قلت: بل اللفظ الأوّل في "صحيح البخاريّ"، وكذا في "مسلم".
إلّا أن قوله: "ولا يدخل عليها رجلٌ إلّا ومعها محرم" في البخاري دون مسلم.
فالحديث متّفقٌ عليه، وعزو من عزاه صحيح، فلا وجه لتبرئة صاحب "الفروع" من ذلك، واللَّه أعلم.
قال ابن دقيق العيد: لفظُ المرأة عامٌ بالنسبة إلى سائر النّساء.
وقال بعض المالكيّة: هذا عندي في الشّابة، وأمّا الكبيرةُ غيرُ المشتَهاة، فتسافر كيف شاءت في كل الأسفار بلا زوجٍ ولا محرم.
وخالفه بعضُ المتأخّرين من الشّافعية من حيث إنّ المرأة مظنّة الطمع فيها، ومظنّة الشهوة، ولو كانت كبيرة، وقد قالوا: لكلّ ساقطةٍ لاقِطَةٌ.
قال: والذي قاله المالكي تخصيصُ العموم بالنّظر إلى المعنى، وقد اختار هذا الشّافعي، أنّ المرأة تسافر في الأمن، ولا تحتاج إلى أحدٍ، بل تسير وحدَها في جملة القافلة، وتكون آمنة.
وهذا مخالفٌ لظاهر الحديث، انتهى (١).
وقد علمت إنكار الإمام أحمد على من فرّق بين الشّابة والعجوز.
ونقل صاحب "الفروع" الاتفاقَ على عدم التّفرقة، واللَّه أعلم (٢).
(تؤمنُ باللَّه واليومِ الآخِرِ)؛ يعني: مسلمة تؤمن بالبعث، وأنّ اللَّه تعالى يحاسب العباد على الذّنوب، ويؤاخذهم بها.
(أن تسافر مسيرة يومٍ وليلة إلّا ومعها محرم) هذا لفظ البخاري.
стр. 2032
وفي لفظ لمسلم: "إلّا ومعها ذو محرمٍ منها" (١).
وفي لفظٍ له: "إلّا ومعها رجل ذو حرمةٍ منها" (٢).
وفي أخرى: "إلا (٣) مع ذي محرم عليها" (٤).
وفي لفظٍ للبخاري: "أن تسافر مسيرة يومٍ إلّا مع ذي محرم".
وفي رواية لمسلم: "تسافر مسيرة ليلة" (٥).
ولأبي داود: نحوه، إلا أنّه قال: "بريدًا" (٦). وصححه الحاكم، والبيهقي (٧).
ولمسلمٍ أيضًا: "ثلاثًا" (٨).
وله أيضًا من حديث أبي سعيد: "يومين" (٩).
وله أيضًا: "أكثر من ثلاث" (١٠).
стр. 2033
والظّاهر: اختلاف الرّوايات، لاختلاف السّائلين وسؤالهم، فخرجت جوابًا، وإلّا، فالحكم متعلّق بأقلِّ ما يقع عليه اسمُ السّفر -على ما قدّمنا- (١).
وروى الدّارقطنيُّ من حديث ابن عبّاسٍ ﵄ مرفوعًا: "لا تَحُجَّنَّ امرأةٌ إلّا ومعَها ذو محرمٍ" (٢). استظهر في "الفروع" تحسينَه (٣).
قال في "الفروع": وكالسّفر لحجِّ التّطوُّع والزيارة؛ وفاقًا (٤).
قال متأخّرو علمائنا: يُشترط لوجوب الحج على المرأة -شابّة كانت أو عجوزًا، مسافةَ قصرٍ، ودونَها- وجودُ محرم، وكذا يعتبر لكلِّ سفر يحتاج فيه إلى محرم، لا في أطراف البلد مع عدم الخوف، وهو معتبر لمن لعورتها حكم، وهي بنتُ سبعِ سنينَ فأكثرَ.
قال شيخ الإسلام: وأمّا المرأة يُسافِرْنَ معها، ولا يفتقرنَ إلى محرم؛ لأنّه لا محرمَ لهنّ في العادة الغالبة، انتهى (٥).
ويتوجه في عتقائها من الإماء مثلُه على ما قال، قاله في "الفروع".
وقال: وظاهر كلامهم اعتبارُ المحرم للكلِّ، وعدمُه كعدم المحرم للحرّة (٦).
وقيل: لا يشترط المحرم في الحجِّ الواجب.
стр. 2034
قال الإمام أحمد: لأنّها تخرج مع النّساء، ومع كلِّ مَنْ أمنته.
وقال ابن سيرين: مع مسلمٍ لا بأس به.
وقال الأوزاعي: مع قومٍ عدول.
وقال الإمام مالك: مع جماعة من النّساء.
وقال الإمام الشّافعي: مع حرّة مسلمة ثقة.
وقال بعض أصحابه: وحدَها مع الأمن.
والصّحيح عندهم: يلزمها مع نسوةٍ ثقاتٍ، ويجوز لها مع واحدة؛ لتفسيره ﷺ السّبيلَ: بالزّاد والرّاحلة.
وقوله لعديِّ بن حاتم: "إنَّ الظَّعينةَ ترتحلُ من الحيرةِ حتّى تطوفَ بالكعبة لا تخافُ إلّا اللَّه" متّفق عليه (١)، وإنّما هو خبر عن الواقع.
واحتجّ ابنُ حزم بقوله ﷺ : "لا تمنعوا إماءَ اللَّه مساجدَ اللَّه" متفقٌ عليه (٢).
وقوله: "إذا استأذَنكم نساؤُكُمْ إلى المساجد، فَأْذَنُوا لَهُنَّ" (٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة: تحج كلُّ امرأة مسلمة مع عدم المحرم، وقال: إن هذا يتوجه في سفر كل طاعة (٤).
стр. 2035
ونقل مثلَه الكرابيسيُّ عن الشّافعيِّ في حجة التطوُّع.
وقال بعض أصحابه: فيه وفي كلّ سفر غير واجب، كزيارة وتجارة.
وقال الباجيّ المالكي في كبيرةٍ غيرِ مشتهاة، وفي مسلمة: لا يعتبر المحرم إلّا في مسافة القصر؛ وفاقًا للإمام أبي حنيفة.
ولا يعتبر في أطراف البلد مع عدم الخوف؛ وفاقًا (١).
والمحرم للمرأة: زوجُها، أو مَنْ تحرم عليه على التّأبيد بنسبٍ أو سبب مباح لحرمتها، لكن يستثنى من السّبب المباح نساءُ النّبي ﷺ ؛ كرضاع، ومصاهرة، ووطء مباح بنكاحٍ أو غيره، ورابّها، وهو زوج أمها، وربيبها، وهو: ابنُ زوجها، نصّ عليها الإمام أحمد؛ وفاقًا.
إلّا أنّ الإمام مالكًا خالف في ابن زوجها.
ونقل الأثرم في أم امرأته يكون محرمًا لها في حجّ الفرض فقط (٢).
وخرج بقولنا: لحرمتها: الملاعنةُ؛ فإنّ تحريمها عليه عقوبةٌ وتغليظٌ، لا لحرمتها.
