← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

وفي حديث ابن عباس ﵄ عند البخاري، ومسلم: أنه ﷺ خطب بذلك في عرفات (١)، فيُحمل على التعدد (٢). (قال رسول اللَّه ﷺ ) مجيبًا له: (لا يلبس) القميص بالإفراد. وفي لفظ البخاري: (القُمُص) -بضم القاف والميم (٣) -: جمع قميص. ويلبسُ -بالرفع- وهو الأشهر على الخبر عن حكم اللَّه؛ إذ هو جواب السؤال، أو خبر بمعنى النهي، و-بالجزم- على النهي، وكسرَ لالتقاء الساكنين. فإن قيل: السؤالُ وقع عما يجوزُ لبسُه للمحرم، والجوابُ وقع عما لا يجوزُ، فما الحكمةُ فيه؟ أجيب: بأن الجواب بما لا يجوز لبسُه أَحْصَرُ وأَخْصَرُ مما يجوز، فذكرُه أولى؛ إذ هو قليل، ويفهم منه ما يباح، فتحصل المطابقة بين السؤال والجواب بالمفهوم. وقيل: كان الأليقُ السؤالَ عن الذي لا يُباح؛ إذ الإباحةُ الأصلُ، ولذا أجابَ بذلك؛ تنبيهًا للسائل على الأليق. ويسمى مثلُ ذلك: الأسلوبَ الحكيمَ؛ كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ الآية [البقرة: ١٨٩]. فإنهم سألوا عن حكمة اختلاف القمر؛ حيث قالوا: ما بالُ الهلالِ يبدو دقيقًا، ثم يزيدُ، ثم ينقص؟

стр. 1997

فأجابهم: بأن الحكمةَ الظاهرةَ في ذلك أن تكونَ معالمَ للناس يُوَقِّتون [بها] أمورَهم، ومعالمَ للعبادات الموقتة تُعرف بها أوقاتُها، وخصوصًا الحجُّ، فبين فسادَ سؤالهم، وهو أنه كان ينبغي أن يسألوا عما ينفعهم في دينهم، ولا يسألوا عما لا حاجةَ لهم في السؤال عنه. وكذا قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ الآية [البقرة: ٢١٥]. سألوا عما ينفقونه، فأجابهم عن الجهات التي ينبغي أن تكون المنفعةُ فيها. نعم، المطابقةُ واقعةٌ بين السؤال والجواب على إحدى الروايتين. فقد رواه أبو عوانة من طريق ابن جريج، عن نافع بلفظ؛ ما يتركُ المحرمُ؟ وهي شاذة، والاختلاف فيها على ابن جريج، لا على نافع (١). ورواه سالم عن أبيه عند الإمام أحمد، وابن خزيمة، وأبي عوانة في "صحيحيهما" بلفظ: أن رجلًا قال: ما يجتنبُ المحرمُ من الثياب؟ (٢) وأخرجه الإمام أحمد عن ابن عيينة عن الزهري، فقال مرةً: ما يترك؟ ومرة: ما يلبس؟ (٣) وأخرجه البخاري في أواخر الحج من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهري بلفظ نافع؛ يعني: ما يلبس المحرم؟ (٤) فالاختلاف فيه على

стр. 1998

الزهري يُشعر بأن بعضهم رواه بالمعنى، فاستقامت رواية نافع؛ لعدم الاختلاف عليه فيها. واتجه البحث المتقدم فيها، كما في "الفتح" (١). (ولا العمائمَ) جمعُ عِمامة، سميت بذلك؛ لأنها تعمُّ جميعَ الرأس بالتغطية (٢). (ولا) يلبسُ المحرمُ (السراويلاتِ) جمعُ سِرْوال، فارسيٌّ معرَّبٌ، والسراوين -بالنون- لغةٌ، والشِّروال -بالشين- لغةٌ (٣). (ولا البرانِسَ) جمعُ بُرْنسُ -بضم النون-. قال في "القاموس": البرنسُ: قَلَنْسُوَةٌ طويلةٌ، أو كلُّ ثوب رأسُه منه، دُرَّاعةً كانَ أو جبةً، انتهى (٤). وفي "الفتح": البرانسُ: جمعُ بُرْنُس -بضم الموحدة والنون بينهما راء ساكنة وآخره مهملة- (٥). قال ابن دقيق العيد: قيل: إنها قلانسُ طِوالٌ كان يلبسُها الزهَّاد في الزمان الأول (٦).

стр. 1999

وفي "المطالع": البرنسُ: كلُّ ثوب رأسُه ملتزقٌ به، دُرَّاعَةً كان أو جُبَّةً (١). (ولا) يلبس المحرمُ (الخِفاف) -بكسر الخاء المعجمة-: جمع خف. فنبه بالقميص، والسراويل: على تحريم لبس المَخِيط المُحِيط بالبدن، وما يساويه من المنسوج، وبالعمائمِ والبرانس: على كلِّ ما يغطى به الرأس، مَخيطًا كانَ، أو غيرَه (٢). فيحرُم على الرجل سترُ رأسه، أو بعضِه؛ كالبياضِ الذي وراءَ الأذن، ولو بعصابة؛ لصداعٍ ونحوه، ولو بسيرٍ وطينٍ، من كلِّ ملاصقٍ معتاد أو لا؛ كخرقة، وقرطاس فيه دواءٌ أو غيرُه، أو لا دواءَ فيه؛ كما لو طلاه بحناء، أو غيره، ولو بنورة، لعذرٍ أو غيره (٣). وكذا لو استظلَّ بنحوِ هَوْدَجٍ؛ خلافًا للشافعية، والحنفية. قال في "الفروع": وإن استظلَّ في محملٍ، أو ثوب، أو نحوه، نازلًا أو راكبًا، قاله القاضي وجماعة، حَرُمَ، ولزمته الفديةُ. وفي رواية: اختاره أكثرُ الأصحاب؛ وفاقًا لمالك. رُوي عن ابن عمر من طرق النهيُ عنه. واحتج به الإمام أحمد، ولأنه قصده بما يقصد به التَّرَفُّهُ؛ كتغطيته، وعنه: لا فدية، وعنه: بلى إن طال، وعنه: يكره. وقال الشيخ الموفق: هي الظاهرُ عنه.

стр. 2000

وعنه: يجوز؛ وفاقًا لأبي حنيفة، والشافعي؛ لأن أسامةَ أو بلالًا رفع ثوبه يسترُ النبيَّ ﷺ من الحرِّ حتى رمى جمرةَ العقبة. رواه مسلم (١). وأجاب الإمام أحمد عنه: بأنه يسيرٌ لَا يُراد للاستدامةِ. زاد بن عقيل: أو كان بعدَ [رمي] جمرة العقبة، أو به عذر، وفَدى، أو لم يعلم النبيُّ ﷺ به. ويجوز الاستظلالُ بخيمة، ونصبِ ثوبٍ، ونحوِهما؛ لأن النبيَّ ﷺ ضُربت له قبة بنَمِرَةَ، فنزلها. رواه مسلم من حديث جابر ﵁ (٢)، ولأنه لا يقصد به الترفُّه في البدن عادةً، بل جمع الرجال. ونظر فيه في "الفروع" (٣). ويجوز تغطيةُ الوجه في رواية اختارها الأكثرُ؛ وفاقًا للشافعي، فعله عثمانُ ﵁، رواه مالك (٤). ورواه أبو بكر النجار عنه، وعن زيد، وابن الزبير، وأنه قاله ابن عباس، وسعدُ بن أبي وقاص، وجابرٌ، وعن ابن عمر روايتان، روى النهيَ عنه مالكٌ، (٥) وعند الإمام أحمد: لا يجوز، نقلها الأكثر، فيكون كالرأس؛ وفاقًا لأبي حنيفة.

