← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

المهملة: في كل شيء، انتهى (١). واللَّه تعالى الموفّق. قال في "الفتح": وقد تصرّف عمرٌو في الجواب، وأتى بكلامٍ ظاهرُه حقٌّ، لكن أراد به الباطلَ؛ فإنَّ الصَّحابيَّ أنكرَ عليه نصب الحرب على مكّة، فأجابه: بأنّها لا تمنع من إقامة القصاص، مع أنّ ابن الزّبير لم يرتكب أمرًا يجب عليه فيه شيءٌ من ذلك، انتهى (٢). وفي رواية الإمام أحمد في آخر هذا الحديث: قال أبو شريح: فقلت لعمرٍو: قد كنتُ شاهدًا، وكنتَ غائبًا، وقد أُمرنا أن يبلِّغَ شاهدُنا غائبنا، وقد بلغتك (٣). وهو يشعر بأنّه لم يوافقه، فيندفع قول ابن بطّال: إنّ سكوتَ أبي شريحٍ عن جواب عمرٍو دليلٌ على أنّه رجع إليه في التّفصيل المذكور، بل إنّما ترك أبو شريح مشاققته؛ لعجزه عنه؛ لما كان فيه من قوّة الشّوكة (٤). وليس كلام عمرٍو الأشدقِ لطيمِ الشّيطان بحديثٍ يحتجُّ به. قال في "الفتح" في عمرو الأشدق: وليست له صحبة، ولا كان من التّابعين بإحسان، انتهى (٥). أي: بل هو من سيىء التّابعين، واللَّه أعلم. * * *

стр. 2067

الحديث الثاني عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: "لَا هِجْرَةَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا". وَقَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: "إِنَّ هَذَا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ القِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا"، فَقَالَ العَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِلَّا الإِذْخِرَ؛ فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ، قَالَ: "إِلَّا الإِذْخِرَ" (١). القَيْنُ: الحَدَّادُ.

стр. 2068

(عن) أبي العبّاسِ (عبدِ اللَّه بنِ عبّاسٍ ﵄، قال) ابن عبّاس: (قال رسول اللَّه ﷺ ). قال الحافظ ابن حجر: كذا رواه منصورُ بنُ المعتمِر، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عبّاسٍ مرفوعًا، وخالفه الأعمش، فرواه عن مجاهد، عن النّبي ﷺ مرسَلًا، أخرجه سعيدُ بنُ منصور عن أبي معاوية، عنه، وأخرجه أيضًا عن سفيان، عن داود بن سابور مرسَلًا، ومنصور: ثقة حافظٌ، فالحكمُ لوصلِه، انتهى (١). ولهذا جزم بوصله في "الصّحيحين"، وغيرهما. (يومَ فتحِ مكة) سنة ثمان من الهجرة، و"يومَ" -بالنّصب- ظرفٌ لقال، ومقولٌ. وقوله ﷺ : (لا هجرةَ) وافيةً من مكّةَ المشرّفةِ إلى المدينةِ المنوّرة بعدَ الفتح؛ لأنها صارت دار إسلام. زاد في كتاب: الجهاد: والهجرةُ من دار الحرب إلى دار الإسلام باقية إلى يوم القيامة (٢).

стр. 2069

قال في "الفتح": قال الخطّابي (١) وغيرُه: كانت الهجرةُ فرضًا في أوّل الإسلام على مَنْ أسلمَ؛ لقلّةِ المسلمين، وحاجتِهم إلى الدفاع، فلمّا فتح اللَّه مكّة، ودخل النّاسُ في دين اللَّه أفواجًا، سقط فرضُ الهجرة إلى المدينة، وبقي فرض الجهاد، انتهى (٢). وكان من الحكمة أيضًا في وجوب الهجرة على مَنْ أسلمَ: أن يسلم من الأذى من أعداء الدّين، وما يلقاه من المشركين؛ فإنّهم كانوا يعذّبون المسلمين، ويؤذون المستوطنين؛ ليرجعوا عن الدّين المتين، إلى الشّرك وعبادةِ الأوثان والشّياطين. ولكن عليكم جهادٌ في سبيل اللَّه؛ لإعلاء كلمة اللَّه، وقتالِ الكفّار من عبدة الأوثان والأحجار، ونيّة صالحة في الخير تحصّلون بهما الفضائل التي في معنى الهجرة التي كانت مفروضة؛ لمفارقة الفريق الباطل، فلا يكثر سوادهم، ولا يعانون على مرادهم. قال أبو عبد اللَّه الأُبِّي: اختُلف في أصول الفقه في مثل هذا التّركيب يعني: قوله: لا هجرة بعد الفتح (ولكن جهادٌ ونيّة)، هل هو لنفي الحقيقة، أو لنفي صفةٍ من صفاتها؛ كالوجوب وغيره؟ فإن كان لنفي الوجوب، فهو يدلّ على وجوب الجهاد على الأعيان؛ لأنّ المستدرك هو المنفي، والمنفي وجوبُ الهجرة على الأعيان، فيكون المستدركُ وجوبَ الجهاد على الأعيان. وإن كان المنفي في هذا التركيب الحقيقة، فالمعنى: أنّ الهجرة بعدَ

стр. 2070

الفتح ليستْ بهجرة، وإنّما المطلوبُ الجهاد، والطّلب أعمُّ من كونه على الأعيان، أو على الكفاية. قال: والمذهب: أنّ الجهادَ اليومَ فرضُ كفاية، إلّا أن يعيّن الإمامُ طائفةً، فيكون عليها فرضَ عين، انتهى (١). وقوله: "جهاد" بالرّفع مبتدأ، خبره محذوف مقدّمًا تقديره: لكم، أو عليكم جهادٌ. وقال الطّيبي في "شرح مشكاته": قوله: "ولكن جهاد ونيّة" عطف على محل مدخول "لا". والمعنى: أنّ الهجرةَ من الأوطان، إمّا هجرة إلى المدينة للفرار من الكفّار، ونصرةِ الرّسول ﷺ ، وإمّا إلى الجهاد في سبيل اللَّه، وإمّا إلى غير ذلك من تحصيل الفضائل؛ كطلب العلم، فانقطعت الأولى، وبقيت الأخريان، فاغتنموهما، ولا تقاعدوا (٢)، (وإذا استنفِرْتُم) -بضم التّاء وكسر الفاء-؛ أي: طُلبتم للجهاد، (فانْفِروا) -بهمزة وصل مع كسر الفاء-؛ يعني: إن دعاكم الإمام إلى الخروج إلى الغزو، فاخرجوا إليه، ومثلُ الإمام نائبُه. ونقل المروذي -يعني: عن الإمام أحمد-: يجب الجهادُ بلا إمام إذا صاحوا النفير. وسأله أبو داود: بلادٌ غلب عليها رجلٌ، فنزل البلاد يغزو بأهلها، نغزو معهم؟ قال: نعم، قلت: نشتري [من] سَبْيه، قال: دع هذه المسألة، الغزو

стр. 2071

ليس مثلَ شراء السبي، الغزو دفعٌ عن المسلمين، لا يترك لشيء (١)، ذكره في "الفروع" (٢). وذكر أنّ مَنْ حضر بلدًا، أو هو عدو، أو استنفره من له استنفاره، تعيّن عليه، ولو لم يكن أهلًا؛ لوجوبه. وفي "البلغة": يتعيّن في موضعين: إذا التقيا، والثّاني: إذا نزلوا بلده، إلا لحاجة حفظ أهل أو مال (٣). وقال ابن دقيق العيد: ولا شكّ بأنّه قد تتعيّن الإجابة والمبادرة إلى الجهاد في بعض الصّور. فأمّا إذا عيّن الإمامُ بعضَ النّاس لفرض الكفاية، فهل يتعيّن عليه؟ اختلفوا فيه، قالوا: ولعلّه يؤخذ من لفظ الحديث الوجوبُ في حقِّ من عيّن للجهاد، ويؤخذ غيره بالقياس، انتهى (٤). (وقال) ﷺ في خطبةٍ (يومَ فتحِ مكّة) المشرّفة: (إنّ هذا البلدَ قد حرّمه اللَّه) ، وفي لفظٍ: "حرّم اللَّه" -بإسقاط الهاء- (٥) (يومَ خلق السموات والأرض). فتحريمُه أمرٌ قديمٌ، وشريعةٌ سالفة مستمرة، وحكمه تعالى قديمٌ لا يتقيّد بزمان، فهو تمثيلٌ في تحريمه بأقرب متَصَوَّر لعموم البشر؛ إذ ليس كلهم يفهم معنى تحريمه في الأزل، وليس تحريمه مما أحدث النّاس.

