← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

الحديث الخامس عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إلَّا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ، أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ" (١). (عن أبي هريرة) عبدِ الرحمنِ بن صخرٍ (﵁، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: لا يصومَنَّ) نهيٌ مؤكَّد بالنون الثقيلة. وفي "الفتح" للحافظ ابن حجر ما نصه: للأكثر -يعني: من الرواة-: "لا يصومُ" بلفظ النفي، والمراد به: النهيُ. وللكشميهني بلفظ النهي المؤكد (٢).

стр. 1892

(أحدُكم) معشرَ الأمة (يومَ الجمعة، إلا أن يصومَ يومًا قبلَه)، وهو يوم الخميس، (أو) يصومَ (يومًا بعده)، وهو يوم السبت. وعند ابن أبي شيبة بإسنادٍ حَسنٍ، عن عليٍّ ﵁: "من كان منكم متطوعًا من الشهر، فليصم يومَ الخميس، ولا يصم يوم الجمعة؛ فإنه يومُ طعامٍ وشرابٍ وذكرٍ" (١). وعند ابن حزم (٢): يحرم صيامُ يومِ الجمعة، إلا لمن صام قبلَه، أو بعدَه، أو وافقَ عادتَه؛ لظواهر الأحاديث (٣). * * *

стр. 1893

الحديث السادس عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابنِ أَزْهَرَ، واسمُهُ سَعْدُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: شَهِدْتُ العِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخطَّاب ﵁، فَقَالَ: هَذَانِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صِيَامِهِمَا؛ يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، واليَوْمُ الآخَرُ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ (١).

стр. 1894

(عن أبي عُبيد مَوْلَى بنِ أزهرَ)، واسم ابن أزهر: عبد الرحمن بن الأزهر، ويقال: ابن أزهر عوفُ بنُ عبدِ عوفِ بنِ الحارثِ بنِ زُهرةَ -بضم الزاي- القرشيِّ الزهريِّ المدنيِّ، وهو ابنُ أختِ عبد الرحمن بنِ عوف، قال ابن عبد البر وغيره: وقد غلط فيه من جعلَه ابنَ عمه. مات قبلَ وقعة الحَرَّةِ، وكانت الوقعةُ سنةَ ثلاث وستين. ولم يخرج له أحدٌ من أصحاب الكتب الستة غير أبي داود. (واسمه) في "غريب أبي عبيد" (سعدُ بنُ عبيد)، ويقال: إنه مولى عبد الرحمن بن عوف. روى عن عمر، وعلي، وعنه: الزهريُّ، وسعدُ بن خالد، روى له الجماعة (١). (قال) أَبو عُبيد مولى ابنِ أزهر: (شهدتُ العيدَ) زاد يونسُ، عن الزهري في روايته في الأضاحي: يومَ الأضحى (٢) (مع عمرَ بنِ الخطاب) أميرِ المؤمنين (﵁، فقال) عمر ﵁: (هذان يومانِ نهى رسول اللَّه ﷺ عن صيامِهِما)، أحدُهما (يومُ فطرِكم من صيامكم)؛ يعني: من فراغ رمضان، وهو أول يوم من شوال، (واليوم الآخَرُ) -بفتح الخاء المعجمة- (تأكلون فيه) خبرٌ لليوم (من نُسُكِكُم) -بضم السين المهملة، ويجوز سكونها-، أو أضحيتكم. قال الحافظ: ابنُ حجر في "الفتح": وفائدةُ وصف اليومين الإشارةُ إلى

стр. 1895

العلَّة في وجوب فطرهما، وهي الفصل من الصوم، وإظهار تمامه وحده بفطر ما بعده، والآخر لأجل النُّسُك المتقرَّبِ بذبحه؛ ليؤكل منه، ولو شُرع صومه، لم يكن لمشروعية الذبح فيه معنى، فعبر عن علة التحريم بالأكل من النسك؛ لأنه يستلزم النحرَ (١). وقوله: هذان، فيه التغليبُ، وذلك الحاضر يشار إليه بهذا، والغائب بذاك، فلما أن جمعهما اللفظ، قال: هذان؛ تغليبًا للحاضر على الغائب (٢). * * *

стр. 1896

الحديث السابع عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمَيْنِ: الفِطْرِ والنَّحْرِ، وعن الصَّمَّاءِ، وأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وعَنِ الصَّلاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ والعَصْرِ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِتَمَامِهِ (١)، وَأَخْرَجَ البُخَارِيُّ الصَّوْمَ فَقَطْ (٢).

стр. 1897

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1898

(عن أبي سعيد الخدريِّ ﵁، قال: نهى رسولُ اللَّه ﷺ ) نهيَ تحريم (عن صوم يومينِ: الفطرِ و) يومِ (النحرِ). قال في "الفروع": يحرم صوم يومَي العيدين إجماعًا؛ للنهي المتفق عليه، ولا يصح فرضًا؛ وفاقًا لأبي حنيفة، والشافعي، ولا نفلًا؛ وفاقًا لمالك، والشافعي. وقيل: يصح فرضًا، نقله مهنا في قضاء رمضان؛ لأنه إنما نهى عنه؛ لأن الناس أضيافُ اللَّه، وقد دعاهم، فالصومُ تركُ إجابة الداعي، ومثل هذا لا يمنع الصحة، ولم يصح النفل؛ لأن الغرض به الثواب، فنافته المعصية. ومذهب أبي حنيفة وصاحبيه: لا يصح صومُ العيدين عن واجب في الذمة، ويصحُّ عن نذره المعين، والتطوع به، مع التحريم، ولا يلزم بالشروع، ولا يقضي عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف: يلزم، ويقضي، وعند محمد: كقولهما. وذكر عندنا في "الواضح" رواية: أنه يصح عن نذره المعين. وجهُ انعقادهِ: أن النهيَ لا يرجع إلى ذات المنهي عنه. ووجهُ عدمِ الانعقاد: النهيُ المقتضي الفساد. وفي "مسلم" من حديث أبي سعيد: لا يصلح الصيام في يومين (١)، "والبخاري": لا صوم في يومين (٢). والنهيُ دليلُ التصور حِسًّا؛ كما في عقود الربا، ونكاح المحارم، وهو متحقق هنا؛ فإنَّ من أمسكَ فيه مع النية عامدًا إجماعًا، وبأنه لو نذر صوم يوم عيد بعينه، فقضاه في يوم عيدٍ آخر، لم يصح، ولا نُسلِّم أن النهي لم