стр. 2001

وقال الإمام مالك: لا يفعله، فإن فعله، فلا فدية. وقال بعض أصحابه: فيه روايتان؛ لقوله ﷺ في المحرِمِ الذي وَقَصَتْه راحلتُه: "لا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ" (١)، وفي لفظ: "لا تُغَطُّوا رأسَه" (٢) انفرد بهما مسلم. والذي في "الصحيحين": "ولا تخمروا رأسَهُ". وروي في الخبر: "وخمروا وجهَهُ، ولا تخمِّروا رأسَهُ" (٣). قال في "الفروع": ولا تتجه صحته (٤). ومعتمد المذهب: يجوز للرجل المحرِمِ أن يغطي وجهَه، واللَّه الموفق. ونبه في الحديث بالخفاف على كل ما يستر الرِّجْلَ مما يُلبس عليه من مَداس وجَوْرَبٍ (٥)، ومثلُهما القُفَّازانِ لليدين. وقال القاضي وغيره: ولو كانَ غيرَ معتاد؛ كجوربٍ في كف، وخف في رأس، فعليه الفديةُ، انتهى (٦).

стр. 2002

(إلا أحدٌ لا يجدُ نعلين) -في موضع رفع- صفة لأحد، ويستفاد منه -كما قال ابن المنير- جوازُ استعمال "أَحَد" في الإثبات؛ خلافًا لمن خصَّه بضرورةِ الشعر؛ كقوله (١): [من البسيط] وَقَد ظَهَرْتَ فَمَا تَخْفَى عَلَى أَحَدٍ ... إِلَّا عَلَى أَحَدٍ لا يَعْرِفُ القَمَرَا قال: والذي يظهر لي بالاستقراء أن "أحدًا" لا يُستعمل في الإثبات، إلا أن تعقب النفيَ، وكان الإثباتُ حينئذ في سياق النفي. ونظيرُ هذا زيادةُ الباء؛ فإنها لا تكون إلا في النفي، ثم رأيناها زيدت في الإثبات الذي هو في سياق النفي؛ كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [الأحقاف: ٣٣]. انتهى (٢). والمستثنى منه محذوف، ذكره معمر في روايته عن الزهري عن سالم باللفظ: "وليحرمْ أحدُكم في إزارٍ ورداءٍ ونعلينٍ، فإن لم يجد نعلين، (فليلبس الخفين) (٣). وفي لفظ: "خفين" (٤) بلا تعريف، (وليقْطَعْهما)؛ أي: شرطَ أن يقطعهما (أسفلَ من الكعبينِ)، ولا فدية عليه إذن، فإنها لو وجبت، لبينها النبيُّ ﷺ ، وهذا موضعُ بيانها (٥).

стр. 2003

قال متأخرو علمائنا: وإن عدم نعلين، أو لم يمكن لبسُهما، لبسَ خُفين أو نحوهما من رَانٍ (١) وغيره بلا فدية، ويحرم قطعهما. وعن الإمام أحمد: يقطعهما حتى يكونا أسفلَ من الكعبين. وجَوَّزه جمعٌ. قال الإمام الموفق وغيره: الأولى خَلْعُهما؛ عملًا بالحديث الصحيح (٢). قال في "الفروع ": وإن عدم نعلين، لبس خفين بلا فدية. نقله الجماعة، ولا يقطع خفيه. قال الإمام أحمد: هو فساد. واحتج الموفق وغيره لهذه الرواية بالنهي عن إضاعة المال، وجوزه أبو الخطاب وغيرُهُ، وقاله القاضي، وابنُ عقيل، وأن فائدة التخصيص كراهته؛ أي: القطعِ لغير إحرام؛ لخبر ابن عباس الآتي. وطاف عبد الرحمن بخفين، فقال له عمر: والخفان مع القباء؟! فقال: لبستُهما مع مَنْ هو خير منكَ؛ يعني: النبيَّ ﷺ ، رواه أبو حفص العكبري، ورواه أبو بكر النجاد (٣). وروي أيضًا عن عمر ﵁: الخفان نعلانِ لمن لا نعلَ له (٤).

стр. 2004

ومن رواية الحارث عن علي (١)، وعن ابن عباس (٢). وإن المسور بن مخرمة لبسهما وهو محرم، وقال: أمرتنا به عائشةُ ﵂ وعنهم أجمعين- (٣). ويأتي الكلام عليه فيما بعده. (ولا يَلْبَس) -بفتح أوله وثالثه- المحرم (من الثياب شيئًا مَسَّهُ زعفرانٌ). وفي لفظ: "الزعفران" بالتعريف (٤). وعلى الرواية التي ذكرها المصنف، فهو بالتنوين كما قاله الزركشي؛ لأنه ليس فيه إلا الألف والنون فقط، وهو لا يمنع الصرف، فلو سميت به، امتنع، انتهى (٥). (أو وَرْسٌ) -بفتح الواو وسكون الراء بعدها سين مهملة-: نبتٌ أصفر مثل نبات السمسم، طيبُ الريح، يُصبغ به، بين الحمرة والصفرة، أشهر طيب في بلاد اليمن (٦). لكن قال ابن العربي: الورسُ -وإن لم يكن طيبًا-، فله رائحةٌ طيبة،

стр. 2005

فأراد النبيُّ ﷺ أن ينبه على اجتناب الطيب وما يشبهه في ملاءمة الشم (١). وهذا الحكم يشترك فيه النساء مع الرجال؛ بخلاف ما قبله؛ فإنه خاصٌّ بالرجال (٢). قال في "الإقناع": يحرم عليه بعدَ إحرامه لبسُ ما صُبغ بزعفرانٍ أو ورسٍ، أو غُمسَ في ماءِ وردٍ، أو بُخِّرَ بعودٍ ونحوه، والجلوسُ والنومُ عليه، فإن فَرَشَ فوقَ الطيب ثوبًا صفيقًا يمنع الرائحة والمباشرة غيرَ ثياب بدنه، فلا فدية بالنوم عليه (٣). (ولـ) ـلإمام (البخاري) زيادة على مسلم في هذا الحديث: (ولا تتنقبِ) بالجزم على النهي، والكسر لالتقاء الساكنين؛ أي: تَتَخَمَّر (المرأةُ) المحرمةُ؛ لأن إحرامها في وجهها، فيحرم عليها تغطيته ببرقُع أو نِقابٍ أو غيرِه؛ وفاقًا. قال ابن المنذر: كراهيةُ البرقعِ ثابتة عن سعيد، وابن عمر، وابن عباس، وعائشة، ولا نعلم أحدًا خالفَ فيه. وعن ابن عمر ﵄، قال: إحرامُ المرأة في وَجْهِها، وإحرامُ الرجلِ في رأسه. رواه الدارقطني بإسناد جيد (٤). وروي أيضًا عن ابن عمر مرفوعًا: "ليسَ على المرأةِ حرمٌ إلا في وجهها" (٥).

