← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

زاد في رواية: فقال عمر: أعجزتم أن تقولوا مثلَ ما قال هذا الغلام الذي لم تستو شؤوون رأسه؟! خرجه الإسماعيلي في مسند عمر، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد (١). زاد في رواية: قال ابن عباس: وأُعطي من المثاني سبعًا، ونُهي في كتابه عن نكاح الأقربين عن سبع، وقُسم الميراث في كتابه على سبع، ونَقَعُ في السجود من أجسادنا على سبع (٢). وقد استنبط طائفةٌ من المتأخرين من القرآن أنها ليلةُ سبع وعشرين من موضعين: أحدهما: أن اللَّه تعالى كرر ليلةَ القدر في سورة القدر في ثلاث مواضع منها، وليلة القدر حروفُها تسع حروف، والتسع إذا ضُربت في ثلاث، فهي سبع وعشرون. والثاني: أنه قال: ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾ [القدر: ٥]، فكلمة ﴿هِيَ﴾ هي الكلمة السابعة والعشرون في السورة؛ فإن كلماتها كلها ثلاثون كلمة. قال ابن عطية: هذا من مُلَح التفسير، لا من متين العلم. قال الحافظ ابن رجب في "لطائفه": وهو كما قال. وزاد الحافظ ابن رجب: ومما استدل به من رَجَّح ليلةَ سبع وعشرين بالآيات والعلامات التي رُويت فيها قديمًا وحديثًا، وبما وقع فيها من إجابة الدعوات، وذكر من ذلك أشياء كثيرة:

стр. 1927

فمنها: ما روى أَبو موسى المديني بإسناده عن حماد بن شعيب، عن رجل منهم، قال: كنت بالسواد، فلما كان بالعشر الأواخر، جعلت انظر بالليل، فقال لي رجل منهم: إلى أي شيء تنظر؟ قلت: إلى ليلة القدر، قال: فنم، فإني سأخبرك، فلما كانت ليلة سبع وعشرين، جاء فأخذ بيدي، فذهب بي إلى النخل، فإذا النخلُ واضعٌ سعفَه بالأرض، فقال: لسنا نرى هذا في السنة كلِّها إلا في هذه الليلة. ومنها: ما ذكر أَبو موسى بأسانيده: أن رجلًا مقعَدًا سأل اللَّه ليلةَ سبع وعشرين، فأطلقه. وعن امرأة مقعدة كذلك. وعن رجل بالبصرة كان أخرس ثلاثين سنة، فدعا اللَّه ليلةَ سبع وعشرين، فأطلق لسانه، فتكلم. وذكر الوزير عون الدين أَبو المظفر بنُ هبيرة: أنه رأى ليلة سبع وعشرين -وكانت ليلةَ جمعة- بابًا في السماء مفتوحًا شاميَّ الكعبة، قال: فظننته حيالَ الحجرة النبوية المقدسة، ولم يزل كذلك إلى أن التفتُّ إلى المشرق لأنظر طلوع الفجر، ثم التفتُّ إليه، فوجدته قد غاب. قال ابن هبيرة: وإن وقع في ليلةٍ من أوتار العشر ليلةُ جمعة، فهي أرجى من غيرها، واللَّه الموفق (١). * * *

стр. 1928

الحديث الثالث عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَعْتكِفُ فِي العَشْرِ الأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ، فَاعْتكفَ عَامًا، حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَهِي اللَّيْلَةُ التي يخرُجُ من صَبيحَتِهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ، قَالَ: "مَنِ اعْتكَفَ مَعِي، فَلْيَعْتَكِفِ العَشْرَ الأَوَاخِرَ، فَقَدْ أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ في مَاءٍ وَطِينٍ مِنْ صَبِيحَتِها، فَالْتَمِسُوهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ"، فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَكَانَ المَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ، فَوَكَفَ المَسْجِدُ، فَبَصُرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى جَبْهَتِهِ أَثَرُ المَاءِ وَالطِّينِ في صُبْحِ إِحْدَى وعِشريِن (١).

стр. 1929

(عن أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ كان يعتكفُ في العشر الأوسطِ من رمضان) ذكر الأوسط، وكان حقه يقول: الوسطى -بالتأنيث-، إما باعتبار لفظ العشر من غير نظر إلى مفرداته، ولفظه مذكر، فيصح وصفه بالأوسط، وإما باعتبار الوقت أو الزمان؛ أي: ليالي العشر التي هي الثلث الأوسط من الشهر (١). وقال ابن دقيق العيد: الأقوى فيه أن يقال: الوُسُط؛ أو الوَسَط -بضم [السين] (٢) وفتحها-، وأما الأوسط، فكأنه تسمية لمجموع تلك الليالي والأيام، وإنما رجح الأول؛ لأن العشر اسم الليالي، فيكون وصفها جمعًا لائقًا بها (٣). وفي بعض ألفاظ حديث أبي سعيد ﵁: كان رسولُ اللَّه ﷺ يُجاور في رمضان العشر التي في وسط الشهر (٤).

стр. 1930

وقد ورد في بعض الروايات ما يدل على أن الصحيح: أن اعتكافه ﷺ في ذلك العشر كان لطلبه ليلةَ القدر قبلَ أن يعلم أنها في العشر الأواخر (١)، فلما أُعلم بذلك، كان يعتكف العشرَ الأواخرَ من رمضان حتى توفاه اللَّه؛ كما في "الصحيحين" من حديث عائشة ﵂ (٢). (فاعتكف عامًا) مصدر عامَ: إذا سَبَحَ؛ يقال: عامَ يعومُ عَوْمًا وعامًا، فالإنسان يعوم في دنياه على الأرض طول حياته حتى يأتيه الموت يغرقُ فيها؛ أي: اعتكف في شهر رمضان في عام (٣)، (حتى إذا كان ليلةَ إحدى وعشرين) -بنصب ليلة-، وضبطه بعضهم -بالرفع- فاعلًا بكان التامة؛ بمعنى: ثبت، أو نحوه، والمراد: حتى إذا كان استقبال ليلة إحدى وعشرين؛ لأن المعتكف العشرَ الأوسط إنما يخرج قبلَ دخول ليلة الحادي والعشرين؛ لأنها من العشر الأخير، وقد صرح به في رواية هشام في الصحيح (٤)، (وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها)، وفي لفظ بإسقاط (من اعتكافه) (٥)، فكان على خروجه ﷺ صبيحة عشرين؛ كما في "الصحيحين" من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، قال: تذاكَرْنا ليلةَ القدر، فأتيت أبا سعيد الخدريَّ، وكان لي صديقًا، فقلت: ألا تخرجُ بنا إلى النخل؟ فخرج وعليه خميصة، فقلت: سمعتَ رسول اللَّه ﷺ يذكر ليلة القدر؟ فقال: نعم، اعتكفنا مع رسول اللَّه ﷺ العشرَ الوسطى من

