← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

[رسوله متهمًا بما لا ينبغي، أو كناية عن التعجب] من هذا القول، [وفي رواية]: وكبر عليهما (١)؛ أي: عظم وشق ما قال ﷺ (٢). وفي رواية هشيم: فقالا: يا رسول اللَّه! وهل نظنُّ بكَ إلا خيرًا؟ (٣) (فقال) النبيُّ ﷺ : (إنَّ الشيطانَ يجري من ابن آدمَ) من ذكرٍ وأنثى (مجرى الدم) من الجسد، ووجه الشبه: شدةُ الاتصال، وعدم المفارقة (٤)، وهو كناية عن الوسوسة (٥)، (وإني خشيت أن يقذف) الشيطانُ (في قلوبكما شرًّا). كذا لمسلم، وأبي داود: (أو قال: شيئًا) كما في البخاري: ولم يقل: شرًا، ولم يكن ﷺ نسبهما أنهما يظنان به سوءًا لما تقرر عنده من صدق إيمانهما، ولكن خشي عليهما أن يوسوس لهما الشيطان ذلك، لأنهما غيرُ معصومين، فقد يُفضي بهما ذلك إلى الهلاك، فبادر إلى إعلامهما؛ حسمًا للمادة، وتعليمًا لمن بعده إذا وقع له مثلُ ذلك (٦). وقد روى الحاكم: أن الشافعي كان في مجلس ابن عيينة، فسأل عن هذا الحديث، فقال الشافعي: إنما قال لهما ذلك؛ لأنه خاف عليهما الكفر إن ظنا به التهمة، فبادر إلى إعلامهما، نصيحة لهما قبل أن يقذف الشيطان في نفوسهما شيئًا يهلكان به (٧).

стр. 1962

وفي "طبقات العبادي" (١): أن الشافعي سئل عن خبر صفية، فقال: إنه على التعليم، عَلَّمَنا إذا حدثنا محارمنا أو نساءنا على الطريق أن نقول: هي محرمي؛ حتى لا نتهم (٢). وقال ابن دقيق العيد: فيه دليل على التحرز مما يقع في الوهم نسبة الإنسان إليه مما لا ينبغي، وهذا متأكد في حق العلماء، ومن يُقتدى به، فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلًا يوجب ظنَّ السوء بهم، وإن كان لهم فيه مخلص؛ لأن ذلك سبب إلى إبطال الانتفاع بعلمهم. وقد قالوا: إنه ينبغي للحاكم أن يبين وجهَ الحكم للمحكوم عليه إذا خفي عنه، وهو من باب نفي التهمة بالنسبة إلى الجور في الحكم. وفي الحديث: دليلٌ على هجوم خواطر الشيطان على النفس، وما كان من ذلك غيرَ مقدور على دفعه لا يؤاخذ به؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ولقوله ﵇ في الوسوسة التي يتعاظم الإنسان أن يتكلم بها: "ذلك مَحْضُ الإيمان" (٣).

стр. 1963

وقد فسروه بأن التعاظم لذلك محضُ الإيمان، لا الوسوسةُ، لكن كيفما كان، ففيه دليل على عدم المؤاخَذَة به (١). (وفي رواية) في "الصحيحين": (أنها)؛ أي: صفيةُ بنتُ حُيي ﵂ (جاءت تزوره) ﷺ ، وهو (في اعتكافه في المسجد) النبويِّ، وكان ذلك (في العشر الأواخر من رمضان، فتحدثت عنده ساعة)، زاد البخاري في "الأدب": من العشاء (٢)، (ثم قامت) صفيةُ (تنقلب)؛ أي: ترد وترجع من عنده إلى منزلها، (فقام النبيُّ ﷺ معها يَقْلِبُها) -بفتح الياء وسكون القاف وكسر اللام-؛ أي: يردها إلى منزلها (حتى إذا بلغتْ)؛ يعني: صفية ﵂ (بابَ المسجدِ عندَ بابِ أم سلمةَ) زوج رسول اللَّه ﷺ ، (وذكره بمعناه) الذي تقدم في الرواية التي ساقها المصنف ﵀. وظاهره: أنه ﷺ خرج من باب المسجد، وإلا، فلا فائدة في قوله لها: "لا تَعْجَلي حتى أنصرفَ معك"، ولا فائدة لقلبها لباب المسجد فقط؛ لأن قلبَها إنما كان لبعدِ بيتها، يؤيد ذلك ما في رواية عبد الرزاق من طريق مروان بن سعيد بن المعلى: فذهبَ معها حتى أدخلها بيتها (٣). ومن ثم ذكره البخاري في باب: هل يخرج المعتكفُ لحوائجِه إلى باب المسجد؟ (٤)

стр. 1964

وفي "الصحيحين" عن علي بن الحسين، قال: كان النبيُّ ﷺ في المسجد، وعنده أزواجهُ، فَرُحْنَ، فقال لصفيةَ بنتِ حُيي: "لا تعجلي حتى أنصرفَ معكِ" (١). وفي بعض ألفاظ البخاري: فأبصره رجلٌ من الأنصار (٢)، وجعل القصةَ لواحد، كذا في "شرح البخاري" للقسطلاني، ويحمل حينئذ على الحاجة، وهي خوفه عليها (٣). وظاهر ما في "الصحيحين": أنه لم يخرج إلا قوله لها: "لا تعجلي حتى أنصرفَ معك"، فربما أشعر بذلك لبعد بيتها. تنبيهات: أحدها: المعتاد للمعتكف من الأعذار حاجةُ الإنسان إجماعًا، وطهارةُ الحدث إجماعًا، والطعامُ والشرابُ إجماعًا، والجمعةُ إذا اعتكف في مسجد لا يُجَمَّعُ فيه، فيخرج إليها، ويخرج لمرضٍ يتعذر معه القيامُ فيه، أو لا يمكنه إلا بمشقة شديدة؛ بأن يحتاج إلى خدمةٍ وفراش؛ وفاقًا. وأما إن كان خفيفًا؛ كالصداع والحمَّى الخفيفة، لم يجز؛ وفاقًا، إلا أن يُباح به الفطر. وتخرج المرأة، وإلى نفاس. فلا يجوز للمعتكف أن يخرج لشهادة إلا أن يتعين عليه أداؤها، فيلزمه الخروجُ؛ خلافًا لمالك؛ لظاهر الآيات، وكالخروج إلى الجمعة، ولا يبطل اعتكافه؛ خلافًا لمالك، ولو لم يتعين عليه التحمُّل؛ خلافًا للشافعي.