ولا بُدَّ في المحرم أن يكون ذكرًا بالغًا عاقلًا مسلمًا، ولو عبدًا، ونفقتُه عليها، ولو كان زوجَها، فيعتبر أن تملك زادًا وراحلة لهما.
ولو بذلت النّفقة، لم يلزمْه السفرُ معها، وكانت كمن لا محرمَ لها.
وليس العبدُ محرمًا لسيدته، نصّ عليه الإمام أحمد. ولو جاز له النّظرُ إليها (٣).
стр. 2036
وقد روى سعيدٌ عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "سفرُ المرأةِ مع عبدِها ضيعة" (١).
وقيل: هو محرم.
ونقله القاضي: أنّه مذهب الإمام أحمد؛ وفاقًا للشّافعي.
فإن حجت المرأة بلا محرم، حَرُمَ، وأجزأ؛ وفاقًا، واللَّه تعالى أعلم (٢).
* * *
стр. 2037
باب الفدية
قال الجوهري: فداه، وفاداه: إذا أعطاه فِداءَهُ، فأنقذه، وفداه بنفسه، وفَدَّاه: إذا قال له: جُعِلْتُ فِداكَ.
والفِدْية والفِداء -بكسر الفاء-، والفَدى -بفتحها-: كلها بمعنى، فإذا كُسر أوّله، يُمَدُّ ويُقصر، وإذا فُتح أوّله، قُصر (١).
وحكى صاحب "المطالع" عن يعقوب: فداءك ممدودًا مهموزًا، مثلث الفاء (٢).
وذكر الحافظ في هذا الباب حديثًا واحدًا، وهو:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ، قَالَ: جَلَسْتُ إلَى كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الفِدْيَةِ، فَقَالَ: نَزَلَتْ فِيَّ خاصَّةً، وَهِيَ لَكُمْ عَامَّةً: حُمِلْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَالقَمْلُ يَتنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ: "مَا كُنْتُ أُرَى الوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى"، أوْ: "مَا كُنْتُ أُرَى الجَهْدَ بَلَغَ مِنْكَ مَا أَرَى، أَتَجِدُ شاةً؟ "،
(عن عبدِ اللَّه بنِ مَعْقِل) -بفتح الميم وسكون العين وكسر القاف-، يكنى: أبا الوليد.
ومعقلٌ هو: ابنُ مُقَرِّنٍ -بضم الميم وفتح القاف وكسر الرّاء المشدّدة- المدنيُّ ثمّ الكوفيُّ الرّبعيُّ التّابعيُّ، سمع: ابنَ مسعود، وثابتَ بنَ الضّحاك، وكعبَ بنَ عُجْرَة، وعديَّ بنَ حاتم، وعليَّ بن أبي طالب، وغيرهم.
روى عنه: عبدُ اللَّه بن السّائب، وأبو إسحاق الشّيباني، وزياد بن أبي مريم، وغيرهم.
أخرج له الجماعة (١).
(قال: جلستُ إلى كعبِ بنِ عُجْرَةَ) -بضم العين المهملة وسكون الجيم وبالرّاء-، تقدّمت ترجمته في باب التشهد من كتاب الصّلاة ﵁؛ أي: انتهى جلوسي إليه.
стр. 2040
وفي رواية مسلم من طريق غُنْدَرٍ عن شعبةَ: وهو في المسجد (١).
وفي رواية الإمام أحمد عن بَهْزٍ: قعدتُ إلى كعبِ بنِ عُجرةَ في هذا المسجد (٢).
وزاد في رواية سليمان بن قرم، [عن ابن الأصبهاني] (٣): يعني: مسجد الكوفة (٤).
(فسألتُه عن الفديةِ) المذكورة في قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦].
(فقال: نزلت)؛ أي: الآيةُ المرخِّصَةُ لحلقِ الرّأس (فِيَّ) -بكسر الفاء وتشديد الياء- (خاصَّةً، وهي)؛ أي: الفدية (لكم) معشرَ المسلمين (عامّةً).
فيه دليلٌ على أنّ العامَّ إذا وردَ على سببٍ خاصٍّ، فهو على عمومه، فالعبرةُ بعموم اللفظ لا بخصوصِ السّبب.
لكن لا يسوّغ إخراج ما نزلت بخصوصه بالتّخصيص؛ ولهذا قال: نزلت فيَّ خاصّة (٥).
ثمّ بيّنَ كعبٌ ﵁ سببَ النزول، فقال: (حُمِلْتُ) -بضم الحاء المهملة وكسر الميم المخفّفة، مبنيًّا للمفعول- (إلى رسول اللَّه ﷺ ،
стр. 2041
والقملُ) جمع قَمْلَة، وقد قَمِلَ رأسُه -بالكسر- قملًا (١)، وكنية القملة: أُمُّ عُقبة، وأُمُّ طلحة.
والقمل المعروف يتولّد من العرق والوسخ.
قال الجاحظ: وربّما كان الإنسان قَمِلَ الطّباع، وإن تنظَّفَ وتعطَّر وبدَّل الثيابَ؛ كما عرض لعبدِ الرحمن بنِ عوف، والزّبير بنِ العوّام ﵄ حينَ استأذنا رسولَ اللَّه ﷺ في لبس الحرير، فأذن لهما فيه (٢)، إذ لولا الضّرورةُ، ما أذنَ لهما في ذلك؛ لما جاء في لبسِه من الوعيد الشّديد (٣).
(يتناثر) من رأسي (على وجهي) جملة حاليّة، (فقال) ﷺ لما رآني على تلك الحالة: (ما كنتُ أُرى) -بضم الهمزة-؛ أي: ما كنت أظنّ (الوجعَ بلغَ بك ما أَرى) -بفتح الهمزة-، أي: أُبصر بعيني.
(أو) قال: (ما كنتُ أرى) -بضم الهمزة-؛ أي: أظنّ (الجَهْدَ) -بفتح الجيم-؛ أي: المشقّة.
قال النّووي؛ (٤) كالقاضي عياض (٥) عن أبي بكر بن دريد: ضَمُّ الجيم لغةٌ من المشقّة أيضًا.
стр. 2042
وقال صاحب "العين": -بالضم-: الطّاقة، -وبالفتح-: المشقّة (١).
(بلغَ بكَ ما أَرى) -بالفتح-.
والشّكُّ من الرّاوي: هل قال: الوجع، أو الجهد؟
وفي رواية: "يبلغ" -بصيغة المضارع- (٢).
ثمّ قال ﷺ لكعب: (أتجدُ)؛ أي: هل تجد (شاة؟)، وهي الواحدةُ من الغنم، تقع على الذكر والأنثى من الضّأن والمعز (٣)، قال كعب: (فقلتُ: لا) أجدُها، (قال). وفي لفظٍ: فقال -بفاء قبل القاف- (٤)؛ يعني: النّبيَّ ﷺ : (فصمْ ثلاثةَ أيّام) بيانٌ لقوله: ﴿مِنْ صِيَامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، (أو أَطْعِم ستة مساكين) -بكسر عين أطعِم-، وهو بيان لقوله تعالى: ﴿أَوْ صَدَقَةٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] (لكل مسكين) من السّتة (نصفَ صاع) بنصب نصف.
زاد مسلم: نصفَ صاع، كرّرها مرّتين (٥).
والصّاع: أربعةُ أمداد. والمدُّ: رطلٌ وثلثٌ.
