض، وصارت الوسادةُ بيني وبينه، فقال: "وما يكفيكَ من كلِّ شهرٍ ثلاثةُ أيام؟ "، وذكر الحديث الذي ذكرناه سابقًا إلى أحدَ عشرَ يومًا، فقال النبي ﷺ في الصوم؛ أي: لا فضل و (لا) كمال في (صوم) التطوع (فوق صوم داود) ﵇، فهذا يؤيد كونَه أفضلَ من صيام الدهر، ومن أَبى ذلك، حَمَلَه على [مَنْ] حاله كمثلِ حال ابن عمرو ممن يضعفه عن الفرائض والحقوق.
(شطر الدهر)؛ أي: نصفه، وهو بالرفع خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو شطر الدهر، ويجوز بالجر بدل من قوله: "صومِ داود"، وهذان الوجهان رواية أبي ذرّ، وروي بالنصب على أنه مفعول فعل مقدر؛ أي: هاكَ، أو خُذ، ونحوه (١) (صم يومًا وأفطر يومًا)، وفي رواية: "صيام يوم وإفطار يوم" (٢)، وفيه الثلاثة أوجه السابقة، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 1868
الحديث الثاني
وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إنَّ أَحَبَّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ، وأَحَبَّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ؛ كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَكَانَ يَصُومُ يَوْمًا، ويُفْطِرُ يَوْمًا" (١).
* * *
(وعنه)، أي: عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄،
стр. 1869
(قال: قال رسول اللَّه ﷺ : إن أحبَّ الصيامِ إلى اللَّه) (صيامُ داود) نبيِّ اللَّه ﵇؛ أي: أكثر ما يكون محبوبًا، واستعمال "أحب" بمعنى: محبوب، قليل؛ لأن الأكثر في أفعل التفضيل أن يكون بمعنى الفاعل؛ كما في القسطلاني، قال: ونسبة المحبة في ذلك إلى اللَّه تعالى على معنى: إرادة الخير لفاعله (١).
(وأحبَّ الصلاة)؛ أي: أكثر ما يكون محبوبًا (إلى اللَّه) (صلاةُ داودَ) ﵇، ثم بين ما أجمل من ذلك، فقال: (كان) داود ﵇ (ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه) في الوقت الذي ينادي فيه الربُّ تعالى: هل من سائلٍ؟ هل [من] مستغفر؟
(وينام سدسَه) ليستريح من نَصبِ القيام في بقية الليل، وإنما كان هذا أحبَّ إلى اللَّه تعالى؛ لأنه أخذ بالرفق على النفوس التي يخشى منها السآمة التي هي سببٌ إلى ترك العبادة، واللَّه تعالى يحب أن يوالي فضله، ويُديم إحسانه. قاله الكرماني.
وإنما كان ذلك أرفقَ؛ لأن النوم بعد القيام يُريح البدن، ويُذهب ضرر السهر، وذبولَ الجسم؛ بخلاف السهر إلى الصباح، وفيه من المصلحة أيضًا استقبالُ صلاةِ الصبح وأذكارِ النهار بنشاط وإقبال، وإنه أقرب إلى عدم الرياء؛ لأن من نام السدس الأخير، أصبح ظاهر اللون، سليم القوى، فهو أقرب إلى أن يخفي عمله الماضي على من يراه، أشار إليه ابن دقيق العيد (٢).
стр. 1870
(وكان) داود ﵇ (يصوم يومًا ويفطر يومًا).
قال الزين بن المنير: كان داود ﵇ يقسم ليله ونهاره لحقِّ ربه، وحق نفسه، فأما الليلُ، فاستقام له فيه ذلك في كل ليلة، وأما النهار، فلما تعذَّر عليه أن يجزئِّه بالصيام؛ لأنه لا يتبعَّض، جعل عوضًا من ذلك أن يصوم يومًا، [ويفطر يومًا]، فيتنزل ذلك منزلة التجزئة في شخص اليوم (١).
والمقصود من هذا الحديث: ثبوتُ أفضليةِ صومِ يومٍ وفطرِ يومٍ على بقية صيام التطوع المطلق، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 1871
الحديث الثالث
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: أَوْصَاني خَلِيلِي ﷺ بِثَلَاثٍ: صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، ورَكْعَتَي الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ (١).