стр. 1965

ويلزم المرأةَ أن تخرجَ لعدَّة الوفاة في منزلها؛ خلافًا لمالك؛ لوجوبه شرعًا؛ كالجمعة، وهو حق للَّه ولآدمي، لا يُستدرك إذا تُرك، ولا يبطل الاعتكاف. ويلزمه الخروجُ إن احتاج إليه لجهاد متعين، ولا يبطل به اعتكافه، وإنقاذِ غريق ونحوه، ولا يبطل اعتكافه؛ لأنه عذر في ترك الجمعة، فكذا هنا بالأولى (١). الثاني: لا يصح الاعتكاف من رجل تلزمه الصلاةُ جماعة في مدة اعتكافه إلا في مسجد تُقام فيه الجماعة؛ وفاقًا لأبي حنيفة، ولو من رجلين معتكفين، وإلا تلزمْه الجماعة، صحَّ منه في مسجد غيره. ودليلُه: ما رواه سعيدُ بن منصور عن حذيفة: أنه قال لابن مسعود ﵄: لقد علمت أن رسولَ اللَّه ﷺ قال: "لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة"، أو قال: "إلا في مسجد جماعة" حديث صحيح (٢). وفي أبي داود من حديث عائشة ﵂: "ولا اعتكاف إلا في مسجدٍ جامعٍ"، ورواه الدارقطني بإسناد جيد (٣). ولأن الجماعة واجبة، فيحرم تركُها، ويفسد الاعتكاف بتكرار الخروج، وعند مالك، والشافعي: يصح في كل مسجد (٤).

стр. 1966

الثالث: لا يصح الاعتكاف إلا في مسجد، حكاه ابن عبد البر إجماعًا (١)، وجوزه بعضُ المالكية، وبعض الشافعية في مسجد بيته، وظَهْر المسجد، ورَحْبته المحوطة، والمنارة التي هي أو بابها فيه من المسجد، واللَّه أعلم (٢). الرابع: أقلُّ الاعتكاف ساعة، والمراد بها: ما يقع عليه الاسم إذا وجد، فلو نذر اعتكافًا، وأطلق، أجزأته، ولا يكفي عبورُه (٣). ويستحبُّ أَلَّا يَنْقُصَ عن يوم وليلة؛ للخروج من خلاف أبي حنيفة؛ فإن مذهبه: أقلُّ الاعتكاف يوم من أوله إلى منتهاه يمنعه (٤). وتقدم عدم اعتبار الصوم في الاعتكاف، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1967

كتاب الحج - بفتح الحاء المهملة لا بكسرها- في الأشهَر، وعكسُه شهر الحِجَّة، قاله في "الفروع" (١)، وفي "المطلع": -فتح الحاء وكسرها-: لغتان مشهورتان. والحج لغةً: عبارة عن القصد. وحكي عن الخليل: أنه كثرةُ القصدِ إلى من تُعظمه. قال الجوهري: ثم تُعورف استعماله في القصد إلى مكة للنسك (٢). وفي "مغني" الإمام ابن قدامه: هو في الشرع: اسمٌ لأفعالٍ مخصوصة (٣). والحجُّ فرض على كل مسلم مكلَّفٍ حُرٍّ مستطيعٍ في العمر مرةً واحدةً؛ إجماعًا، وهو فرض كفاية كل عام، وهو والعمرة أحد أركان الإسلام. وفُرض سنةَ تسعٍ في قول أكثر العلماء، وقيل: سنة عشر.

стр. 1968

وقال بعض العلماء: سنة ست، وبعضهم: سنة خمس. ولم يحج النبي ﷺ بعد هجرته سوى حجة الوداع، ولا خلاف أنها كانت سنة عشر، وكان قارنًا، نص عليه الإمام أحمد (١). قال الحافظ ابن الجوزي في كتابه "مُثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن": إنما حجَّ نبيُّنا ﷺ بعد هجرته إلى المدينة مرةً واحدة، وإنما سُميت حجةَ الوداع؛ لأنه خطب الناس وودَّعَهم، فقالوا: هذه حجةُ الوداع. قال: فأما قبلَ الهجرة، فإنه قد حجَّ بعدَ النبوة، وقبلَها حجاتٍ لا يُعرف عددُها. ومجاهد يقول: حجَّ حجتين قبل أن يهاجرَ، ولعله يشيرُ إلى ما بعدَ النبوة، واللَّه أعلم (٢). * * *

стр. 1969

باب المواقيت جمعُ ميقات، وهو الزمان والمكان المضروبُ للفعل (١) وذكر الحافظ ﵀ في هذا الباب حديثين: * * *

стр. 1970

الحديث الأول عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسوُلَ اللَّهِ ﷺ وَقَّتَ لِأَهلِ المَدِينَةِ: ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ: الجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ: قَرْنَ المَنَازِلَ، وَلِأَهْلِ اليَمَنِ: يَلَمْلمَ، هُنَّ لهَنُ وَلمِنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرهِنَّ، مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ والعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ، فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ (١).

стр. 1971

(عن) أبي العباسِ (عيدِ اللَّه بنِ عباسٍ ﵄: أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ وَقَّتَ)، أي: حدد المواضعَ الآتيةَ للإحرام، وجعلها ميقاتًا، وإن كان مأخوذًا من الوقت، إلا أنَّ (١) العرف يستعمله في مطلَق التحديد؛ اتساعًا، ويحتمل أن يريد به تعليق الإحرام بوقت الوصول إلى هذه الأماكن بالشرط المعتبر. وقد يكون بمعنى: أوجب، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٢) [النساء: ١٠٣]. ويؤيده روايةُ ابن عمر عند البخاري: أنه أتاه زيدُ بنُ جُبير في منزله، وله فُسطاط، فسأله: من أين يجوز أن أعتمر؟ قال: فرضها رسول اللَّه ﷺ (٣) (لأهلِ المدينةِ) النبوية لسكانها ومَنْ سلكَ طريقَهم فمرَّ على ميقاتهم (٤) (ذَا الحُلَيْفَةِ) -بضم الحاء المهملة وفتح اللام مصغرًا-: موضع عن المدينة ستة أميال، وقيل: سبعة، نقله في "المطلع" (٥) عن القاضي عياض (٦)، وغيرِه، وذكر الرافعي من الشافعية: أنه بينه وبين المدينة ميلٌ (٧)، والذي في "القاموس": ستةُ أميال (٨).