(وفي رواية) في "الصّحيحين": عن كعب بن عجرة ﵁:
стр. 2043
أنّ رسول اللَّه ﷺ رآه ورأسُه يتهافَتُ قملًا، فقال: "أيؤذيك هوامك؟ "، قال: نعم، فأمره رسول اللَّه ﷺ أن يحلق رأسه وهو بالحديبية. ولم يتبيّنْ لهم أنّهم يحلُّون بها، وهم على طمع أن يدخلوا مكة، فأنزل اللَّه الفدية (١)، (فأمره رسول اللَّه ﷺ أن يطعم فَرَقًا) -بفتح الرّاء-، والمحدّثون يسكنونها، وهو ستة عشر رطلًا، وهو ثلاثة آصُعٍ (٢) (بين ستّة) مساكين.
(أو يُهْدِيَ شاةً) -بضم أوّله منصوبًا- عطفًا على: أن يطعم، (أو يصومَ ثلاثةَ أيام).
وفي هذا الحديث: أنّ السّنة مبيِّنة لمجمَلِ القرآن، لإطلاق الفدية فيه، وتقييدها بالسّنة.
وتحريمُ حلقِ الرّأس على المحرم، والرّخصةُ له في [حلقه] (٣) إذا آذاه القملُ، أو غيره من الأوجاع.
واستنبط منه بعضُ المالكيّة: إيجابَ الفدية على من تعمَّدَ حلقَ رأسه بغير عذر؛ فإنّ إيجابها على المعذور من التّنبيه بالأدنى على الأعلى، لكن لا يلزمُ من ذلك التّسويةُ بين المعذور وغيره (٤).
قلت: معتمد المذهب: التخييرُ بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستّة مساكين، لكلِّ مسكينٍ مُدُّ بُرٍّ، أو نصفُ صاعِ تمرٍ أو زبيبٍ أو شعير، أو ذبحُ
стр. 2044
شاةٍ لمن حلق ثلاثَ شعراتٍ فأكثرَ، أو قلّم ثلاثة أظفارٍ فصاعدًا، أو غطّى رأسه، أو لبس المَخِيطَ، أو تعمّد شَمَّ الطّيبِ.
ولا فرقَ بين كونه حلقَ رأسه، ونحوه، لعذرٍ أو غيره -يعني: إلّا في الإثم- (١).
وقال الشّافعي: لا يتخيَّرُ العامدُ، بل يلزمُه الدّم، كذا نقله القسطلاني عن الشّافعي (٢).
قال في "الفروع": وغيرُ المعذور مثلُه في التخيير.
نقل جعفر وغيره: كلُّ ما في القرآن (أو) فهو مخيّر، ذكره الشّيخ -يعني: الموفّق- (٣).
ظاهرُ المذهب: وفاقًا لمالك والشّافعي، لأنّه تبع للمعذور، ولا يخالف أصله؛ لأنّ كلَّ كفارة خُيِّرَ فيها لعذر، خُيّر بدونه؛ كجزاء الصّيد.
ولم يخيّر اللَّه بشرط العذر، بل الشّرط لجواز الحلق.
وعن الإمام أحمد رواية مرجوحة: من غير عذر يتعيّن الدّم، فإن عدمه، أطعمَ، فإن تعذّر، صام، جزم به القاضي أبو يعلى وأصحابُه في كتب الخلاف؛ وفاقًا لأبي حنيفة، لأنّه دم يتعلق بمحظور يختص الإحرام كدم يجب بتركه رمي ومجاوزة (٤).
стр. 2045
تنبيهات:
الأوّل: معتمد المذهب: أنّ قدر إطعام المسكين مُدُّ بُرٍّ، أو نصفُ صاعٍ من غيره، هذا المشهور في المذهب.
وفي رواية: نصفُ صاعٍ من البر؛ وفاقًا لمالك والشّافعي؛ كغير البر؛ لأنّه ليس بمنصوص عليه، فيعتبر بالتّمر والزبيب المنصوص عليهما؛ كالشّعير.
وعند الحنفية: من البر نصفُ صاع، ومن غيره صاع.
واختار شيخ الإسلام ابن تيميّة: يجزىء خبزٌ رِطلانِ عراقيّةٌ.
وينبغي أن يكونَ بأُدمٍ، وإن مما يأكله، أفضل من برٍّ وشعير (١).
الثّاني: استشكل قولُه ﷺ : "أتجدُ شاة؟ "، فقلت: لا، فقال: "فصم ثلاثة أيّام"؛ لأنّ ظاهر ذلك يدلّ على التّرتيب، مع ورود الآية الشّريفة للتّخيير.
والجواب عن الحديث: بأنّ التّخييرَ هو المعمولُ به، والمعولُ عليه، والسؤالُ محمول على أنّه ﷺ سأل عن النُّسك، فإن وجده، أخبره بأنّه مخيّر بين الثلاث، وإن عدمه، فهو مخيّر بين الاثنين (٢).
وتقدّم أنّ مذهب أبي حنيفة: أنّه بلا عذر يتعيّن الدّم، فإن عدمه، أطعم، فإن تعذّر، صام؛ وأنّه جزم بذلك القاضي وأصحابه في كتب الخلاف من أئمة مذهبنا، واللَّه أعلم.
стр. 2046
الثالث: معتمد المذهب: تعلُّقُ كونِ الفدية دمًا ثلاثُ شعرات فصاعدًا؛ وفاقًا للشافعي؛ لأنّ الثّلاث جمع، واعتبرت في مواضع، كمحل الوفاق؛ بخلاف ربع الرّأس وما يماط به الأذى.
وعن الإمام أحمد: تعلّق ذلك بأربع، نقلها جماعة.
اختاره الخرقي؛ لأنّ الأربع كثير.
وذكر ابن أبي موسى رواية: في خمس، اختارها أبو بكر في "التّنبيه".
قال في "الفروع": ولا وجهَ لها.
وعند أبي حنيفة: في ربع الرّأس دمٌ، وكذا في الرّقبة كلِّها، أو الإبطِ الواحدِ، أو العانة؛ لأنّه مقصود.
وقال صاحباه: إذا حلق عضوًا، لزمه دمٌ، وإن كان أقلَّ، فطعامٌ -أي: الصّدر والسّاق، وشبهه-، وإن أخذَ من شاربه، نُسب، فيجب في ربعه قيمةُ ربعِ دمٍ.
وإن حلقَ موضعَ المحاجم، لزمه دمٌ عنده، وقالا: صدقةٌ.
وعند مالك: فيما يماط به الأذى دمٌ.
قال في "الفروع": ويتوجّه بمثله احتمال، ولم يعتبر مالكٌ العددَ، إلّا أنّه قال: إن حلق موضعَ المحاجمِ من رقبته، فعليه دمٌ؛ كمذهب أبي حنيفة.
وفي مذهب أبي حنيفة: عليه فيما دون ربع الرّأس صدقةٌ (١).
الرابع: له تقديمُ الكفّارة على الحلق؛ ككفارة اليمين قبلَ الحنث؛ (٢) لوجود أحد سببي ذلك.
стр. 2047
وإن كرر المحظور في الإحرام؛ بأن حلق مرارًا، ونحوه، فكفارةٌ واحدة ما لم يكفّر عن الأولى.