* * *
(عن أبي هريرة ﵁، قال: أوصاني) أوصى ووصَّى بمعنى (خليلي) رسول اللَّه ﷺ الذي تخلَّلَتْ محبتهُ قلبي، فصارت في خلاله؛ أي: باطنه.
стр. 1872
ولا يعارض هذا قولَه ﷺ : "لو كنتُ مُتَّخذًا خليلًا غيرَ رَبِّي، لاتَّخَذْتُ أبا بَكْرٍ" (١)؛ لأن الممتنعَ أن يتخذ هو غيره تعالى خليلًا، لا أن غيره يتخذُه هو (٢) (بثلاث) متعلق بـ "أوصى"، زاد في رواية: "لا أدعُهن" (٣) -بضم العين-؛ أي: لا أتركهن حتى أموت (صيامِ ثلاثةِ أيامٍ من كل شهر) بجرِّ "صيام" بدلًا من "ثلاث"، ولم يعين الأيام، بل أطلقها (٤).
وقد روى النسائي، وصحَّحه ابنُ حبان عن أبي هريرة ﵄، قال: جاء أعرابي إلى النبيِّ ﷺ بأرنب قد شواها، فأمرهم أن يأكلوا، وأمسك الأعرابي، فقال: "ما منعكَ أنْ تأكل؟ "، قال: إني أصوم ثلاثة أيام من كل شهر، قال: "إن كُنْتَ صائمًا، فَصُمِ الغُرَّ" (٥)؛ أي: البِيضَ. وفي لفظ عند النسائي: "إن كنْتَ صائمًا، فَصُم البِيضَ: ثلاثَ عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة" (٦).
وفي لفظ غيره من حديث جرير بن عبد اللَّه ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "صيامُ ثلاثةِ أيامٍ من كلِّ شهرٍ صيامُ الدَّهر، وأيام البيض: ثلاثَ عشرةَ، وأربعَ عشرةَ، وخمسَ عشرةَ"، وإسناده صحيح (٧).
стр. 1873
وفي رواية: "أيام البيض" -بغير واو- (١).
ففي هذا الحديث: استحبابُ صيام ثلاثة أيام من كل شهر.
وفي "مسلم" عن معاذة العدوية: أنها سألت عائشةَ ﵂ زوجَ النبيِّ ﷺ : أكان رسولُ اللَّه ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؟ قالت: نعم، فقلت لها: من أي أيام الشهر كان يصوم؟ قالت: لم يكن يبالي من أي أيام الشهر يصوم (٢).
قال في "الفروع": يستحب صومُ ثلاثة أيام من كل شهر، وأيامُ البيض أفضلُ؛ وفاقًا للشافعي، نص على ذلك الإمام أحمد؛ للأخبار الصحيحة في ذلك، وأنه صومُ الدهر، وفي بعضها: كصوم الدهر (٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية، وغيره: مراده: أن من فعل هذا، حصل له أجرُ صيام الدهر بتضعيف الأجر من غير حصول المفسدة (٤)، وهذا أولى مما قدمناه في شرح حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص.
والأيام البيض: ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة.
قال في "الفروع": سميت بذلك؛ لبياض ليلها، وذكر أَبو الحسن التميمي (٥):
стр. 1874
أن اللَّه تاب على آدم فيها، وبَيَّضَ صحيفتَه (١).
وفي "الفتح": أن اليوم الكامل هو النهار بليلته، وليس في الشهر يوم أبيض كله إلا هذه الأيام؛ لأن ليلَها أبيضُ، ونهارها أبيض (٢)، تُعُقِّبَ (٣): بأن اليوم الكامل في اللغة: من طلوع الشمس إلى غروبها، وفي الشرع: من طلوع الفجر الصادق، وليس للَّيلة دخلٌ في حدِّ النهار (٤).
وعن مالك: يكره صومُ أيام البيض، قال: ما كان ببلدنا.
ويروى عنه: أنه كان يصومها، وكتب إلى الرشيد يحضُّه على صومها (٥).
والذي في "الفروع": أنه كره صومها (٦)، قال ابن رشد من المالكية: وإنما كرهها؛ لسرعة أخذ الناس بمذهبه، فيظن الجاهل وجوبَها، والمشهورُ من مذهبه استحبابُ صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وكراهةُ كونها البيضَ؛ لأنه كان يفرُّ من التحديد.
واستحبَّ بعض العلماء صيام أيام السود: الثامن والعشرين، وتالييه.