стр. 1972

وفي "المهمات": الصوابُ المعروفُ بالمشاهدة: أنها على ثلاثة أميال، أو تزيد قليلًا، كذا قال (١). والذي جزم به فقهاؤنا: أن بين ذي الحليفة والمدينة ستة أميال، وتعرف الآن بأبيار علي (٢)؛ لأنهم يزعمون أن سيدنا الإمام علي بن أبي طالب قاتلَ الجنَّ فيها، وهو كذبٌ لا أصلَ له (٣)، وهو ماءٌ لبني جشم. والحَلَفُ -محركةً-: نبت معروف، الواحدة حَلِفَة؛ كَفَرِحَةٍ وخَشبةٍ، وصَحْراةٍ، كما في "القاموس" (٤)، وهي قرية خَرِبةٌ، وبها مسجد يعرف بمسجد الشجرة خراب، قاله القسطلاني (٥)، وقول من قال؛ كابن الصباغ في "الشامل"، والروياني في "البحر": إنه على ميل من المدينة وَهْم يردُّه الحسُّ (٦). (و) وَقَّتَ- ﷺ (لأهل الشام)، زاد النسائي في حديث عائشة ﵂: ومصر (٧)، زاد الشافعي في روايته: والمغرب (٨) (الجُحْفَةَ) -بضم الجيم وإسكان الحاء المهملة وفتح الفاء-: قرية على ستة أميال من البحر،

стр. 1973

وثمان مراحل من المدينة، ومن مكة خمس مراحل، أو ست، أو ثلاث، كذا في القسطلاني (١). وفي "المطالع" لابن قرقول: الجُحْفَةُ: قريةٌ جامعة بمنير على طريق المدينة من مكة وهي مَهْيَعَة، وسميت الجحفةَ؛ لأن السيل اجتحفها وحمل أهلَها، وهي على ستة أميال من البحر، وثمان مراحل، وقيل: نحو سبعة مراحل من المدينة، وثلاث من مكة (٢). وفي "الإقناع": هي قرية كبيرة خربة بقرب رابغ (٣) الذي يحرم منه الناس على يسار الذاهب إلى مكة، ومن أحْرم من رابغ، فقد أحرم قبل محاذاة الجحفة بيسير، بينها (٤) وبين مكة ثلاث مراحل، وقيل: أكثر، انتهى (٥). قلت: والذي شاهدناه عيانًا أن ما بين رابغ والمدينة خمس مراحل، وما بين مكة ورابغ خمسة، نَعَمْ، مَراحلُ ما بين مكة ورابغ قصيرةٌ بالنسبة إلى الأولى، واللَّه أعلم. قال ابن الكلبي: كان العماليق يسكنون يثرب، فوقع بينهم وبين عَبِيل -المهملة وكسر الموحدة-، وهم إخوة عاد، حربٌ، فأخرجوهم من يثرب، فنزلوا مَهْيَعَةَ، فجاء سيلٌ فاجتحفهم؛ أي: استأصلهم، فسميت

стр. 1974

الجحفة (١)، وهي الآن خربة لا يصل إليها أحد؛ لوخمها، وإنما يحرم الناس الآن من رابغ؛ لكونها محاذية لها (٢). (و) وَقَّتَ (لأهلِ نجدٍ)؛ أي: ساكنيها، ومن سلك طريقَ سفرهم، فمرَّ على ميقاتهم. ونجد -بفتح النون وسكون الجيم آخره دال مهملة-: ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق، قاله في "الصحاح" (٣). وقال في "المشارق": ما بين جرش إلى سواد الكوفة، وحَدُّه مما يلي الغرب الحجاز، وعن يسار الكعبة اليمن، قال: ونجدٌ كلُّها من عمل اليَمامة (٤). وقال في "النهاية": النجدُ: ما ارتفع من الأرض، وهو اسم خاص لما دون الحجاز مما يلي العراق (٥). وفي "القاموس": النجد: ما أشرفَ من الأرض، وما خالفَ الغَوْرَ -أي: تهامة-، وتُضم جيمُه، مذكر، أعلاه تهامة، واليمن، وأسفله العراق والشام، وأوله من جهة الحجاز ذاتُ عِرْق (٦). (قَرْنَ المنازل) -بسكون الراء بلا خلاف-، ويسمى: قرنَ الثعالب (٧)،

стр. 1975

سمي بذلك؛ لكثرة ما كان يأوي إليه من الثعالب (١). وحكى الروياني من الشافعية عن بعض قدماء علمائهم: أنهما موضعان: أحدُهما في هبوط، وهو الذي يقال له: قرن المنازل، والآخرُ في صعود، وهو الذي يقال له: قرن الثعالب، والمعروف أنه موضع واحد (٢). لكن في "أخبار مكة" للفاكهي: أن قرن الثعالب جبلٌ مشرف على أسفل منى، بينه وبين منى ألف وخمس مئة ذراع (٣)، فظهر على هذا أن قرن الثعالب ليس من المواقيت (٤). قال في "المطلع": وقرن المنازل على يوم وليلة من مكة (٥). وقال النووي: على نحو مرحلتين من مكة (٦). وغُلِّط الجوهريُّ في تحريكه (٧)، وفي نسبة أويس القرني إليه؛ لأنه منسوب إلى قَرَنِ بنِ ردمان بنِ ناجية بنِ مرادٍ أحدِ أجداده. انتهى (٨). وفي "القاموس": قرية عند الطائف، أو اسم الوادي كله.

стр. 1976

وثبت في مسلم نحوه (١)، لكن قال القابسي: من سَكَّن، أرادَ الجبلَ، ومن فتحَ، أراد الطريق الذي بقرب منه (٢). قال في "المطلع": قَرَن بفتح الراء: قبيلةٌ من اليمن، قال: وقد غلط غيره -يعني: الجوهريَّ- من العلماء مِمَّن ذكره بفتح الراء، وزعم أن أويسًا منه، إنما هو من قَرَن -بفتح الراء-: بطن من مراد، انتهى (٣). (و) وَقَّتَ ﷺ (لأهل اليمن) إذا مروا بطريق تهامةَ، ومن سلكَ طريقَ سفرِهم، ومرَّ على ميقاتهم (٤) (يلَمْلَمَ) -بفتح الياء واللامين وسكون الميم الأولى بين اللامين غير منصرف-: جبل من جبال تهامة، ويقال فيه: أَلملم -بهمزة بدل الياء- على مرحلتين من مكة (٥). قال في "المطلع"، و"المطالع": أَلملم، ويقال: يَلَمْلَم: من جبال تهامة، على ليلتين من مكة، والياء فيه بدل من الهمزة، وليست بمزيدة. وحكى اللغتين فيه الجوهريُّ (٦) وغيره (٧). واليمن: كلُّ ما كان عن يمين الكعبة من بلاد الغور (٨).

