← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

في "المهمّات"، فلا يجوز اقتناءُ الكلب الذي لا منفعَة فيه، وذلك لما في اقتنائها من مفاسد التّرويع والعقر للمار (١). وفي "القسطلاني": اختلف كلامُ النّووي، فقال في البيع من "شرح المهذّب": لا خلاف بين أصحابنا في أنّه محترم لا يجوز قتلُه، وقال في التيّمم والغصب: إنَّه غير محترم، وقال في الحج: يكره قتله كراهيةَ تنزيه (٢)، وتقدّم كلام الرّافعي، و"الرّوضة". وعند الإمام مالك: يجوز قتلُ كل كلب حتَّى كلب صيد. (و) في رواية (لمسلم) في "صحيحه": (تُقتل) -بضم التّاء المثنّاة فوق وسكون القاف، مبنيًا للمجهول- (خمسٌ فواسقُ)؛ أي: يقتلهن الحلال والمحرم (في الحِلِّ والحَرَمِ). المشهور في الرّواية: تنوينُ "خمس"، ويجوز بالإضافة من غير تنوين. وبينَ التّنوين والإضافة في هذا فرقٌ دقيق في المعنى، كما قال ابن دقيق العيد، وذلك أنّ الإضافة تقتضي الحكمَ على خمسٍ من الفواسق بالقتل، وربما أشعرَ التّخصيصُ بخلاف الحكم في غيرها بطريق المفهوم. وأمّا مع التّنوين، فإنّه يقتضي وصفَ الخمس بالفسق من جهة المعنى، وقد يُشعر بأنّ الحكم المرتَّبَ على ذلك، وهو القتلُ، معلَّلٌ بما جُعل وصفًا، وهو الفسق، فيقتضي ذلك التّعميمَ لكلّ فاسقٍ من الدّوابِّ، وهو ضدُّ ما اقتضاه الأوّلُ من المفهوم، وهو التّخصيص (٣)، وهذا مقتضى كلام علمائنا.

стр. 2102

قال في "الفروع": يُستحبُّ قتلُ كل مؤذٍ من حيوان وطير، جزم به في "المستوعب"، وغيره، وهو مراد من أباحه. نقل حنبل؛ يعني: عن الإمام أحمد ﵁: يقتل المحرِمُ الكلبَ العقورَ، والذئبَ، والسّبعَ، وكلَّ ما عداه من السّباع. ونقل أبو الحارث: يقتل السّبع، عدا عليه، أو لم يَعْدُ؛ وفاقًا لمالك، والشّافعي. وقال الإمام أبو حنيفة: يقتل ما في الخبر، والذئب، وإلا، فعليه الجزاء. وعن أبي حنيفة: العقورُ وغيرُ العقور، والمستأنس والمستوحش منهما سواءٌ؛ لأنّ المعتبر في ذلك الجنس، وكذا الفأرة الأهلية والوحشيّة سواءٌ. قال أصحابه: ولا شيء في بَعوضٍ وبراغيثَ وقُرادٍ؛ لأنّها ليست بصيدٍ، ولا متولّدَةٍ من البدن، ومؤذيةٌ بطبعها، وكذا النَّمل المؤذي، وإلّا لم يحلّ قتله، لكن لا جزاء؛ للعلة الأولى. ولنا: أنّ اللَّه علّق تحريم صيد البّر بالإحرام، وأراد به المصيد؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ [المائدة: ٩٥]، وقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦]، ولأنه أضاف الصّيد إلى البّر، وليس المحرّم صيدًا حقيقةً؛ (١) ولهذا قال ﷺ : "الضَّبُعُ صَيْدٌ، وفيه كَبْشٌ مُسِنٌّ" رواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد، وذكره ابن السّكن في "صحاحه" من حديث جابر (٢). وعن عبد الرّحمن بنِ أبي عمَّارٍ، قال: سألت جابرَ بنَ عبد اللَّه

стр. 2103

-﵄ عن الضَّبع: أصيدٌ هي؟ قال: نعم، قلت: أتؤكل؟ قال: نعم، قلت: أقاله رسول اللَّه؟ قال: نعم. أخرجه الترمذي وغيره، وقال: حسنٌ صحيح (١)، وقال: سألت البخاري عنه، فقال: إنّه حديث صحيح. وفي النسائي، وابن ماجه من حديث عائشة ﵂: "خمسٌ يقتلهنّ المحرُم"، فذكر فيهنّ الحيةَ (٢). وللدارقطني: "يقتل المحرمُ الذئبَ" (٣). وفي "مسلم" عن إحدى نسوة النّبيِّ ﷺ : أنّه كان يأمر بقتل الكلب العقور، وفيه: والحيّة (٤). ولمسلم من حديث ابن مسعود: أن النبيَّ ﷺ أمرَ بقتل حَيَّةٍ بمنًى (٥). قلت: وهو أيضًا في "البخاري"، ولفظه: عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁، قال: بينما نحن مع النّبي ﷺ في غارٍ بمنًى، إذ نزل عليه: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾، وإنّه ليتلوها، وإنّي لأتلقّاها من فيه، وإنّ فاه لرطب بها، إذ وثبتْ علينا حيّة، فقال النبي ﷺ : "اقتلوها"، فابتدرناها، فذهبت، فقال النبي ﷺ : "وُقِيَتْ شَرَّكُمْ كَما وُقِيتمُ شَرَّها" (٦).