وخُصت البيضُ والسود بذلك، لـ[ـتـ]ـعميم البيض بالنور، والسود بالظلمة، فناسب صوم الأولى شكرًا، والثانية لطلب كشف الظلمة، ولأن
стр. 1875
الشهر ضيفٌ قد أشرف على الرحيل، فناسب تزويدُه بذلك، ولأن الأمور بخواتيمها.
والحاصل من ذلك كله أقوال:
أحدها: استحبابُ ثلاثة أيام من الشهر غير معينة.
الثاني: استحباب الثالث عشر وتالييه، وهو مذهب الشافعي؛ كأحمد، وأحد رأيي أبي حنيفة، وأصحابهم، وابن حبيب من المالكية.
الثالث: استحباب ثلاثة أيام من أول الشهر.
الرابع: السبت والأحد والاثنين من أول كل شهر، ثم الثلاثاء والأربعاء والخميس من أول الشهر الذي يليه.
الخامس: استحبابها من آخر الشهر.
السادس: صوم يوم من أول كل عشرة.
وثم أقوال أُخر أضربنا عنها (١).
ومعتمد المذهب: استحباب صوم ثلاثة أيام من كل شهر، والأفضل كونها الأيام البيض، واللَّه تعالى الموفق.
(وركعتي الضحى) عطفٌ على السابق؛ أي: قال أَبو هريرة ﵁: وأوصاني خليلي ﵊ بصلاة ركعتي الضحى.
وفي لفظ: وصلاة الضحى في كل يوم؛ كما زاده الإمام أحمد (٢).
والركعتان أقلُّ صلاة الضحى، ويجزئان عن الصدقة التي تُصبح على مفاصل الإنسان في كل يوم، وهي ثلاث مئة وستون مفصلًا كما في حديث
стр. 1876
مسلم عن أبي ذر، قال فيه: "ويجزىء من ذلك ركعتا الضحى" (١).
(وَأن أوتر)؛ أي: أوصاني بالوتر (قبل أن أنام)، وليست الوصيةُ خاصة بأبي هريرة؛ فقد وردت وصيته ﷺ بالثلاث أيضًا لأبي ذر؛ كما عند النسائي (٢)، ولأبي الدرداء؛ كما عند مسلم (٣)، وقد قيل في تخصيص الثلاثة بالثلاثة؛ لكونهم فقراء لا مال لهم، فوصاهم بما يليق بهم، وهو الصوم والصلاة، وهما من أشرف العبادات البدنية (٤).
وفي لفظ: "ونومٍ" أي: أوصاني بنومٍ "على وترٍ" (٥)؛ ليتمرَّن على جنس الصلاة في الضحى؛ كالوتر قبل النوم في المواظبة؛ إذ الليلُ وقتُ الغفلةِ والكسل، فتطلبُ النفسُ فيه الراحة.
وقد روي: أن أبا هريرة كان يختار درسَ الحديث بالليل على التهجُّد، فأمره بالضحى بدلًا من قيام الليل، ولهذا أمره ﷺ ألا ينام إلا على وتر، ولم يأمر ذلك أبا بكر، ولا عمر، ولا غيرهما من الصحابة، سوى من قدمنا ذكرَهما، وتقدم الكلام على الوتر.
تنبيه:
صلاة الضحى سنة، وأقلها ركعتان؛ اتفاقًا.
ووقتُها من خروج وقت النهي إلى الزوال، والمراد: قبيل الزوال؛
стр. 1877
للنهي، والأفضلُ: إذا اشتد الحر، وأكثرُها ثمان؛ لأن أم هانىء روت: أن النبي ﷺ صلى ثمان ركعات يومَ الفتح ضُحًى (١).
واختار الإمام ابنُ القيم: أن الصلاة التي روتها أم هانىء صلاةٌ بسبب الفتح؛ شكرًا للَّه، وأن الأمراء كانوا يصلونها إذا فتح اللَّه عليهم (٢).
وقيل: أكثر صلاة الضحى اثنتا عشرة ركعة، جزم به سيدنا الشيخُ عبدُ القادر في "الغنية"، وقال: له فعلُها بعد الزوال، وقال: وإن أخرها حتى صلى الظهر، قضاها ندبًا.
ونص الإمام أحمد: تُفعل غِبًّا.
واستحبَّ الآجريُّ، وأبو الخطاب، وابن عقيل، وابن الجوزي، وصاحب "المحرر"، وغيرُهم المداومةَ، ونقله موسى بن هارون؛ وفاقًا للشافعي، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية لمن لم يقم في ليله (٣)، وهو ظاهر حديث أبي هريرة.