стр. 1977

قال الجوهري: اليمنُ بلاد العرب (١). وفي "القاموس": اليمن -محركة-: ما عن يمين القبلة من بلاد الغور، والنسبة إليها: يَمَنِيٌّ، [ويمانيٌّ]، ويَمانٍ (٢) -مخففة-، والألف عوض عن ياء النسبة، فلا تجتمعان. قال سيبويه: وبعضُهم يقول: يمانيٌّ -بالتشديد- (٣). قال أُميةُ بنُ خَلَف: [من الوافر] يَمَانِيًّا يَظَلُّ يَشُدُّ كِيرًا ... ويَنْفُخُ دَائِمًا لَهَبَ الشُّوَاظِ (٤) والمراد في هذا الحديث: أن "يلملم" ميقات أهل تهامة من أهل اليمن خاصة، أو ومَنْ مَرَّ في طريقهم نجد اليمن، فميقاتُ أهلها ميقاتُ نجد الحجاز، بدليل أن ميقاتَ أهل نجد قَرْن -كما تقدم-، فأُطلق اليمن، وأُريد بعضُه، وهو تهامةُ منه خاصة، (هُنَّ)؛ أي: المواقيت المذكورة (٥) (لهنَّ) -بضمير المؤنثات-، وكان مقتضى الظاهر أن يقول: لهم -بضمير المذكرين-. وأجاب عن ذلك ابنُ مالك: بأنه عدلَ إلى ضمير المؤنثات لقصدِ

стр. 1978

التشاكل، فكأنه يقول: ناب ضميرٌ عن ضمير بالقرينة لطلب التشاكل (١). وأجاب غيره: بأن ذلك على حذف مضاف؛ أي: هؤلاء لأهلهن؛ أي: هذه المواقيت لأهلِ هذه البلدان، بدليل قوله في حديث آخر: "هن لهنَّ (ولمن أتى عليهنَّ) من غيرِ أهلهن" (٢)، فصرح بالأهل ثانيًا (٣). ولأبي ذر من رواية البخاري: "هن لهم" بضمير المذكرين (٤). وأما لفظ هذا الحديث: (من غيرهن)؛ أي: من غير أهل البلاد المذكورة، فلو مر الشاميُّ على ذي الحُلَيفة كما يفعل الآن، لزمَهم الإحرامُ منها، وليس له مجاوزتُها؛ أي: الجحفةَ التي هي ميقاتُه، فإن أخر، أساء، ولزمه دمٌ عند الجمهور. وأطلق الإمام النووي الاتفاق، ونفي الخلاف في شرحه "لمسلم والمهذب" (٥) في هذه المسألة، فإن أراد نفي خلاف مذهبه، فمسلم، وإلا، فلا؛ لأن مذهبَ مالك له مجاوزةُ ذي (٦) الحليفة إلى الجحفة إن كان من أهل الشام أو مصر، وإن كان الأفضل خلافه، وبه قال الحنفية، وابن المنذر من الشافعية (٧).

стр. 1979

قال العلامة ابن مفلح في "فروعه": وهن مواقيتُ لمن مرَّ عليها من غير أهلها؛ كالشامي يمرُّ بذي الحليفة يُحِرْم منها، نص عليه -يعني: الإمام أحمد-. قال النووي: بلا خلاف (١)، كذا قال. ومذهب عطاء، والمالكية، وأبي ثور: له أن يحرم من الجحفة، قال: يتوجه لنا مثلُه؛ فإن قوله ﷺ في حديث ابن عباس: "هن لهن ولمن يمر عليهن من غير أهلهن"، (ممن أواد الحجَّ والعمرةَ، ومن كانَ دونَ ذلك، فمِنْ حيثُ أنشأَ، حتى أهلُ مكةَ من مكةَ) متفق عليه، يَعُمُّ مَنْ ميقاتهُ بينَ هذه المواقيت التي مرَّ بها، وكقوله: "لأهل الشام الجحفة" يعمُّ من يمرُّ بميقات آخر أولًا، والأصلُ عدم الوجوب. وعند داود: لا حجَّ له. وعند الحنفية: يُحرم أهل المدينة ومَنْ مر بها من شاميٍّ وغيره من ذي الحليفة، ولهم أن يحرموا من الجُحْفَة، ولا شيء عليهم. وعن أبي حنيفة: عليه دمٌ. وللشافعي: أنبأنا ابنُ عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب: أن عائشة ﵂ اعتمرت في سنة مرتين: مرةً من ذي الحليفة، ومرة من الجحفة (٢). وذكر بعض الحنفية ما ذكره ابنُ المنذر وغيرُه عن عائشة ﵂: كانت إذا أرادت الحج، أحرمت من ذي الحليفة، وإذا أرادت العمرةَ، من الجحفة.

стр. 1980

قال: ولو لم تكن الجُحْفَةُ ميقاتًا لذلك، لما جاز تأخير إحرام العمرة؛ لأنه لا فرق للآفاقي (١). قال في "الفروع": وصوابه: أَفَقي، قيل: بفتحتين، وقيل: بضمتين، نسبةً إلى المفرد، والآفاقُ الجمع، وأما إن مرَّ الشامي أو المدني من غير طريق ذي الحليفة، فميقاتُه الجحفة؛ للخبر، ومن عَرَّجَ عن الميقات، أحرمَ إذا علم أنه حاذى أقربَها منه، ويستحب له الاحتياط، فإن تساويا في القرب إليه، فمِنْ أبعدِهما عن مكة. قال في "الفروع": قال في "الرعاية" -يعني: ابنَ حمدان من علمائنا-، والشافعيةُ: ومن لم يحاذِ ميقاتًا، أحرمَ عن مكة بقدر مرحلتين. وذكر الحنفية مثلَه إن تعذر معرفةُ المحاذاة، وهذا متجه (٢) (ممن)؛ أي: من ذكر أو أنثى (أراد)؛ أي: قصدَ الحجَّ والعمرةَ معًا؛ بأن يقرنَ بينهما، أو الواو بمعنى أو. وفيه دلالة على جواز دخول مكة بغير إحرام لمن لم يرد حجًا ولا عمرة. وفي عموم هذا المفهوم نظر، على أنه ورد التصريح بالمنع (٣). قال في "الفروع": إذا أراد حُرٌّ مسلم مكلَّفٌ نسكًا، أو مكةَ، نص عليه -يعني: الإمام أحمد-، أو الحرمَ، لزمه إحرامٌ من ميقاته؛ وفاقًا لأبي حنيفةَ، ومالك، إلا أن أبا حنيفة لا يجوِّزُ لمن منزلُه دونَ الميقات أو داخلَه من أُفُقي وغيره دخولَ الحرم ومكة إلا أن يريد نسكًا.