стр. 2006

وقال أبو الفرج في "الإيضاح": وكَفَّيْها. وقال في "المبهج": وفي الكفين روايتان، ودليله روايةُ البخاري (١). (ولا تَلْبَس) المرأةُ المحرمةُ (القفازين) تثنية قُفَّاز -بالضم والتشديد-: شيءٌ تلبسه نساءُ العرب في أيديهن يغطِّي الأصابعَ والكفَّ والساعدَ من البرد، ويكون فيه قطنٌ محشوٌّ (٢)، ويُزَرَّرُ بأزرارٍ، فنبه بمنع المرأة من النقاب والقفازين على كل ما يُحيط بالعضو الخاصِّ إحاطةَ مثلِه في العادة (٣). والنقاب: هو الخِمار الذي تشدُّه المرأة على الأنف، أو تحتَ المحاجِر، وإن قرب من العين حتى لا تبدوَ جفونُها، فهو الوَصْوَاصُ -بفتح الواو وسكون الصاد المهملة الأولى-، فإن نزل إلى طرف الأنف، فهو اللِّفام -بكسر اللام وبالفاء-، فإن نزل إلى الفم، ولم يكن على الأرنبة منه شيء، فهو اللثام -بالمثلثة- (٤). نعم، للمرأة أن تُسدل على وجهها وهي محرمة للحاجة؛ وفاقًا لقول عائشة ﵂: كان الركبانُ يمرون بنا، ونحن مع رسول اللَّه ﷺ محرماتٌ، فإذا [حاذوا بنا] (٥)، سَدَلَتْ إحدانا جِلْبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا، كشفناه. رواه الإمام أحمد، وأبو داود،

стр. 2007

وابن ماجه، والدارقطني، (١) ورواه أيضًا عن أم سلمة (٢). قال الإمام أحمد: إنما لها أن تُسدل على وجهها من فوقُ، وليس لها أن ترفعَ الثوبَ من أسفل، ومعناه عن ابن عباس رواه الشافعي (٣). قال الإمام الموفق عن قول الإمام أحمد: كأنه يقول: إن النقاب من أسفل على وجهها. وذكر القاضي: تُسدل، ولا تُصيب البشرةَ، فإن أصابتها فلم ترفعه مع القدرة، فدتْ؛ لاستدامة الستر. قال الموفق: ليس هذا الشرط عن أحمد، ولا في الخبر، والظاهرُ خلافه؛ فإن المسدول لا يكاد يسلم من إصابة البشرة، فلو كان شرطًا، لبين (٤). قال في "الفروع": وما قاله -يعني: الموفق- صحيح. ولا يمكن أن المرأة تغطي جميع الرأس إلا بجزء من الوجه، ولا أن تكشف جميعَ الوجه إلا بجزء من الرأس، فسترُ الرأسِ كلِّه أَوْلى؛ لأنه آكدُ؛ لأنه عورة لا يختص بالإحرام. وحكم المرأة كالرجل فيما يحرم إلا لبسُ المخيط، وتظليلٌ بنحو محمل، واللَّه أعلم (٥).

стр. 2008

الحديث الثاني عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَباسٍ ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ بعَرَفَاتٍ: "مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إزَارًا، فَلْيَلْبَسْ السَّرَاوِيلَ لِلْمُحْرِمِ" (١).

стр. 2009

(عن) حبر الأمةِ وترجمانِ القرآن (عبدِ اللَّه بنِ عباسٍ ﵄، قال: سمعتُ النبيَّ ﷺ يخطبُ بعرفاتٍ) في حجة الوداع: (مَنْ لم يجدْ نعلينِ). وفي لفظ: "النعلين" بالتعريف، (١) (فليلبسِ الخفينِ). وبهذا الحديث احتجَّ الإمام أحمد على عدم القطع. قال في "الفروع": وإن عدم -يعني: المحرم- نعلين، لبس خفين بلا فدية، نقله الجماعة، ولا يقطع خفيه. قال الإمام أحمد: هو فساد. وذكر ما قدمناه عن الموفق من النهي عن إضاعة المال، وذكر حديث ابن عباس ﵄ هذا، قال أبو الشعثاء لابن عباس: لم يقل: ليقطعهما؟ قال: لا. رواه الإمام أحمد عن يحيى، عن ابن جريج، أخبرني عمرو بن دينار، عنه (٢)، صحيح. وذكر ما قدمناه من الآثار عن الصحابة (٣). وفي "صحيح مسلم" عن جابر بن عبد اللَّه ﵄، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من لم يجدْ نعلين، فليلبسْ خُفَّين، ومن لم يجد إزارًا، فليلبسْ سراويلَ" (٤)، قال: ولأن في قطعه ضررًا كالسراويل، فإنه يمكنه

стр. 2010

فتقُهُ، ويسترُ عورته، ولا يلبسه على هيئته. وعن الإمام أحمد رواية: إن لم يقطعهما دونَ الكعبين، فدى؛ وفاقًا للأئمة الثلاثة؛ لخبر ابن عمر المار. والجواب على معتمد المذهب: أن زيادة القطع لم يذكرها جماعةٌ ممن روى الخبر عن نافع. ورواها عُبيد اللَّه بنُ عمر عن نافع، عن ابن عمر من قوله. ورواها أبو القاسم بن بشران في "أماليه" بإسناد صحيح من قول نافع، ورواها مالك، وأيوب، وجماعة من الأئمة، فرفعوها. فقد اختلف فيها، فإن صحت، فهي بالمدينة؛ لرواية الإمام أحمد عن ابن عمر: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول على هذا المنبر، وذكره، (١) والدارقطني: أن رجلًا نادى في المسجد: ما يتركُ المحرِمُ من الثياب؟ قال الدارقطني: سمعت أبا بكر النيسابوريَّ يقول: هو في حديث ابن جريج، وليث بن سعد، وجويرية بن أسماء، عن نافع، عنه (٢). وخبرُ ابن عباس بعرفاتٍ، فلو كان القطعُ واجبًا، لبينه للجمع العظيم الذي لم يحضر أكثرُهم أو كثير منهم كلامَهُ بالمسجد في موضع البيان ووقتِ الحاجة. لا يقال: اكتفى بما سبق؛ لأنه يقال: فلمَ ذكرَ لبسَهما، والمفهومُ من إطلاقه لبسُهما بلا قطع؟ ثم يحمل على الجواز؛ كما سبق في كلام القاضي، وأجاب عن قولهم: المقيدُ يقضي على المطلَق بالمنع في رواية.