стр. 2072

والخليل ﵊ إنّما أظهره مبلّغًا عن اللَّه لمّا رفع البيت إلى السّماء زمنَ الطوفان. وقيل: إنّه كتب في اللوح المحفوظ يوم خلق السّموات والأرض: أنّ الخليل ﵇ سيحرّم مكّة بأمر اللَّه (١). قال ابن دقيق العيد: ظاهر هذا الحديث: أنّ إبراهيم ﵇ أظهرَ حرمتَها بعدما نُسيت، والحرمة ثابتةٌ من يوم خلق السّموات والأرض. وقيل: إنّ التّحريم في زمن إبراهيم، وحرمتُها يومَ خلق السّموات والأرض: كتابتُها في اللّوح المحفوظ أو غيره حرامًا، وأمّا الظّهور للنّاس، ففي زمن إبراهيم ﵇ (٢). (فهو)؛ أي: البلد الحرام (حرام)، وفي لفظ: "وهو" -بواو العطف بدل الفاء- (٣). (بحرمةِ اللَّه) تعالى؛ أي: بسبب حرمة اللَّه، ومتعلق الباء محذوف؛ أي: متلبّسًا، ونحو ذلك، وهو تأكيد للتّحريم (٤) (إلى يوم القيامة). (و) يُعلم من هذا: (أنّه لم يحلَّ القتالُ فيه لأحدٍ قبلي) بلم الجازمة، والهاء ضمير الشّأن. وفي لفظ: وأنّه لا يحل، والأوّل أنسب؛ لقوله: "قبلي" (٥).

стр. 2073

(ولم يحلَّ لي) القتالُ فيه (إلّا ساعةً من نهار)، وتقدّم أنّها من طلوع الشّمس إلى صلاة العصر، خصوصيّة له ﷺ ، ولمن أطلق سيفه يومئذٍ من خزاعة في بني بكر. وفيه إشعار أنّ مكّة فُتحت عَنْوَةً؛ كما في غيره من الأحاديث. وانتصر له في "الهدي" (١) بما لا مزيد عليه، (فهو)؛ أي: البلد (حرامٌ بحرمة اللَّه) تعالى (إلى يوم القيامة)، أي: بتحريمه. والفاء في "فهو" جزاءُ لشرط محذوف، تقديره: إذا كان اللَّه كتب في اللّوح المحفوظ تحريمَهُ، ثمّ أمر خليلهُ بتبليغه أو إنهائه، فأنا أيضًا أبلّغ ذلك وأنهيه إليكم، وأقول: فهو حرام بحرمة اللَّه (٢). (لا يُعْضَدُ)؛ أي: يُقطع (شَوْكُه)؛ أي: ولا شجره بطريق الأولى، فدلّ بمنطوقه على امتناع قطع الشّوك كغيره، وهو مذهب الجمهور؛ خلافًا للشّافعي. قال ابن دقيق العيد: قوله: "لا يُعْضدُ شوكُه" دليلٌ على أنّ قطع الشوك يمتنع كغيره، وذهب إليه بعضُ مصنّفي الشّافعية، والحديثُ معه، وإباحة غيره من حيث إنّ الشّوك مؤذ، انتهى (٣). قلت: لا احتياج إلى القياس مع وجود النّص صريحًا، واللَّه أعلم. (ولا يُنفَّرُ صيدُه)، فإن نفّرهُ، عصى، سواء تَلِفَ، أم لا (٤).

стр. 2074

وفيه دليلٌ على طريق فحوى الخطاب: أنّ قتلَه محرّم، فإنّه إذا حُرِّم تنفيرُه بأن يزعَج من مكانه، فقتلُه أولى (١). (ولا تلتقط لقَطته) -بفتح القاف من الرّواية-، وهو الذي يقوله المحدّثون (٢). قال القرطبي: وهو غلط عند أهل اللّسان؛ لأنّه -بالسكون-: ما يُلْتَقَط، -وبالفتح-: الأخذ (٣). وفي "القاموس": واللَّقَط -محركة-، وكحُزْمَة، وهُمَزَة، وثُمَامة: ما التُقِط (٤). وقال النّووي: اللغةُ المشهورة فتحُها (٥). وفي "المطلع": اللقطة: اسمٌ لما يُلتقط، وفيها أربعُ لغات نقلَها شيخُنا أبو عبد اللَّه بنُ مالك، فقال: [من الرجز] لُقَاطَةٌ وَلُقْطَةٌ ولُقَطَهْ ... ولَقَطٌ مَا لَاقِطٌ قَدْ لَقَطَهْ فالثلاثُ الأُول: بضم اللام، والرّابع: بفتح اللّام والقاف (٦). وروي عن الخليل: اللُّقَطة -بضم اللّام وفتح القاف-: الكثيرُ الالتقاط، و-بسكون القاف-: ما يُلتقط (٧).

стр. 2075

قال أبو منصور: وهو قياس اللغة؛ لأنّ فُعَلَة -بفتح العين- أكثرُ ما جاء فاعل، و-بسكونها- مفعول؛ كضُحَكَة: لكثير الضّحك، وضُحْكَة: لمن ضُحك منه، انتهى (١). أي: لا يجوز أن تلتقط لقطة الحرم (إلّا من عرّفها) التّعريف الشّرعي، فإن التقطها وعرفها التّعريفَ الشّرعيَّ، ملكها كسائر اللقط، وهذا معتمدُ مذهبنا؛ كالحنفيّة والمالكيّة، فلا خصوصيّة للقطة الحرم. وقال الشّافعيّة: لا يملكها، وعليه أن يعرّفها أبدًا، فلا تُلتقط لقطة الحرم إلّا لمجرد التّعريف، مستدلّين بهذا الحديث (٢). قالوا: لأنّ الكلام ورد موردَ الفضائل المختصّة بها؛ كتحريم صيدها، وقطع شجرها. وإذا سوّينا بينَ لقطةِ الحرم ولقطةِ غيره من البلاد، بقي ذكرُ اللقطة في هذا الحديث خاليًا عن الفائدة، وهذا رواية عن إمامنا الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيميّة، وجماعة من متأخري علمائنا (٣). (ولا يُخْتَلى خَلاها)؛ أي: ولا يُقطع الرّطبُ بَآلة، والخلا -بفتح الخاء المعجمة، والقصر-: الحشيشُ إذا كان رطبًا، واختلاؤه: قطُعُه (٤). قال الزمخشري في "الفائق" وحقُّ خَلاها أن يكتب بالياء، وتثنيته خليان، انتهى (٥).