стр. 1899

يرجع إلى عين المنهي عنه؛ لأن النص إضافة إلى صوم هذا اليوم كإضافته النهي إلى الصلاة من حائض ومحدِثٍ (١). قال الإمام النووي: أجمع العلماء على تحريم صوم هذين اليومين بكل حال، سواء صامهما عن نذر، أو تطوع، أو كفارة، أو غير ذلك، ولو نذر صومهما متعمدًا لعينهما؛ فعند الشافعي والجمهور: لا ينعقد نذرُه، ولا يلزمه قضاؤهما. وقال أَبو حنيفة: ينعقد، ويلزمه قضاؤهما، قال: وإن صامهما، أجزأه، وخالف الناسَ كلَّهم في ذلك، انتهى (٢). قلت: دعوى مخالفته للناس كلِّهم مجردة، وهي غير ناهضة، فمعتمد مذهبنا: أن من نذر صوم يوم العيد ونحوه، لا يجوز الوفاء به، ويقضي الصوم، ويُكَفِّر، فإن وفى به، أثم، ولا كفارة. قال في "الفروع": وإن نذر صومَ يوم عيد، قضاه؛ وفاقًا لأبي حنيفة، نصره القاضي وأصحابه، وعنه: لا؛ وفاقًا لمالك، والشافعي، وعليهما: يكفِّر، على الأصح من المذهب؛ خلافًا للثلاثة. قال ابن شهاب: ينعقد، ولا يصومه، ويقضي، وصح منه القربة، ولغا منه تعيينه؛ لكونه معصية، واللَّه أعلم (٣). (و) نهى رسول اللَّه ﷺ (عن الصَّمَّاءِ) -بفتح الصاد المهملة وتشديد الميم والمد-، قال الفقهاء: أن يَشتمل بثوب واحد ليس عليه غيرُه، ثم يرفعه من أحد جانبيه، فيضعه على منكبـ[ـيـ]ـه، فالنهي عنه لكونه يؤدِّي

стр. 1900

إلى انكشاف العورة، قاله غير واحد من أهل اللغة. وقال الأصمعي: هو أن يشتمل بالثوب الواحد يسترُ به جميعَ جسده؛ بحيث لا يتركُ فرجةً يُخرج منها يده، وهذا مطابق للفظ الصماء (١). وحكمة النهي لأحد وجهين: أحدهما: أنه إذا تخلل به، لا يتمكن من الاحتراز والاحتراس إن أصابه شيء، أو نابه مؤذٍ، ولا يمكنه أن يتقيه بيديه؛ لإدخاله إياهما تحت الثوب الذي اشتمل به. أو: أنه يخاف منه أن يدفع إلى حالة سادَّة لمتنفسه، فيهلك فيها حتمًا إذا لم يكن فيه فرجة (٢). (و) نهى رسول اللَّه ﷺ (أن يحتبيَ الرجلُ في ثوبٍ واحد). زاد الإسماعيلي: لا يواري فرجَه بشيء. قال في "الفتح": الاحتباء: أن يقعد على أليتيه، وينصب ساقيه، ويلفَّ عليه ثوبًا، ويقال له: الحبوة، وكانت من شأن العرب (٣). قال في "الفروع": "ولما نهى رسولُ اللَّه ﷺ عن الصمَّاء، لم يقيده بالصلاة، وقرنه بالاحتباء، فظاهر ذلك لا يختص بالصلاة، قال: ويجوز

стр. 1901

الاحتباء، وعن الإمام أحمد: يكره، وعنه: المنع، ويحرم مع كشف عورته، انتهى (١). (و) نهى ﷺ (عن الصلاة بعد الصبح)، (و) بعدَ (العصر)، وتقدم الكلام على هذه الأحكام في محالها من الصلاة. (أخرجه) أي: حديثَ أبي سعيد هذا- الإمامُ (مسلم) بنُ الحجاج في "صحيحه" (بتمامه) على هذا النسق، (وأخرج) الإمام محمد بن إسماعيل (البخاريُّ) في "صحيحه" منه (الصوم فقط) من غير ذكر الصماء والاحتباء وما بعدهما (٢)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1902

الحديث الثامن عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا" (١). * * * (عن أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ :

стр. 1903

من صام يومًا) من الأيام؛ من صيف أو شتاء (في سبيل اللَّه)، وفي لفظ: "ما مِنْ عبدٍ يصوم يومًا في سبيل اللَّه" (١). قال: النووي: فيه فضيلة الصيام في سبيل اللَّه، وهو محمول على من لا يتضرر به، ولا يفوِّتُ به حقًا، ولا يختل به قتاله، ولا غيرُه من مهمات غزوه (٢)، فحمل قوله: "في سبيل اللَّه" على حالة الغزو. قال ابن دقيق العيد: الأكثرُ فيه استعمالُه في الجهاد، فإذا حُمل عليه، كانت الفضيلة لاجتماع العبادتين؛ أعني: عبادة الصوم، والجهاد، ويحتمل أن يراد بسبيل اللَّه: طاعة اللَّه كيف كانت، ويعبر بذلك عن صحة القصد والنية فيه، قال: والأولُ أقربُ إلى العرف، وقد ورد في بعض الأحاديث جعل الحج أو سفره في سبيل اللَّه؛ يعني: في طاعة اللَّه، فهو استعمال وضعي (٣). قلت: الذي يظهر -واللَّه أعلم-: أن المراد بقوله: "في سبيل اللَّه" يعني: في طاعة اللَّه ابتغاءً لوجهه. وفي حديث حذيفة ﵁، قال: أسندت النبي ﷺ إلى صدري، فقال: "من قالَ: لا إلهَ إلا اللَّهُ، خُتم له بها، دخلَ الجنةَ، ومن صام يومًا ابتغاءَ وجهِ اللَّه، ختم له به، دخلَ الجنةَ، ومن تصدَّقَ بصدقةٍ ابتغاءَ وجهِ اللَّه، خُتِم له بها، دخلَ الجنةَ" رواه الإمام أحمد بإسناد لا بأس به (٤)، ورواه الأصبهاني، ولفظه: "يا حذيفة! من خُتم له بصيامِ يومٍ يريد به