стр. 2104

قال أبو عبد اللَّه البخاري: إنّما أردنا بهذا أنّ منًى من الحرم، وأنّهم لم يروا بقتل الحيّة بأسًا (١). قال في "الفروع" بعد ذكر الخمس الفواسق: فنصّ من كل جنس على أدناه تنبيهًا، والتّنبيهُ مقدَّم على المفهوم إن كان؛ فإنّ اختلاف الألفاظ يدلّ على عدم القصد، والمخالف لا يقول بالمفهوم، والأسدُ كلبٌ كما في دعائه ﷺ على عُتبةَ بنِ أبي لهب، (٢) ولأنّ ما لا يُضْمَنُ بقيمته ولا مثلِه، لا يضمن بشيء؛ كالحشرات؛ فإنّ عندهم لا يجاوز بقيمته شاة؛ لأنه محاربٌ مؤذ، قلنا: فلهذا لا جزاء فيه. وعند زفر: تجبُ قيمتُه بالغةً ما بلغتْ، وهو أقيسُ على أصلهم (٣). والحاصل: أنّ المعتمدَ عدمُ اختصاص المذكورات بإباحة القتل في الحرم والإحرام، بل كل مؤذٍ فحكمه كذلك، والعددُ لا مفهوم له عند الأكثر. والتّنبيهُ بما ذكر يدلّ على جواز قتل البازي، والصقر، والشاهين، والعقاب، والفهد، والباشق، والذّباب، والبقّ، والبعوض، والبرغوث والنَّسر.

стр. 2105

فقد نقل أبو داود عن الإمام أحمد: يَقتل كلَّ ما يؤذيه، انتهى (١). ويقتلُ الوَزَغَ؛ لما في "الصّحيحين"، والنّسائي، وابن ماجه، عن أم شريك: أنّها استأمرتِ النبيَّ ﷺ في قتل الوَزَغِ، فأمرها بذلك (٢). وفي "الصحيحين" أيضًا: أنّه ﷺ : أمرَ بقتل الوزغِ، وسمّاه فويسقًا، وكان ينفخ النّار على إبراهيم. وكذلك رواه الإمام أحمد في "مسنده" (٣). وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة: أن النّبيِّ ﷺ قال: "مَنْ قَتَلَ وَزَغَةً في أَوَّلِ ضَرْبَةٍ، فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً، ومَنْ قتلَهُا في الثانيةِ، فلهُ كَذا وكَذا حَسَنَةً، لدُونِ الأَوَّلِى، [وإن قتلها في الضربة الثالثة، فله كذا وكذا حسنة، لدون الثانية] " (٤). وفيه أيضًا: "من قتلَها في الضَّربةِ الأولى، فله مِئَةُ حسنةٍ، ومَنْ قتلَهُا في

стр. 2106

الضَّربةِ الثانيةِ، فلهُ دونَ ذلكَ، وفي الثالثةِ دونَ ذلكَ" (١). وفي الطبراني عن ابن عبّاس ﵄: أنّ النّبي ﷺ قال: "اقْتُلُوا الوَزَغ وَلَوْ في جَوْفِ الكَعْبَةِ" (٢). وفي "مسند الإمام أحمد"، "وسنن ابن ماجه": عن عائشة ﵂: أنّه كان في بيتها رمحٌ موضوع، فقيل لها: ما تصنعين بهذا؟ فقالت: نقتلُ به الوزغَ؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ أخبرنا أنّ إبراهيم ﵇ لمّا أُلقي في النّار، لم يكن في الأرض دابّةٌ إلّا أطفأتْ عنه النارَ، غير الوزغِ؛ فإنّها كانت تنفخُ عليه، فأمر ﷺ بقتلها (٣). والوزغ -بالتحريك- معروفة، وهي وسام أبرص جنس، فسام أبرص [هو] كبارُه (٤). واتّفق العلماء على أنّ الوزغ من الحشرات المؤذية. وقال ابن دقيق العيد: من عَلَّلَ بالأذى يقول: إنّما خُصَّتْ هذه الأشياءُ بالذّكر؛ ليتنبّه بها على ما في معناها، وأنواعُ الأذى مختلفةٌ فيها، فيكونُ ذكرُ كلِّ نوعٍ منها منبهًا على جواز قتل ما فيه ذلك النّوع، فنبّه بالحية والعقرب على ما يُشاركهما في الأذى باللسع؛ كالبرغوث مثلًا. ونبّه بالفأرة على ما أذاه بالنّقب والقرض؛ كابن عِرْس.

стр. 2107

ونبّه بالغراب والحِدأَة على ما أذاه بالاختطاف؛ كالصقر والبازي. ونبّه بالكلب العقور على كل عادٍ بالعقر والافتراس بطبعه؛ كالأسد والفهد والنّمر (١). والحاصل: أنّه لا تأثيرَ لحرمٍ ولا إحرامٍ في تحريم حيوان إنسيٍّ؛ كبهيمة الأنعام، ولا في محرّم الأكل غيرِ المتولّد بين مأكولٍ وغيره، فإنّه يفدى، وإن حرم أكله، تغليبًا لجانب الحظر. فيستحب قتلُ الفواسقِ، وقتلُ كلِّ ما كان طبعُه الأذى، وإن لم يوجد منه أذًى. نعم، يحرم على محرِم لا على حلال، ولو في الحرمِ قتلُ قملٍ وصِئْبانه (٢) من رأسه وبدنه، ولو بزئبق ونحوه، وكذا رميه، ولا جزاء فيه، واللَّه تعالى الموفق (٣). * * *

стр. 2108

باب دخول مكة المشرفة وغيرِه من دخول البيت، والصّلاةِ فيه، واستلامِ الحجرِ الأسود، وتقبيلهِ، وطوافِ القدوم، والرَّمَلِ فيه، وغيرِ ذلك مما ننبّه عليه -إن شاء اللَّه تعالى-. وذكر الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في هذا الباب ثمانية أحاديث: * * *

стр. 2109

الحديث الأول عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالكٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دخَلَ مَكَّةَ عَامَ الفَتْحِ، وَعَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ، جَاءَ رَجُل فَقَالَ: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الكَعْبةِ، فقَالَ: "اقتُلُوهُ" (١).