стр. 1981

قال في "الفروع": ولا وجهَ للتفرقة. وظاهر مذهب الشافعي: يجوز مطلقًا، إلا أن يريد نسكًا. وعن الإمام أحمد مثلُه. ذكرها القاضي، وجماعة، وصححها ابن عقيل (١). قال صاحب "الفروع": وهي أظهر؛ للخبر؛ يعني: مفهوم هذا الحديث، قال: وينبني على عموم المفهوم، والأصل عدمُ الوجوب، ووجه الأول: ما روى حربٌ وغيره عن ابن عباس ﵄: لا يدخلُ إنسان مكةَ إلا محرِمًا، إلا الحمالين والحطابين وأصحابَ منافعها (٢). احتج به الإمام أحمد، قال: وكان ابن عمر ﵄ يقول: يدخل بغير إحرام. وعن ابن عباس مرفوعًا: "لا يدخلُ مكةَ أحدٌ إلا بإحرام، من أهلِها، أو غيرِهم"، ذكره في "الفروع"، وقال: فيه حجاج، ضعيف مدلِّس، ومحمدُ بنُ خالدِ بنِ عبدِ اللَّه، ضعفه الإمام أحمد، وابنُ معين، وابنُ عدي، وغيرُهم. وقال: لا أعرفه مسندًا إلا به من هذا الوجه. واحتج القاضي، وابن العربي المالكي، وغيرُهما بتحريم اللَّه ورسوله لمكةَ، وذا في القتال. قال في "الانتصار": ومعناه في الخلاف: الإحرامُ شرطُ إباحة دخوله، ولا توجيه لدخوله؛ لئلًا يقال: لا ينوبُ عنه إحرامٌ بحجة أو عمرة كما لم ينب عن منذوره (٣).

стр. 1982

ومعتمد المذهب: لا يجوز لمن أرادَ دخولَ مكةَ أو الحرمَ أو نُسكًا تجاوزُ الميقات بغير إحرام إن كان حُرًّا مكلفًا إلا لقتال مباح، أو خوف، أو معالجة متكررة؛ كحطاب، وفَيْج (١)، وناقل الميرة، والصيد، واحتشاش، أو نحو ذلك، وتردُّد والمكي إلى قريته بالحل، ثم إن بدا له النسك، أو لمن يرد الحرم، أحرم من موضعه، ومن تجاوز الميقات بلا إحرام، لم يلزمه قضاءُ الإحرام (٢)، ذكره القاضي في "المجرد"، وجزم به الموفق وغيره؛ وفاقًا لمالك، والشافعي؛ كتحية المسجد راتبة لا تقضى (٣). وحيث لزم الإحرام من الميقات لدخول مكة، لا لنسك، طاف، وسعى، وحلق أو قصر، وحلَّ (٤). ومَنْ كان منزلُه دون ذلك؛ أي: بين الميقات ومكة، (فَمِنْ)؛ أي: فميقاته (حيث أنشأ) الإحرامَ أو السفرَ من مكانه إلى مكة، فإن كان له منزلان، جاز أن يحرم من أقربهما إلى مكة، والأَوْلى: من الأبعد (٥)، حتى إن ميقات أهل مكة المشرفة من مكة. قال في "الفروع": وميقاتُ مَنْ حجَّ من مكة، مكيٌّ أولا، منها، وظاهره: لا ترجيح. وأظهر قولي الشافعي: من باب داره، ويأتي المسجد محرمًا (٦).

стр. 1983

ومعتمد مذهب الإمام أحمد: له الإحرام من حيثُ شاء من مكة، ونصه: من المسجد. وفي "الإيضاح"، و"المبهج": من تحت الميزاب، ويجوز من سائر الحرم، ومن الحِلِّ؛ كالعمرة، ولا دمَ عليهم. وإن أراد مَنْ بمكة -من أهلها أو غيرِهم، وكذا مَنْ بالحرِم- العمرةَ، فيُحرم بها من الحلِّ، ومن التنعيم أفضلُ، وهو أدنى الحل إلى مكة، فإن أحرموا من مكة، أو من الحرم، انعقد، وفيه دم، ثم إن خرج إلى الحل قبل إتمامها، ولو بعد الطواف، أجزأته عمرتُه، وكذا إن لم يخرج، قدمه في "المغني" (١). قال شيخ الإسلام، والزركشي: هو المشهور؛ إذ فواتُ الإحرام من الميقات لا يقتضي البطلان (٢). ولنا، وللشافعي قول: لا تجزيه؛ وفاقًا لمالك؛ لأنه نسك، فاعتبر فيه الجمعُ بين الحل والحرم، وحيث وجب عليه دم لمجاوزته الميقات بلا إحرام، لا يسقط بخروجه، والمراد: على الراجح؛ خلافًا للشافعي، وللحنفية الخلاف (٣). * * *

стр. 1984

الحديث الثاني عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يُهِلُّ أَهْلُ المَدِينةِ؛ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وَأَهْلُ الشَّامِ مِنْ الجُحْفَةِ، وَأَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ". قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مُهَلُّ أَهْلُ اليَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ" (١).

стр. 1985

(عن) أبي عبدِ الرحمنِ (عبدِ اللَّه بنِ) أميرِ المؤمنين (عمرَ) الفاروقِ (﵄: أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قالَ: يَهلُّ أهلُ المدينة) النبويةِ، ومَنْ سلكَ طريقَهم في سفره (من ذي الحليفة). قال في "المطالع": هي من مياه جشم، بينهم وبين خفاجة العقلين (١). (و) يُهِلُّ (أهلُ الشام) حيثُ لم يأتوا على المدينة. وأما الآن، فميقاتهم ذو الحليفة؛ لأنهم يأتون المدينةَ النبويةَ، فعليهم أن يُهلوا من ميقاته، وأما في الزمن السابق، فكانوا لا يجتازون على المدينة، [فكانوا] (٢) يهلون (من الجحفة) كما هو الآن ميقات أهل مصر والمغرب، إلا أنهم إنما يهلون من رابغ؛ لكونها محاذيةً لها، أو قبيلها بيسير. (و) يهل (أهلُ نجد) الحجاز أو اليمن، ومَنْ سلك طريقهم في السفر (مِنْ قَرْنٍ). (قال) أبو عبد الرحمن (عبدُ اللَّه) بن عمر ﵄: (وبلغني: أن رسولَ اللَّه ﷺ قال)، وفي رواية ابنه عنه: زعموا أن رسول اللَّه ﷺ قال، ولم أسمعه (٣): (مُهَلُّ) -بضم الميم وفتح الهاء-؛ أي: موضعُ إهلال (أهلِ اليمنِ) تهامة دونَ نجد، و (مَنْ) مرَّ بطريقهم (يَلَمْلَمُ) -