стр. 1931

رمضان، فخرجنا صبيحةَ عشرين، فخطبنا، الحديث (١). وفيهما من حديثه، قال: اعتكف رسولُ اللَّه العشرَ الأوسط من رمضان يلتمسُ ليلةَ القدر قبل أن تبان له، الحديث (٢). (قال) ﷺ : (من اعتكفَ)، وفي رواية من حديث أبي سعيد ﵁، قال: كان رسول اللَّه ﷺ يُجاورُ في العشر الذي في وسط الشهر، فإذا كان من حين تمضي عشرون ليلة، وتُستقبل إحدى وعشرون، رجع إلى مسكنه، ورجع مَنْ كان يُجاور معه، ثم إنه أقام في شهر جاور فيه، الحديث، وفيه: فخطب الناس، فأمرهم بما شاء اللَّه، ثم قال: "إني كنتُ أُجاورُ هذه العشرَ، ثم بدا لي أَنْ أُجاور هذهِ العشرَ الأواخرَ، فمن كانَ اعتكفَ (٣) (معي)؛ أي: في العشر الأوسط، (فليعتكفِ العشرَ الأواخر) ". وفي لفظ: "فَلْيَثْبُتْ في مُعْتَكَفِه" (٤). وفي رواية في "الصحيحين": فأتاه جبريل ﷺ ، فقال: إن الذي تطلُبُ أَمامَكَ -يعني: ليلة القدر-، فقام النبي ﷺ ، فخطبَ صبيحةَ عشرين، وذكر الحديث بمعناه (٥). (فقد) وفي لفظ: -بالواو بدل الفاء- (٦) (أُريت) -بضم الهمزة وكسر الراء مبنيًا للمجهول- (هذهِ الليلةَ) -بالنصب- مفعولٌ به، لا ظرف؛ أي:

стр. 1932

رأيتُ ليلةَ القدر، (ثم أُنسيتُها) -بضم الهمزة-، أي: أنساه غيرُهُ إياها. وفي لفظ: "نُسِّيتُها"-بضم النون وتشديد السين المهملة-، وهو الذي في اليونينية وغيرها، وفي بعضها -بالفتح والتخفيف-؛ أي: نسيها هو من غير واسطة، والشك من الراوي، والمراد: أنه أُنسي علم تعيينها في تلك السنة، لا رفع وجودها، خلافًا للرافضة؛ لأنه أمر بالتماسها (١). قال القفال في "العدة" فيما حكاه الطبري: ليس معناه أنه رأى الليلة عيانًا، والأنوار عيانًا، ثم نسي أيَّ ليلة رأى ذلك؛ لأن مثل هذا قلَّ أَنْ يُنْسى، وإنما رأى أنه قيل له: ليلة القدر ليلة كذا وكذا، ثم نسي كيف قيل له (٢). (وقد رَأَيْتُني) -بضم التاء-، أي: رأيت نفسي (أسجدُ في ماءٍ وطين من صَبيحتها) يحتمل أن تكون "من" بمعنى "في" كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]، أي في يوم الجمعة، أو هي لابتداء الغاية الزمانية (٣). (فالتمسوها)؛ أي: ليلةَ القدر؛ يعني: اطلبوها، واقصدوها (في العشر الأواخر) من رمضان، (والتمسوها في كل وترٍ) منه. قال أَبو سعيد الخدري ﵁: (فمَطَرَتِ السماءُ) -بفتح الميم والطاء- (تلك الليلةَ)، يقال في الليلة الماضية: الليلة إلى أن تزول الشمس، فيقال حينئذ: البارحة (٤).

стр. 1933

(وكان المسجدُ) النبويُّ (على عريشٍ)؛ أي: مُظَلَّلًا بجريدٍ ونحوه مما يستظَلُّ به، يريد: أنه لم يكن له سقفٌ يكنُّ من المطر (١). (فوكفَ المسجدُ)؛ أي: سَال ماء المطر من سقف المسجد؛ لكونه عريشًا. قال أَبو سعيد: (فَبَصُرَتْ عيناي) -بضم الصاد المهملة- (رسول اللَّه ﷺ على جبهته) الشريفةِ (أثرُ الماءِ والطين) من السجود ذلك (في [صُبح]) ليلة (إحدى وعشرين) من رمضان؛ تصديقًا لرؤياه التي رآها في قوله ﷺ : "أُريتُ ليلةَ القدر"؛ من الرؤيا؛ أي علمت بها، أو من الرؤية؛ أي: أبصرتها، إنما أُري ﷺ علامتَها، وهو السجودُ في الماء والطين (٢)، وهذا كونه ليلة القدر هي ليلة إحدى وعشرين أرجاها عند الإمام الشافعي، وعبارته كما نقلها البيهقي في "المعرفة": وتُطلب ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان، قال: وكأني رأيت -واللَّه أعلم- أقوى الأحاديث فيه ليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين (٣). ونقله الحافظ ابن رجب في "لطائفه" عن الإمام الشافعي في القديم. قال ابن رجب: وقولُ أهل المدينة: إن أرجاها ليلةُ ثلاث وعشرين، وحكاه سفيان الثوري عن أهل مكة والمدينة، ورجَّحَ الحسنُ وأهل البصرة كونَها ليلةَ أربع وعشرين (٤). والحاصل: أنها تختصُّ بالعشر الأواخر من رمضان، وأرجاها أوتارُهُ -

стр. 1934

على ما تقدم-، وفي كونها تنتقل فيه ما يجمع بين الأقوال المتقدمة، وقد استحسنه ابنُ دقيق العيد وغيرُه؛ لأن فيه جمعًا بين الأحاديث، وحثًا على إحياء جميع تلك الليالي (١)، واللَّه أعلم. تتمة في فضل العمل في ليلة القدر: ثبت عن النبي ﷺ : أنه قال: "من قامَ ليلةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِهِ" رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه مختصرًا من حديث أبي هريرة ﵁ (٢)، وفي رواية للنسائي: "وما تأخر" (٣). قال الحافظ المنذري: انفرد بهذه الزيادة قتيبةُ بن سعيد، عن سفيان، وهو ثقة ثبت، وإسناده على شرط الصحيح، ورواه الإمام أحمد بالزيادة بعد ذكر الصوم (٤). قال الخطابي: قوله: "إيمانًا واحتسابًا"، أي: نيةً وعزيمةً، وهو أن يقومها على التصديق والرغبة في ثوابها، طيبةً بذلك نفسُه غيرَ كارهٍ. وقال الحافظ المنذري: قوله: "احتسابًا"، أي: طالبًا لوجه اللَّه وثوابه (٥).