стр. 2110

(عن) أبي حمزةَ (أنسِ بنِ مالكٍ) الأنصاريِّ ثمّ النجَّارِيِّ (﵁: أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ دخل مكّة) المشرّفة (عامَ الفتح) في الثامنةِ من الهجرة، (وعلى رأسهِ) ﷺ (المِغْفَر) -بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح الفاء-: زَرَدٌ يُنسج من الدروع على قَدْرِ الرّأس، أو رفرف البيضة، أو ما غطى الرّأسَ من السّلاح؛ كالبَيْضة (١). ولا تَعارُضَ بينه وبين رواية مسلم من حديث جابر ﵁: أنَّه ﷺ دخل مكة يومَ الفتحِ وعليه عِمامةٌ سوداءُ. وكذا الإمام أحمد، والأربعة؛ (٢) لاحتمال كونِ المغفرِ فوقَ العِمامة السّوداء وقايةً لرأسه المكرّم من صدأ الحديد، أو هي فوق المغفر (٣). وفي حديث عمرِو بنِ حُريث ﵁، قال: كأنّي أنظرُ إلى رسول اللَّه ﷺ يوم فتح مكة وعليه عِمامةٌ سوداءُ خَرْقانِيَّةٌ، قد أرخى طرفيها بينَ كتفيه، رواه مسلم (٤). والعمامة الخَرْقانية -بفتح الخاء المعجمة وضمّها وسكون الرّاء وبالقاف وكسر النّون وتشديد التحتيّة-.

стр. 2111

قال في "النّهاية": كأنّه لواها، ثم كوّرها كأهل الرّساتيق، ورويت -بالحاء المهملة-، انتهى (١). وفي "القاموس": عِمامةٌ حَرَقانِيَّة -بالحاء المهملة محرّكة-: على لونِ ما أحرقته النّار (٢). وفي حديث أبي هريرة ﵁: دخل رسول اللَّه ﷺ مكةَ وعليه عمامةٌ سوداءُ، ورايتُه سوداءُ، ولواؤهُ أسودُ، حتّى وقف بذي طُوى، وتوسَّطَ الناس، وإنّ عُثنونَه ليمسُّ واسطةَ رحلهِ، أو يقرب منها؛ تواضعًا للَّه حين رأى ما رأى من فتح اللَّه تعالى، وكثرة المسلمين، ثمّ قال: "اللهم إنَّ العيشَ عَيْشُ الآخِرَة". قال: وجعلت الخيل تجمع بذي طوى في كل وجه، ثمّ ثابَتْ وسكنت حين توسّطهم رسول اللَّه ﷺ . ذكره أهلُ السِّيَرِ. العُثْنون -بضم العين المهملة والنّون بينهما ثاء مثلثة ساكنة-: اللِّحية، وواسطةُ الرَّحْل: مقدّمته. وقوله: ثابَتْ -بثاء مثلثة فألف فموحّدة ففوقيّة-؛ أي: رجعت. وأراد أنس ﵁ بذكر المِغْفَر: كونَهُ دخلَ متأهِّبًا للحرب. وأراد جابر ﵁ بذكر العِمامة: كونَه غيرَ محرِم، أو كان ﷺ أوّل دخوله على رأسه المغفر، ثمّ أزاله، ولبس العِمامةَ بعد ذلك، فحكى كلٌّ منهما ما رآه. وسترُ الرّأس يدلُّ على أنّه دخلَ غيرَ محرِم، وقد صرَّحَ بذلك جابر، فلا التفات لمن زعم خلافَ ذلك (٣).

стр. 2112

واستشكل بعضُ الشّافعية ذلك على أصِلهم من كونِ مكّةَ فُتحت صُلْحًا. وعند جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثّلاثة: أنّها فتحت عَنْوَةً. قال الإمام المحقّق ابن القيّم في "الهدي": ولا يعرف في كون مكّة فُتحت عنوةً خلاف، إلّا عن الإمام الشافعي، وعن الإمام أحمد ﵄ في أحد قوليه. وإن كان معتمد مذهب الإمام أحمد: أنّها فُتحت عنوةً. قال: وسياق القصّة أوضح شاهد -لمن تأمّله- لقول الجمهور. واستدلّ ابن القيّم لذلك بأدلة قطعية، وأطنبَ في الاحتجاج لذلك (١). وحاصله: الاعتمادُ على أنّها فُتحت عنوة. (فلما نزعَهُ)، أي نزع رسولُ اللَّه ﷺ المغفرَ عن رأسه، (جاء) ﷺ (رجلٌ) هو: أبو برزة، واسمه: نضلة بن عُبيد الأسلميُّ، كما جزم به الفاكهاني في "شرح العمدة"، والكرماني في "شرح البخاري". قال البرماوي: وكذا ذكره ابنُ طاهر، (٢) وغيره (٣). (فقال): يا رسول اللَّه! (ابنُ خَطَل). وفي لفظ: إنَّ ابنَ خَطَل، وهو -بفتح الخاء المعجمة والطاء المهملة، بعدها لام-، كان اسمُه عبدَ العُزَّى، ورجَّحه النّووي في "تهذيبه" (٤).