стр. 1904

وجهَ اللَّه ، أدخله اللَّه الجنة" (١). وقوله: (بَعَّدَ اللَّهُ وجهَه) يريد: ذاته، وإنما خص الوجه؛ لكونه أشرفَ الأعضاء، ولاشتماله على السمع والبصر والشم والذوق، ويريد بالمباعدة من النار: المعافاة منها (٢)، وفي اللفظ الآخر: "إلا بعَّدَ اللَّهُ بذلك اليوم وجهه" (٣) (عن النار) المعهودة، وهي نار جهنم (سبعين خريفًا) الخريفُ: السنة، يريد: سبعين سنة (٤)، وإنما عبر بالخريف عن السنة؛ لأن السنة ليس فيها إلا خريف واحد، فإذا مرّ الخريف، فقد مضت السنة كلُّها، ومثله لو عبر بفصل آخر غير الخريف -من الشتاء والربيع والصيف- عن العام، كان سائغًا لهذا المعنى؛ إذ ليس في السنة إلا ربيع واحد، وصيف واحد. قال بعضهم: ولكن الخريف أولى بذلك؛ لأنه الفصلُ الذي تحصل به نهايةُ ما بدأ في سائر الفصول، لأن الأزهار تبدو في الربيع، والثمار تتشكل صورها في الصيف، وفيه يبدو نضجُها، ووقتُ الانتفاع بها أكلًا وتحصيلًا وادخارًا في الخريف، وهو المقصود منها، فكان فصلُ الخريف أولى بهذا الاعتبار أن يعبر به عن السنة من غيره من سائر الفصول (٥). وفي "أوسط الطبراني"، و"الصغير" بإسناد حسن (٦)، من حديث أبي الدرداء ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من صام يومًا في

стр. 1905

سبيل اللَّه، جعلَ اللَّهُ بينه وبينَ النار خَنْدَقًا كما بينَ السماءِ والأرضِ" (١). وفي "الكبير"، و"الأوسط" بإسناد لا بأس به، عن عمرو بن عَبَسَةَ ﵁ مرفوعًا: "من صام يومًا في سبيل اللَّه، جعل بينه وبين النار مسيرة مئة عام" (٢). وفي حديث معاذ بن أنس ﵁ مرفوعًا: "من صامَ يومًا في سبيل اللَّه في غير رمضان، بُعِّدَ من النار مئة عام بسيرِ الجوادِ المُضَمَّرِ" رواه أَبو يعلى (٣). وروى النسائي بإسناد حسن، والترمذي من رواية ابن لهيعة، وابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "من صام يومًا في سبيل اللَّه، زحزحَ اللَّهُ وجهَه عن النار بذلك اليوم سبعين خريفًا" (٤). قال الحافظ المنذري: ذهب طوائفُ من العلماء إلى أن هذه الأحاديث جاءت في فضل الصوم في الجهاد، وبوَّبَ على هذا الترمذي (٥) وغيره،

стр. 1906

وذهبت طائفة إلى أن كلَّ الصوم في سبيل اللَّه إذا كان خالصًا لوجه اللَّه تعالى (١). تتمة في ذكرِ بعضِ فضائل الصيام غير ما تقدم: روى البخاري، ومسلم، وغيرهما من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "قال اللَّه : كلُّ عملِ ابنِ آدمَ لَهُ، الحسنةُ بعشرِ أمثالِها إلى سبع مئة ضعفٍ، قال اللَّه : إلا الصيامَ، فإنه لي، وأنا أجزي به، إنه تركَ شهوتَه وطعامَه وشرابهَ من أجلي، للصائم فرحتان: فرحةٌ عندَ فطرِه، وفرحةٌ عندَ لقاءِ ربه، ولخلوف فمِ الصائمِ أطيبُ عندَ اللَّه من ريح المسكِ" (٢). وفي رواية: "كلُّ عملِ ابنِ آدمَ له، إلا الصيامَ، فإنه لي" (٣). وفي رواية البخاري: "لكلِّ عملٍ كفارة، والصومُ لي، وأنا أجزي به" (٤). وخرجه به الإمام أحمد من هذا الوجه، ولفظه: "كلُّ عملِ ابنِ آدم كفارة، إلا الصوم، والصومُ لي، وأنا أجزي به" (٥).

стр. 1907

فعلى الرواية الأولى يكون استثناء الصوم من الأعمال المضاعفة، فتكون الأعمال كلها تُضاعف بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف، إلا الصيام، فإنه لا ينحصر تضعيفُه في هذا العدد، بل يضاعفه اللَّه أضعافًا كثيرة بغير حصر عددٍ؛ فإن الصيام من الصبر، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]، ولهذا ورد عنه ﷺ : أنه سمى شهرَ رمضانَ: شهرَ الصبر (١)، وفي رواية عنه ﷺ قال: "الصومُ نصفُ الصبر" خرجه الترمذي (٢). والصبر ثلاثة أنواع: صبر على طاعة اللَّه، وصبرٌ عن محارم اللَّه، وصبرٌ على أقدار اللَّه المؤلمة، وتجتمع الثلاثة كلها في الصوم؛ فإن فيه صبرًا على طاعة اللَّه، وصبرًا عما حرم اللَّه على الصائم من الشهوات، وصبرًا على ما يحصل للصائم [فيه] من ألم الجوع والعطش، وضعفِ النفس والبدن (٣). قال الحافظ ابن رجب في كتابه "لطائف المعارف": ومن أحسن ما قيل على الرواية الثالثة (٤)؛ من كون الاستثناء يعود إلى التكفير بالأعمال: ما قاله سفيان بن عيينة -رحمه اللَّه تعالى-؛ حيث قال: إن هذا من أجود الأحاديث وأحكمها، فإذا كان يومُ القيامة، يحاسبُ اللَّه عبده، ويؤدي ما عليه من المظالم من سائر عمله، حتى لا يبقى إلا الصومُ، فيتحمل اللَّه -