стр. 1935

قال الحافظ ابن رجب: وقيامُها إنما هو إحياؤها بالتهجد فيها، والصلاة، وقد أمر ﷺ عائشةَ بالدعاء فيها أيضًا (١). قال سفيان الثوري: الدعاءُ في تلك الليلة أحبُّ إليَّ من الصلاة. قال: وكان يقرأ وهو يدعو ويرغب إلى اللَّه تعالى في الدعاء والمسألة، لعله يوافق. قال الحافظ ابن رجب: ومراده: أن كثرة الدعاء أفضلُ من الصلاة التي لا يكثر فيها الدعاء، وإن قرأ، ودعا، كان حسنًا. وقال الشعبي في ليلة القدر: نهارها كليلها (٢). وقال الشافعي في القديم: أستحب أن يكون اجتهاده في نهارها كاجتهاده في ليلها، وهذا يقتضي استحباب الاجتهاد في جميع العشر الأواخر ليلهِ ونهارِه، واللَّه أعلم (٣). * * *

стр. 1936

باب الاعتكاف وهو لغةً: اللبثُ والحبسُ والملازمةُ على الشيء، والإقبالُ عليه، خيرًا كان أو شرًا، قال تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقال: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ (١) [الأعراف: ١٣٨]. وشرعًا: لزومُ مسجدٍ لطاعة اللَّه تعالى (٢). قال ابن سيدَهْ: يقال: عكَفَ يعكُف، وعَكِف؛ كعلم، عَكْفًا وعُكوفًا، واعتكف: لزم المكانَ، والعُكوفُ: الإقامةُ في المسجد (٣)، ولا يسمى خلوة، بل يسمى جِوارًا؛ لقول عائشةَ عنه ﷺ : هو مجاور في المسجد. متفق عليه (٤). وهو سنةٌ إجماعًا؛ لما في "أوسط الطبراني"، والبيهقي، واللفظ له، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد من حديث ابن عباس ﵄

стр. 1937

مرفوعًا: "من اعتكفَ يومًا ابتغاءَ وجهِ اللَّه تعالى، جعلَ اللَّهُ بينهَ وبينَ النار ثلاثَ خنادق أبعدَ ما بينَ الخافقين" (١). وفي البيهقي عنه مرفوعًا: "من اعتكفَ عَشْرًا في رمضان، كان كحجتينِ، وعُمرتين" (٢). ويجب الاعتكافُ بالنذر إجماعًا. وأورد الحافظ ﵀ في هذا الباب أربعة أحاديث. * * *

стр. 1938

الحديث الأول عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ بَعْدَهُ (١). وَفِي لَفْظٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانٍ، فَإِذَا صَلَّى الغَدَاةَ، جَاءَ مَكَانَهُ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ (٢).

стр. 1939

(عن) أُمِّ المؤمنين (عائشةَ) الصدِّيقةِ (﵂)، قالت: (إن النبي ﷺ كان يعتكفُ العشرَ الأواخرَ من رمضانَ حتى تَوَفَّاه اللَّهُ ). في هذا الحديث: دليلٌ على استحباب الاعتكاف، وأنه لم يُنسخ، ولا سيما في رمضان، وخصوصًا في العشر الأواخر. وفيه: تأكيدُ الاستحباب بما أشعر به اللفظُ من المداومة، وبما صرَّحَ به في الرواية الأخرى من قولها: في كل رمضان. وبما دل عليه من عمل أزواجه من بعده: قولها: (ثم اعتكف أزواجُه) ﷺ (من بعده) (١). وقد روى أَبو الشيخُ بنُ حيان من حديث الحسينِ بنِ عليٍّ ﵄ مرفوعًا: "اعتكافُ عشرٍ في رمضانَ بحجتين وعُمرتين"، وهو ضعيف (٢). وكان ﷺ قد أَذِنَ لأزواجه في الاعتكاف، وأما إنكارُه عليهنَّ الاعتكاف بعدَ الإذن؛ كما في الصحيح (٣)، فلمعنى آخر؛ قيل: خاف أن يَكُنَّ غير مخلصات في الاعتكاف، بل أردنَ القربَ منه؛ لغيرتهنَّ عليه، أو ذهابَ المقصود من الاعتكاف بكونهنَّ معه في المعتَكَف، أو لتضييقهنَّ المسجدَ بأبنيتهنَّ. وعند الإمام أبي حنيفة: إنما يصح اعتكاف المرأة في مسجد بيتها، وهو الموضع المهيأ في بيتها لصلاتها (٤).

стр. 1940

(وفي لفظ) من حديث عائشة ﵂ في "الصحيحين": (كانَ رسول اللَّه ﷺ يعتكفُ في كلِّ) شهر (رمضانٍ) -بالتنوين-؛ لأنه نكرة قد زالت العلمية منه، فصرف (١)، (فإذا)، وفي لفظ: "وإذا" -بالواو- (٢) (صلَّى الغداةَ)؛ أي: الصبح، (جاء)، وفي لفظ: دخل، وفي آخر: حَلَّ (مكانه) من الحلول (الذي اعتكف فيه)، وهو موضع خيمته (٣). وتمام الحديث: فاستأذنتهُ عائشة ﵂ أن تعتكفَ، فأَذِنَ لها، فضربَتْ فيه -أي: في المسجد- قبة؛ فسمعت بها حفصةُ، فضربت قبةً -أي: بعد أن استأذنته- كما في رواية في الصحيح، وسمعت زينبُ بهما، فضربت قبة أخرى، فلما انصرفَ ﷺ من الغد، أبصر أربعَ قِبابٍ، فقال: "ما هذا؟ "، فأُخبر خبرَهُنَّ، فقال: "ما حملَهُنَّ على هذا البِرُّ، انزِعوها فلا أراها"، فنزعت، فلم يعتكف ﷺ في رمضان؛ أي: تلاه السنة حتى اعتكف في آخر العشر من شوال (٤). وفي رواية هي رواية عند مسلم وأبي داود: اعتكف في الأول من شوال (٥)، وفي رواية: عشرًا من شوال (٦). وفي "البخاري" من حديث أبي هريرة ﵁، قال: كان

стр. 1941

رسول اللَّه ﷺ يعتكف في كلِّ رمضان عشرةَ أيام، فلما كان العام الذي قُبض فيه، اعتكف عشرين يومًا (١). ففي هذا الحديث استواءُ الرجل والمرأة في الاعتكاف. وفي قول عائشة: فإذا صلى الغداة، جاء مكانه، الجمهور على أنه إذا أراد الإنسان الاعتكاف العشر، دخل معتكفه قبل غروب شمس ليلة أوله. وهذا الحديث قد يقتضي الدخولَ في أول النهار (٢). قال في "الفروع": وإن نذر اعتكافَ شهر بعينِه، دخلَ معتكفَه قبلَ غروب الشمس من أول ليلة منه، وخرج بعدَ غروبِ الشمسِ من آخره. نص عليه الإمام أحمد؛ وفاقًا، وعنه: أن يدخل قبل فجرها الثاني. روي عن الليث، وأبي يوسف، وزفر. وإن نذر عشرًا متعينًا، دخل قبل ليلته الأولى؛ وفاقًا، وعنه: أو قبل فجرها الثاني، وعنه: أو بعد صلاته. قال: ومن أراد أن يعتكف العشرَ الأخير تطوُّعًا، دخل قبل ليلته الأولى؛ نص عليه -يعني: الإمام أحمد-؛ لرؤياه ﷺ ليلة القدر ليلةَ إحدى وعشرين في حديث أبي سعيد (٣)، وحض أصحابه ﵃ على اعتكاف العشر، وليلته الأولى كغيرها، وهو عدد مؤنث. وعنه: بعد صلاة الفجر أولَ يوم منه.