стр. 2113

وقيل: غالبُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ عبدِ مناف، قاله ابن الكلبي. وقيل: اسمهُ هلال، ذكره الدارقطني في "سننه" (١). وقيل: اسمه عبد اللَّه، وهذا سماه به رسول اللَّه ﷺ لما أسلمَ قبل رِدَّته. واسم خَطَل: عبدُ مناف، وخَطَلٌ لقبٌ له؛ لأنّ أحدَ لَحْيَيْهِ كان أنقصَ من الآخر، فظهر أنّه مصروف، وهو من بني تميم بنِ فهرِ بنِ غالبٍ (٢). ومقول قولِ الرّجل: (مُتَعَلِّقٌ بأستارِ الكعبةِ) المشرَّفةِ، وكان ﷺ قد أمر بقتلِه، وقال: "مَنْ قَتَلَ ابنَ خَطَلٍ، فهو في الجنةِ" (٣). فلما دخل المسلمون مكّة، تعلَّقَ بأستار الكعبة المشرَّفة مستعيذًا بها من القتل، (فقال) ﷺ : (اقْتُلُوه)؛ أي: ولو كان متعلقًا بأستار الكعبة، فقتله أبو برزةَ، وشاركه في قتله سعيدُ بنُ حريث. وقيل: القاتلُ له سعيدُ بن ذؤيب. وقيل: الزّبيرُ بنُ العوّام (٤). وقد روى ابنُ أبي شيبةَ من طريق أبي عثمانَ النّهديِّ: أن أبا برزةَ

стр. 2114

الأسلميَّ قتلَ ابنَ خطل، وهو متعلّق بأستارِ الكعبة (١). إسنادُه صحيح مع إرساله. وله شاهدٌ عن الإمام ابن المبارك في كتاب "البِرِّ والصِّلَة" من حديث أبي برزةَ نفِسه (٢). ورواه الإمامُ أحمدُ من وجه آخر (٣). قال الحافظ ابنُ حجر: وهو أصحُّ ما ورد في تفسيرِ قاتلِه، وبه جزم البلاذري، وغيرُه من أهل العلم بالأخبار. وتُحمل بقيةُ الروايات على أنهم ابتدروا قتلَه، فكان المباشرَ له منهم أبو برزة، ويحتمل أن يكون غيرُه شاركه فيه (٤). وكان قتلُه بين المقامِ وزمزم. واختُلف في سبب قتله، فقيل: إنّه كان يكتب لرسول اللَّه ﷺ ، فإذا نزل قوله تعالى: غفورٌ رحيمٌ، كتب: رحيمٌ غفورٌ، وسميعٌ عليمٌ، يكتبُ: عليمٌ سميعٌ، فعلم النَّبي ﷺ بذلك، فقال: "غفورٌ رحيمٌ ورحيمٌ غفورٌ واحدٌ"، ثمّ قال: أنا ما كنت أكتبُ إلّا ما أريد، ثمّ كفر ولحقَ بمكّة (٥). وقال البغوي وغيره: أمّا أمرُ النَّبي ﷺ بقتله، لأنّه كان مسلمًا، فبعثه رسولُ اللَّه ﷺ ساعيًا على الصدقات، وكان له مولًى يخدمه، وكان مسلمًا، فنزل منزلًا، وأمر المولى أن يصنع له طعامًا، فاستيقظ ولم يصنع له شيئًا،

стр. 2115

فعدا عليه فقتله، ثمّ ارتدَّ مشركًا، وكانت له قَيْنَتان، وكان يقول الشّعرَ يهجو به رسولَ اللَّه ﷺ ، ويأمر قينتيه، وكانتا فاسقتين يتغنيان بهجاء رسول اللَّه ﷺ ، فأمر ﷺ بقتلهما معه (١)، وهما: فُرْتَنى -بضم الفاء وسكون الرّاء وفتح المثنّاة فوق، بعدها نون ثمّ ألف مقصورة-، وقَريبة -ضد بعيدة-. وقُتلت إحداهما، وهربت الأخرى حتّى استُؤْمن لها من رسول اللَّه ﷺ ، فأمَّنَها. قال السّهيلي: التي أسلمت فُرْتَنى (٢). وكلُّ مَنْ قُتل بمكّة إنّما قُتل بالخصوصية للمصطفى ﷺ في السّاعة التي أحلَّ اللَّهُ له مكة (٣) -كما تقدم-. * * *

стр. 2116

الحديث الثاني عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ، مِنَ الثَنِيَّةِ العُلْيَا الَّتِي بِالبَطْحَاءِ، وَخَرَجَ مِنَ الثَّنِيةِ السُّفْلَى (١). * * * (عن) أبي عبدِ الرحمنِ (عبدِ اللَّه بنِ) أمير المؤمنين (عمرَ) بنِ الخطّاب (﵄: أَن رسولَ اللَّه ﷺ دخلَ مكّةَ) المشرّفةَ (من كَدَاءٍ) -بفتح الكاف والدّال المهملة ممدودًا منونًا، على إرادة الموضع-.