стр. 1908

عز وجل- ما بقي عليه من المظالم، ويدخله بالصوم الجنة. خرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (١)، وغيره، وذكره الحافظ المنذري في "الترغيب والترهيب" عن سفيان بن عيينة، قال: وهو غريب (٢)، انتهى. قال الحافظ ابن رجب: وعلى هذا، فيكون المعنى: أن الصيام للَّه ، فلا سبيل لأحد إلى أخذ أجره من الصائم، بل أجرُه يُدَّخر لصاحبه عند اللَّه ، وحينئذ فقد يقال: إن سائر الأعمال قد يُكَفَّر بها ذنوبُ صاحبها، فلا يبقى لها أجر؛ فإنه روي أنه يوازَن يوم القيامة بين الحسنات والسيئات، ويقتص بعضها من بعض، فإن بقي من الحسنات حسنة، دخل بها صاحبها الجنة، قاله سعيدُ بنُ جبير، وغيرُه. وفي ذلك حديث مرفوع خرجه الحاكم من حديث ابن عباس مرفوعًا (٣). قال ابن رجب: فيحتمل أن يقال في الصوم: إنه لا يسقط ثوابه بمقاصَّة ولا غيرها، بل يُوفَّر أجرُه لصاحبه حتى يدخل الجنة، فيوفى أجره فيها. وأما قوله: "فإنه لي"، فإن اللَّه -جلّ شأنه- خَصَّ الصيام بإضافته إلى نفسه دونَ سائر الأعمال، وقد كثير القولُ في معنى ذلك من الفقهاء والصوفية وغيرهم، وذكروا فيه وجوهًا كثيرة، ومن أحسنها وجهان:

стр. 1909

أحدهما: أن الصيام مجردُ تركِ حظوظ النفس وشهواتها الأصلية التي جُبلت على الميل إليها للَّه ، ولا يوجد ذلك في عبادة أخرى غير الصيام، نعم يوجد في الصلاة، إلا أن مدتها لا تطول، فإذا اشتد توقانُ النفس إلى ما تشتهيه، مع قدرتها عليه، ثم تركته للَّه في موضع لا يطلع عليه إلا اللَّهُ، كان ذلك دليلًا على صحة الإيمان؛ فإن الصائم يعلم أن له ربًا يطَّلع عليه في خلوته، وقد حَرَّم عليه أن يتناول شهواته المجبولَ على الميل إليها في الخلوة، فأطاع ربه، وامتثل أمره، واجتنب نهيه؛ خوفًا من غضب اللَّه وعقابه، ورغبة فيما عند اللَّه من أجره وثوابه، فشكر اللَّه له ذلك، واختص لنفسه عمله هذا من بين سائر أعماله، ولهذا قال بعد ذلك: "إنه ترك شهوتَه وطعامَه وشرابه من أجلي". الوجه الثاني: أن الصيام سر بين العبد وربه، لا يَطَّلع عليه غيرُه؛ لأنه مركَّبٌ من نية باطنية لا يطلع عليها إلا اللَّه، وتركٍ لتناول الشهوات التي يُستخفى تناولُها في العادة، ولذا قيل: إنه لا تكتبه الحَفَظَة، وقيل: إنه لا رياء فيه. وهذا الوجه اختيار أبي عبيد، وغيرِه، وقد يرجع إلى الأول؛ فإن من تركَ ما تدعوه نفسُه إليه للَّه ؛ حيث لا يطلع عليه غيرُ مَنْ أمره ونهاه، دلَّ على صحة إيمانه، واللَّه يحبُّ من عباده أن يعاملوه سرًا بينهم وبينه؛ بحيث لا يطلع على تلك المعاملة سواه، حتى ودَّ بعضُ العارفين لو تمكَّن من عبادةٍ لا تشعر بها الملائكةُ، فضلًا عن بني آدم (١).

стр. 1910

وفي "البخاري"، و"مسلم"، و"النسائي" من حديث سهل بن سعد ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "إن في الجنَّةِ بابًا يقال له: الريَّانُ، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرُهم، فإذا دخلوا، أُغلق فلم يدخل منه أحدٌ" (١). ورواه الترمذي، وزاد: "من دخلَه لم يظمأ أبدًا" (٢). ورواه ابنُ خزيمة في "صحيحه"، إلا أنه قال: "فإذا دخلَ آخرهم، أُغلق، ومن دخلَ، شربَ، ومن شربَ، لم يظمأ أبدًا" (٣). وروى الإمام أحمد، والبزار من حديث أبي هريرة، وأبو يعلى، والبيهقي عن سلمة بن قيصر، ورواه الطبراني عنه، إلا أنه سماه: سلامة -بزيادة ألف- مرفوعًا: "من صامَ يومًا ابتغاءَ وجهِ اللَّه، باعدَهُ اللَّهُ عن جهنمَ كبُعْدِ غرابٍ طار وهو فرخٌ حتى مات هَرمًا" (٤). وروى أَبو يعلى، والطبراني من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لو أن

стр. 1911

رجلًا صامَ يومًا تطوُّعًا، ثم أعطي ملءَ الأرض ذهبًا، لم يستوفِ ثوابهَ دون يوم الحساب" (١). وفي "سنن ابن ماجه" عن أبي هريرة مرفوعًا: "لكلِّ شيء زكاةٌ، وزكاةُ الجسدِ الصومُ، والصيامُ نصفُ الصبر" (٢)، واللَّه تعالى الموفق. * * *

стр. 1912

باب ليلة القدر أي؛ تعيينها، وفضلها، وطلبها، وهي -بفتح القاف وإسكان الدال-، سميت بذلك؛ لعظم قدرها؛ أي: ذات القدر العظيم" لنزول القرآن فيها، ووصفها بأنها خيرٌ من ألف شهر، أو لما يحصل لمحييها بالعبادة من القدر الجسيم، أو لأن الأشياء تقدَّر فيها، وتقضَى؛ لقوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤]، وتقدير اللَّه سابق، فهي ليلةُ إظهارِ اللَّه تعالى ذلك التقدير للملائكة (١). ويجوز -فتح الدال- على أنه مصدر قدرَ اللَّهُ الشيءَ قَدْرًا وقَدَرًا، لغتان؛ كالنَّهْر والنَّهَر (٢). قال في "الفروع": سُميت ليلةَ القدر، لأنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنةِ، وروي عن ابن عباس ﵄ (٣). قال صاحب "المحرر": وهو قولُ أكثر المفسرين لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٣ - ٤]،