стр. 1942

وقاله الأوزاعي، والليث، وإسحاق، وابن المنذر؛ لحديث عائشة هذا. وحمله صاحب "المحرر" على الجواز. وقال القاضي: يحتمل أنه كان يفعل ذلك في يوم العشرين؛ ليستظهر ببياض يوم زيادةً قبل دخول العشر، قال: ونقل هذا عنه؛ يعني: عن الإمام أحمد ﵁، ثم ذكره من حديث عمرةَ عن عائشة ﵂. قال في "الفروع": ولم أجده في الكتب المشهورة (١). وأُوِّلَ حديثُ عائشة ﵂ بأن الاعتكاف كان موجودًا، وأن دخوله في هذا الوقت لمعتكفه للانفراد عن الناس بعد الاجتماع بهم في الصلاة، لا أنه كان ابتداء دخول المعتكف. والمراد بالمُعْتَكَفِ هنا: الموضعُ الذي خصَّه بهذا، أو أَعَدَّه له؛ كما جاء أنه اعتكفَ في قُبة، وأن أزواجه ضرَبْنَ أَخْبيَةً، ويشعر بذلك رواية: دخل مكانهَ الذي اعتكفَ فيه، بلفظ الماضي، واللَّه أعلم (٢). * * *

стр. 1943

الحديث الثاني عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ النَّبِيَّ ﷺ وَهِيَ حَائِضٌ، وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي المَسْجِدِ، وَهِيَ فِي الحُجْرَةِ، يُنَاوِلُهَا رَأْسَهُ" (١). وَفِي رِوَايَةٍ: وَكَانَ لا يَدْخُلُ البَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةِ الإِنْسَان (٢). وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنْ كُنْتُ لأَدْخُلُ البَيْتَ لِلْحَاجَةِ، وَفِيهِ المَرِيضُ، فَمَا أَسْأَلُ عَنْهُ إِلَّا وَأَنَّا مَارَّةٌ (٣).

стр. 1944

(عن عائشة) أُمِّ المؤمنين الصدِّيقة (﵂: أنها كانت تُرَجِّلُ)؛ أي: تمشِّطُ وتسرِّحُ شعرَ رأسِ (النبي ﷺ )، وتنظِّفه، وتحسِّنه (١)، (وهي)؛ أي: والحال أنها (حائض)، فيه دليل على طهارة بدن الحائض (٢). وفي رواية عنها، قالت: كان النبي ﷺ يباشرني -أي: يمسُّ بشرتي- من غير جماع، وأنا حائضٌ، وكان يُخرج رأسَه من المسجد، (وهو معتكف)، فأغسله وأنا حائض (٣)، وهو ﷺ معتكفٌ (في المسجد) الشريف النبوي، (وهي)؛ أي: عائشةُ ﵂ (في حجرتها)؛ أي: بيتها، والجمع حُجَر، وهي البيوت، وكل موضعٍ حُجر عليه بحجارة فهو حُجْرة، والحجار: الحائط (٤)، (يناولُها)؛ أي: يناول النبيُّ ﷺ عائشةَ الصديقةَ ﵂ (رأسَه) الشريفَ لترجِّلَه.

стр. 1945

وفي لفظ، قالت: كان النبي ﷺ يُصْغي -بضم المثناة تحت وسكون الصاد المهملة وكسر الغين المعجمة-؛ أي: يدني، ويميل إليَّ رأسَهُ -منصوبٌ بيصغي- وهو مجاورٌ، أي: معتكفٌ في المسجد (١)، والجملة حالية (٢). وعند الإمام أحمد: كان يأتيني وهو معتكفٌ في المسجد، فيتكىء على باب حجرتي، فأغسلُ رأسَه وسائرُه في المسجد (٣). وفيه: أن إخراج البعض لا يجري مجرى الكُل، وينبني عليه: ما لو حلف لا يدخل بيتًا، فأدخل بعض أعضائه؛ كرأسه، لم يحنث (٤). قال في "الفروع": وإن أخرج -يعني: المعتكف- بعضَ جسده، لم يبطل في المنصوص؛ وفاقًا. واستدل بحديث عائشة هذا، وإن أخرج جميعَه مختارًا عمدًا، بطل، وإن قَلَّ؛ وفاقًا. وأبطله أَبو يوسف، ومحمدُ بأكثرَ من نصفِ يومٍ فقط. وأبطله الثوريُّ والحسنُ بنُ صالح إن دخل تحتَ سقفٍ ليس ممرُّه فيه (٥). (وفي رواية) عنها في "الصحيحين": (وكان) ﷺ (لا يدخلُ البيتَ إلا لحاجة الإنسان).

стр. 1946

فَسَّرها الزهريُّ راويه بالبولِ والغائطِ، والتحقيقُ استثناؤهما (١)؛ كسائر ما لابدَّ له من الخروج إليه. وفيه: دليل على عدم بطلانه بدخوله لحاجته تحت سقف؛ خلافًا للثوري ومَنْ وافقه (٢). وإن قال المعتكف: متى مرضت، أو عرض لي عارض، خرجْتُ، فله شرطُه (٣). وله السؤال عن المريض في طريقه إذا خرجَ لما لا بدَّ منه، ما لم يعرِّجْ أو يقفْ لمسألةٍ (٤)، (و) عليه يحمل ما (في رواية) في "الصحيحين": (أن عائشة) ﵂ (قالت: إني كنتُ لأدخلُ البيتَ للحاجة) التي خرجتُ لها، (وفيه) -الواو للحال-؛ أي: في البيت (المريضُ، فما أسأل عنه)؛ أي: المريضِ (إلا وأنا مارَّةٌ) من غير وقوف عندَه للمسألة. وروى أَبو داود من حديث عائشة -رضى اللَّه عنها-: أنه ﷺ كان لا يُعرِّج يسأل عن المريض (٥). قال في "الفروع": لا يجوز خروجُ المعتكفِ إلا لما لا بدَّ منه، فلا يخرج لكل قُربة لا تتعين؛ كعيادة مريض، وزيارة، وشهودِ جنازةٍ، وتحمُّلِ شهادةٍ وأدائِها، وتغسيلِ ميتٍ. نص عليه الإمام أحمد، واختاره الأصحاب؛ وفاقًا للأئمة الثلاثة، انتهى (٦).