стр. 1986

بالرفع- خبر المبتدأ الذي هو "مُهل" كذا في النسخ. والذي رأيته في هذا الحديث في "البخاري"، "ومسلم"، و"الجمع بينهما" للحافظ عبد الحق: "ويهل أهلُ اليمن" -بالياء-. هذا حديث مالك عن نافع عن ابن عمر (١). وأما حديث ابن شهاب، عن سالم بن عبد اللَّه بن عمر، عن أبيه، فلفظه: "مهل أهل المدينة"، هذا وما بعده، إلى أن قال: زعموا أن النبيَّ ﷺ قال، ولم أسمعه: "ومُهَلُّ أهلِ اليمنِ يلملمُ" (٢) قال ابن الأثير في "النهاية": المُهَلُّ -بضم الميم-: موضعُ الإهلال، وهو الميقات الذي يُحرِمون منه، ويقع على الزمانِ والمصدرِ، ومنه: إهلالُ الهلال، والاستهلال؛ أي: رفع الصوت بالتكبير عند رؤيته، انتهى مختصرًا (٣). قال ابن عبد البر: اتفقوا على أن ابن عمر لم يسمع من النبيِّ ﷺ قوله: "ويهل أهل اليمن من يلملم"، ولا خلاف بين العلماء أن مرسَل الصحابي صحيحٌ حجةٌ (٤). نعم، خالف في ذلك الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، فذهب إلى أنه ليس بحجة. وقد ورد ميقاتُ اليمن مرفوعًا من غير إرسال من حديث ابن عباس في

стр. 1987

"الصحيحين" -كما قدمنا قبل هذا-، ومن حديث جابر في "مسلم"، إلا أنه قال: أحسبُه رفعَه (١)، ومن حديث عائشة عند النسائي (٢)، ومن حديث الحارث بن عمرو عند أبي داود، والنسائي (٣). تنبيه: لم يذكر الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في المواقيت ذاتَ عِرْق، مع أنه ميقاتٌ لأهل العراقِ وخراسانَ والشرقِ، وكأنه لكونه لم يثبت بالنصّ عند قوم. وقد قدم في "الفروع": أنه ثبتَ بالنص، قال: وعندَ بعض العلماء، واختاره بعض الشافعية، وقاله الشافعي في "الأم" (٤)، وأومأَ إليه الإمام أحمد: أن ذاتَ عرقٍ إنما ثبت بالاجتهاد من أمير المؤمنين عمر ﵁ (٥). قال الإمام الحافظ ابن الجوزي في "مثير العزم الساكن": الخامس: ذاتُ عِرْق، وهو ميقات أهل العراق وخراسان والمشرق (٦). وفي "أفراد البخاري" من حديث ابن عمر ﵄، قال: لما فُتح هذان المصران -يعني: البصرة والكوفة-، أتوا عمرَ بنَ الخطاب،

стр. 1988

فقالوا: إن رسول اللَّه ﷺ حدَّ لأهل نجدٍ قرنًا، وإنه جَوْر عن طريقنا، وهو -بفتح الجيم وسكون الواو ثم راء-، أي: مائل عنها، فإذا أردنا أن نأتي قرنًا، شقَّ علينا، قال: "فانظروا حَذْوَها مِنْ طريقِكم"، فحد لهم ذاتَ عرق (١)، وهو الجبلُ الصغير، وقيل: العرق من الأرض السبخة تنبت الطرفاء، وبينها وبين مكة اثنان وأربعون ميلًا (٢)، فكان تحديده لهم باجتهاده. ويؤيده روايةُ الشافعيِّ من طريق أبي الشعثاء، قال: لم يوقِّتْ رسول اللَّه ﷺ لأهلِ المشرق شيئًا، فاتخذ بحيالِ قرن ذاتُ عرق، انتهى (٣). قال ابن الجوزي: هذا يدل على أن عمر هو الذي حدَّ ذاتَ عرقٍ، وإنما حدَّها لهم؛ لأنها حَذْوُ قرنٍ، أي: مُحاذِيَتُها. قال: فإن قيل: روى أبو داود، والنسائي من حديث عائشة ﵂: أن رسول اللَّه ﷺ وَقَّتَ لأهل العراقِ ذاتَ عرقٍ (٤). فالجواب: أنه إسناد ضعيف. وقد روي عن أبي داود: أنه قال: الصحيحُ أن عمرَ وَقَّتَ لأهل العراق بعدَ أن فُتحت، ويدل على صحة هذا ما روى البخاري، ومسلم من حديث ابن عمر، وابن عباس ﵃، عن رسول اللَّه ﷺ : أنه ذكر المواقيت الأربعة، ولم يذكر ذات عرق، انتهى (٥).

стр. 1989

قال في "الفروع": والظاهر أنه خفي النص؛ يعني: على سيدنا عمر ﵁، فوافقه، فإنه موفق للصواب، انتهى (١). قال ابن عبد البر: ذاتُ عرقٍ ميقاتُهم؛ أي: أهل العراق بإجماع (٢). وفي "صحيح مسلم" عن أبي الزبير: أنه سمع جابرَ بنَ عبدِ اللَّه ﵄ يسأل عن المُهَلِّ، فقال: سمعتُ -أحسبهُ رفعَ الحديث إلى رسول اللَّه ﷺ ، وذكر الحديث، وفيه: "ومُهَلُّ أهلِ العراقِ ذاتُ عِرْقٍ" (٣)، لكن قال النووي في "شرح مسلم": إنه غير ثابت؛ لعدم جزمه برفعه (٤)، وأجيب بأن قوله: أحسبه، مبناه: أظنه، والظنُّ في باب الرواية ينزل منزلةَ اليقين، وليس ذلك قادحًا في رفعه. وأيضًا، فلو لم يصرح برفعه لا يقينًا ولا ظنًا، فهو منزل منزلةَ المرفوع؛ لأنه لا يقال من قبل الرأي، وإنما يؤخذ توقيفًا من الشارع، ولاسيما وقد ضمه جابر ﵁ إلى المواقيت المنصوص عليها يقينًا باتفاق. وقد أخرجه الإمام أحمد من رواية ابن لهيعة (٥)، وابن ماجه من رواية إبراهيم بن يزيد (٦)، كلاهما عن أبي الزبير، فلم يشكا في رفعه. وقد صحح النووي حديثَ عائشة الذي رواه أبو داود، والنسائي (٧).