стр. 1913

فإن المراد بذلك: ليلة القدر عند ابن عباس. قال الحافظ ابن الجوزي: وعليه المفسرون؛ لقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ [القدر: ١]، وما روي عن عِكْرِمَةَ وغيره: أنها ليلة النصف من شعبان، ضعيف (١). وقيل: سميت ليلة القدر؛ لعظم قدرها عند اللَّه. وقيل: القدر بمعنى الضيق؛ لضيق الأرض عن الملائكة التي تنزل فيها، فروى الإمام أحمد عن أبي هريرة مرفوعًا: "أن الملائكةَ تلكَ الليلةَ أكثرُ من عددِ الحصى" (٢). قال في "الفروع": ليلةُ القدر شريفة معظَّمة. زاد في "المستوعب" وغيرهِ: والدعاءُ فيها مستجاب (٣). قيل: سورتُها مكية. قال الماوردي: هو قول الأكثرين، وقيل: مدنية. قال الثعلبي: هو قول الأكثرين. قال: ولم ترفع، وفاقًا؛ للأخبار بطلبها وقيامها. وعن بعض العلماء: أنها وقعت، وحكي رواية عن أبي حنيفة (٤). وذكر الحافظ في هذا الباب ثلاثة أحاديث: * * *

стр. 1914

الحديث الأول عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رِجالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أُرُوا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي المَنَامِ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فقالَ رسول اللَّه ﷺ : "أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا، فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ" (١). * * * (عن) أبي عبدِ الرحمن (عبدِ اللَّه بنِ عمرَ) بنِ الخطاب (-رضي اللَّه

стр. 1915

عنهما-: أَنَّ رجالًا من أصحاب النبيِّ ﷺ )، قال القسطلاني في "شرح البخاري": لم يُسم أحدٌ منهم (١) (أُروا) -بضم الهمزة- مبنيًا للمفعول تنصب مفعولين، أحدُهما: النائب عن الفاعل، والآخر: قوله: (ليلةَ القدر)؛ أي: أراهم اللَّه ليلةَ القدر (٢) (في المنام في) ليالي (السبعِ الأواخِرِ) جمع -بكسر الخاء المعجمة-، قال في "المصابيح": ولا يجوز أُخر؛ لأنه جمع الأخرى، وهي لا دلالة لها على التأخير في الوجود، وإنما تقتضي المغايرة، تقول: مررتُ بامرأة حسنة، وامرأة أُخرى مغايرة لها، ويصح هذا التركيب، سواء كان المرور بهذه المرأة المغايرة سابقًا، أو لاحقًا، وهذا عكس العشر الأول، فإنه يصح؛ لأنه جمع أُولى، ولا يصح الأوائل جمع أَوَّل للمذكر، وواحد العشر ليلة، وهي مؤنثة، فلا يوصف بمذكر. ومفهوم الحديث: أن رؤياهم كانت قبل دخول السبع الأواخر؛ لقوله ﷺ : "فليتحرَّها في السبع الأواخر" كما يأتي. ثم يحتمل أنهم رأوا ليلة القدر وعظمَها وأنوارَها ونزولَ الملائكة فيها، وأن ذلك كان في ليلة من السبع الأواخر. ويحتمل أن قائلًا قال لهم: هي في كذا، وعين ليلةً من السبع الأواخر، ونُسيت، أو قال: إن ليلةَ القدر في السبع، أو إن رؤياهم تباينت في السبع الأواخر بحسب الليلة المعينة، وتواطأت على كونها في السبع، احتمالات (٣). (فقال رسول اللَّه ﷺ : أَرَى) -بفتح الهمزة والراء-؛ أي: أَعلم

стр. 1916

(رؤياكم) -بالإفراد-، والمراد: الجمع، والمراد: رُؤَاكم، جمع رُؤْيا، وقول بعضهم (١): إن المحدَّثين يروونه بالتوحيد، وهو جائز، وأفصح منه رُؤاكم جمع رؤيا؛ لتكون جمعًا في مقابلة جمع، أصحُّ، نظر فيه بعضهم؛ لأنه بإضافته إلى ضمير الجمع، علم منه التعدد، وانتفى اللَّبْس بالضرورة، وإنما عبر بأَرى؛ لتجانس "رؤياكم"، ومفعول "أرى" الأول "رؤياكم"، والثاني: قولُه: (قد تواطأت) -بالهمز- (٢). قال الإمام النووي: ولا بد من قراءته مهموزًا، قال تعالى: ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ (٣) [التوبة: ٣٧]. وقال في "شرح التقريب": وروي "تَواطَتْ" -بترك الهمزة-، وفي "المصابيح": يجوز تركه؛ أي: الهمز؛ أي: توافقت (٤). وفي "النهاية" لابن الأثير: "تواطت"، قال: هكذا رُوي بترك الهمزة، وهو من المواطأة: الموافقة، وحقيقته: أن كلًا منهما وطىء ما وَطِئه الآخر (٥)، انتهى. (في السبع الأواخر)؛ أي: رؤية ليلة القدر، (فمن كان متحرِّيَهَا)؛ أي: طالبَها وقاصدَها، (فليتحَرَّها في) ليالي (السبعِ الأواخرِ) من شهر رمضان من غير تعيين، وهي التي تلي آخره. وفي "صحيح مسلم" من حديث أبي هريرة ﵁: أن

стр. 1917

النبي ﷺ قال: "التَمِسوها في العشرِ الأواخرِ، فإن ضعُفَ أحدُكم، أو عَجَزَ، فلا يُغْلَبَنَّ عن السبعِ البواقي" (١). وفي "مسند الإمام أحمد" عن جابر بن عبد اللَّه ﵄: أن عبدَ اللَّه بنَ أنيس ﵁ سأل النبي ﷺ عن ليلة القدر، وقد خلت اثنتان وعشرون ليلة، فقال ﷺ : "التَمِسوها في هذه السبعِ الأواخرِ التي بَقِينَ من الشَّهر" (٢). وفيه: عن عبد اللَّه بن أنيس ﵁: أنهم سألوا النبيَّ ﷺ عن ليلة القدر، وذلك مساء ليلة ثلاث وعشرين، فقال: "التمسوها هذهِ الليلةَ"، فقال رجلٌ من القوم: فهي إذًا يا رسول اللَّه أولى ثمان، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنها ليست بأولى ثمانٍ، ولكنها أولى سبعٍ، إن الشهرَ لا يتم" (٣). تنبيه: في هذا الحديث دليلٌ على عِظَم الرؤيا، والاستناد إليها في الاستدلال على الأمور الوجوديات على ما لا يخالف القواعدَ الكليةَ من غيرها. قال ابن دقيق العيد: وقد تكلم الفقهاء فيما لو رأى النبيَّ ﷺ في المنام، وأمرَه بأمر، هل يلزمه ذلك؟ قيل فيه: إن ذلك إما أن يكون مخالفًا لما ثبتَ عنه ﷺ من الأحكام في اليقظة، أم لا، فإن كان مخالفًا، عمل بما ثبت في