стр. 2076

أي: لأنّه من خليت -بالياء-، أما النبات اليابس، فيسمى حشيشًا (١). لكن حكى البطليوسي عن أبي حاتم: أنّه سأل أبا عبيدةَ عن الحشيش، فقال: يكون في الرّطب واليابس، وحكاه الأزهري أيضًا (٢)، ويقوّيه: أنّ في بعض طرق حديث أبي هريرة في هذا الباب: "ولا يُحْتَشُّ حَشيشُها" (٣). وقد سأل الفضلُ بنُ زياد الإمامَ أحمد عن معنى قوله ﷺ : "ولا يُخْتَلَى خَلاها"، فقال: لا يحتش من حشيش الحرم، ولا يعضد شجره (٤). قال في "الفروع": يحرم قلعُ شجرِ الحرم إجماعًا، ونباته، حتّى الشّوك والورق، خلافًا للشّافعي، إلّا اليابس؛ لأنّه كميتٍ. ولا بأس بالانتفاع بما زال بغير فعل، نصّ عليه. قال الإمام الموفّق: لا نعلم فيه خلافًا؛ لأنّ الخبر في القطع (٥). ويجوز رعيُ حشيش الحرم، لا الاحتشاشُ، على معتمد المذهب؛ وفاقًا للشّافعي، وأبي يوسف؛ لأنّ الهدايا كانت تدخل الحرم، فتكثر فيه، فلم يُنقل سدُّ أفواهها. وللحاجة إليه كالإذخر. وقيل: لا يجوز رعيُ حشيشه؛ وفاقًا لأبي حنيفةَ، ومالك؛ لأنّ ما حرم

стр. 2077

إتلافهُ بنفسهِ، حرم أن يرسل إليه ما يتلفُه؛ كالصّيد (١). (فقال العبّاس) بنُ عبدِ المطلب ﵁ لما قال رسولُ اللَّه ﷺ ما قال: (يا رسول اللَّه! إلّا الِإذْخِرَ) -بالنّصب-، (٢) ويجوز -الرّفع- على البدليّة، وهو -بالهمزة المكسورة والذّال السّاكنة والخاء المكسورة المعجمتين-: نبت معروف طيّب الرائحة، الواحدة: إِذْخِرَةٌ (٣) قال القسطلاني في "شرح البخاري": وهو حَلْفاءُ مكةَ؛ (٤) (فإنّه)؛ أي: الإذخر (لِقَيْنِهم) -بفتح القاف وسكون التحتيّة وياء فنون-: حَدَّادِهم، أو القين: كلُّ صاحب صناعة يعالجها بنفسه (٥)، ومعناه: يحتاج إليه القَيْنُ في وقد النّار، (و) لـ (بيوتهم) في سقوفها، يُجعل فوقَ الخشب، أو للوقود؛ كالحلفاء (٦). وفي رواية من حديث أبي هريرة ﵁: فقال رجل من قريش: إلّا الإذخرَ؛ فإنّا نجعله في بيوتنا وقبورنا (٧). ولفظ ابن عبد المطّلب: إلّا الإذخرَ يا رسولَ اللَّه، فإنّه لابدَّ منه للقَيْنِ والبيوت، فسكتَ، ثمّ قال، (٨) وفي هذه الرّواية: (فقال) ﷺ : (إلّا الإذخرَ)

стр. 2078

استثناءُ بعضٍ من كُلٍّ لدخول الإذخر في عموم ما يُخْتَلى. استدل بهذا الحديث: على جواز اجتهاد النّبيِّ ﷺ ، أو تفويض الحكم إليه. ويجوز أن يكون قولُه ذلك بوحيٍ بواسطة جبريل ﵇ نزل بذلك في طرفة عين (١). واعتقادُ أنَّ نزول جبريلَ يحتاج إلى أمدٍ متَّسع وَهْمٌ وزَلَلٌ، أو أَنَّ اللَّه نفثَ في رُوعه، وبه يندفع ما قاله المهلَّب: إنّ ما ذُكر في الحديث من تحريمه ﷺ ؛ لأنّه لو كان من تحريم اللَّه، ما استُبيح منه إذخر ولا غيرُه. ولا ريبَ أنّ كلَّ تحريم وتحليل فإلى اللَّه تعالى حقيقةً، والنّبي ﷺ لا ينطِقُ عن الهوى، فلا فرقَ بينَ إضافة التّحريم إلى اللَّه، وإضافتهِ إلى رسوله؛ لأنّه المبلِّغ عنه. فالتّحريمُ إلى اللَّه حتمًا، وإلى الرّسول بلاغًا (٢). قال الحافظ المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-: (القينُ: الحدَّاد)، وجمعه: قِيان، وقُيون (٣). وفي "النّهاية": القين: الحداد، والصّائِغُ، (٤) وتقدم. تنبيهات: الأوّل: من خصائص الحرم المكّي: أَلَّا يحارَب أهلُه، ولا يُسفكَ في مكّةَ وحرمِها دمٌ.

стр. 2079

قال القفّال من الشّافعية في "شرح التّلخيص" في ذكر الخصائص: لا يجوز القتال بمكّة، حتّى قالوا: لو تحصّن جماعة من الكفّار فيها، لم يجزْ لنا قتالُهم فيها (١). وحكى الماوردي أيضًا: أنّ من خصائص الحرم: أَلَّا يُحارَبُ أهلُه إن بغوا على أهل العدل (٢). قال علماؤنا -رحمهم اللَّه تعالى-: من قَتَلَ، أو قطعَ طرفًا، أو أتى حَدًّا خارج مكّة، ثمّ لجأ إليه، أو لجأ إليه حربيٌّ، أو مرتدّ، لم يُستوفَ منه فيه (٣). قال في "الفروع": من فعل ذلك خارجَ الحرم، ثمّ لجأ إليه، أو لجأَ إليه حربيٌّ، أو مرتدٌّ، لم يجز أخذُه به فيه؛ كحيوان صائل مأكول، ذكره الشّيخ -يعني: الموفّق- (٤) لكن لا يُبايَع ولا يُشارى، ولا يُطعم ولا يُسقى، ولا يؤاكَل ولا يُشارَب، ولا يجالَسُ ولا يؤوَى، ويُهْجَرُ، فلا يكلِّمه أحد حتّى يخرج، لكن يقال له: اتَّقِ اللَّه، واخرجْ إلى الحلّ ليستَوْفَى منك الحقُّ الذي قِبَلَك، فإذا خرج، أُقيم عليه الحدُّ (٥). وفي "الهدي" للإمام ابن القيّم: أن الطّائفة الممتنعة بالحرم من مبايعة الإمام، لا تُقاتلَ، لاسيّما إن كان لها تأويلٌ؛ كما امتنع أهلُ مكّةَ من بيعة

стр. 2080

يزيدَ، وبايعوا ابنَ الزُّبير، فلم يكن قتالُهم ونصبُ المنجنيق عليهم، وإحلالُ حرم اللَّه جائزًا بالنّص والإجماع، وإنّما خالف في ذلك عمرُو بنُ سعيد بنِ العاص -يعني: الأشدق وشيعته-، وعارض نصَّ رسول اللَّه ﷺ برأيه وهواه، فقال: إنّ الحرمَ لا يُعيذُ عاصيًا. قال: والخبرُ صريحٌ في أنّ الدّم الحلالَ في غيرها، حرامٌ فيها، عدا تلكَ السّاعةَ، انتهى (١). وفي "الأحكام السّلطانيّة" -يعني: للقاضي أبي يعلى-: تُقاتَلُ البغاةُ إذا لم يندفعْ بغيُهم إلّا به؛ لأنّه من حقوق اللَّه، وحفظُها في حَرَمِه أولى من إضاعتها. وذكره الماوردي من الشّافعيّة عن جمهور الفقهاء، (٢) ونصّ عليه الشّافعي، وحمل الخبرَ على ما يعم إتلافُه؛ كالمنجنيق، إذا أمكن إصلاحٌ بدون ذلك (٣). قال في "الفروع": فيقال: وغيرُ مكّة كذلك. واحتجّ في "الخلاف"، "وعيون المسائل"، وغيرهما: على أنّه لا يجوز دخولُ مكّةَ لحاجة لا تتكرر إلا بإحرام، للخبر: "وإنّما أُحِلَّتْ لي ساعةً من نهار". قالوا: فلمّا اتّفق الجميع على جواز القتال فيها متى عرض مثلُ تلك الحال، علمنا أنّ التّخصيص وقعَ لدخولها بغير إحرام، كذا قالوا.