стр. 1990

نعم، كان ينكر الإمامُ أحمدُ على أفلحَ بنِ حميدٍ هذا الحديث (١). وقال ابنُ عدي: قد حدَّثَ عنه ثقاتُ الناس، وهو عندي صالح، وأحاديثهُ مستقيمة كلُّها (٢)، وصححه الذهبي، قال العراقي: إن إسناده جيد (٣). وروى الإمام أحمد، والدارقطني من حديث الحجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: وَقَّتَ رسولُ اللَّه ﷺ ، فذكر الحديث، وفيه: وقال: لأهل العراق ذات عرق (٤). فهذه الأحاديث بمجموعها لا تقصر عن درجة الاحتجاج به (٥). وأما ما أخرجه أبو داود، والترمذي عن ابن عباس ﵄: أن النبيَّ ﷺ وَقَّتَ لأهل المشرقِ العقيقَ (٦)، فقد تفرَّدَ به يزيدُ بن أبي زياد، وهو ضعيف باتفاق المحدثين. وكذا حديث الطبراني في "الكبير" عن أنس ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ وَقَّتَ لأهل المدائن العقيقَ، ولأهل البصرة ذاتَ عرق، الحديث (٧)، وفيه أبو ظلال هلالُ بنُ يزيد، وثقه ابنُ حبان، وضعفه الجمهور.

стр. 1991

والعقيق: وادٍ فوقَ ذاتِ عرق، بينه وبين مكة [مرحلتان] (١)، فمن أحرم منه، فقد أحرم قبل أن يصل إلى ذات عرق، فعلى تقدير ثبوته، يكون ميقاتَ جواز واستحباب، وميقاتُ ذات عرقٍ لزوم وإيجاب، واللَّه الموفق للصواب (٢). * * *

стр. 1992

باب ما يلبس المحرم من الثياب قال ابن دقيق العيد: لفظُ المحرِم يتناولُ مَنْ أحرمَ بالحج والعمرة معًا، والإحرام: الدخولُ في أحد النسكين، والتشاغلُ بأَعمالهما. قال: وقد كان شيخنا العلامة ابنُ عبد السلام يستشكل معرفةَ حقيقة الإحرام، ويبحث فيه كثيرًا، وإذا قيل: إنه النيةُ، اعترض عليها بأن النيةَ شرطٌ في الحج الذي الإحرامُ ركنُه، وشرطُ الشيء غيرُهُ، ويعترض على أنه التلبية بأنها ليست بركن، والإحرامُ ركن، وكان يحوم على تعيين فعل تتعلق به النية في الابتداء، انتهى (١). وأجيب: بأن المُحْرِمَ اسمُ فاعل من أحرمَ إحرامًا؛ بمعنى: دخل في الحرمة؛ أي: أدخل نفسَه وصَيَّرَها متلبسةً بالسبب المقتضي للحرمة؛ لأنه دخل في عبادة الحج، أو العمرة، أو هما معًا، فحرم عليه الأنواع السبعة: لبسُ المخيط، والطيبُ، ودهنُ الرأس واللحية، وإزالةُ الشعر والظفر، والجماعُ ومقدماته، والصيدُ، [وعقدُ النكاح] (٢). وقد عُلم من هذا أن النيةَ مغايرةٌ له؛ لشمولها له ولغيره؛ لأنها قصدُ فعلِ الشيء تقربًا إلى اللَّه تعالى، فأركانُ الحج مثلًا: الإحرامُ، والوقوفُ،

стр. 1993

والطواف، والسعيُ، والنيةُ فعلُ كلٍّ من الأربعة تقربًا إلى اللَّه تعالى بها، وبهذا التقرير يزول الإشكال، وكأنه الذي كان يحوم عليه ابن عبد السلام، قاله القسطلاني (١). وذكر الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في هذا الباب أربعةَ أحاديث. * * *

стр. 1994

الحديث الأول عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَلْبَسُ القُمُصَ، وَلَا العَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا البَرَانِسَ وَلَا الخِفَافَ، إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ، وَلَا يَلْبَسُ مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ أَوْ وَرْسٌ" (١).

стр. 1995

وللبخاريِّ: "وَلَا تَنْتَقِبُ المَرْأَةُ، وَلَا تَلْبَسُ القُفَّازَيْنِ" (١). (عن عبدِ اللَّه بنِ عمرَ) بنِ الخطاب (﵄: أن رجلًا)، قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه (٢)، ولم يذكره البرماوي في "المبهمات"؛ لعدم وقوفه على تسميته. (قال: يا رسول اللَّه! ما يلبسُ) الرجلُ (المحرم؟) قارِنًا، أو مفرِدًا، أو متمتِّعًا (من الثياب؟). وعند البيهقي: أن ذلك وقع والنبيُّ ﷺ يخطب في مقدم مسجد المدينة (٣).

стр. 1996

وفي حديث ابن عباس ﵄ عند البخاري، ومسلم: أنه ﷺ خطب بذلك في عرفات (١)، فيُحمل على التعدد (٢). (قال رسول اللَّه ﷺ ) مجيبًا له: (لا يلبس) القميص بالإفراد. وفي لفظ البخاري: (القُمُص) -بضم القاف والميم (٣) -: جمع قميص. ويلبسُ -بالرفع- وهو الأشهر على الخبر عن حكم اللَّه؛ إذ هو جواب السؤال، أو خبر بمعنى النهي، و-بالجزم- على النهي، وكسرَ لالتقاء الساكنين. فإن قيل: السؤالُ وقع عما يجوزُ لبسُه للمحرم، والجوابُ وقع عما لا يجوزُ، فما الحكمةُ فيه؟ أجيب: بأن الجواب بما لا يجوز لبسُه أَحْصَرُ وأَخْصَرُ مما يجوز، فذكرُه أولى؛ إذ هو قليل، ويفهم منه ما يباح، فتحصل المطابقة بين السؤال والجواب بالمفهوم. وقيل: كان الأليقُ السؤالَ عن الذي لا يُباح؛ إذ الإباحةُ الأصلُ، ولذا أجابَ بذلك؛ تنبيهًا للسائل على الأليق. ويسمى مثلُ ذلك: الأسلوبَ الحكيمَ؛ كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ الآية [البقرة: ١٨٩]. فإنهم سألوا عن حكمة اختلاف القمر؛ حيث قالوا: ما بالُ الهلالِ يبدو دقيقًا، ثم يزيدُ، ثم ينقص؟