стр. 1918

اليقظة؛ لأنا -وإن قلنا: بأن من رأى النبي ﷺ على الوجه المنقول من صفته فرؤياه حق-، فهذا من قَبيل تعارُض الدليلين، والعمل بأرجحهما، وما ثبت في اليقظة، فهو أرجح. وإن كان غيرَ مخالف لما ثبتَ في اليقظة، ففيه خلاف، والاستناد إلى الرؤيا هنا في أمر ثبت استحبابه مطلقًا، وهو طلبُ ليلة القدر، وإنما يرجح السبعُ الأواخر بسبب المرائي الدالة على كونها في السبع الأواخر، وهو استدلال على أمر وجودي لزمه استحبابٌ شرعيٌّ مخصوصٌ بالتأكيد بالنسبة إلى هذه الليالي، مع كونه غيرَ منافٍ للقاعدة الكلية الثابتة من استحباب طلبِ ليلة القدر، وقد قالوا: يستحب في جميع الشهر، واللَّه أعلم (١). * * *

стр. 1919

الحديث الثاني عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النبي ﷺ قَالَ: "تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ في لَيَالِي الوِتْرِ مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ" (١).

стр. 1920

(عن) أُمِّ المؤمنين (عائشةَ) الصدِّيقة (﵂: أن النبي ﷺ قال: تَحَرَّوا) -بفتح المثناة الفوقية والحاء المهملة والراء وإسكان الواو-؛ من التحري؛ أي: اطلبوا بالاجتهاد (١) (ليلةَ القدر في) ليالي (الوترِ من العشرِ الأواخر) من رمضان، فهذا الحديث، وإن كان أعمَّ من الذي قبلَه من جهة كونِ الطلبِ في ليالي العشر، وهي أكثر من السبع، إلا أنه خُصَّ من جهة كونِ الطلب مختصًا بالأوتار منها (٢). قال في "الفروع" في ليلة القدر: هي في رمضان؛ خلافًا لرواية لأبي حنيفة، لا في كل السنة؛ خلافًا لابن مسعود ﵁. وعن أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد: كقوله، وجزم به ابن هبيرة عن أبي حنيفة. وذكر صاحب "المحرر": أن الأول -أعني: كونها مختصة برمضان- أشهرُ عنه وعن أصحابه. قال في "الفروع": وهي مختصة بالعشر الأخير منه عند الإمام أحمد، وأكثرِ العلماء من الصحابة وغيرِهم؛ وفاقًا لمالك، والشافعي. قال: وليالي وتره آكد، وأرجاها ليلةُ سبع وعشرين، نص عليه الإمام أحمد، لا ليلة إحدى وعشرين؛ خلافًا للشافعي، واختار صاحب

стр. 1921

"المحرر": كل العشر سواء؛ وفاقًا لمالك، ومذهب مالك: أرجاها في تسع بقين، أو سبع، أو خمس. وقال أَبو يوسف، ومحمد: هي في النصف الثاني من رمضان. وقال الإمام الحافظ ابن الجوزي في "تفسيره": قال الجمهور: تختص برمضان. وقال الجمهور منهم: تختص بالعشر الأخير منه؛ وأكثر الأحاديث الصحاح تدل عليه (١)، كذا قال في "الفروع". والمذهب: لا تختص -يعني: بأوتار العشر الأخير-، بل المذهب: أنها آكد وأبلغ من ليالي الشفع، وعلى اختيار صاحب "المحرر": كلُّها سواء. وقال في "المغني" (٢)، و"الكافي" (٣): تُطلب في جميع رمضان. قال في "الكافي": وأرجاها الوتر من ليالي العشر الأخير، قال: وتتنقل في ليالي الوتر من العشر الأخير (٤). وقال غيره: تنتقل ليلة القدر في العشر الأخير، قاله أَبو قلابة التابعي (٥)، وحكاه ابنُ عبد البر (٦) عن مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وقاله أَبو حنيفة (٧).

стр. 1922

وفي "مسند الإمام أحمد"، والنسائي، عن أبي ذر ﵁، قال: كنتُ أسأل عنها -يعني: ليلة القدر-، فقلت: يا رسول اللَّه! أخبرني عن ليلة القدر، أفي رمضانَ هي، أو في غيره؟ قال: "بل هي في رمضان"، قلت: أتكونُ مع الأنبياء ما كانوا، فإذا قُبضوا، رُفعت، أم هي إلى يوم القيامة؟ قال: "بل هي إلى يوم القيامة"، قلت: في أيِّ رمضان هي؟ قال: "التَمِسوها في العشرِ الأولِ والعشرِ الأواخر"، قلت: في أيِّ العَشْرين؟ قال: "هي في العشر الأواخر، لا تسألني عن شيء بعدَها"، ثم حدَّث رسولُ اللَّه ﷺ ، ثم اهتبلتُ غفلته، فقلت: يا رسول اللَّه! أقسمتُ عليكَ بحقي لَمَا أخبرتَني في أيِّ العشر هي؟ فغضبَ عليّ غضبًا لم يغضبْ مثلَه منذُ صحبتُه، وقال: "التَمِسوها في السبع الأواخر، لا تسألني عن شيء بعدها"، وأخرجه ابن حبان في "صحيحه"، والحاكم (١). وفي رواية لهما: أنه قال: "ألم أنهكَ أَنْ تسألَني عَنْها؟! إنَّ اللَّه لو أَذِنَ لي أَنْ أُخبرَكم بها، لأخبرتكم، لا آمن أن تكون في السبع الأواخر" (٢). ففي هذه الرواية أنَّ بيان النبي ﷺ في ليلة القدر انتهى إلى أنها في السبع الأواخر، ولم يزد على ذلك شيئًا، وهذا مما يستدِلُّ به مَنْ رجَّح ليلةَ ثلاثٍ وعشرين، وخمس وعشرين، وسبع وعشرين على ليلة إحدى وعشرين؛ لأنها ليست من السبع الأواخر بلا تردد.