وفي الترمذي، والنسائي، وابن خزيمة عن أبي هريرة ﵁: أوصاني خليلي بثلاثٍ لَسْتُ بتاركِهِنَّ: أَلَّا أنام إلا على وتر، وأَلَّا أدع ركعتي الضحى؛ فإنها صلاة الأوابين، وصيامِ ثلاثةِ أيامٍ من كل شهر (٤).
стр. 1878
وفي ابن ماجه عن أبي هريرة مرفوعًا: "من حافظَ على شُفْعَةِ الضُّحى، غُفِرَتْ ذنوبُهُ وإنْ كانَتْ مثلَ زَبَدِ البحرِ"، ورواه الترمذي (١).
وفي ابن ماجه، والترمذي، وقال: غريب، عن أنس مرفوعًا: "مَنْ صَلَّى الضُّحَى ثِنْتَيْ عَشْرَة ركعة، بَنَى اللَّه له قَصْرًا في الجنةِ من ذَهَبٍ" (٢).
وعن عُقبةَ بن عامرٍ الجهنيِّ ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إنَّ اللَّه يقول: يا بنَ آدم! اكْفني أولَ النَّهارِ بأربعِ رَكَعاتٍ، أَكْفِكَ بِهِنَّ آخِرَ يَوْمِكَ" رواه الإمام أحمد، وأبو يعلى (٣)، ورجال أحدهما رجال الصحيح (٤).
وعن أبي أمامة ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من خرجَ من بيته مُتَطَهِّرًا إلى صلاةٍ مكتوبةٍ، فأَجْرُهُ كأَجْرِ الحاجِّ المُحْرِمِ، ومن خرجَ إلى تسبيحِ الضُّحى، لا ينصبُهُ إلا إياه، فأجرُهُ كأجرِ المعتمِرِ، وصلاةٌ على إثرِ صلاةٍ لا لغوَ بينهما كتابٌ في عِلِّيين" رواه أَبو داود (٥).
وعن أبي الدرادء ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من صَلَّى الضُّحى ركعتين، لم يُكْتب من الغافلين، ومن صلَّى أربعًا، كُتِبَ من العابدين، ومن صَلَّى سِتًا، كُفِيَ ذلكَ اليومَ، ومَنْ صَلَّى ثمانيًا، كتبه اللَّهُ من
стр. 1879
القانتين، ومن صلى ثِنْتَيْ عَشْرَة ركعةً، بنى اللَّهُ له بيتًا في الجنة" الحديث رواه الطبراني في "الكبير"، ورواتُه ثِقات، إلا أن من رواته موسى بن يعقوب الزمعي، فيه خلاف (١)، واللَّه الموفق.
* * *
стр. 1880
الحديث الرابع
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ ﵃، قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: أَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الجُمُعَة؟ قَالَ: نَعَمْ. زاد مسلم: وَرَبِّ الكَعْبةِ (١)!.
* * *
(عن محمد بنِ عَبّاد) -بفتح العين المهملة وتشديد الموحدة- (بنِ جعفرٍ) المخزوميِّ القرشيِّ المكيِّ التابعيِّ، في الطبقة الثانية، ثقة، سمع أبا
стр. 1881
هريرة، وجابرًا، وابن عمر، وابن عباس (﵃)، سمع منه ابن جريج، وعمرو بن عبد المجيد بن جبير، وزياد بن إسماعيل، روى له الجماعة.
قال ابن سعد: ثقة، قليل الحديث (١).
(قال: سألتُ جابرَ بنَ عبد اللَّه ﵄: أَنَهى) -بهمزة الاستفهام-، وفي لفظ: -بتركها-، وحينئذ تكون مقدرة (٢) (رسول اللَّه ﷺ عن صوم يوم الجمعة؟ قال)؛ أي: جابر ﵁: (نعم)؛ أي: نهى عن ذلك.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: (زاد مسلم) على البخاري: (ورَبِّ الكعبة!)، وهذه الزيادة بهذا اللفظ للنسائي (٣)، وأما زيادة مسلم: "وربِّ هذا البيت! "، فإما أن يكون قد وهم، أو نقله بالمعنى (٤).