стр. 2117

وقال أبو عبيد: لا يصرف؛ أي: على إرادة البقعة؛ للعلَمية والتأنيث (١). (من الثَّنِيةِ العُلْيا التي) ينزل منها إلى المُعَلَّى ومقابر مكة بجنب المحصَّب. والثنيّةُ -بفتح المثلثة وكسر النُّون وتشديد المثنّاة التحتيّة-: كلُّ عَقَبةٍ في جبلٍ أو طريقٍ عاليةٍ فيه، وهذه الثنيةُ كانت صعبةَ المرتقى، فسهَّلها معاويةُ، ثم عبدُ الملك، ثمّ المهديُّ (٢)، ثمّ سُهّل منها سنة إحدى عشرة وثمان مئة موضعٌ، ثمّ سُهِّلت كلُّها في زمن سلطانِ مصرَ الملكِ المؤيَّد في حدود العشرين وثمان مئة (٣). التي هي (بالبَطْحاء) -بفتح الموحّدة-. قال الجوهري: الأَبْطَحُ: مَسِيلٌ واسعٌ فيه دِقاق الحصى (٤). والعُلْيا -بضم العين-: تأنيث الأعلى. وهذه الثنيّة يُنزل منها إلى الحَجُون -بفتح الحاء المهملة وضم الجيم- التي هي مقبرة مكّة (٥). (وخرجَ) من مكّةَ ﷺ يومَ خرجَ (من الثنيةِ السُّفْلَى) -بضم السّين المهملة، تأنيث الأسفل-، وهي التي بقرب شعب الشافعيين من ناحية جبل قُعَيْقعان، بأسفل مكة عند باب شبيكة.

стр. 2118

وكان بناء هذا الباب عليها في القرن السّابع (١). ويقال لها: كُدًّى -بضم الكاف وتنوين الدّال المهملة- عند ذي طوى. وأمّا كُدَيّ -مصغّرًا-، فإناخةٌ لمن خرج من مكّة إلى المدينة. وليس من هذين الطّريقين في شيء، نقله في "المطلع" عن ابن حزم (٢). وغيرُ ابنِ حزم يقول: كُدَيّ -مصغَّر-: الثنيّةُ السُّفلى، ويدلّ عليه شعرُ عُبيدِ اللَّه بنِ قيس (٣): [من الخفيف] أَقْفَرَتْ بَعْدَ عَبْدِ شَمْس كَدَاءُ ... فَكُدَيٌّ فالرُّكْنُ فَالْبَطْحَاءُ فَمِنًى فَالْجِمَارُ مِنْ عَبْدِ شَمْسٍ ... مُقْفِرَات فَبَلْدَحٌ فَحِرَاءُ بلدح: وادٍ قبل مكَّة، أو جبل، حِراءٌ: جبلٌ معروف. والمعنى في كون الدُّخول من الثنية العليا، والخروجِ من السّفلى: الذّهابُ من طريق، والإياب من أخرى؛ كالعيد؛ لتشهد له الطّريقان. وخُصت العليا بالدّخول: مناسبة للمكان العالي الذي قصده، والسُّفلى للخروج، مناسبة للمكان الذي يذهب إليه؛ لأنَّ إبراهيم الخليل ﵇ حين قال: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، كان على العُلْيا، كما روي عن ابن عبّاس ﵄، قاله السّهيلي (٤). تتمّة: ويستحبُّ دخولُ المسجد الحرام من باب بني شيبة.

стр. 2119

وفي "أسباب الهداية": ليقلْ حينَ دخوله: باسم اللَّه، وباللَّه، وإلى اللَّه، اللهمَّ افتحْ لي أبوابَ فضلِك. ذكره في "الفروع" (١). فإذا رأى البيتَ: رفع يديه، نصّ عليه الإمام أحمد (٢). وقال: اللهمَّ أنتَ السّلامُ ومنكَ السّلام فَحَيِّنا ربَّنا بالسَّلام، اللهمَّ زِدْ هذا البيتَ تعظيمًا وتكريمًا وتشريفًا ومهابةً وبِرًّا، وزِدْ مَنْ عَظَّمَهُ وشَرَّفَه مِمَّنْ حَجَّهُ واعتمرَهُ تعظيمًا وتشريفًا وتكريمًا ومهابة وبِرًّا، الحمدُ للَّه ربِّ العالمين كثيرًا كما هو أهله، وكما ينبغي لكرَمِ وجهِه وعِزِّ جلالِه، والحمدُ للَّهِ الذي بَلَّغني بيتَه، ورآني لذلك أهلًا، والحمدُ للَّه على كلّ حالٍ. اللهمَّ إنّك دعوتَ إلى حجّ بيتِكَ الحرامِ، وقد جئتُك لذلك، اللهمَّ تقبَّلْ مِنِّي، واعفُ عَنّي، وأَصْلحْ لي شأني كُلَّه، لا إلهَ إلّا أنت (٣). يرفع بذلك صوته إن كان رجلًا، وينظر إلى الكعبة المشرّفة، فقد روى ابن الجوزي في "مثير العزم السّاكن": أنّ النَّبيَّ ﷺ قال: "يُنْزِلُ اللَّه على هذا البيتِ عشرينَ ومِئَةَ رحمةٍ، عِشْرونَ للنَّاظِرينَ" (٤). وروى جعفرٌ الصادقُ بنُ محمدٍ الباقرِ عن أبيه، عن جدّه، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "النَّظَرُ إلى البيتِ الحرامِ عِبادةٌ" (٥).