وقال أبو حنيفة: عليه كفّارة واحدة ما دامَ في المجلس، فإن كان في مجالسَ، فكفّاراتٌ.
وقال مالك: يتداخل الوطْءُ، وما عداه لا يتداخل.
وجديدُ قولَي الشّافعي: لا تداخُل، وفي القديم: تتداخل.
وله قوله: عليه للوطْء الثّاني شاة؛ كقول أبي حنيفة.
قال في "الفروع": من كرّر محظورًا من جنسٍ؛ مثل: أن حلق، ثمّ حلقَ، أو قلّم، ثمّ قلّم، أو لبس، ثمّ لبس، ولو بمخيطٍ في رأسه، أو بدواء مطيّب فيه، أو تطيّب، ثم تطيب، أو وطىء، ثمّ وطئها، أو غيرها، ولم يكفّر عن الأوّل، فكفّارة واحدة، نصّ عليه الإمام أحمد، وعليه الأصحاب، تابعه أو فرقه.
فظاهره: لو قلّم خمسةَ أظفار في خمسة أوقات، لزمه دم، وإن كفّر للأوّل، فعليه للثّاني كفّارة (١).
فائدة:
شعر الرّأس والبدن واحد في وجوب الفدية؛ لأنّه جنس واحد كسائر البدن، وكلبسه قميصًا وسراويل، وشعر البدن كالرّأس في الفدية؛ خلافًا لداود؛ لحصول التّرفُّه به، بل أولى؛ لأنّ الحاجة تدعو إليه.
وفي كل شعرة إطعامُ مسكين، نصّ عليه الإمام أحمد، وهو المذهب المعتمد عند الأصحاب.
стр. 2048
وبعضُ شعرةٍ كهي؛ لأنّه غيرُ مقدَّر بمساحة، بل كموضحة يستوي صغيرها وكبيرها.
وعند الشّافعي: في نحو الشّعرة ثلاثة أقوال:
أحدُها: ثلثُ دم.
الثّاني: إطعامُ مسكين؛ كقولنا.
الثّالث: عليه درهمٌ.
قال في "الفروع": ويتوجّه تخريجُ -يعني: لنا- كقوله الأوّل؛ لأنّ ما ضُمنت به الجملةُ، ضُمِنَ بعضُه بنسبته كصيد، واللَّه أعلم (١).
* * *
стр. 2049
باب حرمة مكة
قال ابن الجوزي: قال الزجّاج: مَكَّةُ لا ينصرف؛ لأنّها مؤنّثة، وهي معرّفة، يصلح أن يكون اشتقاقها كاشتقاق بَكَّةَ؛ لأن الميم تبدَل. يقال: ضَرْبةُ لازِمٍ، ولازِبٍ، ويصلح أن يكون من قولهم: امتكَّ الفصيلُ ما في ضرع النّاقة: إذا مصَّ مصًّا شديدًا حتّى لا يُبقي فيه شيئًا، فسُميت بذلك؛ لشدّة ازدحام النّاس فيها (١).
وقال ابن فارس: تمكَّكْتُ العَظْمَ: إذا أخرجتُ مُخَّهُ، والتَّمَكُّكُ: الاستقصاء (٢).
وفي الحديث: "لا تُمَكِّكُوا على غُرَمائِكُم" (٣)؛ أي: لا تُلحُّوا عليهم.
وفي تسميتها بهذا الاسم أربعةُ أقوال:
أحدها: أنّها مثابة يؤمُّها النّاسُ من كل فَجٍّ، فكأنّها التي تجذبهم، من قول العرب: مَكَّ الفصيلُ ما في ضَرْع النّاقة.
الثاني: أنها من قولهم: مككتُ الرّجلَ: إذا رددت نخوته، فكأنّها تَمُكُّ من ظَلَمَ فيها؛ أي: تهلكه، وأنشدوا: [من الرجز]
стр. 2050
يا مَكَّةُ الفَاجِرَ مُكِّي مَكَّا ... وَلا تَمُكَي مَذْحِجًا وَعَكَّا (١)
الثالث: أنّها سُميت بذلك؛ لجهد أهلها.
الرّابع: لقلة الماء فيها -يعني: بحسب ما كان-.
وقد اتّفق العلماء أنّ مكّة اسمٌ لجميع البلدة.
وأما بَكَّة -بالباء-، فقيل اسمٌ لبقعة الكعبة، وقيل: هو ما حول البيت، ومكةُ ما دون ذلك، وقيل: بكةُ: المسجدُ والبيتُ، ومكةُ: اسم للحرم كلّه، قاله الزهري (٢).
وقيل: بكّة هي مكّة، كما قاله الضّحاك (٣).
واشتقاق بكّة: من البَكِّ، وهو الدّفعُ، يقال: بكّ النّاسُ بعضُهم بعضًا: أي دفع، وسمّيت بذلك؛ لأنّها تبكُّ أعناقَ الجبابرة؛ أي: تَدُقُّها، فما قصدَها جبّارٌ إلّا وفضحه اللَّه، قاله ابن الزّبير (٤).
وقيل: لأنّها تضع من نخوة المتكبرين (٥).
والمراد من حرمتها: تحريمها، على ما يأتي.
وذكر الحافظ -روح اللَّه روحه- في هذا الباب حديثين.
* * *
الخَرْبَةُ -بِالخَاء المُعْجَمَةِ، وَالرَّاءِ المُهْمَلَةِ- قِيلَ: التَّهَمَةُ، وَقِيلَ: البَلِيَّةُ، وَقِيلَ: الخِيانَةُ، وَأَصْلُها فِي سَرِقَةِ الإِبِلِ، قَالَ الشَّاعِرُ: وَالخَارِبُ اللِّصُّ يُحِبُّ الخَارِبَا.
* * *
(عن أبي شُرَيْحٍ) -بضم الشين المعجمة وفتح الرّاء وبالحاء المهملة- (خُوَيْلِدِ) -بالتّصغير- (بنِ عمرِو) بنِ صخرِ بنِ عبدِ العزى، وقيل: اسم أبي شريح: عمرُو بنُ خويلد، وقيل: كعبُ بن عمرو. وقيل: عبد الرحمن بن عمرو، وقيل: هانىء بن عمرو.
والأوّل الذي ذكره الحافظ أصحُّ وأكثر.
(الخزاعيِّ) الكعبيِّ نسبةً إلى خُزاعة -بضم الخاء المعجمة وتخفيف الزاي-، وهم أولاد عمرو بن ربيعة (العدويِّ).
ليس أبو شريح هذا من بني عَدِيٍّ، لا عديِّ قريشٍ، ولا عديِّ مضر، فيحتمل أن يكون حليفًا لبني عديِّ بن كعب.
وقيل: في خزاعة بطنٌ يقال لهم: بنو عدي.
اشتُهر أبو شريح بكنيته، وهو صحابيّ أسلمَ قبلَ الفتح، كما في "جامع الأصول" لابن الأثير (١).
стр. 2053
وقال المِزِّيُّ في "الكُنى": أسلم يوم الفتح، فهو صحابي (﵁).
مات بالمدينة سنة ثمان وستين، وعِدادُه في أهل الحجاز.