قال البخاري في "صحيحه" (٥): زاد غيرُ أبي عاصم النبيل من الشيوخ، وهو يحيى بن سعيد القطان فيما جزم به البيهقي (٦): "أن ينفرد"؛ أي: يوم
стр. 1882
الجمعة بصوم، وفي لفظ: يعني: أن ينفرد بصومه (١).
والحكمة في كراهة إفراد الجمعة بالصوم خوف أن يضعف المرء إذا صامه عن الوظائف المطلوبة منه فيه، ومن ثم خصصه البيهقي والماوردي وابن الصائغ والعمراني نقلًا عن مذهب الشافعي بمن يضعُفُ به عن الوظائف (٢).
وظاهر كلام علمائنا: أن علة الكراهة: تخصيصُ الجمعة بالتعظيم من بين الأيام (٣)، ولئلا يتشبه باليهود في إفرادهم صومَ يومِ الاجتماع في معبدهم (٤)، ويرشد إلى الأول ما رواه مسلم، والنسائي عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "لا تَخُصُّوا ليلةَ الجمعةِ بقيامٍ من بينِ الليالي، ولا تَخُصُّوا يومَ الجمعةِ بصيامٍ من بين الأيام، إلا أن يكونَ في صومٍ يصومُه أحدُكم" (٥).
وفي "صحيح ابن خزيمة" عنه مرفوعًا: "إن يومَ الجمعة يومُ عيد، فلا تجعلوا يومَ عيدِكم يومَ صيامِكم، إلا أن تصوموا قبلَه أو بعدَه" (٦).
وعن أم المؤمنين جُويرية بنتِ الحارث ﵂: أن النبيَّ ﷺ
стр. 1883
دخلَ عليها يومَ الجمعة وهي صائمةٌ، فقالَ: "أَصُمْتِ أَمْسِ؟ "، قالت: لا، قال: "أَتُريدينَ أَن تصومي غدًا؟ "، قالت: لا، قال: "فأفطري" رواه البخاري، وأبو داود (١).
وعن ابن سيرين، قال: كان أَبو الدرداء يُحيي ليلةَ الجمعة، ويصومُ يومَها، فأتاه سلمانُ، وكان النبيُّ ﷺ آخى بينهما، ونام عنده، فأراد أَبو الدرداء أن يقوم ليلته، فقام إليه سلمان، فلم يدعه حتى نام، وأفطر، فجاء أَبو الدرداء إلى النبي ﷺ ، فأخبره، فقال النبي ﷺ : "عُوَيْمِرُ! سَلْمانُ أعلمُ منكَ، لا تخصَّ ليلةَ الجمعةِ بصلاةٍ، ولا يومَها بصيام" رواه الطبراني في "الكبير" بإسناد جيد (٢).
قال علماؤنا: يكره أن يتعمد إفراد يوم الجمعة بصوم، نص عليه الإمام أحمد في رواية الأثرم، قال: قيل لأبي عبد اللَّه: صيام يوم الجمعة؟ فذكر حديثَ النهي أن يُفرد، ثم قال: "إلا أن يكون في صيامٍ كانَ يصومُه".
وقال أَبو حنيفة، ومالك: لا يكره إفرادُ يوم الجمعة بالصوم؛ لأنه يوم، فأشبه سائرَ الأيام.
والأحاديث المارة وغيرُها صريحة في النهي، فلا أقلَّ من الكراهة.
قال الداودي المالكي: لم يبلغِ الإمامَ مالكًا الحديثُ؛ يعني: الذي نهى رسول اللَّه ﷺ فيه عن إفراد يوم الجمعة بالصوم (٣).
стр. 1884
قال في "شرح مسلم": فيه النهي عن تخصيص ليلة الجمعة بصلاة، وهو متفق على كراهته، انتهى (١).
قال في "الفروع": ويحمل ما روي من صومه، والترغيب فيه، على صومه مع غيره، فلا تعارضَ (٢).
قلت: كأنه يشير إلى حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ صامَ يومَ الجمعةِ، كتبَ اللَّه له عشرة أيام عددهن من أيام أخر، لا تشاكِلُهن أيامُ الدنيا" رواه البيهقي عن رجل من جُشم، عن أبي هريرة، وعن رجل من أشجع، عن أبي هريرة ﵁ (٣)، ولم يسم الرجلين، وهذا الحديث -على تقدير وجوده- محمولٌ على ما إذا صام يومَ الخميس قبلَه، أو عزمَ على صومِ السبتِ بعده.