стр. 2081

قال في "الفروع": ولمّا كان هذا ضعيفًا، فإن الأكثر حكمًا واستنباطًا لم يعرّجوا عليه، وذُكر منهم أبو بكر ابن العربي في "العارضة"، وقال: لو تغلّب فيها كفّار أو بُغاةٌ، وجبَ قتالُهم فيها بالإجماع (١). وقال شيخنا -يعني: شيخ الإسلام ابن تيميّة-: إن تعدَّى أهلُ مكّة أو غيرُهم على الرَّكْب، دفع الرَّكْب كما يدفع الصّائل، وللإنسان أن يدفع مع الرّكب، بل يجب إن احتيج إليه (٢). قال ابن الجوزي في "مثير العزم السّاكن": قال اللَّه : ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. لفظُ هذه الآية لفظُ الخبر، ومعناها الأمرُ. والتّقدير: من دخله، فَأَمِّنوه، وهو لفظ عام فيمن جَنَى قبل دخوله، أو بعدَ دخوله؛ إلّا أنّ الإجماع انعقد على أنّ من جنى فيه، لا يؤمَّنُ؛ لأنه هتكَ حرمةَ الحرم، وردَّ الأمانَ، فبقي حكمُ الآية فيمن جنى خارجًا منه، ثمّ لجأ إليه. قال: وقد اختلف الفقهاء في ذلك، فقال الإمام أحمد في رواية المَرُّوذي: إذا قَتل، أو قَطع يدًا، أو أتى حدًّا في غير الحرم، ثمّ دخله، لم يُقَم عليه الحدُّ، ولم يُقتصَّ منه، ولكن لا يُبايع، ولا يُشارى، ولا يؤاكَل حتّى يخرج. وقال في رواية حنبل: إذا قتل، ثمّ لجأ إلى الحرم، لم يُقتل، وإن كانت

стр. 2082

الجنايةُ فيما دون النّفس، (١) فإنّه يُقام عليه الحدّ، وبه قال أبو حنيفة. وقال مالك، والشّافعيّ: يُقام عليه الحدُّ في النَّفْس وفيما دون النَّفْس؛ فالحرمُ عندهما كغيره، فيقام فيه الحدُّ، ويستوفى فيه القصاصُ، سواءً كانت الجناية في الحرم، أو في الحلّ، ثمّ لجأ إلى الحرم؛ لأنّ العاصي هتكَ حرمةَ نفسِه، فأبطلَ ما جعل اللَّه له من الأمن (٢). قال ابن الجوزي: وفي الآية دليلٌ على صحّة مذهبنا (٣). قلت: والأحاديث صحيحةٌ صريحةٌ بالتّفرقة بين الحرم وغيره -كما ترى-. قال ابن الجوزيّ: وقد ألهم اللَّه الحيوانَ البهيمَ تعظيمَ الحرم؛ فإنَّ الظَّبي يجتمع مع الكلب في الحرم، فإذا خرجا منه، تنافرا، وإنّ الطيرَ لا يعلو على البيت، إلّا أن يستشفي مريضها به، انتهى (٤). الثّاني: الحرمُ: ما أحاطَ بمكّة المشرّفةِ، وأطاف بها من جوانبها، جعل اللَّه له حكمَها في الحرمة؛ تشريفًا لها. وسُمِّي حَرَمًا؛ لتحريم اللَّه تعالى [فيه] كثيرًا ممّا ليس بمحرّمٍ في غيره من المواضع. وحَدُّه من طريق المدينة عندَ التّنعيم على ثلاثة أميال من مكّة. قال ابن الجوزي: حدودُ الحَرَمِ من طريق المدينةِ دونَ التّنعيم عندَ بيوتِ غفار على ثلاثة أميال.

стр. 2083

وفي القسطلاني: وقيل: أربعة. ومن طريق اليمن: طرفُ أَضَاة لِبْن -بفتح الهمزة والضاد المعجمة-، ولِبْن -بكسر اللام وسكون الموحّدة-: على سبعة أميال من مكّة. وقيل: ستَّة، وقدَّمه القسطلاني. ومن طريق الجعرانة: على تِسْعة أميال -بتقديم المثنّاة الفوقيّة على السّين-، في شِعْبٍ يُنسب إلى عبدِ اللَّه بنِ خالدِ بنِ أسيد. ومن طريق الطّائف إلى عرفات، من بطن نَمِرَةَ: سبعة أميال، عند طرف عرفة. وقال الأزرقي: على أحدَ عشرَ ميلًا (١). وقيل: ثمانيةُ أميال. والأصحُّ: الأوّل. ومن طريق جدّة: عشرةُ أميال عند منقطع الأعشاش. ومن طريق العراق: على سبعة أميال على ثنية رجل، وهو جبل بالمنقطع. ونظمَ بعضُهم ذلك، فقال: [من الطويل] ولِلْحَرَمِ التَّحْدِيدُ مِنْ أَرْضِ طَيْبَةٍ ... ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ إِذَا رُمْتَ إِتْقَانَهْ وَسَبْعَةُ أَمْيَالٍ عِرَاقٌ وَطَائِفٌ ... وَجَدَّةُ عَشْر ثُمَّ تِسْعٌ جِعِرَّانَهْ وزاد أبو الفضل البربري هنا بيتين، فقال: [من الطويل] وَمِنْ يَمَنٍ سَبْعٌ بِتَقْدِيمِ سِينِهَا ... فَسَلْ رَبَّكَ الْوَهَّابَ يَرْزُقْكَ غُفْرَانَهْ

стр. 2084

وَقَالُوا: وَفي حَدٍّ لطائِفِ أَرْبَعٌ ... وَلَمْ يَرْضَ جُمْهُورٌ لِذَا القَوْلِ رُجْحَانَهْ وقال ابن سراقة في كتاب "الأعداد" (١): والحرمُ في الأرض موضعٌ واحد، وهو مَكَّةُ وما حولها. ومساحةُ ذلك: ستّةَ عشرَ ميلًا في مثلِها، وذلك بريد واحد، وثلثٌ في بريدٍ واحد، وثلث على التّرتيب. والسّبب في بُعْد بعضِ الحدود وقربِ بعضها؛ ما قيل: إنّ اللَّه تعالى لمّا أهبطَ على آدم بيتًا من ياقوتة، أضاءَ له ما بينَ المشرق والمغرب، فنفرت الجنّ والشّياطين ليقربوا منها، فاستعاذ منهم باللَّه، وخافَ على نفسِه منهم، فبعث اللَّه تعالى ملائكةً، فحفّوا بمكّة، فوقفوا مكان الحرم. قال القسطلاني في "شرح البخاري": وذكر بعضُ أهل الكشف والمشاهَدات: أنّهم يشاهدون تلك الأنوارَ واصلةً إلى حدود الحرم، فحدودُ الحرم موضعُ وقوف الملائكة، انتهى (٢). قال ابن الجوزي في "مثير العزم السَّاكن": إن قيل: ما الحكمةُ في أنّ بعضَ حدود الحرم يقرب من مكّة، وبعضَها يبعد، ولو لم تُجعل على قانونٍ واحد؟. فعنه: أربعة أجوبة: * أحدُها: ما رواه سعيدُ بنُ جبير عن ابن عبّاس ﵄، قال: لمّا هبطَ آدمُ، خَرَّ ساجدًا يعتذرُ، فأرسل اللَّه تعالى إليه جبريلَ بعد