روي له: عشرون حديثًا، اتّفقا منها على حديثين، وانفرد البخاري بحديث (١).
(أنّه)؛ أي: أبا شريح ﵁ (قال لعمرِو بن سعيدِ بنِ العاص) القرشيِّ، المعروفِ بالأشدَقِ، لأنّه صعِدَ المنبرَ، فبالغَ في شتم علي ﵁، فأصابته لَقْوة، وكان يزيدُ بنُ معاوية ولّاه المدينة.
قال الطّبري: كان قدومُه واليًا على المدينة من قبل يزيد في السّنة التي ولّي فيها يزيد الخلافة سنة ستين.
وكان سعيدٌ والدُ عمرِو بنِ سعيد يومَ الفتح غلامًا، قاله ابن الأثير (٢).
ولد عام الهجرة، فيكون ابنَ ثمان سنين، فكساه رسول اللَّه ﷺ جُبَّةً.
قال ابن قتيبة في "المعارف": فبها سُميت الثيابُ السعديةُ (٣).
стр. 2054
فالأشدق هو: عمرو بنُ سعيدِ بنِ العاص بنِ سعيدِ بنِ العاصِ بنِ أميّةَ بنِ عبدِ شمسِ بنِ عبدِ منافٍ.
وكان لسعيد بن العاص بنِ أمية ابنٌ اسمه عمرُو بن سعيد قد هاجر الهجرتين إلى الحبشة في المرة الثّانية، ثمّ إلى المدينة، وقدم مع سفينة سيدنا جعفر بن أبي طالب ﵁ سنة خيبر.
وخالدُ بنُ سعيد بنِ العاص بنِ أميّة أسلمَ قديمًا.
يقال: إنّه أسلمَ بعدَ أبي بكر الصّديق، فكان خامسًا، أو رابعًا، فهو من السّابقين الأوّلين.
وأسلم أخوه عمرٌو، وهاجرا معًا إلى الحبشة، وأقام بها بضعَ عشرةَ سنةً، وولد بها ابنُه سعيدٌ، وبنتهُ أمُّ خالد.
وقدم على النّبي ﷺ في غزوة خيبر، فشهد معه ما بعدها من المشاهد، وبعثه ﷺ على صدقات اليمن، فتوفي النّبيُّ ﷺ وهو باليمن.
وأمّا العاص جدُّ عمرٍو الأشدقِ، فُقتل مشركًا يَومَ بدر، والقاتلُ له عليٌّ -رضوان اللَّه عليه-.
واستُشهد كُلٌّ من خالدِ بنِ سعيد، وعمرِو بنِ سعيد يومَ وقعة مَرْجِ الصُّفَّرِ بالشّام، سنة أربعَ عشرةَ في صدر خلافة عمر.
وقيل: قُتل خالد يومَ أجنادين، سنةَ ثلاثَ عشرةَ في خلافة الصّدِّيق قبلَ وفاتِه بأربعٍ وعشرين ليلةً، وهو ابنُ خمسين سنة، وكذلك عمرٌو استُشهد يومَ أجنادين.
وقيل: يوم مَرْج الصُّفَّرِ.
وأمّا سعيدٌ والدُ عمرٍو الأشدقِ، فمات سنة تسع وخمسين.
стр. 2055
وأمّا عمرُو بنُ سعيدٍ الأشدقُ، فقتله عبدُ الملك بن مروان.
ولمّا ماتَ سعيدٌ والدُ عمرٍو، دخل عمرو على معاويةَ، فاستنطقه معاويةُ، فقال عمرو: إنّ أوّل مركبٍ صعب، وإنّ مع اليوم غدًا، فقال له معاوية: إلى من أوصى بك أبوك؟ فقال: إنّ أبي أوصاني، ولم يوص بي، فقال: فأيّ شيءٍ أوصاك؟ قال: أَلَّا يفقد منه أصحابُه غيرَ شخصه.
قال البرماوي: لمّا قُتل الحسينُ بنُ عليٍّ -رضوان اللَّه عليهما-، كان عمرٌو واليًا على المدينة، فبعث إليه يزيدُ برأس الحسين، فكفنَه، ودفنه بالبقيع بجنب قبرِ أمّه ﵉.
وكان عمرٌو هذا أحبَّ الناسِ إلى أهل الشّام، وكانوا يسمعون له، ويطيعون.
فلمّا وُلي عبدُ الملك بنُ مروان الخلافة، خافه، وقد كان عمرو غالطه، وتحصّن بدمشق، ثمّ فتحها له، وبايعه بالخلافة، فلم يزل عبد الملك رصدًا له لا يأمنه حتّى بعث إليه يومًا خاليًا، فعاتبه على أشياء قد عفاها عنه، ثمّ وثب عليه فقتله، في قصّة مطوّلة.
وكان عمرٌو جبّارًا شديدَ البأس، وكان يسمى: لطيمَ الشّيطان.
وهو الذي خطب على منبر رسول اللَّه ﷺ ، فرعفَ حتّى سالَ الدّم إلى أسفله، فعرف لأجل ذلك معنى حديث النّبي ﷺ الذي يروى عنه: "كأنّي بجبارٍ من بني أميّة يَرْعَفُ على منبري حتّى يسيلَ الدَّمُ إلى أسفله"، أو كما قال ﷺ (١).
стр. 2056
وكان قتلُ عبدِ الملك بن مروان لعمرٍو هذا: سنة اثنتين وسبعين.
وملك عبد الملك بعد قتله أربعَ عشرةَ سنةً (١).
وإنّما أَطَلْتُ هذه التّرجمة؛ لأنّي رأيتها في عدّة نسخ على خلاف الصّواب، وكان ذلك من النّساخ لعدم معرفتهم، وكثرةِ وجود الجهل بالتّاريخ وبالأنساب، واللَّه الملهم للصّواب.
فقال أبو شريح لعمرو الأشدق: (وهو يبعث البعوث إلى مكّة) -جملة حالية-.
والبعوث: جمعُ بَعْث، وهو الجيش، يعني: مبعوث، وهو من تسمية المفعول بالمصدر (٢).
والمراد به: الجيشُ المجهّز لقتال عبد اللَّه بن الزّبير ﵄؛ لأنّه لمّا امتنع من بيعة يزيد، وأقام بمكة، كتب يزيدُ إلى عمرِو بنِ سعيد أن يوجّه إلى ابن الزّبير جيشًا، فجهّز إليه جيشًا، وأَمَّر عليهم عمرَو بنَ الزّبير أخا عبدِ اللَّه، وكان معادِيًا لأخيه.
فجاء مروانُ إلى عمرِو بن سعيد، فنهاه عن ذلك، فامتنع (٣).
وجاءه أبو شريح، فقال له: (ايذن لي) أصله: ائْذَنْ -بهمزتين-، فقلبت الثّانية [ياء] لسكونها وانكسار ما قبلها (أيها الأميرُ أحدّثْكَ) -بالجزم في جواب الأمر- (قولًا قام به رسول اللَّه ﷺ ) جملة في موضع نصب صفة
стр. 2057
"قولًا" المنصوب على المفعوليّة (الغد) -بالنّصب على الظرفيّة-؛ أي: اليوم الثّاني (من يوم الفتح) بمكة.
وفي رواية: "للغد" بلام الجر (١).