تتمة:
يُكره إفرادُ يوم السبت بالصوم عندَ علمائنا؛ خلافًا لمالك؛ لحديث عبد اللَّه بن بُسر، عن أخته، واسمها الصماء، مرفوعًا: "لا تَصوموا يومَ السبتِ إلا فيما افترضَ عليكم" رواه الإمام أحمد بإسناد جيد، وأبو داود، والترمذي، وحسنه، والنسائي، وقال: هذه أحاديث منسوخة، وقال أَبو داود: هذا حديث منسوخ، وقال مالك: هذا كذب.
وقال الحاكم: هو صحيح على شرط البخاري (٤).
стр. 1885
قال في "شرح مسلم": صححه الأئمة (١).
قال في "الفروع": ولأنه يومٌ تعظمه اليهود، ففي إفراده تشبهٌ بهم.
قال الأثرم: قال أَبو عبد اللَّه: قد جاء فيه حديثُ الصماء، وكان يحيى بن سعيد يَتَّقيه، وأبى أن يحدثني به.
وذكر الإمام أحمد حديثَ أم سلمة: أن النبي ﷺ كان يصوم السبتَ والأحدَ، ويقول: "هما عيدانِ للمشركين، فأنا أُحِبُّ أَنْ أُخالفَهم" رواه الإمام أحمد، والنسائي، وصححه جماعة، وإسناده جيد (٢).
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية: أنه لا يكره، وأنه قول أكثر العلماء، وأنه الذي فهمه الأثرم من روايته، وأنه لو أُريد إفراده، لما دخل الصوم المفروض ليستثنى، فالحديث شاذ، أو منسوخ؛ فإن هذه طريقة قدماء أصحاب الإمام أحمد الذين صحبوه؛ كالأثرم، وأبي داود، وقال: وإن أكثر أصحاب الإمام أحمد الأخذ بالحديث، ولم يذكر الآجري غيرَ صوم يوم الجمعة، فظاهره: لا يكره غيره، انتهى (٣).
стр. 1886
فائدة:
لو جمع بين الجمعة والسبت في الصوم، زالت الكراهة، ويلغز بذلك، فيقال: أيُّ موضع إذا ضممتَ به بين مكروهين، زالت الكراهة؟ فيقال: هنا؛ فإنَّ إفرادَ كلِّ واحد من يوم الجمعة والسبت مكروه، فبضمهما زالت الكراهة، ولكنه لم يبق إفراد، واللَّه أعلم.
تنبيه:
قال علماؤنا: وكذا يُكره إفرادُ يوم النيروز، والمهرجان، وهما عيدان للكفار، وكذا لكل عيد لهم، أو يوم يُفردونه بتعظيم، إلا أن يوافقَ عادةً له؛ لما في صيامه من موافقة الكفار في تعظيمه.
واختار صاحب "المحرر" عدمَ الكراهة؛ لأنهم لم يعظموه بالصوم، ولحديث أم سلمة، وهو مذهب الثلاثة، واللَّه أعلم (١).
* * *
стр. 1887
كشف اللثام شرح عمدة الأحكام
تأليف
الإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن سالم السفاريني النابلسي الحنبلي
المولود سنة (١١١٤ هـ) - والمتوفى سنة (١١٨٨ هـ) - رحمه الله تعالى -
[المجلد الرابع]
اعتنى به تحقيقا وضبطا وتخريجا
نور الدين طالب
стр. 1888
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 1889
كَشْفُ اللِّثَامِ شَرح عُمْدَةِ الأَحْكَامِ
стр. 1890
جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م
رَقم الْإِيدَاع بمَكتَب الشؤون الفَنيَّة
٢٢/ ٢٠٠٧ م
قطَاع المسَاجْد - مَكتب الشؤون الفَنيَّة
الكويت - الرقعي - شَارِع مُحَمَّد بني الْقَاسِم
بدالة: ٤٨٩٢٧٨٥ - داخلي: (٤٠٤)
فاكس: ٥٣٧٨٤٤٧
موقعنا على الإنترنت
www.islam.gov.kw
قطَاع المسَاجْد - مَكتب الشؤون الفَنيَّة
قَامَت بعمليات التنضيد الضوئي والتصحيح العلمي والإخراج الفني والطباعة
دَار النَّوَادِر لصَاحِبهَا ومديرها الْعَام نور الدّين طَالب
سوريا - دمَشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦
لبنان - بَيروت - ص. ب: ٥١٨٠/ ١٤
هَاتِف: ٢٢٢٧٠٠١ (٠٠٩٦٣١١) - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١)
www.daralnawader.com
стр. 1891
الحديث الخامس
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إلَّا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ، أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ" (١).