стр. 2120

وروى ابنُ الجوزي بسنده عن ابن عباس ﵄: أنّه قال: "النَّظَرُ إِلى الكَعْبَةِ مَحْضُ الإيمانِ" (١). وقال ابنُ المسيّب: من نظرَ إلى الكعبة إيمانًا وتصديقًا، خرج من الخطايا كيومَ ولدتْه أُمُّه. وقال عطاء: الناظرُ إلى البيت كمنزلة الصّائمِ القائمِ الدّائمِ المخبِتِ المجاهدِ في سبيل اللَّه. كلُّه من "العزم السّاكن" (٢). واللَّه أعلم. * * *

стр. 2121

الحديث الثالث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ البَيْتَ، وَأسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَبِلَال، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمُ البَابَ، فَلَمَّا فَتَحُوا، كنتُ أَوَّلَ مَنْ وَلَجَ، فَلَقِيتُ بلَالًا، فَسَأَلْتُهُ: هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، بَيْنَ العَمُودَيْنِ اليَمَانِيَيْنِ (١). * * * (عن) أبي عبدِ الرّحمنِ (عبدِ اللَّه بنِ) أميرِ المؤمنين (عمرَ) الفاروقِ (﵄، قال: دخلَ رسولُ اللَّه ﷺ البيتَ) الحرامَ عامَ الفتح هو

стр. 2122

(وأسامةُ بنُ زيد) بنِ حارثةَ الحِبِّ بنِ الحِبِّ، (وبلالُ) بنُ حمامةَ المؤذنُ ﵃ (وعثمانُ بنُ طلحةَ) بنِ أبي طلحةَ عبدِ اللَّه بنِ عبدِ العزّى بنِ تميم بنِ عبدِ الدّارِ بنِ قُصَيٍّ الجُمَحِيِّ. هاجر إلى رسول اللَّه ﷺ في هدنة الحُدَيبية مع خالدِ بن الوليد، فلقيا عمرَو بنَ العاص منصرفًا من عند النجاشي يريدُ الهجرة، فاصطحبوا جميعًا حتّى قَدموا على رسول اللَّه ﷺ ، فقال حين رآهم: "رَمَتْكُمْ مَكَّةُ بِأَفْلاذِ كَبِدِها" (١)، يقول: إنّهم وُجوهُ أهلِ مكّة، فأسلموا، ثمّ شهد عثمانُ بنُ طَلحةَ ﵁ فتحَ مكّة، فدفع له رسولُ اللَّه ﷺ مفتاحَ الكعبة، فقال: "خُذُوهَا يا بَنِي طَلْحَةَ خَالِدَةً تَالِدَةً لا يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إِلَّا ظالِمٌ" (٢). وكان أبو طلحة قُتل كافرًا يومَ أحد، قتله سيدُنا عليُّ بن أبي طالب ﵁، ثمّ نزلَ عثمانُ بنُ طلحةَ المدينةَ، فأقام بها حتى وفاةِ النَّبي ﷺ ، ثمّ تحوّل إلى مكّةَ، فمات بها في أوّل خلافةِ معاويةَ، سنة اثنتين وأربعين. وقيل: استُشهد يومَ أَجنادَين -بفتح الدّال على مثال تثنية أجناد-. وقيل: -بالكسر-، كما في البرماوي (٣).

стр. 2123

(فأغلقوا عليهم البابَ) من داخل؛ كما عند أبي عوانة (١). وزاد النّسائي: أنّ فيهم الفضلَ بنَ العبّاس، (٢) فيكونون أربعة. زاد يونس: فمكثَ نهارًا طويلًا. وفي رواية فليح: "زمانًا"، (٣) بدلَ "نهارًا". ولمسلمٍ: فمكث فيه مليًّا (٤). وفي رواية له أيضًا: فمكثَ فيها ساعةً (٥). قال ابن الجوزي في "مثير العزم السّاكن": قد صحّ عن النَّبي ﷺ أنّه دخل البيتَ، وصلَّى فيه. فيُستحبُّ للإنسانِ دخولُه حافيًا. قال: وأوّلُ من خلعَ نعليه عندَ دخولِ الكعبةِ في الجاهلية: الوليدُ بنُ المغيرة، فخلعَ النّاس نِعالهم في الإسلام (٦). قال ابن عمر ﵄: (فلمّا فتحوا) البابَ (كنتُ أَوَّلَ مَنْ وَلَجَ) -بفتح الواو واللَّام-؛ أي: دخل، (فلقِيتُ) -بكسر القاف- (بلالًا). زاد في رواية مجاهد في "الصّحيح": عن ابن عمر: وأجد بلالًا قائمًا

стр. 2124

بين البابين؛ (١) أي: المصراعين؛ كما في "الفتح"، (٢)، (فسألتُه)؛ أي: بلالًا: (هل صلّى فيه)؛ أي: البيتِ (رسولُ اللَّه ﷺ ؟ قال) بلال: (نعم) صلّى فيه (بينَ العمودين اليمانِيَيْنِ) -بتخفيف الياء-؛ لأنهم جعلوا الألف بدل إحدى ياءي النّسبة، وجوَّزَ سيبويهِ التشديدَ (٣). وفي رواية مالك عن نافع: جعل عمودًا عن يمينه، وعمودًا عن يساره (٤). وفي رواية فليح: صلّى بين ذَيْنِكَ العمودين المقدَّمين، وكان البيتُ على ستّةِ أعمدة، سطرين، صلّى بين العمودَين من السَّطر المقدَّم، وجعلَ بابَ البيت خلفَ ظهره. وقال في آخر روايته: وعندَ المكان الذي صلّى فيه مَرْمَرَةٌ حمراءُ (٥). وكلّ هذا إخبار عما كان عليه البيتُ قبل أن يُهدم ويبنى في زمن ابن الزّبير ﵄. فأمّا الآن، فقد بيّن موسى بنُ عقبة في روايته عن نافع: أنَّ بينَ موقفه ﷺ وبين الجدار الذي استقبله قريبًا من ثلاثة أذرع. وقد جزم برفعها مالك عن نافعٍ فيما أخرجه أبو داود، والدّارقطني في