(فسمعَتْه أُذناي) منه ﷺ من غير واسطة، (ووعاه قلبي)؛ أي: حفظه، ولم يضيّعه؛ إشارة إلى تحقيقه وتثبيته فيه، (وأبصرَتْه عيناي) زيادة في مبالغة التّأكيد لتحقيقه (حين تكلّم به)؛ أي: بالقول المذكور، وأشار بذلك أنّ سماعه منه لم يكن مقتصرًا على مجرّد الصوت، بل كان مع المشاهدة والتّحقيق لما قاله (٢).
(إنّه) ﷺ (حَمِدَ اللَّهَ وأثنى عليه) بيان لقوله: تكلّم، وهمزة "إنّه" مكسورة، (ثمّ قال) ﷺ : (إنّ مكَّةَ حَرَّمها اللَّه)؛ أيْ حَكَم بتحريمها، وقَضَى به.
وهل المراد مطلقُ التّحريم، فيتناول كلَّ محرّماتها، أو خصوصُ ما ذكره بعدُ من سفك الدّم وقطع الشّجر؟ (ولم يُحَرِّمْها النّاس) نفي لما كان تعتقده الجاهلية، وغيرُهم من أنّهم حرّموا وحلّلوا من قبل أنفسهم.
ولا منافاة بين هذا وبين حديثِ جابرٍ في "صحيح مسلم": "إنّ إبراهيم حَرَّمَ مَكَّةَ، وإنّي حَرَّمْتُ المدينةَ، لا يُقْطَع عِضَاهُها، ولا يُصادُ صَيْدُها" (٣).
وما في "الصّحيحين" عن عبّاد بن تميم، عن عمّه: أنّ رسولَ اللَّه ﷺ
стр. 2058
قال: "إنَّ إبراهيمَ حرَّمَ مَكَّةَ ودَعا لها، وإنّي حَرَّمْتُ المدينةَ كما حَرَّمَ إبراهيمُ مَكَّةَ" (١).
وفيهما من حديث أنس بن مالك ﵁: أنّ رسولَ اللَّه ﷺ أشرفَ على المدينة، فقال: "اللهمَّ إِنّي أُحَرِّمُ ما بينَ جَبَلَيْها كما حَرَّمَ إبراهيمُ مَكَّةَ"، الحديث (٢).
وما في نحو ذلك من الأحاديث.
لأنّ إضافة التّحريم إلى إبراهيم ﵊ من حيثُ إنّه ضيافة، فإنّ الحاكم بالشّرائع والأحكام كلّها هو اللَّه تعالى، والأنبياء -عليهم الصّلاة والسّلام- يبلغونها.
ثمّ إنّها كما تضاف إلى اللَّه تعالى من حيث إنّه الحاكمُ بها، فتُضاف إلى الرسل؛ لأنّها تُسمع منهم، وتظهر على ألسنتهم.
فلعلّه لمّا ارتفعَ البيتُ المعمور إلى السّماء وقت الطّوفان، اندرسَتْ حرمتُها، وصارت شريعةً متروكةً مَنْسِيَّةً إلى أن أحياها إبراهيم ﵊، فرفعَ قواعدَ البيت، ودعا النّاسَ إلى حجّه، وحدّد الحرمَ، وبيَّنَ حرمتَه، (٣) ثمّ بينَ التّحريم بقوله: (فلا يحلُّ لامرىءٍ يؤمنُ باللَّهِ واليومِ الآخر).
стр. 2059
قال ابن دقيق العيد: هذا الكلام من باب خطاب التَّهييج، وإنَّ مقتضاه: أن استحلال هذا المنهي عنه لا يليقُ بمن يؤمن باللَّه واليوم الآخر، بل ينافيه، فهذا هو المقتضي لذكر هذا الوصف، لا أنّ الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشّريعة.
ولو قيل: لا يحلّ لأحدٍ مطلقًا، لم يحصل به الغرض، وخطابُ التّهييج مفهوم عند علماء البيان.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]، إلى غير ذلك (١).
(أن يَسْفِكَ فيها) -بكسر الفاء، ويجوز ضمها-؛ أي: أن يصيب بمكة (دمًا) بالقتل.
(ولا يَعْضُد) -بضم الضاد-. وفي رواية: -بكسرها-؛ أي: يقطع بالمِعْضَد، وهو آلة كالفأس (٢).
(بها)؛ أي: مكة (شجرةً).
وفي رواية: "ولا يَخْضِدَ" -بالخاء المعجمة بدل العين المهملة-، وهو يرجع إلى معنى العضد؛ لأنّ الخضد -بالكسر- يستعمل في القطع (٣).
ولفظة "لا" في "ولا يعضد" زائدة لتأكيد النّفي، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ الآية [الأنعام: ١٥١].
стр. 2060
وفي قوله تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥].
كما نبّه عليه القسطلاني (١)، وفيه نظر.
بل الظّاهر عدمُ الزيادة، والتقدير: ولا يحل لامرىءٍ يؤمن باللَّه واليوم الآخر أن يعضد بها شجرة.
يؤيد هذا عدمُ تنبيه الحافظ ابن حجر في كتاب "العلم" على زيادة "لا" (٢)، واللَّه أعلم.
ويؤخذ من هذا الحديث: حرمةُ قطع شجر الحرم الرَّطْب غيرِ المؤذي، مباحًا أو مملوكًا، حتّى ما يستنبت منه، وإذا حرم القطع، فالقلعُ أولى (٣).
ومعتمد مذهبنا: حرمةُ قطع شجر الحرم، حتّى ما فيه مضرّة؛ كشوكٍ وعَوْسَج وحشيشٍ، حتى شوكٌ وورقٌ؛ خلافًا للشافعي، وسواكٍ ونحوِه، ويضمنه، لا اليابس.
وما زال بغير فعلِ آدميٍّ، أو انكسرَ ولم يَبِنْ، والإذخرُ والكمأةُ والفَقْعُ والثمرةُ، وما زرعه آدميٌّ من بقلةٍ، وريحانٍ وزرعٍ وشجرٍ غُرس من غير شجرِ الحرم، فيباح أخذُه، والانتفاعُ به، وبما انكسر من الأغصان، وانقلع من الشّجر بغير فعل آدمي، وكذا الورق الساقط.
ويجوز رعيُ حشيشٍ، لا الاحتشاش للبهائم.
стр. 2061
وإذا قطع ما يحرم قطعه، حرم انتفاعُه وانتفاعُ غيره به (١).
وعند الشّافعية: ما أنبتَ الآدميُّ من شجرٍ في الحرم، ولو كان الغراس من غير الحرم، ثمّ قطعه، أو قلعه، حرم عليه، وعليه الجزاء.
وعندهم: ما فيه مضرّةٌ من شوكٍ وعَوْسَج لا يحرمُ قطعه (٢).
(فإن أحد تَرَخَّصَ) بوزن تَفَعَّل من الرّخصة.
و"أحدٌ" مرفوع بفعل مضمر يفسّره ما بعدَه؛ أي: فإن ترخّص أحدٌ (٣) (لقتالِ رسولِ اللَّه ﷺ ) متعلّق بترخَّصَ؛ أي: لأجلِ قتالِ رسول اللَّه ﷺ ؛ يعني: مستدلًا به، (فقولوا) له؛ أي: لذلك المترخّص؛ يعني: الذي يريد القتالَ ونحوَه، مستندًا لفعل النّبي ﷺ : (إنّ اللَّه) (أَذِنَ لرسوله ﷺ ) خصوصية له، (ولم يأذن لكم، وإنّما أذن [لي]) اللَّه بالقتال فيها (ساعةً من نهار).