(عن أبي هريرة) عبدِ الرحمنِ بن صخرٍ (﵁، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: لا يصومَنَّ) نهيٌ مؤكَّد بالنون الثقيلة.
وفي "الفتح" للحافظ ابن حجر ما نصه: للأكثر -يعني: من الرواة-: "لا يصومُ" بلفظ النفي، والمراد به: النهيُ. وللكشميهني بلفظ النهي المؤكد (٢).
стр. 1892
(أحدُكم) معشرَ الأمة (يومَ الجمعة، إلا أن يصومَ يومًا قبلَه)، وهو يوم الخميس، (أو) يصومَ (يومًا بعده)، وهو يوم السبت.
وعند ابن أبي شيبة بإسنادٍ حَسنٍ، عن عليٍّ ﵁: "من كان منكم متطوعًا من الشهر، فليصم يومَ الخميس، ولا يصم يوم الجمعة؛ فإنه يومُ طعامٍ وشرابٍ وذكرٍ" (١).
وعند ابن حزم (٢): يحرم صيامُ يومِ الجمعة، إلا لمن صام قبلَه، أو بعدَه، أو وافقَ عادتَه؛ لظواهر الأحاديث (٣).
* * *
стр. 1893
الحديث السادس
عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابنِ أَزْهَرَ، واسمُهُ سَعْدُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: شَهِدْتُ العِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخطَّاب ﵁، فَقَالَ: هَذَانِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صِيَامِهِمَا؛ يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، واليَوْمُ الآخَرُ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ (١).
стр. 1894
(عن أبي عُبيد مَوْلَى بنِ أزهرَ)، واسم ابن أزهر: عبد الرحمن بن الأزهر، ويقال: ابن أزهر عوفُ بنُ عبدِ عوفِ بنِ الحارثِ بنِ زُهرةَ -بضم الزاي- القرشيِّ الزهريِّ المدنيِّ، وهو ابنُ أختِ عبد الرحمن بنِ عوف، قال ابن عبد البر وغيره: وقد غلط فيه من جعلَه ابنَ عمه.
مات قبلَ وقعة الحَرَّةِ، وكانت الوقعةُ سنةَ ثلاث وستين.
ولم يخرج له أحدٌ من أصحاب الكتب الستة غير أبي داود.
(واسمه) في "غريب أبي عبيد" (سعدُ بنُ عبيد)، ويقال: إنه مولى عبد الرحمن بن عوف.
روى عن عمر، وعلي، وعنه: الزهريُّ، وسعدُ بن خالد، روى له الجماعة (١).
(قال) أَبو عُبيد مولى ابنِ أزهر: (شهدتُ العيدَ) زاد يونسُ، عن الزهري في روايته في الأضاحي: يومَ الأضحى (٢) (مع عمرَ بنِ الخطاب) أميرِ المؤمنين (﵁، فقال) عمر ﵁: (هذان يومانِ نهى رسول اللَّه ﷺ عن صيامِهِما)، أحدُهما (يومُ فطرِكم من صيامكم)؛ يعني: من فراغ رمضان، وهو أول يوم من شوال، (واليوم الآخَرُ) -بفتح الخاء المعجمة- (تأكلون فيه) خبرٌ لليوم (من نُسُكِكُم) -بضم السين المهملة، ويجوز سكونها-، أو أضحيتكم.
قال الحافظ: ابنُ حجر في "الفتح": وفائدةُ وصف اليومين الإشارةُ إلى
стр. 1895
العلَّة في وجوب فطرهما، وهي الفصل من الصوم، وإظهار تمامه وحده بفطر ما بعده، والآخر لأجل النُّسُك المتقرَّبِ بذبحه؛ ليؤكل منه، ولو شُرع صومه، لم يكن لمشروعية الذبح فيه معنى، فعبر عن علة التحريم بالأكل من النسك؛ لأنه يستلزم النحرَ (١).
وقوله: هذان، فيه التغليبُ، وذلك الحاضر يشار إليه بهذا، والغائب بذاك، فلما أن جمعهما اللفظ، قال: هذان؛ تغليبًا للحاضر على الغائب (٢).
* * *