стр. 1947

فلا يخرج لشيء من ذلك إلا بشرط، أو وجوب. قال في "الفروع": كانوا يُحبون للمعتكِفِ أن يشترطَ هذهِ الخصالَ (١). قال في "الإقناع": وإن شرطَ ما لَهُ منه بُدٌّ، وليس بقربة؛ كالعَشاء في منزله، والمبيتِ فيه، جاز له فعله؛ لا إن شرط الوطء، أو الفرجة، أو النزهة، أو الخروج للبيع والشراء، أو لتكسب في الصناعة في المسجد، انتهى (٢). تنبيه: إن خرجَ لِما لا بدَّ منه، فسأل عن المريض أو غيره، ولم يعرِّجْ، جاز له وفاقًا؛ لما سبق، وكبيعه وشرائه، ولم يقف لذلك، فأما إن وقف لمسألته، بطل اعتكافُه؛ وفاقًا، وللشافعية وجهٌ: لا بأس بقدر صلاة الجنازة. وعن مالك: إن خرج لحاجة الإنسان، فلقيه ولدُه، أو شرب ماءً وهو قائم، أرجو أن لا بأس. والمعتمدُ في الخروج لِما لا بدَّ منه لا يجوز معه ما يزدادُ به زمانُه مما منه بُدٌّ؛ لأنه يفوت به جزءًا مستحقًا من اللبث بلا عذر؛ كما لو خرج له، ويجوز معه ما لا يزداد به زمانُه غير المباشرة؛ لأنه لا يفوت به حقًا، واللَّه أعلم (٣). * * *

стр. 1948

الحديث الثالث عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ ليْلَةً، وَفِي رِوَايةٍ: يَوْمًا فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ، قَالَ: "فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ" (١).

стр. 1949

وَلَمْ يَذْكُرْ بَعْضُ الرُّوَاةِ: "يَوْمًا"، وَلا "لَيْلَةً". (عن) أميرِ المؤمنين أبي حفصٍ (عمرَ بنِ الخطاب ﵁، قال: قلتُ: يا رسول اللَّه!) وكان سؤاله ﵁ له ﷺ بالجِعْرَانة لما رجعوا من حنين -أي: ومن محاصرة الطائف- (إني كنت نذرتُ في الجاهلية أن أعتكفَ ليلةً) في المسجد الحرام؛ أي: حول الكعبة. ولم يكن في عهده ﷺ ، ولا أبي بكر ﵁ جدار، بل الدورُ حول البيت، وبينها أبوابٌ لدخول الناس، فوسَّعه ﵁ بدورٍ اشتراها، وذلك سنة خمس عشرة من الهجرة، ومن أبى البيع، هدم داره، وترك ثمنَها لأربابها في خزانة الكعبة، واتخذها للمسجد جدارًا قصيرًا دونَ القامة، ثم تتابع الناس على عمارته وتوسيعه (١)، منهم سيدُنا عثمانُ بن عفان ﵁، فعلَ كعمرَ في سنة ستٍّ وعشرين من الهجرة، ثم وسَّعَ عبدُ اللَّه بن الزبير ﵄ من جانبه الشرقي واليماني. ثم وسَّعَ المنصورُ ثاني خلفاء بني العباس من جهة الشمالي والغربي، وكان ما زاده مثل ما كان من قبل. وابتدأ في العمل في المحرم سنة سبع وثلاثين ومئة، وفرغ في ذي الحجة سنة أربعين ومئة. ثم إن الخليفة المهديَّ -وهو أبو عبد اللَّه محمدُ بنُ أبي جعفرٍ المنصورِ العباسيِّ- حجَّ في سنة ستين ومئة، وجرد الكعبة، وطلى جدرانها بالمسك والعنبر من أعلاها إلى أسفلها، ووسّعَ المسجدَ من جانبه اليماني والغربي،

стр. 1950

حتى صار ما هو عليه اليوم، خلا الزيادتين؛ فإنهما أُحدثا بعده، وكانت الكعبة في جانب المسجد، ولم تكن متوسطة، فهدم حيطان المسجد، واشترى الدور والمنازل، وأحضر المهندسين، وصَيَّرَ الكعبةَ في الوسط، وكانت توسعتُه الأولى في أول سنة إحدى وستين، والثانية في سنة سبع وستين ومئة، وهي السنة التي عمر فيها مسجد رسول اللَّه ﷺ ، فليس لأحد من الملوك في عِمارة المسجد الحرام مثلُ ما للمهدي. وأما عبدُ الملك بنُ مروانَ، فإنما رفعَ جدرانه، وسَقَفَه بالسَّاج، وعمره ابنُه الوليد، وسقَفَهُ بالساج المزخرَف، وجعل من داخله الرخامَ. وزيد فيه بعد المهدي زيادة دار الندوة بالباب الشامي، والزيادة المعروفة بزيادة باب إبراهيم بالجانب الغربي. وكان إنشاء زيادة دار الندوة في زمن المعتضد العباسي، وابتدأ الكتابة إليه في سنة إحدى وثمانين ومئتين. وكان عملُ الزيادة التي بباب إبراهيم في سنة ست وسبعين وثلاث مئة، كما ذكر ذلك أهلُ التاريخ، ومن اعتنى بأمور مكة ومسجدها الشريف، واللَّه الموفق (١). (وفي رواية): أن عمر ﵁ قال: كنتُ نذرتُ في الجاهلية أن أعتكفَ (يومًا) بدلَ ليلةً (في المسجد الحرام) المكي -زاده اللَّه تشريفًا وتعظيمًا-. (قال) ﷺ لعمر ﵁: (فَأَوْفِ بنذرِكَ) الذي نذرتَهُ، ولو كان نذرُك له من مدة الجاهلية.

стр. 1951

واستدل بقوله: أن أعتكف ليلةً على عدم اعتبار الصوم في الاعتكافِ؛ لأن الليل ليس ظرفًا للصوم، فلو كان الصوم شرطًا، لأمره النبي ﷺ به، نعم، عند "مسلم": يومًا، بدل: ليلة؛ كما ذكره الحافظ. وجمع ابن حبان (١) وغيرُه بين الروايتين: بأنه نذرَ اعتكافَ يومٍ وليلةٍ، فمن أطلق ليلة، أراد: بيومها، ومن أطلق يومًا، أراد: بليلته (٢). قال الحافظ المصنف -طيب اللَّه روحه-: (ولم يذكر بعضُ الرواة) لهذا الحديث (يومًا ولا ليلة)، بل قال نافع عن عمر ﵄: إن عمر ﵁ نذرَ في الجاهلية أن يعتكف في المسجد الحرام. قال عبيد أحدُ رواة هذا الحديث، وهو شيخ البخاري، أو القائلُ البخاري نفسُه: أُراه -بضم الهمزة-؛ أي: أظنه ليلة (٣). زاد البخاري في رواية: فاعتكف ليلة (٤). قال في "الفروع": ويصحُّ -يعني: الاعتكاف- بغير صوم، هذا المذهب؛ وفاقًا للشافعي. واستدل بحديث قصة عمر هذه، وبحديث ابن عباس: "ليسَ على المعتكِفِ صيامٌ إلا أن يجعلَهُ على نفِسه" رواه الدارقطني، وقال: رفعه أبو بكر السوسي، وغيرهُ لا يرفعه (٥).