стр. 1997

فأجابهم: بأن الحكمةَ الظاهرةَ في ذلك أن تكونَ معالمَ للناس يُوَقِّتون [بها] أمورَهم، ومعالمَ للعبادات الموقتة تُعرف بها أوقاتُها، وخصوصًا الحجُّ، فبين فسادَ سؤالهم، وهو أنه كان ينبغي أن يسألوا عما ينفعهم في دينهم، ولا يسألوا عما لا حاجةَ لهم في السؤال عنه. وكذا قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ الآية [البقرة: ٢١٥]. سألوا عما ينفقونه، فأجابهم عن الجهات التي ينبغي أن تكون المنفعةُ فيها. نعم، المطابقةُ واقعةٌ بين السؤال والجواب على إحدى الروايتين. فقد رواه أبو عوانة من طريق ابن جريج، عن نافع بلفظ؛ ما يتركُ المحرمُ؟ وهي شاذة، والاختلاف فيها على ابن جريج، لا على نافع (١). ورواه سالم عن أبيه عند الإمام أحمد، وابن خزيمة، وأبي عوانة في "صحيحيهما" بلفظ: أن رجلًا قال: ما يجتنبُ المحرمُ من الثياب؟ (٢) وأخرجه الإمام أحمد عن ابن عيينة عن الزهري، فقال مرةً: ما يترك؟ ومرة: ما يلبس؟ (٣) وأخرجه البخاري في أواخر الحج من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهري بلفظ نافع؛ يعني: ما يلبس المحرم؟ (٤) فالاختلاف فيه على

стр. 1998

الزهري يُشعر بأن بعضهم رواه بالمعنى، فاستقامت رواية نافع؛ لعدم الاختلاف عليه فيها. واتجه البحث المتقدم فيها، كما في "الفتح" (١). (ولا العمائمَ) جمعُ عِمامة، سميت بذلك؛ لأنها تعمُّ جميعَ الرأس بالتغطية (٢). (ولا) يلبسُ المحرمُ (السراويلاتِ) جمعُ سِرْوال، فارسيٌّ معرَّبٌ، والسراوين -بالنون- لغةٌ، والشِّروال -بالشين- لغةٌ (٣). (ولا البرانِسَ) جمعُ بُرْنسُ -بضم النون-. قال في "القاموس": البرنسُ: قَلَنْسُوَةٌ طويلةٌ، أو كلُّ ثوب رأسُه منه، دُرَّاعةً كانَ أو جبةً، انتهى (٤). وفي "الفتح": البرانسُ: جمعُ بُرْنُس -بضم الموحدة والنون بينهما راء ساكنة وآخره مهملة- (٥). قال ابن دقيق العيد: قيل: إنها قلانسُ طِوالٌ كان يلبسُها الزهَّاد في الزمان الأول (٦).

стр. 1999

وفي "المطالع": البرنسُ: كلُّ ثوب رأسُه ملتزقٌ به، دُرَّاعَةً كان أو جُبَّةً (١). (ولا) يلبس المحرمُ (الخِفاف) -بكسر الخاء المعجمة-: جمع خف. فنبه بالقميص، والسراويل: على تحريم لبس المَخِيط المُحِيط بالبدن، وما يساويه من المنسوج، وبالعمائمِ والبرانس: على كلِّ ما يغطى به الرأس، مَخيطًا كانَ، أو غيرَه (٢). فيحرُم على الرجل سترُ رأسه، أو بعضِه؛ كالبياضِ الذي وراءَ الأذن، ولو بعصابة؛ لصداعٍ ونحوه، ولو بسيرٍ وطينٍ، من كلِّ ملاصقٍ معتاد أو لا؛ كخرقة، وقرطاس فيه دواءٌ أو غيرُه، أو لا دواءَ فيه؛ كما لو طلاه بحناء، أو غيره، ولو بنورة، لعذرٍ أو غيره (٣). وكذا لو استظلَّ بنحوِ هَوْدَجٍ؛ خلافًا للشافعية، والحنفية. قال في "الفروع": وإن استظلَّ في محملٍ، أو ثوب، أو نحوه، نازلًا أو راكبًا، قاله القاضي وجماعة، حَرُمَ، ولزمته الفديةُ. وفي رواية: اختاره أكثرُ الأصحاب؛ وفاقًا لمالك. رُوي عن ابن عمر من طرق النهيُ عنه. واحتج به الإمام أحمد، ولأنه قصده بما يقصد به التَّرَفُّهُ؛ كتغطيته، وعنه: لا فدية، وعنه: بلى إن طال، وعنه: يكره. وقال الشيخ الموفق: هي الظاهرُ عنه.

стр. 2000

وعنه: يجوز؛ وفاقًا لأبي حنيفة، والشافعي؛ لأن أسامةَ أو بلالًا رفع ثوبه يسترُ النبيَّ ﷺ من الحرِّ حتى رمى جمرةَ العقبة. رواه مسلم (١). وأجاب الإمام أحمد عنه: بأنه يسيرٌ لَا يُراد للاستدامةِ. زاد بن عقيل: أو كان بعدَ [رمي] جمرة العقبة، أو به عذر، وفَدى، أو لم يعلم النبيُّ ﷺ به. ويجوز الاستظلالُ بخيمة، ونصبِ ثوبٍ، ونحوِهما؛ لأن النبيَّ ﷺ ضُربت له قبة بنَمِرَةَ، فنزلها. رواه مسلم من حديث جابر ﵁ (٢)، ولأنه لا يقصد به الترفُّه في البدن عادةً، بل جمع الرجال. ونظر فيه في "الفروع" (٣). ويجوز تغطيةُ الوجه في رواية اختارها الأكثرُ؛ وفاقًا للشافعي، فعله عثمانُ ﵁، رواه مالك (٤). ورواه أبو بكر النجار عنه، وعن زيد، وابن الزبير، وأنه قاله ابن عباس، وسعدُ بن أبي وقاص، وجابرٌ، وعن ابن عمر روايتان، روى النهيَ عنه مالكٌ، (٥) وعند الإمام أحمد: لا يجوز، نقلها الأكثر، فيكون كالرأس؛ وفاقًا لأبي حنيفة.
следующие страницы →