ويروى: بضم همزة أُذِنَ (٤).
وفي قوله: لي، التفاتٌ؛ لأنّ نسق الكلام: وإنّما أذن له -أي: لرسوله-.
والسّاعةُ: مقدارٌ من الزمان، والمراد به: يوم الفتح (٥).
وفي "مسند الإمام أحمد" من طريق عمرِو بنِ شعيب عن أبيه، عن
стр. 2062
جدّه: أنّ ذلك كان من طلوع الشّمس إلى العصر (١).
قال في "الهدي" للإمام ابن القيّم؛ كغيره من أهل السِّيَر والمغازي: وكان ﷺ قد حكم لخزاعةَ أن يبذلوا سيوفهم في بني بكر إلى صلاة العصر من يوم الفتح، ثمّ قال لهم: "يا معشرَ خُزاعَةَ! ارفعوا أيديَكُم عن القتلِ" (٢).
والقصّة صحيحةٌ ثابتة، وأصلُها في "الصّحيحين"، (٣) وغيرهما، فكانت مكّةُ المشرَّفَةُ في حقِّه وحقِّ مَنْ يقطنُ بمزدلفةَ من بني خزاعة في بني بكر في تلك السّاعة بمنزلة الحِل (٤).
(وقد عادت حُرْمَتُها اليومَ)، وهو في يوم الفتح (كحرمتها بالأمسِ)؛ يعني: اليومَ الذي قبلَ يومِ الفتح؛ أي: عاد تحريمها كما كانت بالأمس قبل أن أحلّها اللَّه لنبيّه.
زاد في حديث ابن عبّاس الآتي: "إلى يوم القيامة"، (٥) (فليبلِّغِ الشّاهدُ)؛ أي: الحاضرُ في المجلس (الغائبَ) بالنّصب على المفعوليّة-، وهو على صيغة الأمر.
وظاهرُ الأمر: الوجوبُ، فعلم منه أنّ التّبليغ واجبٌ.
стр. 2063
والمراد هنا: تبليغُ حرمةِ مكّة، وعدمِ إباحة القتال فيها، ويشمل بعمومه تبليغَ الأحكام الشّرعية.
والظاهر: أنّ لفظة "إلى" مقدّرة؛ أي: فليبلّغ الشّاهد إلى الغائب ما شرعه اللَّه على لسان نبيّه.
وفيه من الفقه: أنّ العالم واجب عليه تبليغُ العلم بلسانه، أو بقلمه بالكتابة لمن لم يبلغه، وتفهيمه من لا يفهمه، وحفظُ الكتاب والسّنة من التّحريف والتّصحيف، واستنباطُ الأحكام الشّرعية لمن بلغه، وإظهارُهُ لمن لا يدركه (١).
(فقيل لأبي شريح) المذكورِ: (ما قالَ لكَ) عمرو المذكور، وهو أنّ مكّة حرّمها اللَّه إلى آخره في الجواب؟ فقال: (قال) عمرو الأشدق: (أنا أعلمُ بذلك)؛ يعني: بحرمة مكّة وتحريمها (منك يا أبا شريح)؛ يعني: إنك والٍ صحَّ سماعُك، وعلمت محبتك، فلم تفهم المراد من الحديث (إنّ الحرمَ لا يُعيذُ) -بضم المثنّاة تحت وبالذال المعجمة-؛ أي: لا يجير (عاصيًا) يشير إلى عبد اللَّه بن الزّبير ﵄؛ لأنّ عمرَو بنَ سعيد الأشدق كان يعتقد أنّه عاصٍ بامتناعه عن امتثال أمرِ يزيد؛ لأنّه كان يرى وجوبَ طاعته، لكنها دعوى من عمرٍو مجردّة عن الدّليل؛ لأنَّ ابنَ الزّبير ﵁ لم يفعلْ ما يوجبُ استحلالَ دمه، وذلك أنّ ابنَ الزّبير ﵄ امتنعَ من مبايعة يزيدَ بنِ معاوية، واعتصمَ بالحرم.
وكان عمرو واليَ يزيدَ على المدينة -كما تقدّم-.
والقصة مشهورة، وملخَّصُها كما في "الفتح": أَنّ معاويةَ عهدَ بالخلافة
стр. 2064
بعدَه ليزيدَ ابنِه، فبايعه النّاسُ إلا سيدَنا الحسينَ بنَ علي، وابنَ الزّبير، وعبدَ الرّحمن بنَ أبي بكر، وعبدَ اللَّه بنَ عمرَ -رضوان اللَّه عليهم-.
فأمّا ابنُ أبي بكرٍ، فمات قبل موتِ معاوية.
وأمّا ابنُ عمر: فبايع ليزيدَ عقبَ موتِ أبيه.
وأمّا الحسينُ بنُ علي -رضوان اللَّه عليهما-، فسار إلى الكوفة؛ لاستدعائهم إيّاه ليبايعوه، فكان ذلك سبب قتله.
وأمّا ابنُ الزّبير، فاعتصمَ بالحرم، وتَسَمَّى: عائذَ البيت، وغلب على أمر أهل مكّة، فكان يزيد بن معاوية يأمر أمراءه على المدينة أن يجهّزوا إليه الجيوش.
فكان آخر ذلك أنّ أهل المدينة أجمعوا على خلع يزيد من الخلافة (١).
قال عمرٌو الأشدق: (ولا) يعيِذُ الحرمُ (فارًّا) -بالفاء-؛ من الفرار؛ أي: ولا هاربًا (بدمٍ، ولا فارًا بخُرْبةٍ) -بضم الخاء المعجمة وفتحها، وسكون الرّاء وفتح الموحدة-؛ أي: بسبب خربة.
ثمّ قال الحافظ المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-: (الخربة بـ) بفتح (الخاء المعجمة) (و) إسكان (الرّاء المهملة) وموحدة (قيل:) هي (التُّهمة).
(وقيل): هي (البليّة).
(وقيل): هي (الخيانة).
وفي بعض نسخ البخاري: قال أبو عبد اللَّه -يعني: نفسه-: خربة: بليّة (٢).
стр. 2065
وفي "الفتح": الخربة: السّرقة، كذا ثبت تفسيرها في رواية المستملي.
قال ابن بطّال: الخُربة -بالضّم-: الفساد، و-بالفتح-: السّرقة (١).
قال الحافظ المصنّف ﵀، ورضي عنه-: (وأصلها) يعني: هذه اللفظة التي هي الخربة (في سرقة الإبل، قال الشّاعر: والخاربُ اللِّصُّ يحبُّ الخاربا)، (٢) انتهى.
وفي "المطالع": قوله: ولا فارًا بخربة -بضم الخاء- ضبطه الأصيلي، وضبطه غيره -بالفتح-، وكذا قيدناه في "صحيح مسلم" بلا خلاف. وصوّب بعضُهم الفتح.
وفي كتاب: الحج من "البخاري": الخربة: البليّة، ومثله في رواية الهمداني.