стр. 1923

وقد رُوي عن النبي ﷺ من وجوه أُخر: أنه بَيَّنَ أنها ليلةُ سبعٍ وعشرين، وقد كان يحلف على ذلك أُبَيُّ بنُ كعب ﵁، ولا يستثني (١). وقد رُوي عن حبان بن عبد اللَّه السهمي، قال: سألت زِرَّ بن حُبيش عن ليلة القدر، فقال: كان عمرُ وحذيفةُ، وناس من أصحاب رسول اللَّه ﷺ لا يشكُّون أنها ليلةُ سبع وعشرين. خرجه ابن أبي شيبة (٢). قال في "اللطائف": استدل من رجح كونَها ليلةَ سبع وعشرين بأن أُبي بن كعب كان يحلف على ذلك، ويقول بالآية أو بالعلامة التي أخبرنا بها رسول اللَّه ﷺ : أن الشمس تطلع صبيحتها لا شعاع لها. خرجه مسلم (٣). وخرج أيضًا بلفظ آخر عن أُبي بن كعب ﵁، قال: واللَّه! إني لأعلم أي ليلة هي، هي الليلة التي أمرنا رسول اللَّه ﷺ بقيامها، هي ليلة صبيحة سبع وعشرين (٤). وفي "مسند الإمام أحمد" عن ابن عباس ﵄: أن رجلًا قال: يا رسول اللَّه! إني شيخ كبير عليل، يشقُّ عليَّ القيامُ، فمرْني بليلةٍ يُوَفِّقني اللَّه فيها لليلة القدر، قال: "عليك بالسابعة"، وإسناده على شرط البخاري (٥).

стр. 1924

وروى الإمام أحمد أيضًا من حديث يزيد بن هارون، ثنا شعبة، عن عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ كان منكم مُتَحَرِّيَها، فليتحرَّها ليلةَ سبعٍ وعشرين"؛ يعني: ليلة القدر، أو قال: "تَحَرَّوها ليلةَ سبعٍ وعشرين"؛ يعني: ليلة القدر (١). ورواه شبابة، ووهب بن جرير، عن شعبة، مثله، [ورواه أسود بن عامر، عن شعبة، مثله]، وزاد: "في السبع البواقي". قال شعبةُ: وأخبرني رجلٌ ثقةٌ عن سفيان: أنه إنما قال: "في السبع البواقي"، لم يقل: "سبع وعشرين". قال الإمام أحمد في رواية ابنه صالح: الثقةُ هو يحيى بنُ سعيد. قال شعبة: فلا أدري أيهما قال (٢). والحاصل: أن أكثر الروايات دالَّة على ترجيح كونِ ليلةَ القدر ليلة سبع وعشرين، وممَّا يدل على ذلك: ما استشهد به ابن عباس ﵄ بمحضر عمر، والصحابة معه ﵃، واستحسنه عمر، وقد روي من وجوه متعددة، فروى عبد الرزاق في "كتابه" عن معمر، عن قتادة وعاصم: أنهما سمعا عكرمةَ يقول: قال ابنُ عباس: دَعَا عمرُ بنُ الخطاب ﵁ أصحابَ محمدٍ ﷺ , فسألهم عن ليلة القدر، فأجمعوا على أنها في العشر الأواخر. قال ابن عباس ﵄ لعمر ﵁: إني لأعلم أو إني لأظن أيَّ ليلة هي، قال عمر: وأي ليلة هي؟ قلت: سابعة تمضي، أو سابعة تبقى من العشر، فقال عمر: و [من] أين علمت ذلك؟ قال: فقلت:

стр. 1925

إن اللَّه تعالى خلق سبع سماوات، وسبع أرضين، وسبعة أيام، وإن الدهر يدور على سبع، وخُلق الإنسان من سَبعْ، ويأكل من سبع، ويسجد على سبع، والطوافُ بالبيت سبع، ورميُ الحجارة سبع؛ لأشياء ذكرها، فقال عمر: لقد فَطِنْتَ لأمرٍ ما فَطِنَّا له (١). وروى ابن عبد البر بإسناد صحيح من طريق سعيد بن جبير، قال: كان ناس من المهاجرين وجدوا على عمر في إدنائه ابنَ عباس ﵄، فجمعهم، ثم سألهم عن ليلة القدر، فأكثروا فيها، وفيه: فقال عمر: يا بن عباس! تكلم، فقال: اللَّه أعلم. فقال عمر: قد نعلم أن اللَّه يعلم، وإنما نسألك عن [علمك] (٢)، فقال ابن عباس: إن اللَّه وِتْرٌ يحبُّ الوترَ، خلق من خلقه سبعَ سماوات، وخلق الأرض سبعًا، وذكر نحو ما تقدم، وفيه: وخلق الإنسان من سبع، وجعل رزقه من سبع. فقال عمر: هذا أمر ما فهمتُه، فقال: إن اللَّه تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] حتى بلغ آخر الآيات، وقرأ: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس: ٢٥ - ٣٢]، ثم قال: الأبُّ للدّواب (٣).