стр. 2011

ثم إذا لم يمكن تأويله، وعن قولهم فيه زيادة لفظ بأن خبرنا فيه زيادةُ حكمِ جوازِ اللبس بلا قطع؛ يعني: وهذا الحكمُ لم يشرع بالمدينة، وقاله شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو أولى من دعوى النسخ كما قاله صاحب "المغني" (١)، و"المحرر" (٢). وفي "شرح البخاري" للقسطلاني (٣)، قال الخطابي: العجبُ من الإمام أحمدَ في هذا -يعني: في قوله بعدم القطع-؛ فإنه لا يكاد يخَالف سنةً تبلغُه (٤). قال الزركشيُّ الحنبليُّ: العجبُ كل العجب من الخطابي في توهُّمه عن الإمام أحمد مخالفةَ السنةِ، أو خفاءها، وقد قال المروذي: احتججتُ على أبي عبد اللَّه بقول ابن عمر عن النبيِّ ﷺ : "وليقطع أسفلَ الكعبين"، فقال: هذا حديث، وذاك حديث، فقد اطلع على السنَّة، وإنما نظر نظرًا لا ينظره إلا الفقهاء المتبصرون، وهذا يدل على غاية الفقه والنظر، انتهى (٥). قال في "الفروع": وإن لبس المحرم مقطوعًا دونهما -يعني: الكعبين-، مع وجود نعل، لم يجز، وفدى، نص عليه الإمام أحمد؛ وفاقًا لأبي حنيفة؛ لأنه ﷺ شرطَ لجواز لبسهما عدمَ النعلين، وأجازه؛ لأنه

стр. 2012

يقارب النعلين، ولم يجزه؛ لإسقاط الفدية، ولأنه مخيط لعضو بقدره كغيره. وذكر القاضي في المسألة الأولى جوازه، وابن عقيل في "مفرداته"، وصاحب "المحرر"، وحفيده شيخ الإسلام؛ لأنه ليس بخف، وإنما أمرهم بالقطع أولًا؛ لأن رخصةَ البدل لم تكن شُرعت؛ لأن المقطوع يصير كنعل، فإباحته أصلية، وإنما المباح بطريق البدل الخفُّ المطلَق، وإنما شُرط عدم النعل؛ لأن القطع مع وجوده إفساد، وللشافعي قولان (١). (ومن لم يجد إزارًا) وهو ما يُشدُّ في الوسط، (فليلبس السراويل)، وفي لفظ: "سراويل" (٢) بلا تعريف. (للمحرم) بلام البيان كهي في قوله تعالى: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣]، وفي نحو سقيًا لكَ؛ أي: هذا الحكم للمحرم (٣). وفي لفظ: يعني: "المحرم" (٤). قال في "الفروع": وإن عدم -يعني: المحرم- إزارًا، لبس سراويلَ، نص عليه الإمام أحمد، وفاقًا للشافعي؛ لهذا الحديث، فأجاز الإمام أحمد ﵁ لبسَ السراويل مطلقًا لعدمِ الإزار، فلو اعتبر فتقه، لم يعتبر عدمُه، ولم يشتبه على أحد، ولم يوجب فدية، وحملها أولى من جواز اللبس، ولأنه جعله بدلًا، وهو يقوم مقام المبدل عنه. ومتى وجد إزارًا، خلعَ السراويل.

стр. 2013

وعند أبي حنيفة، ومالك: إن لبسَ سراويل، فدى. قال الطحاوي: لا يجوز لبسُه حتى يفتقه، ومعناه في "الموطأ"، وأنه لم يسمع بلبسه؛ لأنه لم يَرِدِ الخبر فيه (١). قلت: ولفظ الإمام مالك في "الموطأ" بعدَ ذكرِ حديثِ ابنِ عمرَ المارِّ: قال يحيى: وسُئل مالكٌ عَمَّا ذُكر عن النبيِّ ﷺ : أنه قال: "مَنْ لم يجدْ إزارًا، فليلبسْ سراويل"، فقال: لم أسمعْ بهذا، ولا أرى أن يلبس المحرمُ سراويل؛ لأن النبيَّ ﷺ نهى عن لبس السراويلات فيما نهى عنه من لبس الثياب التي لا ينبغي للمحرم أن يلبسها، ولم يستثن فيها كما استثنى في الخفين (٢). انتهى. وجَوَّزه أصحابهُ، والرازي بلا فتق، ويفدي، وفى "الانتصار" احتمال يلبس سراويل للعورة فقط (٣). تنبيهان: الأول: الكعبان هما العظمان الناتئان عند ملتقى الساق والقدم، وهذا قول الأئمة. وذهب متأخرو الحنفية إلى التفرقة في غسل القدمين في الوضوء بين [الكعب في غسل القدمين في الوضوء، و] الكعب المذكور في قطع الخفين للمحرم، وأن المرادَ بالكعب هنا المفصلُ الذي في القدم عند معقد الشِّراكَ دون [الناتيء] (٤).

стр. 2014

وأنكره الأصمعي، وقال الحافظ العراقي: إنه -يعني: قول متأخري الحنفية- أقربُ إلى عدم الإحاطة على القدم (١). ولا يحتاج القول به إلى مخالفة اللغة، بل يوجد ذلك في بعض ألفاظ حديث ابن عمر، ففي رواية الليث عن نافع، عنه: "فليلبسِ الخفَّين ما أسفل من الكعبين" (٢)، فقوله: "ما أسفل" بدل من "الخفين"، فيكون اللبسُ لهما أسفلَ من الكعبين، والقطعُ من الكعبين فما فوق. وفي رواية مالك عن نافع، عنه: "وليقطَعْهما أسفلَ من الكعبين" (٣)، فليس فيه ما يدل على كون القطع مقتصرًا على ما دون الكعبين، بل يزاد مع الأسفل ما يخرج القدم عن كونه مستورًا بإحاطة الخف عليه، ولا حاجة حينئذ إلى مخالفة ما جزم به أهل اللغة، انتهى. وإذا لبسَه والحالةُ هذه، تلزمُه الفديةُ عند الحنفية (٤)، واللَّه أعلم. الثاني: السرُّ في تحريم لبسِ المَخِيط وغيرِه مما ذُكر للمحرم مخالفةُ العادة، والخروجُ عن المألوف؛ لإشعار النفس بأمرين: الخروجِ عن الدنيا، والتذكرِ للبسِ الأكفانِ عند نزع المخيط، وتنبيهًا على التلبس بهذه العبادة العظيمة بالخروج عن معتادها، وذلك موجبٌ للإقبال عليها، والمحافظةِ على قوانينها وأركانها وشرائطها وآدابها، واللَّه أعلم (٥). * * *

стр. 2015

الحديث الثالث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لا شَرِيْكَ لَكَ". قَالَ: وَكَانَ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَزِيدُ فِيهَا: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، والخَيْرُ بِيَدَيْكَ، وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالعَمَلُ (١).