وفي رواية المستملي: يعني: السّرقة.
وفي روايته في كتاب "المغازي": البليّة.
وقال الخليل: الخربةُ -بالضّم-: الفساد في الدّين (٣)، وهو من الخارب، وهو اللصُّ المفسد في الأرض، ولا يكاد يُستعمل إلّا في سارق الإبل.
وقال غيره: الخَربة -بالفتح-: السرقة، وقيل: العيب.
وأمّا الخِرابة -بخاء معجمة-: فهي سرقةُ الإبل خاصة، وبالحاء
стр. 2066
المهملة: في كل شيء، انتهى (١). واللَّه تعالى الموفّق.
قال في "الفتح": وقد تصرّف عمرٌو في الجواب، وأتى بكلامٍ ظاهرُه حقٌّ، لكن أراد به الباطلَ؛ فإنَّ الصَّحابيَّ أنكرَ عليه نصب الحرب على مكّة، فأجابه: بأنّها لا تمنع من إقامة القصاص، مع أنّ ابن الزّبير لم يرتكب أمرًا يجب عليه فيه شيءٌ من ذلك، انتهى (٢).
وفي رواية الإمام أحمد في آخر هذا الحديث: قال أبو شريح: فقلت لعمرٍو: قد كنتُ شاهدًا، وكنتَ غائبًا، وقد أُمرنا أن يبلِّغَ شاهدُنا غائبنا، وقد بلغتك (٣).
وهو يشعر بأنّه لم يوافقه، فيندفع قول ابن بطّال: إنّ سكوتَ أبي شريحٍ عن جواب عمرٍو دليلٌ على أنّه رجع إليه في التّفصيل المذكور، بل إنّما ترك أبو شريح مشاققته؛ لعجزه عنه؛ لما كان فيه من قوّة الشّوكة (٤).
وليس كلام عمرٍو الأشدقِ لطيمِ الشّيطان بحديثٍ يحتجُّ به.
قال في "الفتح" في عمرو الأشدق: وليست له صحبة، ولا كان من التّابعين بإحسان، انتهى (٥). أي: بل هو من سيىء التّابعين، واللَّه أعلم.
* * *
(عن) أبي العبّاسِ (عبدِ اللَّه بنِ عبّاسٍ ﵄، قال) ابن عبّاس: (قال رسول اللَّه ﷺ ).
قال الحافظ ابن حجر: كذا رواه منصورُ بنُ المعتمِر، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عبّاسٍ مرفوعًا، وخالفه الأعمش، فرواه عن مجاهد، عن النّبي ﷺ مرسَلًا، أخرجه سعيدُ بنُ منصور عن أبي معاوية، عنه، وأخرجه أيضًا عن سفيان، عن داود بن سابور مرسَلًا، ومنصور: ثقة حافظٌ، فالحكمُ لوصلِه، انتهى (١).
ولهذا جزم بوصله في "الصّحيحين"، وغيرهما.
(يومَ فتحِ مكة) سنة ثمان من الهجرة، و"يومَ" -بالنّصب- ظرفٌ لقال، ومقولٌ. وقوله ﷺ : (لا هجرةَ) وافيةً من مكّةَ المشرّفةِ إلى المدينةِ المنوّرة بعدَ الفتح؛ لأنها صارت دار إسلام.
زاد في كتاب: الجهاد: والهجرةُ من دار الحرب إلى دار الإسلام باقية إلى يوم القيامة (٢).
стр. 2069
قال في "الفتح": قال الخطّابي (١) وغيرُه: كانت الهجرةُ فرضًا في أوّل الإسلام على مَنْ أسلمَ؛ لقلّةِ المسلمين، وحاجتِهم إلى الدفاع، فلمّا فتح اللَّه مكّة، ودخل النّاسُ في دين اللَّه أفواجًا، سقط فرضُ الهجرة إلى المدينة، وبقي فرض الجهاد، انتهى (٢).
وكان من الحكمة أيضًا في وجوب الهجرة على مَنْ أسلمَ: أن يسلم من الأذى من أعداء الدّين، وما يلقاه من المشركين؛ فإنّهم كانوا يعذّبون المسلمين، ويؤذون المستوطنين؛ ليرجعوا عن الدّين المتين، إلى الشّرك وعبادةِ الأوثان والشّياطين.
ولكن عليكم جهادٌ في سبيل اللَّه؛ لإعلاء كلمة اللَّه، وقتالِ الكفّار من عبدة الأوثان والأحجار، ونيّة صالحة في الخير تحصّلون بهما الفضائل التي في معنى الهجرة التي كانت مفروضة؛ لمفارقة الفريق الباطل، فلا يكثر سوادهم، ولا يعانون على مرادهم.
قال أبو عبد اللَّه الأُبِّي: اختُلف في أصول الفقه في مثل هذا التّركيب يعني: قوله: لا هجرة بعد الفتح (ولكن جهادٌ ونيّة)، هل هو لنفي الحقيقة، أو لنفي صفةٍ من صفاتها؛ كالوجوب وغيره؟
فإن كان لنفي الوجوب، فهو يدلّ على وجوب الجهاد على الأعيان؛ لأنّ المستدرك هو المنفي، والمنفي وجوبُ الهجرة على الأعيان، فيكون المستدركُ وجوبَ الجهاد على الأعيان.
وإن كان المنفي في هذا التركيب الحقيقة، فالمعنى: أنّ الهجرة بعدَ
стр. 2070
الفتح ليستْ بهجرة، وإنّما المطلوبُ الجهاد، والطّلب أعمُّ من كونه على الأعيان، أو على الكفاية.
قال: والمذهب: أنّ الجهادَ اليومَ فرضُ كفاية، إلّا أن يعيّن الإمامُ طائفةً، فيكون عليها فرضَ عين، انتهى (١).
وقوله: "جهاد" بالرّفع مبتدأ، خبره محذوف مقدّمًا تقديره: لكم، أو عليكم جهادٌ.
وقال الطّيبي في "شرح مشكاته": قوله: "ولكن جهاد ونيّة" عطف على محل مدخول "لا".
والمعنى: أنّ الهجرةَ من الأوطان، إمّا هجرة إلى المدينة للفرار من الكفّار، ونصرةِ الرّسول ﷺ ، وإمّا إلى الجهاد في سبيل اللَّه، وإمّا إلى غير ذلك من تحصيل الفضائل؛ كطلب العلم، فانقطعت الأولى، وبقيت الأخريان، فاغتنموهما، ولا تقاعدوا (٢)، (وإذا استنفِرْتُم) -بضم التّاء وكسر الفاء-؛ أي: طُلبتم للجهاد، (فانْفِروا) -بهمزة وصل مع كسر الفاء-؛ يعني: إن دعاكم الإمام إلى الخروج إلى الغزو، فاخرجوا إليه، ومثلُ الإمام نائبُه.
ونقل المروذي -يعني: عن الإمام أحمد-: يجب الجهادُ بلا إمام إذا صاحوا النفير.
وسأله أبو داود: بلادٌ غلب عليها رجلٌ، فنزل البلاد يغزو بأهلها، نغزو معهم؟ قال: نعم، قلت: نشتري [من] سَبْيه، قال: دع هذه المسألة، الغزو