стр. 1952

قال صاحب "المحرر": هو ثقة، فُيقبل رفعُه وزيادته، ولأنه لا دليلَ على اعتبار الصوم في الاعتكاف. وأما حديث: أنه ﷺ قال لعمر: "اعتكفْ وصُمْ"، فتفرد به عبدُ اللَّه بن بديل، وله مناكير، ورواه أبو داود، وضغَفه، وضعَّفَ هذه الزيادة أبو بكر النيسابوري، والدارقطني، وغيرُه (١). ثم على فرض ثبوت ذلك، فالأمر به استحبابًا، أو يكون عمر ﵁ نذر الصومَ مع الاعتكاف؛ بدليل قوله: إنه نذر أن يعتكف في الشرك ويصومَ. قال الدارقطني: إسنادهُ حسن، تفرد به سعيدُ بن بشير (٢). وأقوال الصحابة مختلفة. وعن الإمام أحمد: أنه لا يصح الاعتكاف بغير صوم؛ وفاقًا لأبي حنيفة، ومالك، فعلى هذا: لا يصح ليلة مفردة (٣). ولا يخفى أن صنيع الحافظ عدمُ اشتراط الصوم، وهو المذهب المعتمد. وفي الحديث: دليلٌ على صحة النذر من الكافر، وجزم به علماؤنا.

стр. 1953

قال في "الفروع" في النذر: ولا يصح إلا من مكلَّف -ولو كافرًا- بعبادة، نص عليه -يعني: الإمام أحمد- (١). قال ابن دقيق العيد: يَستدل به من يرى صحةَ النذر من الكافر، قال: وهو قولٌ، أو وجهٌ في مذهب الشافعي. والأشهر -يعني: عند الشافعية-: أنه لا يصح؛ لأن النذر قُربة، والكافر ليس من أهل القُرَب. ومن يقول بهذا يحتاج إلى أن يؤول الحديث: بأنه أمر بأن يأتي باعتكاف يوم شبيه بما نذر؛ لئلا يخل بعبادةٍ نوى فعلَها، فأطلق عليه أنه منذور؛ لشبهه بالمنذور، وقيامِه مقامه في فعل ما نواه من الطاعة. وعليه: إما أن يكون قوله: "أوف بنذرك" من مجاز الحذف، أو مجاز التشبيه، وظاهر الحديث خلافُه؛ لعدم الملجئ إلى مثل هذا التأويل (٢). وأجاب بعض من لا يرى انعقادَ النذر من الكافر: بأن المرادَ: أنه نذرَ بعدَ إسلامه في زمن لا يقدر أن يفي بنذره فيه؛ لمنع الجاهلية للمسلمين من دخول مكة، ومن الوصول إلى الحرم. وهذا مردود بما أخرجه الدارقطني من طريق سعيد بن بشير، عن عبيد اللَّه، بلفظ: نذر عمرُ أن يعتكفَ في الشركِ (٣)، فهو صريح في أن نذره كان قبلَ إسلامه في الجاهلية، كما في القسطلاني (٤).

стр. 1954

تنبيه: الذي جزم علماؤنا في باب الاعتكاف إلى اعتبار كونه مسلمًا عاقلًا مميِّزًا طاهرًا مما يوجب غُسلًا. قال في "الفروع": ولا يصحُّ من كافر، ومجنون، وطفل؛ كصلاة وصوم. قال صاحب "المحرر": لا أعلم فيه خلافًا، وكذا ذكر غيرُه، لخروجه بالجنون عن كونه من أهل المسجد، ثم قال: ويأتي في النذر نذرُ الكافر، انتهى (١). وحاصل المذهب: انعقاد نذر الاعتكاف من الكافر، إلا أنه لا يتأتَّى صحته منه إلا بعد إسلامه، واللَّه أعلم. وفي الحديث: دليلٌ على لزوم نذرِ القُربة. وربما استَدل بعمومه: مَنْ يرى وجوبَ الوفاء بكلِّ منذور (٢)، ويأتي الكلام عليه في بابه -إن شاء اللَّه تعالى-. * * *

стр. 1955

الحديث الرابع عَنْ صَفِيَّةَ بنْتِ حُيَيٍّ ﵂، قَاَلتْ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ مُعْتكِفًا، فَأتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا، فَحَدَّثْتُهُ، ثُمَّ قُمْتُ لأَنْقَلِبَ، فَقَامَ مَعِيَ لِيَقْلِبَنِي، وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زيْدٍ، فَمَرَّ رَجُلَان مِنَ الأَنْصَارِ، فَلَمَّا رَأَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، أَسْرَعَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "عَلَىَ رِسْلِكُمَا، إِنَّهَا صَفِيَّةُ بنْتُ حُيَيٍّ"، فَقَالا: سُبْحَانَ اللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرًّا"، أَوْ قَالَ: "شَيْئًا" (١). وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهَا جَاءَتْ تَزُورُهُ فِي اعْتِكافِهِ فِي المَسْجِدِ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ، فَقَامَ النَّبِيُّ مَعَهَا يَقْلِبُهَا،

стр. 1956

حَتَّى إذَا بَلَغَتْ بَابَ المَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَذَكَرَهُ بِمَعْنَاهُ (١). * * * (عن) أُمِّ المؤمنينَ (صَفِيَّةَ بنتِ حُيَيٍّ) -بضم الحاء وفتح المثناة تحت بعد مثلها مشددة- تصغير حَيٍّ، ويجوز -كسرُ الحاء- أيضًا، بنِ أَخْطَبَ -بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة- بنِ سَعْيَة -بفتح السين وسكون العين المهملتين وفتح المثناة تحت- من بني إسرائيل، من سبط هارون بنِ عمرانَ -على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام-. كانت صفية (﵂) عند سلامِ بنِ مِشْكَم، وكان شاعرًا، فقُتل يومَ خيبر، كذا نقله البرماوي، والذي في "السيرة": أنها كانت عند سلامٍ المذكورِ، ثم عندَ كِنانةَ بنِ الربيع، فقتلَ يومَ خيبر، وأُمُّها بَرَّةُ بنتُ سموأل أختُ رفاعة بنِ سموأل القرظيِّ، فتزوجها رسول اللَّه ﷺ بعد أن