стр. 2085

أربعين سنة، فقال: ارفعْ رأسَكَ، فقد قبلتُ توبتَك، فقال: يا رب! إنّما أتَلَهَّفُ على ما فاتني من الطَّواف بعرشِكَ مع ملائكتِكَ، فأوحى اللَّه تعالى إليه: أنّي سأُنزلُ إليك بيتًا أجعلُه قبلةً، فأهبطَ إليه البيتَ، وكان ياقوتةً حمراءَ تلتهب التهابًا، وله بابان: شرقيٌّ وغربيٌّ، وقد نُظِمتْ حيطانُه بكواكبَ بِيضٍ من ياقوتِ الجنّة، فلمّا استقرَّ البيتُ في الأرض، أضاء نورُه ما بينَ المشرق والمغرب، فنفرت لذلك الجنُّ والشّياطين، وفزعوا، فارتَقَوا في الجو ينظرون من أين ذلك النّورُ، فلمّا رأوه من مكّة، أقبلوا يريدون الاقترابَ إليه، فأرسل اللَّه تعالى ملائكةً، فقاموا حولَ الحرم في مكان الأعلام اليوم، فمنعَتْهم، فمن ثمّ ابتدىء اسم الحرم. * الثّاني: ما رواه وهبُ بنُ منبه: أنّ آدم ﵇ لمّا نزلَ إلى الأرض، اشتدَّ بكاؤه، فوضع اللَّه تعالى له خيمةً بمكّةَ موضعَ الكعبة قبل الكعبة، فكانت الخيمة ياقوتةً حمراءَ من الجنّة، وفيها ثلاثُ قناديل فيها نورٌ يلتهب من الجنّة، فكان ضوء نوره ينتهي إلى مواضع الحرم، وحرسَ اللَّه تعالى تلك الخيمةَ بملائكة، فكانوا يقفون على مواضع أنصاب الحرم يحرسونه، ويذودون عنه سكانَ الأرض من الجنِّ، فلمّا قبضَ اللَّه تعالى آدمَ، رفعها إليه. * والثّالث: أنّ إبراهيمَ الخليلَ ﵇ لما بنى البيتَ، قال لإسماعيل: أبغني حجرًا أجعلُه للنّاس آيةً، فذهب إسماعيلُ ورجعَ ولم يأتِه بشيء، ووجدَ الرُّكْنَ عندَهُ، فقال: من أين لك هذا؟ قال: جاء به مَنْ لم يَكِلْني إلى حَجَرِك، جاء به جبريلُ، فوضعه إبراهيمُ في موضعه هذا، فأنار شرقًا وغربًا، ويمينًا وشمالًا، فحرّم اللَّه الحرم حيث انتهى نورُ الرُّكن وإشراقُه من كُلِّ جانب.

стр. 2086

* الرّابع: أنّ آدمَ ﵇ لمّا أُهبط إلى الأرض، خاف على نفسه من الشّياطين، فاستعاذ باللَّه تعالى، فأرسل اللَّه تعالى ملائكةً حَفُّوا بمكّةَ من كُلِّ جانب، ووقفوا حَوالَيْها، فحرّم اللَّه تعالى الحرمَ من حيثُ كانتِ الملائكة وقفت. قال عبدُ اللَّه بنُ عمر [و]﵄: الحرمُ حرامٌ إلى السّماء السّابعة (١). الثّالث: تحريمُ صيدِ المدينة، نقلَه الجماعةُ، وشجرِها وحشيشِها؛ خلافًا لأبي حنيفة، لما صحّ عنه ﷺ في البخاري، ومسلم، وغيرِهما: أنّه حَرَّمَ ما بَيْنَ لابَتَيْها (٢). وحَدُّ حَرَمِها: ما بينَ ثورٍ إلى عَيْرٍ، (٣) وقدرُه بريدٌ في بريدٍ نصًّا (٤). وثورٌ وعَيْرٌ: جبلان بالمدينة، فثور: جبلٌ صغيرٌ إلى الحُمرة بتدوير، خلفَ أُحد من جهة الشّمال. وعَيْرٌ: مشهور بها (٥).

стр. 2087

فلو صاد من صيدها، وذبح، صَحَّتْ ذبيحتُه، ويجوز أخذُ ما تدعو الحاجة إليه من شجرها ومن حشيشها للعلف. ومن أدخلَ إليها صيدًا، فله إمساكُه وذبحُه، ولا جزاءَ في صيدها وحشيشِها، ونحوه، (١) واللَّه سبحانه الموفّق. * * *

стр. 2088

باب ما يجوز قتله من الحيوان وهو محرم وذكر فيه حديثًا واحدًا، وهو ما ذكره: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ، كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ، يُقْتَلْنَ فِي الحَرَمِ: الغُرَابُ، وَالحِدَأَةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالفَأْرَةُ، وَالكَلْبُ العَقُورُ" (١) وَلِمُسْلِمٍ: "تُقْتَلُ خَمْسٌ فَوَاسِقُ فِي الحِلِّ وَالحَرَمِ" (٢).

стр. 2089

(عن) أم المؤمنين (عائشةَ) الصّدِّيقةِ (﵂، وعن أبيها-: (أنّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: خمسٌ من الدَّوَابِّ). قال ابن دقيق العيد: المشهورُ في الرّواية: خمسٌ -بالتّنوين- (١) "فواسِقُ". قال: ويجوز: "خمسُ فواسقَ" -بالإضافة من غير تنوين- (٢). قلت: عنى حديثَ: "خمسُ فواسقَ"، وهو بهذا اللفظ في "الصّحيحين" حديث ابن عمر (٣)، وعائشة (٤)، وحفصةَ (٥) ﵃.

стр. 2090

وأمّا الرّواية الأولى التي ذكرها المصنّف ﵀، فليس لفظُها مما يحتمل ما ذكره ابن دقيق العيد كما لا يخفى، واللَّه أعلم. والدّوابُّ: جمع دابَّة، وأصلُها: دابِبَة، فأُدغمت إحدى الباءين في الأخرى، وهو اسم لكلّ حيوانٍ، لأنّه يدبُّ على وجه الأرض، والهاء: للمبالغة، ثمّ نقله العرفُ العامُّ إلى ذاتِ القوائم الأربع؛ من الخيلِ والبغالِ والحمير، ويسمَّى هذا: منقولًا عرفيًا (١). (كلُّهن فاسقٌ يُقْتَلْنَ) -بضم أوّله وفتح ثالثه وسكون رابعه، من غير هاء-. وفي لفظٍ: "يقتلهن" (٢)؛ أي: المرءُ (في الحرم) المكي. وقوله: "فاسق"، قال القسطلاني: صفة لكل مذكَّر، و"يقتلن": فيه ضميرٌ راجع إلى معنى كُلّ، وهو جمع، وهو تأكيد "خمس"، قاله في "التنقيح" (٣). قال: وتعقّبه في "المصابيح": بأنّ الصّوابَ أن يقال: خمسٌ مبتدأ، وسوّغ الابتداءُ به مع كونه نكرةً وصفُه، و"من الدّواب" في محل رفع على أنّه صفة لخمس. وقولُه: "كلهنّ فاسق" جملة اسمية في محل رفع أيضًا على أنّه صفة أُخرى لخمس.