стр. 1926

زاد في رواية: فقال عمر: أعجزتم أن تقولوا مثلَ ما قال هذا الغلام الذي لم تستو شؤوون رأسه؟! خرجه الإسماعيلي في مسند عمر، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد (١). زاد في رواية: قال ابن عباس: وأُعطي من المثاني سبعًا، ونُهي في كتابه عن نكاح الأقربين عن سبع، وقُسم الميراث في كتابه على سبع، ونَقَعُ في السجود من أجسادنا على سبع (٢). وقد استنبط طائفةٌ من المتأخرين من القرآن أنها ليلةُ سبع وعشرين من موضعين: أحدهما: أن اللَّه تعالى كرر ليلةَ القدر في سورة القدر في ثلاث مواضع منها، وليلة القدر حروفُها تسع حروف، والتسع إذا ضُربت في ثلاث، فهي سبع وعشرون. والثاني: أنه قال: ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾ [القدر: ٥]، فكلمة ﴿هِيَ﴾ هي الكلمة السابعة والعشرون في السورة؛ فإن كلماتها كلها ثلاثون كلمة. قال ابن عطية: هذا من مُلَح التفسير، لا من متين العلم. قال الحافظ ابن رجب في "لطائفه": وهو كما قال. وزاد الحافظ ابن رجب: ومما استدل به من رَجَّح ليلةَ سبع وعشرين بالآيات والعلامات التي رُويت فيها قديمًا وحديثًا، وبما وقع فيها من إجابة الدعوات، وذكر من ذلك أشياء كثيرة:

стр. 1927

فمنها: ما روى أَبو موسى المديني بإسناده عن حماد بن شعيب، عن رجل منهم، قال: كنت بالسواد، فلما كان بالعشر الأواخر، جعلت انظر بالليل، فقال لي رجل منهم: إلى أي شيء تنظر؟ قلت: إلى ليلة القدر، قال: فنم، فإني سأخبرك، فلما كانت ليلة سبع وعشرين، جاء فأخذ بيدي، فذهب بي إلى النخل، فإذا النخلُ واضعٌ سعفَه بالأرض، فقال: لسنا نرى هذا في السنة كلِّها إلا في هذه الليلة. ومنها: ما ذكر أَبو موسى بأسانيده: أن رجلًا مقعَدًا سأل اللَّه ليلةَ سبع وعشرين، فأطلقه. وعن امرأة مقعدة كذلك. وعن رجل بالبصرة كان أخرس ثلاثين سنة، فدعا اللَّه ليلةَ سبع وعشرين، فأطلق لسانه، فتكلم. وذكر الوزير عون الدين أَبو المظفر بنُ هبيرة: أنه رأى ليلة سبع وعشرين -وكانت ليلةَ جمعة- بابًا في السماء مفتوحًا شاميَّ الكعبة، قال: فظننته حيالَ الحجرة النبوية المقدسة، ولم يزل كذلك إلى أن التفتُّ إلى المشرق لأنظر طلوع الفجر، ثم التفتُّ إليه، فوجدته قد غاب. قال ابن هبيرة: وإن وقع في ليلةٍ من أوتار العشر ليلةُ جمعة، فهي أرجى من غيرها، واللَّه الموفق (١). * * *

стр. 1928

الحديث الثالث عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَعْتكِفُ فِي العَشْرِ الأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ، فَاعْتكفَ عَامًا، حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَهِي اللَّيْلَةُ التي يخرُجُ من صَبيحَتِهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ، قَالَ: "مَنِ اعْتكَفَ مَعِي، فَلْيَعْتَكِفِ العَشْرَ الأَوَاخِرَ، فَقَدْ أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ في مَاءٍ وَطِينٍ مِنْ صَبِيحَتِها، فَالْتَمِسُوهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ"، فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَكَانَ المَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ، فَوَكَفَ المَسْجِدُ، فَبَصُرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى جَبْهَتِهِ أَثَرُ المَاءِ وَالطِّينِ في صُبْحِ إِحْدَى وعِشريِن (١).

стр. 1929

(عن أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ كان يعتكفُ في العشر الأوسطِ من رمضان) ذكر الأوسط، وكان حقه يقول: الوسطى -بالتأنيث-، إما باعتبار لفظ العشر من غير نظر إلى مفرداته، ولفظه مذكر، فيصح وصفه بالأوسط، وإما باعتبار الوقت أو الزمان؛ أي: ليالي العشر التي هي الثلث الأوسط من الشهر (١). وقال ابن دقيق العيد: الأقوى فيه أن يقال: الوُسُط؛ أو الوَسَط -بضم [السين] (٢) وفتحها-، وأما الأوسط، فكأنه تسمية لمجموع تلك الليالي والأيام، وإنما رجح الأول؛ لأن العشر اسم الليالي، فيكون وصفها جمعًا لائقًا بها (٣). وفي بعض ألفاظ حديث أبي سعيد ﵁: كان رسولُ اللَّه ﷺ يُجاور في رمضان العشر التي في وسط الشهر (٤).

стр. 1930

وقد ورد في بعض الروايات ما يدل على أن الصحيح: أن اعتكافه ﷺ في ذلك العشر كان لطلبه ليلةَ القدر قبلَ أن يعلم أنها في العشر الأواخر (١)، فلما أُعلم بذلك، كان يعتكف العشرَ الأواخرَ من رمضان حتى توفاه اللَّه؛ كما في "الصحيحين" من حديث عائشة ﵂ (٢). (فاعتكف عامًا) مصدر عامَ: إذا سَبَحَ؛ يقال: عامَ يعومُ عَوْمًا وعامًا، فالإنسان يعوم في دنياه على الأرض طول حياته حتى يأتيه الموت يغرقُ فيها؛ أي: اعتكف في شهر رمضان في عام (٣)، (حتى إذا كان ليلةَ إحدى وعشرين) -بنصب ليلة-، وضبطه بعضهم -بالرفع- فاعلًا بكان التامة؛ بمعنى: ثبت، أو نحوه، والمراد: حتى إذا كان استقبال ليلة إحدى وعشرين؛ لأن المعتكف العشرَ الأوسط إنما يخرج قبلَ دخول ليلة الحادي والعشرين؛ لأنها من العشر الأخير، وقد صرح به في رواية هشام في الصحيح (٤)، (وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها)، وفي لفظ بإسقاط (من اعتكافه) (٥)، فكان على خروجه ﷺ صبيحة عشرين؛ كما في "الصحيحين" من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، قال: تذاكَرْنا ليلةَ القدر، فأتيت أبا سعيد الخدريَّ، وكان لي صديقًا، فقلت: ألا تخرجُ بنا إلى النخل؟ فخرج وعليه خميصة، فقلت: سمعتَ رسول اللَّه ﷺ يذكر ليلة القدر؟ فقال: نعم، اعتكفنا مع رسول اللَّه ﷺ العشرَ الوسطى من
следующие страницы →