стр. 2016

(عن) أبي عبدِ الرحمنِ (عبدِ اللَّه بنِ) أميرِ المؤمنين (عمرَ) بنِ الخطاب (﵄)، قال: (إن تلبية رسول اللَّه ﷺ ). اعلم أن التليبةَ مصدر لَبَّى تلبيةً؛ كزكَّى تزكيةً، وهو بغير همز على الأصل. ولَبَّأ -بالهمز- لغة، والتلبيةُ: قولك لمن دعاك: لَبَّيْكَ، وفي الحج قولك: (لَبَّيْكَ اللهمَّ لَبَّيْكَ)، وهو اسم مثنى عند سيبويه وجماعة (١)؛ بقلب ألفه ياء مع المظهر، وليست تثنية حقيقة، بل هو من المثناة لفظًا، ومعناها التكثيرُ والمبالغة؛ كما في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]؛ أي: نعمتاه عند من أَوَّلَ اليدَ بالنعمة؛ إذ نعمه تعالى لا تحصى. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤]؛ أي: كَرَّاتٍ كثيرةً. وقال يونس بن حبيب النحويُّ: ليس بمثنى، إنما هو اسم مفرد، وألفه إنما انقلبت ياء لاتصالها بالضمير؛ كَلَدَيَّ وعَلَيَّ (٢)، نقول عند اتصالها بالضمير: لَدَيْكَ، وعَلَيْكَ. انتهى. وهو منصوب على المصدر بعامل مضمَرٍ؛ أي: أجيبُ إجابة بعدَ إجابة إلى ما لا نهايةَ له (٣). وقال في "المطلع": حكى أبو عُبيد عن الخليل: أن أصل التلبية:

стр. 2017

الإقامةُ بالمكان، يقال: ألبيت ولبيت به: إذا أقمت به، أي: إقامةً على إجابتك بعدَ إقامة (١). والكاف للإضافة، وقيل: ليس هنا إضافة، والكافُ حرفُ خطاب، (٢) ومعناه كما في "القاموس"، أي: أنا مقيم على طاعتك إلبابًا بعدَ إلباب، وإجابة بعدَ إجابة، أو معناه: اتجاهي وقصدي لك؛ من: داري تَلُبُّ داره؛ أي: تواجهها، أو معناه: محبتي لك؛ من قولهم: امرأة لَبَّةٌ: مُحِبَّةٌ لزوجِها (٣). وقال ابن عبد البر: معنى التلبية: إجابة للَّه فيما فرض عليهم من حَجِّ بيته، والإقامةِ على طاعته، فالمحرمُ بتلبيته مستجيبٌ لدعاء اللَّه إياه في إيجاب الحجِّ عليه. قيل: هي إجابة لقوله تعالى للخليل إبراهيم -عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم-: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧]؛ أي: بدعوة الحج، والأمر به (٤). قال الإمام الحافظ ابن الجوزي في "مثير العزم الساكن": أصلُ التلبية: الإجابةُ لنداء الخليل ﵇، ثم ذكر بسنده عن مجاهد، قال: لما قيل لإبراهيم: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧]، قال: يا رب! كيف أقول؟ [قال:] قل: يا أيها الناس! أجيبوا ربكم، فصعِد الجبل، فنادى: يا أيها الناس! أجيبوا ربكم، فأجابوه: لبيك اللهمَّ لبيك، فكان هذا أولَ التلبية (٥).

стр. 2018

وفي "صحيح مسلم": أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا استوَتْ به راحلتهُ قائمةً عند مسجدِ ذي الحليفة، أَهَلَّ، فقالَ: "لبيكَ اللهمَّ لبيكَ" (١)؛ أي: يا اللَّه! أجبناك فيما دعوتنا. وروى ابنُ أبي حاتم من طريق قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄، قال: لما فرغَ إبراهيمُ من بناء البيت، قيل له: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧]، قال: يا ربِّ! وما يبلغ صوتي؟ قال: أَذِّنْ، ومِنِّي البلاغ، قال: فنادى إبراهيم ﵇: يا أيها الناس! كتب اللَّهُ عليكم الحجَّ إلى البيت العتيق، فسمعَه ما بينَ السماءِ والأرض، ألا ترونَ الناسَ يجيئون من أقصى الأرض يُلَبُّون؟ (٢) ومن طريق ابنِ جريجٍ، عن عطاء، عن ابن عباس، وفيه: فأجابوه بالتلبية من أصلابِ الرجال، وأرحامِ النساء. وأولُ مَنْ أجابه أهلُ اليمن، فليسَ حاجٌّ يحجُّ من يومِئِذٍ إلى أن تقومَ الساعةُ إلا من كان أجابَ إبراهيم ﵇ يومئذٍ (٣). زاد غيره: فمن لَبَّى مرةً، حجَّ مرةً، ومن لبى مرتين، حَجَّ مرتين، ومن لبى أكثر، بقدر تلبيته (٤). وقد وقع في حديث مرفوع تكريرُ لفظة: "لبيك" ثلاثَ مرات.

стр. 2019

وكذا في الموقوف، إلا أن في المرفوع الفصل بين الأولى والثانية بقوله: "اللهم"، وقد نقل اتفاق الأدباء على أن التكرير اللفظي لا يُزاد على ثلاث مرات (١). (لَبَّيْكَ لا شريكَ لك لبيك إن الحمدَ) -بكسر الهمزة على الاستئناف-، كأنه لما قال: لبيكَ، استأنف كلامًا آخر، فقال: إن الحمدَ، و-بالفتح- على التعليل، كأنه قال: أجبتك لأن الحمد (والنعمةَ لكَ)، (٢) والكسر هو منصوص الإمام أحمد ﵁، وهو أجود عند الجمهور، وحكاه الزمخشري عن أبي حنيفة (٣)، والموفق عن الإمام أحمد (٤)، وابن عبد البر عن اختيار أهل العربية (٥). وفي "المطلع": قال ثعلب من قال: "أنَّ" -بفتحها-، فقد خص، ومن قال: بكسر الألف، فقد عمَّ؛ يعني: أن من كسر، جعل الحمدَ للَّه على كلِّ حال، ومن فتحَ، فمعناه: لبيكَ لأن الحمدَ لك؛ أي: لهذا السبب، انتهى (٦). "والنعمة لك" -بكسر النون-: الإحسانُ والمِنَّةُ مطلقًا (٧).

стр. 2020

ويجوز في "النعمة" النصبُ، وهو الأشهر؛ عطفًا على الحمد، والرفعُ على الابتداء، والخبر محذوف؛ لدلالة خبر إن، تقديره: إن الحمدَ لك، والنعمةُ مستقرةٌ لذلك. وجَوَّزَ ابنُ الأنباري أن يكون الموجودُ خبرَ المبتدأ، وخبر إن هو المحذوف (١). (والمُلكَ) لك -بضم الميم والنصب- عطفًا على اسم إن، وبالرفع على الابتداء، والخبر محذوف؛ لدلالة الخبر المتقدم. ويحتمل أن يكون تقديره: والملكُ كذلك (٢). (لا شريكَ لك) في ملكك. قال الطحاوي، (٣) والقرطبي: (٤) أَجمعَ العلماءُ على هذه التلبية (٥). قال في "الفروع": ولا تُستحب الزيادةُ عليها؛ خلافًا لأبي حنيفة. ولا تكره -يعني: الزيادة-، نص عليه -يعني: الإمام أحمد-؛ وفاقًا للشافعي؛ لقول ابن عمر ﵄: إن النبيَّ ﷺ كان لا يزيد على ذلك. وفي "الإفصاح" لابن هبيرة: تُكره الزيادةُ. وقيل: له الزيادةُ بعدها؛ يعني: التلبية، لا فيها (٦).