стр. 2091

وقوله: "يقتلن" جملة فعليّة في محل رفع على أنها خبر المبتدأ الذي هو خمس. وأمّا جعلُ "كلُّهنَّ" تأكيدًا لخمس، فمما يأباه البصريون، وجعلُ "فاسقٌ" صفة لـ"كلُّ" خطأٌ ظاهر. والضمير في "يقتلن" عائد على "خمس"، لا على "كل"؛ إذ هو خبرُه، ولو جُعل خبرَ "كل"، امتنع الإتيان بضمير الجمع؛ لأنّه لا يعود عليها الضّمير من خبرها إلّا مفردًا مذكّرًا على لفظها، على ما صرّح به ابن هشام في "المغني"، (١) انتهى. وعبر بقوله: "فاسق" بالإفراد. وفي مسلم كما يأتي "فواسق" بالجمع، وذلك أنّ "كلّ" اسمٌ موضوع لاستغراق أفراد المنكَّر؛ نحو: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء: ٣٥]. والمعرف المجموع؛ نحو: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ﴾ [مريم: ٩٥]. وأجزاء المفرد المعرف؛ نحو: كُلُّ زيدٍ حسنٌ، فإذا قلت: أكلتُ كلَّ رغيفٍ لزيدٍ، كانت لعموم الأفراد، فإن أضفتَ الرّغيفَ لزيد، كانت لعموم أجزاء فرد (٢). وسمّى المذكورات في هذا الحديث فواسقَ؛ لخروجها من حكمِ غيرها بالإيذاء والإفساد وعدم الانتفاع (٣).

стр. 2092

وأصلُ الفسقِ في كلام العرب: الخروجُ، وسمّي الرّجلُ الفاسقُ فاسقًا؛ لخروجه عن أمر اللَّه تعالى (١). قال في "حياة الحيوان": أصلُ الفسق: الخروجُ عن الاستقامة، والجَوْرُ، وبه سمّي العاصي فاسقًا. وإنّما سمّيت هذه الحيوانات فواسقَ على الاستعارة؛ لخبثهنّ. وقيل: لخروجهنّ عن الحرمة في الحلّ والحرم؛ أي: لا حرمةَ لهنَّ بحالٍ. وقيل: إنّ الفأرة إنّما سمّيت فُوَيْسِقةَ؛ لأنّها عمدَتْ إلى حبال سفينةِ نوح ﵇، فقطعتها (٢). وروى الطحاوي في "أحكام القرآن" بإسناده عن يزيد بن أبي نعيم: أنّه سأل أبا سعيدٍ الخدريَّ ﵁: لمَ سُميت الفأرةُ الفُوَيْسقة؟ قال: استيقظَ النّبيُّ ﷺ ذاتَ ليلة، وقد أخذتْ فأرة فتيلةً لتحرقَ على رسول اللَّه ﷺ البيتَ، فقام إليها، وقتلَها، وأحلّ قتلها للحلالِ والمحرمِ (٣). (الغرابُ): -بضم الغين المعجمة وفتح الرّاء فألف فموحدّة-، سمّي بذلك؛ لسواده، ومنه قوله تعالى: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧]، وهما لفظتان بمعنى واحد. وفي حديمث رشد [ين] بن سعد: أنّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "إنّ اللَّه يُبغض الشّيخَ الغِرْبيبَ".

стр. 2093

فسّره رشد [ين]: بالذي يَخْضِبُ بالسّواد (١). وفي "النّهاية": أراد: الذي لا يشيب. وقيل: الذي يسوّد شعرَه، انتهى (٢). وجمعه: غِربانٌ، وأَغْرِبَةٌ، وغَرابِيبُ، وغُرْبٌ (٣). وقد جمعها ابنُ مالك في قوله: [من البسيط] بالغُرُبِ اجمع غِرْبانًا [ثم] أَغْرِبَةً ... وَأَغْرُب وَغَرَابِيبٌ وَغِرْبَانُ (٤) ومن فسقِ الغرابِ وخروجِه عن حدّ الاستقامة، وأذاه: أنه ينقر ظهر البعير، وينزع عينه، ويختلس. وزاد في رواية سعيد بن المسيّب عن عائشة: "الأبقع" (٥)، وهو الذي في ظهره وبطنه بياضٌ (٦). وقيل: إنّه سمّي غرابًا؛ لأنّه نأَى واغتربَ لمّا فقدَه نوح ﵇ ليستخبرَ أمرَ الطُّوفان (٧).

стр. 2094

والعربُ تتشاءم به، ولذلك اشتقوا من اسمه: الغُرْبَة، والاغترابَ، والغريب (١). وغُراب البَيْنِ: [هو] الأبقع. قال الجوهري: هو الذي فيه سوادٌ وبياض (٢). وقال صاحب "المجالسة": سمّي غرابَ البين؛ لأنّه بانَ عن نوح ﵇ لمّا وجهه لينظر الماءَ، فذهبَ ولم يرجعْ، فلذلك العربُ تشاءموا به (٣). وذكر ابنُ قتيبة: أنّه سمّي فاسقًا -فيما أرى-؛ لتخلُّفه حينَ أرسلَه نوحٌ ﵇ ليأتيَهُ بخبر الأرض، فترك أمرَه، ووقع على جيفةٍ (٤). تنبيه: المراد بالغراب في الحديث: الغرابُ الأبقعُ الفاسقُ الحرامُ الأكل، وأمّا غُرابُ الزَّرْعِ، فأكلُه حلال؛ كالزّاغ، فلا يحلُّ قتلُهما في الحرم، ولا للمحرم (٥). وفي "سنن ابن ماجه"، والبيهقى من حديث عائشة ﵂: "الغُرابُ فاسق" (٦).

стр. 2095

وفي "سنن ابن ماجه" أيضًا: قيل لابن عمر ﵄: أيؤكلُ الغراب؟ قال: ومن يقول بعدَ قولِ رسولِ اللَّه ﷺ : إنّه فاسق؟ (١) (والحِدَأَةُ): -بكسر الحاء وفتح الدّال المهملتين-. وفي القسطلاني: أنّ في فرع اليونينية -بسكون الدّال-، انتهى (٢). وفي "المطالع": الحِدأة لا يُقال إلا بكسر الحاء. وقد جاء: الحِداءُ، وهو جمعُ حِدَأَة، أو مُذَكَّرُها. وجاء: الحُدَيَّا؛ على وزن الثُّرَيَّا، والحُمَيَّا (٣). قال في "حياة الحيوان": هي أخسُّ الطَّير، وكنيتهُ: أبو الخطّاف، وأبو الطيّب، وجمعها: حَدَأٌ -بفتح الحاء-، [و] حِدْآن. قال الجوهري: مثلُ عِنَبَة وعِنَب (٤). قال الخطّابي: أرادَ بفسق الحدأة: تحريمَ أكلها (٥)، انتهى (٦). أو لأنّها تؤذي النّاس بخَطْف طعامهم، ففي كتاب "المجالسة" للدّينوري عن عثمان بن عفّان ﵁، قال: كان سعدُ بنُ أبي وقّاص ﵁ بين يديه لحمٌ، فجاءت حِدَأة فأخذته، فدعا

стр. 2096

عليها سعد، فاعترض عظمٌ في حلقِها، فوقعت ميتةً (١). (والعقربُ): واحدُ العقارب، وهي مؤنّث، والأنثى عقربةٌ، وعقرباءُ -ممدودةٌ غير مصروفةٍ-، ولها ثمانيةُ أرجُل، وعيناها في ظهرِها. ومن عجائب أمرِها أنّها لا تضربُ الميتَ ولا النّائم حتّى يتحركَ شيءٌ من بدنِه، فعندَ ذلك تضربه، تلدغ، وتؤلم إيلامًا شديدًا، وربَّما لسعت الأفعى فتموت. ومنه قول الشّاعر: [من الطويل] تَمُوتُ الأَفَاعِي مِنْ سُمُومِ العَقَارِبِ وتأوي إلى الخنافس، وتسالمها، ومن شأنها أنّها إذا لدغت الإنسانَ، فَرَّتْ فرارَ مسيءٍ يخشى العقابَ. وفي ابن ماجه عن عائشة ﵂، قالت: لدغت النّبيَّ ﷺ عقرب وهو في الصّلاة، فلمّا فرغَ، قالَ: "لعنَ اللَّهُ العقربَ، ما تَدَعُ مُصَلِّيًا ولا غَيْرَهُ، اقْتُلُوها في الحِلِّ والحَرَمِ" (٢). والعقاربُ القاتلة تكون في موضعين؛ بشهرزور، وبعسكر مكرم، تلسع فتقتل، وربّما تناثر لحمُ من لَسَعَتْه، أو بعضُ لحمه، واسترخى، حتّى إنّه لا يدنو منه أحدٌ إلّا وهو يمسك أنفه مخافةَ إعدائه. ومن عجيب أمرها: أنّها مع صغرها تقتلُ الفيلَ والبعيرَ بلسعتها. وبنَصيبين عقاربُ قتّالةٌ، يقال: إنّ أصلَها من شَهْرَزور، وإنّ بعضَ