стр. 1957

أعتقها، وجعل عتقها صداقها، وذلك سنةَ سبعٍ من الهجرة. وفي "سنن الترمذي" عنها ﵂: دخل عليَّ رسول اللَّه ﷺ وقد بلغني كلامٌ عن حفصةَ وعائشةَ، فذكرتُ ذلك له، فقال: "أَلا قلتِ: كيفَ تكونانِ خيرًا مني، وزوجي محمدٌ، وأبي هارونُ، وعمي موسى؟! " (١). وكان الذي قالتا: نحن على رسول اللَّه ﷺ أكرمُ منها، وقالوا: نحن أزواج النبيِّ ﷺ وبناتُ عمه. وفي أخرى: دخل عليَّ رسولُ اللَّه ﷺ وأنا أبكي، وكانت حفصةُ قالت: يا بنتَ يهود! فأخبرتُهُ، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "ألا تتقين اللَّهَ يا حفصةُ؟! إنها لابنةُ نَبِيٍّ، وإن عَمَّها لنبيٌّ، وإنها لتحتَ نبيٍّ، فبم تفتخر عليك؟ " (٢). وفي الترمذي، والنسائي: بلغ صفيةَ أن حفصةَ قالت: يا بنتَ يهودي! فبكت، الحديث، وفيه: "إنَّكِ لابنةُ نبيٍّ، وإن عَمَّكِ لنبيٌّ، وإنك لتحتَ نبيٍّ، فبمَ تفتخر عليك؟ "، ثم قال: "اتَّقي اللَّهَ يا حفصة". قال الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ (٣). وكانت ﵂ حليمةً عاقلةً فاضلةً.

стр. 1958

روي: أن جاريةً لها أتت عمرَ بنَ الخطاب ﵁، فقالت له: إن صفيةَ تحبُّ السبتَ، وتَصِلُ اليهودَ، فبعث إليها عمرُ، فسألها، فقالت: أما السبتُ، فإني لم أُحِبَّهُ منذُ أبدلني اللَّه يومَ الجمعة، وأما اليهودُ، فإن لي منهم رحمًا، فأنا أَصِلُها، ثم قالت للجارية: ما حَمَلَكِ على ما صنعت؟ قالت: الشيطانُ، قالت: اذهبي فأنتِ حرةٌ. توفيت ﵂ في رمضان في زمن معاويةَ سنة خمسين، وقيل: اثنتين وخمسين، واتفقوا على أنها دُفنت بالبقيع. رُوي لها عن النبيِّ ﷺ عشرةُ أحاديث، اتفقا على حديث واحد، وهو الذي نحن بصدد شرحه ﵂ (١). (قالت) أُم المؤمنين صفيةُ بنتُ حُيَيِّ بنِ أخطبَ: (كان النبي ﷺ معتكفًا) في مسجده الشريف، (فأتيته أَزورُه ليلًا)، زاد في رواية صحيحة: وأزواجُه ﷺ عنده، فرحن إلى منازلهن، فقال ﷺ لصفية بنت حُيي: "لا تَعْجَلي حتى أَنصرفَ معكِ" (٢). قالت: (فحدَّثْتُه). وفي لفظ: فتحدثت عنده ساعة (٣).

стр. 1959

زاد البخاري في "الأدب": من العشاء (١)، وكان مجيئها تأخَّر عن رفقتها، فأمرها بالتأخُّر ليحصلَ التساوي في مدة جلوسهنَّ عنده، أو أن بيوتَ رفقتها كانت أقربَ، فخشيَ عليها، وكان مشغولًا، فأمرها بالتأخير؛ ليفرغ، ويشيعها (٢). (ثم قمتُ لأنقلبَ). وفي لفظ: ثم قامت -أي: صفية- تنقلب (٣)؛ أي: ترد إلى منزلها. (فقام) ﷺ (معي ليقلبني)؛ أي: يردني إلى مسكني، (وكان مسكنُها في دار أسامة)؛ أي: الدار التي صارت بعد ذلك لأسامة (بنِ زيدٍ) ﵄؛ لأن أسامة إذ ذاك لم يكن له دار مستقلة بحيث تسكنُ فيها صفية. وتأتي ترجمته في باب: فسخ الحج إلى العمرة -إن شاء اللَّه تعالى- (٤). (فمرَّ رجلانِ من الأنصار). قال البرماوي: قال ابنُ العطار في "شرح العمدة": هما أُسيد بن حُضير، وعباد بن بشر (٥)، وأنكر بعضهم عليه ذلك (٦).

стр. 1960

وقال: إنما هذا من حديث أنس: خرج رجلان من عند النبيِّ ﷺ في ليلة مظلمة، ومعهما مثل المصباحين، الحديث (١). قال ابن بشكوال (٢): هما أُسيد بن حضير، وعباد بن بشر، كذا في النسائي، و"مسند الطيالسي" (٣)، وغيرهما، فهذا هو المعروف. وأما أن يفسر بهما الرجلان في حديث صفية، فلا يساعد عليه نقل. وأُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ -بضم أولهما-، وعَبَّادٌ -بفتح العين والتشديد-، (فلما رأيا رسول اللَّه ﷺ ، أسرعا) في مشيهما، وفي رواية: فنظرا إلى النبيِّ ﷺ ، ثم أجازا (٤). وفي رواية: فنظر، فلما رأياه، استحييا، فرجعا (٥). وفي رواية: فسلَّما على النبيِّ ﷺ (٦)، (فقال) لهما (النبي ﷺ : على رِسْلِكِما) -بكسر الراء وسكون السين المهملة-؛ أي: على هينتكما، فليس شيء تكرهانه (٧). (إنها)، وفي لفظ: إنما هي (٨) (صفيةُ بنتُ حُيي) بنِ أخطبَ، (فقالا)؛ أي: الرجلان: (سبحان اللَّه يا رسول اللَّه!)؛ أي: تنزه اللَّه عن أن يكون

стр. 1961

[رسوله متهمًا بما لا ينبغي، أو كناية عن التعجب] من هذا القول، [وفي رواية]: وكبر عليهما (١)؛ أي: عظم وشق ما قال ﷺ (٢). وفي رواية هشيم: فقالا: يا رسول اللَّه! وهل نظنُّ بكَ إلا خيرًا؟ (٣) (فقال) النبيُّ ﷺ : (إنَّ الشيطانَ يجري من ابن آدمَ) من ذكرٍ وأنثى (مجرى الدم) من الجسد، ووجه الشبه: شدةُ الاتصال، وعدم المفارقة (٤)، وهو كناية عن الوسوسة (٥)، (وإني خشيت أن يقذف) الشيطانُ (في قلوبكما شرًّا). كذا لمسلم، وأبي داود: (أو قال: شيئًا) كما في البخاري: ولم يقل: شرًا، ولم يكن ﷺ نسبهما أنهما يظنان به سوءًا لما تقرر عنده من صدق إيمانهما، ولكن خشي عليهما أن يوسوس لهما الشيطان ذلك، لأنهما غيرُ معصومين، فقد يُفضي بهما ذلك إلى الهلاك، فبادر إلى إعلامهما؛ حسمًا للمادة، وتعليمًا لمن بعده إذا وقع له مثلُ ذلك (٦). وقد روى الحاكم: أن الشافعي كان في مجلس ابن عيينة، فسأل عن هذا الحديث، فقال الشافعي: إنما قال لهما ذلك؛ لأنه خاف عليهما الكفر إن ظنا به التهمة، فبادر إلى إعلامهما، نصيحة لهما قبل أن يقذف الشيطان في نفوسهما شيئًا يهلكان به (٧).