стр. 2021

وللبخاري التلبيةُ من حديث عائشة: كابن عمر ﵃، وليس فيه: "والملك لا شريك لك" (١). وقد نقل المروذيُّ: كان في حديث ابن عمر: "والملك لا شريك لك"، فتركه؛ لأن الناس تركوه، وليس في حديث عائشة (٢). (قال) -يعني: نافعًا-: (وكان عبدُ اللَّه بنُ) أمير المؤمنين (عمرَ) ﵄ (يزيدُ فيها)؛ أي: في دُبُر التلبيةِ على تلبية رسولِ اللَّه ﷺ المتقدمةِ لبيك: (لبيك لبيك) ثلاثة متوالية. وفي "الفروع": مرتين، وعزاه "للصحيحين"، ثم قال: وفي "الموطأ"، وأبي داود في زيادته لبيك ثلاث مرات، (٣) ثم قال: وزاد عمر ﵁ ما زاده ابنه، متفق عليه، كذا قال (٤). (وسعديك) هو من باب لبيك، فيأتي فيه ما سبق من التثنية والإفراد، ومعناه: أسعدني إسعادًا بعدَ إسعاد، فالمصدر فيه مضاف للفاعل، وإن كان الأصل في معناه: أسعدك بالإجابة إسعادًا بعد إسعاد، على أن المصدر فيه مضاف للمفعول؛ لاستحالة ذلك هنا. وقيل: المعنى: مساعدة على طاعتك بعد مساعدة، فيكون من المضاف

стр. 2022

للمنصوب، (١) (والخيرُ) كلُّه بأنواعه الدينية والدنيوية؛ من خيري الدنيا والآخرة على كثرة تنوعه (بيديكَ) لا يصلُ منه شيء لأحد إلا بإعطائك، فلا مانعَ لما أعطيتَ، ولا معطيَ لما منعتَ. (والرَّغْباءُ) -بفتح الراء والمد، وبضمها مع القصر-؛ كالعَلاء، والعُلا، و-بالفتح مع القصر (٢) - (إليكَ) لا إلى غيرك. ومعناه: الطلب والمسألة؛ يعني: أنه تعالى هو المسؤول منه، فبيدِه جميعُ الأمور (والعملُ)، أي: إليك القصدُ به، والانتهاء به إليك؛ أي: لتجازي عليه (٣). تنبيهات: الأول: زيادةُ ابنِ عمر ﵄ ليس من المتفق عليه؛ خلافًا لما تُوهمه عبارةُ المصنف، و"الفروع"، (٤) ولما توهمه عبارة "جامع الأصول" لابن الأثير (٥)، والحافظ المنذري في "مختصر السنن" (٦)، والنووي في "شرح المهذب" (٧)، والمجد ابن تيمية في "المنتقى" (٨)، وغيرهم.

стр. 2023

وفي "مسلم": كان ابن عمر يقول: كان عمرُ بنُ الخطاب يُهلُّ بإهلالِ رسولِ اللَّه ﷺ ، وذكر الزيادة من قول عمر ﵁ (١). قال الحافظ عبد الحق الإشبيلي في "جمعه بين الصحيحين": لم يذكر البخاريُّ زيادة عمر، ولا ابنِ عمر (٢). وقال [القسطلاني] في "شرح البخاري": لم يذكر البخاريُّ هذه الزيادة، فهي من أفراد مسلم (٣). ولم ينبه ابنُ دقيق العيد على ذلك (٤). الثاني: التلبيةُ سنةٌ عند الإمام أحمد، والشافعي. قال في "الفروع": لأن الحجَّ عبادةٌ بدنية، ليس في آخرها نطقٌ واجب، فكذا أولها؛ كصوم؛ بخلاف الصلاة. قال: ويتوجَّهُ احتمالٌ: تجبُ التلبية، والاعتبار بما نواه، لا بما سبق لسانه [إليه] (٥). وعند الشافعي: أنها واجبةٌ في وجه حكاه الماوردي عن ابن خيران، وابن أبي هريرة، وأنه يجب بتركها دمٌ. وقال الحنفية: إذا اقتصر على النية، ولم يُلَبِّ، لا يفقد إحرامه؛ لأن الحج تضمن أمورًا مختلفة فعلًا وتركًا، فأشبهَ الصلاة، فلا يحصل إلا بالذكر في أوله.

стр. 2024

وقال المالكية: ولا ينعقد إلا بنية مقرونة بقول أو فعل متعلقينِ به؛ كالتلبية، والتوجُّه إلى الطريق، فلا ينعقد بمجرد النية، وقيل: ينعقد، قاله سند، وهو مروي عن مالك (١). قال في "الفروع": الإحرام لا ينعقد إلا بنية، وللشافعي قولٌ ضعيف: ينعقد بالتلبيةِ، ونيةُ النسك كافية، نص عليه -يعني: الإمام أحمد-؛ وفاقًا لمالك، والشافعي. وفي "الانتصار" رواية: مع تلبية، أو سوق هدي؛ وفاقًا لأبي حنيفة، قال: واختارها شيخنا؛ يعني: شيخَ الإسلام ابنَ تيمية، وقاله جماعة من المالكية، وحكي قولًا للشافعي، وبعضهم حكى قولًا: يجب، وحكي عن مالك وجماعة من الشافعية: يعتبر مع النيةِ التلبيةُ (٢). والمعتمد: أن التلبيةَ سنةٌ لا تجب، ويُسن ابتداؤها عقبَ إحرامه، وذكرُ نسكه فيها، وذكرُ العمرة قبل الحج للقارن، فيقول: "لبيك عمرةً وحجًا"، والإكثارُ منها، ورفعُ الصوت بها. ولكن لا يجهد نفسَه في رفعه زيادة على الطاقة، ولا يُندب إظهارُها في مساجد الحِلِّ وأمصارِه، ولا في طواف قدوم وسعي بعده، ويكرهُ رفعُ الصوت بها حول البيت؛ لئلا يشغلَ الطائفين عن طوافهم وأذكارهم، ويُسن الدعاءُ بعدها، فيسألُ اللَّه الجنةَ، ويعوذ به من النار؛ لما يأتي من الأخبار، ويدعو بما أحبَّ، والصلاة على النبيِّ ﷺ (٣). وتتأكد التلبية إذا علا نشزًا، أو هبطَ واديًا، أو لقي رفقة، أو سمع ملبيًا،

стр. 2025

وعقبَ مكتوبة، أو أتى محظورًا ناسيًا، وأولَ الليل والنهار، أو ركب، زاد في "الرعاية": أو نزل، وقاله الشافعية، ولم يقيدوا الصلاة بمكتوبة. وفي "المستوعب": يستحب عند تنقل الأحوال به (١). الثالث: تقدَّمَ أن معتمدَ المذهب: جوازُ الزيادةِ على تلبيةِ رسولِ اللَّه ﷺ من غيرِ استحبابٍ ولا كراهةٍ. لكن ينبغي أن يُفرد ما روي عنها، ثم يقرن الموقوف على انفراده حتى لا يختلط بالمرفوع. قال الإمام الشافعي فيما حكاه عنه البيهقي في "المعرفة": ولا ضيقَ على أحد في مثل ما قال ابن عمر ولا غيره من تعظيم اللَّه ودعائه مع التلبية، غير أن الاختيار عندي أن يُفرد ما روي عن رسول اللَّه ﷺ من التلبية (٢). إذا علمت ذلك، فقد روى الأثرم، وابن المنذر، وابن أبي شيبة: أنّه كانَ من تلبية عمر ﵁: لبيك ذا النّعماء والفضل الحسن، لبيك مرغوبًا ومرهوبًا إليك (٣). ولمسلم، وأبي داود من حديث جابر كخبر ابن عمر: والنّاس ذا المعارج، ونحوه من الكلام، والنبيُّ ﷺ يسمع، فلا يقول لهم شيئًا، ولزم تلبيته (٤).