стр. 2097

الملوك حاصرَ نصيبينَ، فأتى بالعقاربِ من شهرزور، وجعلها في كيزانِ المنجنيق. وذكر الجاحظ: أنّه كان في دار نصرِ بنِ حجّاجٍ السّلميِّ عقاربُ إذا لسعَتْ قتلتْ، فدبَّ ضيف لهم على بعضِ أهل الدّار، فضرب العقربُ في مذاكيره، فقال نصر يعرّض به: [من المتقارب] وَدَارٍ إِذَا نَامَ سُكَّانُهَا ... أَقَامَ الْحَدُودَ بِهَا الْعَقْرَبُ إِذَا غَفَلَ النَّاسُ عَنْ ذَنْبِهِمْ ... فَإِنَّ عَقَارِبَهَا تَضْرِبُ قال: فدخل إلى الدّار، فقال: هذه عقاربُ تُسقى من أسودَ سالخ، ونظر إلى موضع في الدّار، فقال: احفروا، فوجدوا أسودين ذكرًا وأنثى (١). (والفَأرةُ) -بهمزة ساكنة-، والمراد: فأرةُ البيت، وهي الفُوَيْسِقة. وكنية الفأرة: أُمُّ خرابٍ؛ لأنّه ليس في الحيوان أفسدُ من الفأر، ما يُبقي على خطيرٍ ولا جليلٍ إلّا أهلكه وأتلَفَه. ولا يخفى ما بينَ الهرّ والفأر من العداوة، وسببُ ذلك: ما رواه ابنُ أبي حاتم عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن أبيه: أنّ النّبيَّ ﷺ قال: لمّا حملَ نوح في السّفينةِ مِنْ كُلٍّ زوجينِ اثنينِ، قالَ أصحابُه: كيفَ نطمئنُّ أو تطمئنُّ المواشي، ومعنا: الأسدُ، فسلَّطَ اللَّه عليه الحُمَّى، فكانَتْ أَوَّلَ حُمَّى نزلَتْ في الأرض، فهو لا يزالُ محمومًا، ثمّ تَشَكَّوا الفأرةَ، فقالوا: الفويسقة تفسدُ علينا طعامَنا ومتاعَنا، فأوحى اللَّهُ إلى الأسدِ، فعطسَ، فخرجتِ الهرَّةُ

стр. 2098

منه، فتخبّأتِ الفأرةُ منها (١). وهذا حديثٌ مرسلٌ. وفي "سنن أبي داود": وعن ابن عبّاس ﵄، قال: جاءت فأرة، فأخذَتْ تجرُّ الفَتيلة، فجاءت بها، فألقَتْها بينَ يَدَيْ رسولِ اللَّه ﷺ على الخُمْرَةِ التي كانَ قاعِدًا عليها، فأحرقَتْ منها قدرَ موضِع درهمٍ (٢). الخمرةُ: السّجادةُ الّتي يسجد عليها المصَلِّي، سمّيت بذلك؛ لأنّها تُخَمَّر الوجهَ؛ أي: تغطّيه. ورواه الحاكم عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: جاءت فأرةٌ، فأخذت تجرُّ الفتيلةَ، فذهبت الجاريةُ تزجُرُها، فقال النّبيُّ ﷺ : "دَعيها"، فجاءت بها، فألقتها بين يدي رسول اللَّه ﷺ على الخُمْرَة التي كان قاعدًا عليها، فأحرقَتْ منها موضعَ درهم، فقال ﷺ : "إذا نِمْتُمْ، فَأَطْفِئُوا سُرُجَكُمْ؛ فإنَّ الشّيطانَ يدلُّ مثلَ هذهِ على هذا، فتحْرِقُكم"، ثمّ قال: صحيحُ الإسناد (٣). وفي "صحيح مسلم"، وغيره: أنّ النّبي ﷺ أمر بإطفاء النّار عند النّوم (٤). وعلّل ذلك أَنَّ الفويسقة تُضرم على أهل البيتِ بيتَهم (٥).

стр. 2099

(والكلبُ العَقُور): الجارحُ المعروفُ. وفي "النّهاية": المرادُ به كلُّ سَبُعٍ يَعْقِر؛ [أي]: (١) يجرح ويقتل ويفترس؛ كالأسد والنمر والذئب، سمّاها كلبًا؛ لاشتراكها في السَّبُعيّة. والعقورُ من أبنية المبالغة (٢). وقال السرقسطي في "غريبه": الكلبُ العقور يقال لكل عاقر، حتّى اللصّ المقاتل، كذا قال (٣). قال علماؤنا: يحرمُ اقتناءُ الكلبِ الأسودِ البهيم، وهو ما لا لونَ فيه غيرُ السّواد، ولا يخرجه عن كونه بهيمًا بياض ما بين عينيه، جزم به في "المغني" (٤)، واختاره المجد (٥). وفي "الغاية" (٦): يخرجُه ذلك عن كونه أسودَ بهيمًا؛ خلافًا "للإقناع" (٧)، انتهى. وذكر جماعةٌ الأمرَ بقتله، فدلَّ على وجوبه، ذكره الشّيخ الموفّق. وذكر الأكثر: إباحةَ قتله. قال في "الفروع": ويؤخذ من كلام أبي الخطّاب وغيره: أنّ العقورَ مثلُ الأسود البهيم، إلّا في قطع الصّلاة.

стр. 2100

قال: وهو مُتَّجه، وأولى؛ لقتلِه في الحرم. قال سيدنا الشّيخُ عبدُ القادر في "الغُنية": يحرم تركُه، قولًا واحدًا، ويجب قتلُه؛ ليدفع شرّه عن النّاس. ودعوى نسخ القتل مطلقًا إلّا المؤذي؛ كقول الشّافعيّة، دعوى بلا برهان. ويقابله قتلُ الكَلِب، كما قال مالك، انتهى (١). مراد سيدنا الشّيخ عبد القادر -روّح اللَّه روحه-: أنّ النّبيَّ ﷺ أمرَ بقتل الكلاب، كما في "صحيح مسلم" من حديث عبد اللَّه بن مغفل ﵁، ثمّ قال ﷺ : "ما بالهم وبال الكلب؟ "، ثمّ رخّص في كلبِ الصّيد، وكلبِ الغنم (٢)، فحمل الشّافعيّةُ الأمر بقتِلها على الكَلْب الكَلِب، والكلبِ العقور، وما عدا ما لا ضررَ فيه من الكلاب لا يجوز قتله، وقالوا: الأمر بقتل الكلاب منسوخٌ (٣). واقتصر الرّافعيُّ على الكراهة، وتبعه في "الروضة"، وزاد: أنّها كراهة تنزيه (٤). قال الدّميري: لكن قال الشّافعي في "الأم" في باب: الخلاف في ثمن الكلب: واقتلِ الكلابَ التي لا نفعَ فيها حيثُ وجدتَها (٥) وهذا هو الرّاجح