стр. 1962

وفي "طبقات العبادي" (١): أن الشافعي سئل عن خبر صفية، فقال: إنه على التعليم، عَلَّمَنا إذا حدثنا محارمنا أو نساءنا على الطريق أن نقول: هي محرمي؛ حتى لا نتهم (٢). وقال ابن دقيق العيد: فيه دليل على التحرز مما يقع في الوهم نسبة الإنسان إليه مما لا ينبغي، وهذا متأكد في حق العلماء، ومن يُقتدى به، فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلًا يوجب ظنَّ السوء بهم، وإن كان لهم فيه مخلص؛ لأن ذلك سبب إلى إبطال الانتفاع بعلمهم. وقد قالوا: إنه ينبغي للحاكم أن يبين وجهَ الحكم للمحكوم عليه إذا خفي عنه، وهو من باب نفي التهمة بالنسبة إلى الجور في الحكم. وفي الحديث: دليلٌ على هجوم خواطر الشيطان على النفس، وما كان من ذلك غيرَ مقدور على دفعه لا يؤاخذ به؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ولقوله ﵇ في الوسوسة التي يتعاظم الإنسان أن يتكلم بها: "ذلك مَحْضُ الإيمان" (٣).

стр. 1963

وقد فسروه بأن التعاظم لذلك محضُ الإيمان، لا الوسوسةُ، لكن كيفما كان، ففيه دليل على عدم المؤاخَذَة به (١). (وفي رواية) في "الصحيحين": (أنها)؛ أي: صفيةُ بنتُ حُيي ﵂ (جاءت تزوره) ﷺ ، وهو (في اعتكافه في المسجد) النبويِّ، وكان ذلك (في العشر الأواخر من رمضان، فتحدثت عنده ساعة)، زاد البخاري في "الأدب": من العشاء (٢)، (ثم قامت) صفيةُ (تنقلب)؛ أي: ترد وترجع من عنده إلى منزلها، (فقام النبيُّ ﷺ معها يَقْلِبُها) -بفتح الياء وسكون القاف وكسر اللام-؛ أي: يردها إلى منزلها (حتى إذا بلغتْ)؛ يعني: صفية ﵂ (بابَ المسجدِ عندَ بابِ أم سلمةَ) زوج رسول اللَّه ﷺ ، (وذكره بمعناه) الذي تقدم في الرواية التي ساقها المصنف ﵀. وظاهره: أنه ﷺ خرج من باب المسجد، وإلا، فلا فائدة في قوله لها: "لا تَعْجَلي حتى أنصرفَ معك"، ولا فائدة لقلبها لباب المسجد فقط؛ لأن قلبَها إنما كان لبعدِ بيتها، يؤيد ذلك ما في رواية عبد الرزاق من طريق مروان بن سعيد بن المعلى: فذهبَ معها حتى أدخلها بيتها (٣). ومن ثم ذكره البخاري في باب: هل يخرج المعتكفُ لحوائجِه إلى باب المسجد؟ (٤)

стр. 1964

وفي "الصحيحين" عن علي بن الحسين، قال: كان النبيُّ ﷺ في المسجد، وعنده أزواجهُ، فَرُحْنَ، فقال لصفيةَ بنتِ حُيي: "لا تعجلي حتى أنصرفَ معكِ" (١). وفي بعض ألفاظ البخاري: فأبصره رجلٌ من الأنصار (٢)، وجعل القصةَ لواحد، كذا في "شرح البخاري" للقسطلاني، ويحمل حينئذ على الحاجة، وهي خوفه عليها (٣). وظاهر ما في "الصحيحين": أنه لم يخرج إلا قوله لها: "لا تعجلي حتى أنصرفَ معك"، فربما أشعر بذلك لبعد بيتها. تنبيهات: أحدها: المعتاد للمعتكف من الأعذار حاجةُ الإنسان إجماعًا، وطهارةُ الحدث إجماعًا، والطعامُ والشرابُ إجماعًا، والجمعةُ إذا اعتكف في مسجد لا يُجَمَّعُ فيه، فيخرج إليها، ويخرج لمرضٍ يتعذر معه القيامُ فيه، أو لا يمكنه إلا بمشقة شديدة؛ بأن يحتاج إلى خدمةٍ وفراش؛ وفاقًا. وأما إن كان خفيفًا؛ كالصداع والحمَّى الخفيفة، لم يجز؛ وفاقًا، إلا أن يُباح به الفطر. وتخرج المرأة، وإلى نفاس. فلا يجوز للمعتكف أن يخرج لشهادة إلا أن يتعين عليه أداؤها، فيلزمه الخروجُ؛ خلافًا لمالك؛ لظاهر الآيات، وكالخروج إلى الجمعة، ولا يبطل اعتكافه؛ خلافًا لمالك، ولو لم يتعين عليه التحمُّل؛ خلافًا للشافعي.

стр. 1965

ويلزم المرأةَ أن تخرجَ لعدَّة الوفاة في منزلها؛ خلافًا لمالك؛ لوجوبه شرعًا؛ كالجمعة، وهو حق للَّه ولآدمي، لا يُستدرك إذا تُرك، ولا يبطل الاعتكاف. ويلزمه الخروجُ إن احتاج إليه لجهاد متعين، ولا يبطل به اعتكافه، وإنقاذِ غريق ونحوه، ولا يبطل اعتكافه؛ لأنه عذر في ترك الجمعة، فكذا هنا بالأولى (١). الثاني: لا يصح الاعتكاف من رجل تلزمه الصلاةُ جماعة في مدة اعتكافه إلا في مسجد تُقام فيه الجماعة؛ وفاقًا لأبي حنيفة، ولو من رجلين معتكفين، وإلا تلزمْه الجماعة، صحَّ منه في مسجد غيره. ودليلُه: ما رواه سعيدُ بن منصور عن حذيفة: أنه قال لابن مسعود ﵄: لقد علمت أن رسولَ اللَّه ﷺ قال: "لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة"، أو قال: "إلا في مسجد جماعة" حديث صحيح (٢). وفي أبي داود من حديث عائشة ﵂: "ولا اعتكاف إلا في مسجدٍ جامعٍ"، ورواه الدارقطني بإسناد جيد (٣). ولأن الجماعة واجبة، فيحرم تركُها، ويفسد الاعتكاف بتكرار الخروج، وعند مالك، والشافعي: يصح في كل مسجد (٤).
следующие страницы →