стр. 2125

"الغرائب"، وأبو عوانة، (١) فينبغي لمن أراد الاتباعَ في ذلك أن يجعل بينَه وبين الجدار ثلاثةَ أذرع، فتقع قدماه في مكان قدميه ﷺ إن كانت ثلاثة أذرع سواء، أو تقع ركبتاه أو يداه أو جبهته، إن كان أقلّ من ذلك (٢). تنبيه: اختلف الفقهاء في جواز الصّلاة في الكعبة المشرّفة، فإمامنا ﵁ فرّق بين الفرض والنّفل، فاستحبّ النّفلَ فيها. نقل الأثرم عنه: يصلّي فيه إذا دخلَه وجاهه، كذا فعل النَّبيُّ ﷺ . ونقل أبو طالب عنه: يقوم كما قام النَّبي ﷺ بين الأسطوانتين (٣). قال ابن الجوزي في "مثير العزم السّاكن": يستحبّ أن يصلّي فيه النّوافل بينَ العمودين المقدَّمين، كما صلّى النَّبيُّ ﷺ . قال: وقال مجاهد: دخولُ الكعبة دخولٌ في حسنة، وخروجٌ منها خروج من سيئة (٤). ومعتمد المذهب: عدمُ صحةِ الفريضةِ في الكعبة، وعلى ظهرها، إلّا إذا وقف على منتهاها بحيث لم يبقَ وراءه شيء منها، أو صلّى خارجَها وسجدَ فيها (٥). وقال ابن دقيق العيد: ومالكٌ فرّق بين الفرض والنّفل، فكره الفرضَ،

стр. 2126

أو منعه، وخفّف في النّفل؛ لأنَّه مظنّةُ التخفيف في الشروط، كذا قال (١). وفي "اختلاف الأئمة" لأبي المظفر عونِ الدّين بنِ هبيرة: وأجمعوا على أنّ صلاة النّفل في الكعبة تصح. واختلفوا في صلاة الفريضة في جوف الكعبة، أو على ظهرها، فقال أبو حنيفة: إذا كان بين يدي المصلّي شيء من سمتها، جازَ. وقال الشّافعي: لا تصحُّ الصّلاةُ على ظهرها، إلّا أن يستقبل سترةً مبنيّةً بجصٍّ أو طين، فإن كان لَبِنًا أو آجُرًّا على ظهرها بعضُه فوقَ بعض، لم يجز. وإن غرز خشبة، فعلى وجهين عند أصحابه، وإن صلّى في جوفها مقابلًا البابَ، لم يجز إلّا أن يكون بين يديه عتبة شاخصة متّصلة بالبناء. وقال: وعن مالك روايتان: المشهورةُ كمذهبِ أحمد. وفي رواية أصبغ: قال عبد الوهّاب، وهو المشهور عند المحققّين لأهل مذهبنا. والرواية الأخرى: أنّها تجوز مع الكراهة، انتهى (٢). قلت: وظاهر نقل "الفروج" عن الأئمة الثّلاثة: صحةُ الفرض فيها، وعليها، واختاره الآجري من علمائنا. نعم، لابدّ من شاخص متصل بها عند الشّافعي، واللَّه أعلم (٣). * * *

стр. 2127

الحديث الرابع عَنْ عُمَرَ ﵁: أنهُ جَاءَ إلَى الحَجَرِ الأَسْوَدِ، فَقَبَّلَهُ وَقَالَ: إِنِّي لأَعْلَمُ أَنّكَ حَجَر لَا تَضُر وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قبلْتُكَ (١).

стр. 2128

(عن) أميرِ المؤمنينَ (عمر) بنِ الخطّاب (﵁: أنه جاء إلى الحجر الأسودِ، فقبَّلَه). فيسنّ تقبيلُه بوضع الشَّفتين عليه من غير إظهار صوت ولا طنينٍ للقبلة؛ كما قاله الشّافعي (١). وروى الفاكهي من طريق سعيدِ بنِ جبير، قال: إذا قبّلت الحجرَ، فلا ترفعْ بها صوتك كقبلةِ النّساء (٢). (وقال) سيدنا عمرُ بعدَ تقبيله: (إنّي لأعلمُ أَنَّك حجرٌ) يخاطب الحجر الأسود (لا تضرُّ ولا تنفعُ). إنما قال ذلك؛ ليبيِّنَ به أنه فعلَ ذلك اتباعًا، وليزيل بذلك الوهمَ الذي كان ترتّب في أذهان الناس من أيام الجاهلية، ويحقق عدم الانتفاع بالأحجار من حيث هي هي كما كانت الجاهلية تعتقد في الأصنام (٣). (ولولا أنّي رأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقبّلُكَ ما قبلتك)، ولكن متابعتَه ﷺ مشروعة لا مندوحَةَ عنها، وإن لم يُعقل معناها، ويشعر ذلك: بتعظيم الحجر والتّبرك به. وفيه: الاختبار والابتلاء للعقل؛ ليعلم بالمشاهدة طاعة من يطيع، وذلك شبيه بقصّة إبليس حيث أُمر بالسّجود لآدم؛ كذا قال في القسطلاني (٤). قال شيخ الإسلام ابن تيمية، كما في "الفتاوى المصرية": وزاد