стр. 2026

وعن أبي هريرة ﵁: أنّ النّبيَّ ﷺ قال في تلبيته: "لبيكَ إلهَ الحقِّ لبيكَ"، رواه الإمام أحمد، والنّسائي، وابن ماجه، وصححه ابنُ حبّان والحاكم (١). واستحبَّ الشّافعيّةُ إذا رأى ما يعجبه [أن يقول]: لبيك إنّ العيشَ عيشُ الآخرة؛ لرواية الإمام الشّافعي عن مجاهد مرسلًا تلبيةَ ابن عمر: حتّى إذا كان ذات يومٍ، والنّاسُ يصرفون عنه، كأنه أعجبه ما هو فيه، فزاد فيه ذلك (٢). وكذا ذكر الآجريُّ منّا: إذا رأى ما يُعجبه، قال: اللهمَّ لا عيشَ إلّا عيشُ الآخرة (٣). ويستحبُّ رفعُ صوته بالتّلبية؛ لخبر السّائبِ بنِ خلّاد: "أتاني جبريلُ، فأمرني أن آمرَ أصحابي أن يرفعوا أصواتَهم بالإهلال والتّلبية" أسانيده جيدة، رواه الخمسة، وصحّحه التّرمذي (٤). وللإمام أحمد من رواية ابن إسحاق: أنّ جبريل قال له: كُنْ عَجَّاجًا

стр. 2027

ثَجَّاجًا. والعجُّ: التّلبيةُ. والثَّجُّ: نحرُ البُدْنِ (١). وفي حديث الصّدِّيقِ الأعظمِ -رضوانُ اللَّه عليه-: أنّ رسولَ اللَّه ﷺ سُئل: أَيُّ الحجِّ أفضلُ؟ قال: "العَجُّ والثَّجُّ" (٢). قال الإمام أحمدُ في رواية مهنّا، وابن معين: أصلُ الحديث معروف (٣). وحديث خزيمة: أنه كان يسأل اللَّه رضوانَه والجنّةَ، ويستعيذ برحمته من النّار، إسناده ضعيف، رواه الإمام الشّافعي، والدّارقطني (٤). والصّلاةُ على النّبيِّ ﷺ بعدَ التّلبية مستحبّةٌ؛ كما قدّمنا؛ خلافًا للإمام مالك؛ لقول القاسم بن محمد: كان يستحبُّ فيه ذلك صالحُ بنُ محمدِ بنِ زائدة، قوّاه الإمام أحمد، وضعّفه الجماعة، رواه الدّارقطني (٥). وكانت تلبيةُ يونُسَ بنِ مَتَّى ﵇: لبيكَ تفريج الكروب. وتلبية موسى: لبيك أنا عبدُك لديكَ لبيكَ. وتلبيةُ عيسى: أنا عبدُك وابنُ أَمَتِكَ بنتِ عبديك (٦). الرابع: يقطع المتمتّعُ والمعتمرُ التّلبيةَ إذا شرعَ في الطّواف؛ فقد روى أبو داود عن عطاء، عن ابن عبّاس ﵄ مرفوعًا: أنّه كان

стр. 2028

يمسك التّلبية في العمرة إذا استلمَ الحجرَ؛ (١) وفاقًا لأبي حنيفةَ، والشّافعيِّ. ويقطعُها المفرِدُ أو القارِنُ إذا رمى جمرةَ العقبةَ؛ فقد روى الجماعةُ عن الفضل بنِ عبّاسٍ ﵄، قال: كنتُ رديفَ النّبيِّ ﷺ من جَمْعٍ إلى مِنًى، فلم يزل يُلبّي حتّى رمى جمرةَ العقبة (٢). قال علماؤنا: يقطع التّلبيةَ بأوّل حَصاةٍ. قال الإمام أحمد: يُلبّي حتّى يرميَ جمرةَ العقبة، يقطعُ عندَ أوّل حصاة؛ وفاقًا لأبي حنيفة، والشّافعي؛ لحديث الفضلِ في "الصّحيحين"، وغيرهما، وفي النّسائي: فلمّا رمى، قطع التّلبية (٣). ورواه حنبل: قطعَ عندَ أوّلِ حصاةٍ. وكان ابن عبّاس بعرفةَ، فقال: مالي لا أسمع النّاس يلبّون؟ فقال سعيد بن جبير: يخافون من معاويةَ، فخرج ابنُ عبّاس من فُسطاطه، فقال: لَبَّيْكَ؛ فإنَّهم تركوا السنَّةَ من بغض علي، رواه النّسائي بإسناد جيد (٤). * * *

стр. 2029

الحديث الرابع عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَحِل لِامْرَأَةٍ تُؤْمنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا حُرْمَةٌ" (١). وَفِي لَفْظٍ لِلبُخَارِيِّ: "أَنْ تُسَافِرَ مَسِيَرةَ يَوْمٍ، إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ" (٢).

стр. 2030

(عن أبي هريرة) عبدِ الرّحمنِ بنِ صخرٍ (﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : لا يحلّ لامرأة) شابَّة أو عجوز أن تسافرَ سفرًا قليلًا أو كثيرًا، للحجّ أو غيره. قال في "الفروع": ويُشترط للمرأة مَحْرَمٌ، نقله الجماعة. وأنّه قال: المحرمُ من السّبيل. وصرّح في رواية الميموني وحرب: بالتسوية بين الشّابة والعجوز؛ اتفاقًا. وأنكر الإمام أحمد في رواية الميموني التّفرقةَ، فقال: من فرّق بينَ الشّابة والعجوز؟ -يعني: منكِرًا على من فرّق-؛ لحديث ابن عبّاس: "لا تسافر امرأةٌ إلا مع محرم، ولا يدخل عليها رجلٌ إلّا ومعها محرم"، فقال رجل: يا رسول اللَّه! إنّي أريد أن أخرجَ في جيش كذا وكذا، وامرأتي تريد الحج، فقال: "اخرجْ معها". عزاه بعضهم إلى "الصّحيحين"، والظّاهر أنّه لفظ أحمد (١). وفيهما: إنَّ امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتبتُ في غزوة كذا، قال: "انطلق فحُجَّ معها" (٢).