стр. 2101

في "المهمّات"، فلا يجوز اقتناءُ الكلب الذي لا منفعَة فيه، وذلك لما في اقتنائها من مفاسد التّرويع والعقر للمار (١). وفي "القسطلاني": اختلف كلامُ النّووي، فقال في البيع من "شرح المهذّب": لا خلاف بين أصحابنا في أنّه محترم لا يجوز قتلُه، وقال في التيّمم والغصب: إنَّه غير محترم، وقال في الحج: يكره قتله كراهيةَ تنزيه (٢)، وتقدّم كلام الرّافعي، و"الرّوضة". وعند الإمام مالك: يجوز قتلُ كل كلب حتَّى كلب صيد. (و) في رواية (لمسلم) في "صحيحه": (تُقتل) -بضم التّاء المثنّاة فوق وسكون القاف، مبنيًا للمجهول- (خمسٌ فواسقُ)؛ أي: يقتلهن الحلال والمحرم (في الحِلِّ والحَرَمِ). المشهور في الرّواية: تنوينُ "خمس"، ويجوز بالإضافة من غير تنوين. وبينَ التّنوين والإضافة في هذا فرقٌ دقيق في المعنى، كما قال ابن دقيق العيد، وذلك أنّ الإضافة تقتضي الحكمَ على خمسٍ من الفواسق بالقتل، وربما أشعرَ التّخصيصُ بخلاف الحكم في غيرها بطريق المفهوم. وأمّا مع التّنوين، فإنّه يقتضي وصفَ الخمس بالفسق من جهة المعنى، وقد يُشعر بأنّ الحكم المرتَّبَ على ذلك، وهو القتلُ، معلَّلٌ بما جُعل وصفًا، وهو الفسق، فيقتضي ذلك التّعميمَ لكلّ فاسقٍ من الدّوابِّ، وهو ضدُّ ما اقتضاه الأوّلُ من المفهوم، وهو التّخصيص (٣)، وهذا مقتضى كلام علمائنا.

стр. 2102

قال في "الفروع": يُستحبُّ قتلُ كل مؤذٍ من حيوان وطير، جزم به في "المستوعب"، وغيره، وهو مراد من أباحه. نقل حنبل؛ يعني: عن الإمام أحمد ﵁: يقتل المحرِمُ الكلبَ العقورَ، والذئبَ، والسّبعَ، وكلَّ ما عداه من السّباع. ونقل أبو الحارث: يقتل السّبع، عدا عليه، أو لم يَعْدُ؛ وفاقًا لمالك، والشّافعي. وقال الإمام أبو حنيفة: يقتل ما في الخبر، والذئب، وإلا، فعليه الجزاء. وعن أبي حنيفة: العقورُ وغيرُ العقور، والمستأنس والمستوحش منهما سواءٌ؛ لأنّ المعتبر في ذلك الجنس، وكذا الفأرة الأهلية والوحشيّة سواءٌ. قال أصحابه: ولا شيء في بَعوضٍ وبراغيثَ وقُرادٍ؛ لأنّها ليست بصيدٍ، ولا متولّدَةٍ من البدن، ومؤذيةٌ بطبعها، وكذا النَّمل المؤذي، وإلّا لم يحلّ قتله، لكن لا جزاء؛ للعلة الأولى. ولنا: أنّ اللَّه علّق تحريم صيد البّر بالإحرام، وأراد به المصيد؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ [المائدة: ٩٥]، وقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦]، ولأنه أضاف الصّيد إلى البّر، وليس المحرّم صيدًا حقيقةً؛ (١) ولهذا قال ﷺ : "الضَّبُعُ صَيْدٌ، وفيه كَبْشٌ مُسِنٌّ" رواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد، وذكره ابن السّكن في "صحاحه" من حديث جابر (٢). وعن عبد الرّحمن بنِ أبي عمَّارٍ، قال: سألت جابرَ بنَ عبد اللَّه

стр. 2103

-﵄ عن الضَّبع: أصيدٌ هي؟ قال: نعم، قلت: أتؤكل؟ قال: نعم، قلت: أقاله رسول اللَّه؟ قال: نعم. أخرجه الترمذي وغيره، وقال: حسنٌ صحيح (١)، وقال: سألت البخاري عنه، فقال: إنّه حديث صحيح. وفي النسائي، وابن ماجه من حديث عائشة ﵂: "خمسٌ يقتلهنّ المحرُم"، فذكر فيهنّ الحيةَ (٢). وللدارقطني: "يقتل المحرمُ الذئبَ" (٣). وفي "مسلم" عن إحدى نسوة النّبيِّ ﷺ : أنّه كان يأمر بقتل الكلب العقور، وفيه: والحيّة (٤). ولمسلم من حديث ابن مسعود: أن النبيَّ ﷺ أمرَ بقتل حَيَّةٍ بمنًى (٥). قلت: وهو أيضًا في "البخاري"، ولفظه: عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁، قال: بينما نحن مع النّبي ﷺ في غارٍ بمنًى، إذ نزل عليه: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾، وإنّه ليتلوها، وإنّي لأتلقّاها من فيه، وإنّ فاه لرطب بها، إذ وثبتْ علينا حيّة، فقال النبي ﷺ : "اقتلوها"، فابتدرناها، فذهبت، فقال النبي ﷺ : "وُقِيَتْ شَرَّكُمْ كَما وُقِيتمُ شَرَّها" (٦).

стр. 2104

قال أبو عبد اللَّه البخاري: إنّما أردنا بهذا أنّ منًى من الحرم، وأنّهم لم يروا بقتل الحيّة بأسًا (١). قال في "الفروع" بعد ذكر الخمس الفواسق: فنصّ من كل جنس على أدناه تنبيهًا، والتّنبيهُ مقدَّم على المفهوم إن كان؛ فإنّ اختلاف الألفاظ يدلّ على عدم القصد، والمخالف لا يقول بالمفهوم، والأسدُ كلبٌ كما في دعائه ﷺ على عُتبةَ بنِ أبي لهب، (٢) ولأنّ ما لا يُضْمَنُ بقيمته ولا مثلِه، لا يضمن بشيء؛ كالحشرات؛ فإنّ عندهم لا يجاوز بقيمته شاة؛ لأنه محاربٌ مؤذ، قلنا: فلهذا لا جزاء فيه. وعند زفر: تجبُ قيمتُه بالغةً ما بلغتْ، وهو أقيسُ على أصلهم (٣). والحاصل: أنّ المعتمدَ عدمُ اختصاص المذكورات بإباحة القتل في الحرم والإحرام، بل كل مؤذٍ فحكمه كذلك، والعددُ لا مفهوم له عند الأكثر. والتّنبيهُ بما ذكر يدلّ على جواز قتل البازي، والصقر، والشاهين، والعقاب، والفهد، والباشق، والذّباب، والبقّ، والبعوض، والبرغوث والنَّسر.

стр. 2105

فقد نقل أبو داود عن الإمام أحمد: يَقتل كلَّ ما يؤذيه، انتهى (١). ويقتلُ الوَزَغَ؛ لما في "الصّحيحين"، والنّسائي، وابن ماجه، عن أم شريك: أنّها استأمرتِ النبيَّ ﷺ في قتل الوَزَغِ، فأمرها بذلك (٢). وفي "الصحيحين" أيضًا: أنّه ﷺ : أمرَ بقتل الوزغِ، وسمّاه فويسقًا، وكان ينفخ النّار على إبراهيم. وكذلك رواه الإمام أحمد في "مسنده" (٣). وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة: أن النّبيِّ ﷺ قال: "مَنْ قَتَلَ وَزَغَةً في أَوَّلِ ضَرْبَةٍ، فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً، ومَنْ قتلَهُا في الثانيةِ، فلهُ كَذا وكَذا حَسَنَةً، لدُونِ الأَوَّلِى، [وإن قتلها في الضربة الثالثة، فله كذا وكذا حسنة، لدون الثانية] " (٤). وفيه أيضًا: "من قتلَها في الضَّربةِ الأولى، فله مِئَةُ حسنةٍ، ومَنْ قتلَهُا في
следующие страницы →