стр. 2031

قلت: بل اللفظ الأوّل في "صحيح البخاريّ"، وكذا في "مسلم". إلّا أن قوله: "ولا يدخل عليها رجلٌ إلّا ومعها محرم" في البخاري دون مسلم. فالحديث متّفقٌ عليه، وعزو من عزاه صحيح، فلا وجه لتبرئة صاحب "الفروع" من ذلك، واللَّه أعلم. قال ابن دقيق العيد: لفظُ المرأة عامٌ بالنسبة إلى سائر النّساء. وقال بعض المالكيّة: هذا عندي في الشّابة، وأمّا الكبيرةُ غيرُ المشتَهاة، فتسافر كيف شاءت في كل الأسفار بلا زوجٍ ولا محرم. وخالفه بعضُ المتأخّرين من الشّافعية من حيث إنّ المرأة مظنّة الطمع فيها، ومظنّة الشهوة، ولو كانت كبيرة، وقد قالوا: لكلّ ساقطةٍ لاقِطَةٌ. قال: والذي قاله المالكي تخصيصُ العموم بالنّظر إلى المعنى، وقد اختار هذا الشّافعي، أنّ المرأة تسافر في الأمن، ولا تحتاج إلى أحدٍ، بل تسير وحدَها في جملة القافلة، وتكون آمنة. وهذا مخالفٌ لظاهر الحديث، انتهى (١). وقد علمت إنكار الإمام أحمد على من فرّق بين الشّابة والعجوز. ونقل صاحب "الفروع" الاتفاقَ على عدم التّفرقة، واللَّه أعلم (٢). (تؤمنُ باللَّه واليومِ الآخِرِ)؛ يعني: مسلمة تؤمن بالبعث، وأنّ اللَّه تعالى يحاسب العباد على الذّنوب، ويؤاخذهم بها. (أن تسافر مسيرة يومٍ وليلة إلّا ومعها محرم) هذا لفظ البخاري.

стр. 2032

وفي لفظ لمسلم: "إلّا ومعها ذو محرمٍ منها" (١). وفي لفظٍ له: "إلّا ومعها رجل ذو حرمةٍ منها" (٢). وفي أخرى: "إلا (٣) مع ذي محرم عليها" (٤). وفي لفظٍ للبخاري: "أن تسافر مسيرة يومٍ إلّا مع ذي محرم". وفي رواية لمسلم: "تسافر مسيرة ليلة" (٥). ولأبي داود: نحوه، إلا أنّه قال: "بريدًا" (٦). وصححه الحاكم، والبيهقي (٧). ولمسلمٍ أيضًا: "ثلاثًا" (٨). وله أيضًا من حديث أبي سعيد: "يومين" (٩). وله أيضًا: "أكثر من ثلاث" (١٠).

стр. 2033

والظّاهر: اختلاف الرّوايات، لاختلاف السّائلين وسؤالهم، فخرجت جوابًا، وإلّا، فالحكم متعلّق بأقلِّ ما يقع عليه اسمُ السّفر -على ما قدّمنا- (١). وروى الدّارقطنيُّ من حديث ابن عبّاسٍ ﵄ مرفوعًا: "لا تَحُجَّنَّ امرأةٌ إلّا ومعَها ذو محرمٍ" (٢). استظهر في "الفروع" تحسينَه (٣). قال في "الفروع": وكالسّفر لحجِّ التّطوُّع والزيارة؛ وفاقًا (٤). قال متأخّرو علمائنا: يُشترط لوجوب الحج على المرأة -شابّة كانت أو عجوزًا، مسافةَ قصرٍ، ودونَها- وجودُ محرم، وكذا يعتبر لكلِّ سفر يحتاج فيه إلى محرم، لا في أطراف البلد مع عدم الخوف، وهو معتبر لمن لعورتها حكم، وهي بنتُ سبعِ سنينَ فأكثرَ. قال شيخ الإسلام: وأمّا المرأة يُسافِرْنَ معها، ولا يفتقرنَ إلى محرم؛ لأنّه لا محرمَ لهنّ في العادة الغالبة، انتهى (٥). ويتوجه في عتقائها من الإماء مثلُه على ما قال، قاله في "الفروع". وقال: وظاهر كلامهم اعتبارُ المحرم للكلِّ، وعدمُه كعدم المحرم للحرّة (٦). وقيل: لا يشترط المحرم في الحجِّ الواجب.

стр. 2034

قال الإمام أحمد: لأنّها تخرج مع النّساء، ومع كلِّ مَنْ أمنته. وقال ابن سيرين: مع مسلمٍ لا بأس به. وقال الأوزاعي: مع قومٍ عدول. وقال الإمام مالك: مع جماعة من النّساء. وقال الإمام الشّافعي: مع حرّة مسلمة ثقة. وقال بعض أصحابه: وحدَها مع الأمن. والصّحيح عندهم: يلزمها مع نسوةٍ ثقاتٍ، ويجوز لها مع واحدة؛ لتفسيره ﷺ السّبيلَ: بالزّاد والرّاحلة. وقوله لعديِّ بن حاتم: "إنَّ الظَّعينةَ ترتحلُ من الحيرةِ حتّى تطوفَ بالكعبة لا تخافُ إلّا اللَّه" متّفق عليه (١)، وإنّما هو خبر عن الواقع. واحتجّ ابنُ حزم بقوله ﷺ : "لا تمنعوا إماءَ اللَّه مساجدَ اللَّه" متفقٌ عليه (٢). وقوله: "إذا استأذَنكم نساؤُكُمْ إلى المساجد، فَأْذَنُوا لَهُنَّ" (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة: تحج كلُّ امرأة مسلمة مع عدم المحرم، وقال: إن هذا يتوجه في سفر كل طاعة (٤).

стр. 2035

ونقل مثلَه الكرابيسيُّ عن الشّافعيِّ في حجة التطوُّع. وقال بعض أصحابه: فيه وفي كلّ سفر غير واجب، كزيارة وتجارة. وقال الباجيّ المالكي في كبيرةٍ غيرِ مشتهاة، وفي مسلمة: لا يعتبر المحرم إلّا في مسافة القصر؛ وفاقًا للإمام أبي حنيفة. ولا يعتبر في أطراف البلد مع عدم الخوف؛ وفاقًا (١). والمحرم للمرأة: زوجُها، أو مَنْ تحرم عليه على التّأبيد بنسبٍ أو سبب مباح لحرمتها، لكن يستثنى من السّبب المباح نساءُ النّبي ﷺ ؛ كرضاع، ومصاهرة، ووطء مباح بنكاحٍ أو غيره، ورابّها، وهو زوج أمها، وربيبها، وهو: ابنُ زوجها، نصّ عليها الإمام أحمد؛ وفاقًا. إلّا أنّ الإمام مالكًا خالف في ابن زوجها. ونقل الأثرم في أم امرأته يكون محرمًا لها في حجّ الفرض فقط (٢). وخرج بقولنا: لحرمتها: الملاعنةُ؛ فإنّ تحريمها عليه عقوبةٌ وتغليظٌ، لا لحرمتها. ولا بُدَّ في المحرم أن يكون ذكرًا بالغًا عاقلًا مسلمًا، ولو عبدًا، ونفقتُه عليها، ولو كان زوجَها، فيعتبر أن تملك زادًا وراحلة لهما. ولو بذلت النّفقة، لم يلزمْه السفرُ معها، وكانت كمن لا محرمَ لها. وليس العبدُ محرمًا لسيدته، نصّ عليه الإمام أحمد. ولو جاز له النّظرُ إليها (٣).
следующие страницы →