стр. 2129

بعضهم: أنّ أبا بكر ﵁ قال؛ يعني: لمّا قال عمر ﵁ ما قال: بل ينفعُ ويشفعُ، وقال: هذه الزّيادة كذبٌ. قال: وروى الأزرقيُّ عن عليٍّ في ذلك أثرًا، لكن إسناده ضعيف (١). قلت: يشير إلى ما رواه الحاكم أيضًا زيادة عمّا في "الصّحيحين": فقال علي بن أبي طالب: بلى يا أمير المؤمنين، يضرُّ وينفعُ، ولو علمتَ تأويلَ ذلك من كتاب اللَّه تعالى، لقلت: إنّه كما أقول، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]. فلمّا أقرّوا أنّه الرّب ، وأنّهم العبيد، كتبَ ميثاقهم في رَقٍّ، وألقمه هذا الحجرَ، وإنّه يُبعث يوم القيامة وله عينانِ ولسانٌ وشفتانِ يشهد لمن وافى بالموافاة، فهو أمين اللَّه في هذا الكتاب. فقال له عمر: لا أبقاني اللَّهُ بأرضٍ لستَ بها يا أبا الحسن. قال الحاكم: ليس هذا -يعني: زيادة ما عن علي- على شرط الشّيخين؛ فإنهما لم يحتجّا بأبي هارون العبدي. قال الذهبي في "مختصره" عن العبدي: إنّه ساقط (٢). وقال ابن الجوزي في "مثير العزم السّاكن": في حديث عمر من الفقه: أنّ عمر ﵁ نبّه على مخالفة الجاهلية من تعظيم الأحجار، وأخبرَ: أَنّي إنّما فعلتُ ذلك للسنة، لا لعادة الجاهلية.

стр. 2130

وفيه: متابعةُ السنن، وإن لم يوقَفْ لها على علل. قال: على أنّه قد ذُكرت علتان في تقبيل الحجر ولمسه: إحداهما: أنّه قد رُوي في الحديث: "الحجرُ الأسودُ يمينُ اللَّهِ في الأرض" (١). وكان ذلك في ضرب المثل كمصافحة الملوك للبيعة، وتقبيل المملوك يد المالك. ثمّ روى بسنده عن ابن عبّاس ﵄: أنّه قال: الحجرُ الأسودُ يمينُ اللَّه في الأرض، فمن لم يدركْ بيعةَ رسولِ اللَّه، فمسحَ الحجرَ، فقد بايعَ اللَّهَ ورسولَه (٢). وروي عن ابن عبّاس في لفظ آخر، قال: الرُّكْنُ الأسودُ يمينُ اللَّه يصافحُ بها عباده، كما يصافح أحدُكم أخاه (٣). العلة الثانية: أن اللَّه لمّا أخذ الميثاقَ، كتب كتابًا على الذريّة، فألقمه الحجر، فهو يشهدُ للمؤمن بالوفاء، وعلى الكافر بالجحود. قال ابن الجوزي: وهذا مروي عن علي بن أبي طالب -رضوان اللَّه عليه-. قال العلماء: ولهذه العلة يقول لامِسُه: إيمانًا بكَ، ووفاء بعهدك.

стр. 2131

وروى ابن الجوزي بسنده من حديث ابن عبّاس ﵄، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لَيُبْعَثَنَّ هَذَا الحَجَرُ يَوْمَ القِيامَةِ لَهْ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا، ولِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ، يَشْهَدُ عَلَى مَنِ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ" (١). قلت: ورواه الطبراني في "الأوسط" من حديث عائشة ﵂، ورواته ثقات، إلّا الوليدَ بنَ عبّاد، مجهول، ولفظه: قالت عائشة ﵂: قال رسول اللَّه ﷺ : "أَشْهِدُوا هَذَا الحَجَرَ خَيْرًا؛ فإنَّهُ يومَ القيامةِ شافِع يشفَعُ، له لِسان وشَفَتانِ يشهدُ لِمَنِ اسْتَلَمَهُ" (٢). وعن عبدِ اللَّه بنِ عمروِ بنِ العاص ﵄، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يَأْتي الرُّكْنُ الأَسْوَدُ يومَ القِيامةِ أَعْظَمَ مِنْ أَبي قُبَيْسٍ، لَهُ لِسانٌ وشَفَتانِ" رواه الإمام أحمد بإسناد حسن، (٣) والطبراني في "الأوسط"، وزاد: "يشهد لمن استلمه بالحقّ، وهو يمين اللَّه يصافح بها خلقه" (٤). وابنُ خزيمة في "صحيحه"، وزاد: "يتكلم عَمَّنِ استلمه بالنَّيةِ، وهو يمينُ اللَّهِ التي يصافحُ بها خَلْقَهُ" (٥). * * *

стр. 2132

الحديث الخامس عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ المُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ، وَقَدْ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكنَيْنِ، وَلَم يَمْنَعْهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا، إِلَّا الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ (١). * * * (عن) أبي العبّاسِ حبرِ هذهِ الأمةِ (عبدِ اللَّه بنِ عبّاسٍ ﵄، قال: قدمَ رسولُ اللَّه ﷺ ) هو (وأصحابهُ) مكّةَ في عُمرة القضيّة

стр. 2133

سنة سبع، (فقال المشركون) من قريش: (إنّه)؛ أي: النَّبي ﷺ (يقدَم) -بفتح الدّال مضارع قَدِم بكسرها-؛ أي: يَرِدُ (عليكم)، (و) الحال أنّه (قد) -بالقاف- (وَهَنَتْهُم). وفي لفظ: قد -بحذف حرف العطف، وفتح هاء وَهَنهم من غير فوقيّة-؛ أي: أضعفتهم، يعنون: الصّحابة ﵃ (١). (حُمَّى يثربَ) -بفتح الموحدة غيرُ منصرف-: اسمُ المدينة النبويّة في الجاهليّة. وفي رواية: يقدم عليكم وَفْدٌ -بالفاء، والرّفع- فاعل يقدم؛ أي: جماعة، وحينئذ يكون قولُه: "وَهَنَهم حُمَّى يثربَ" في موضع رفع صفة لوفد، وضمير "إنّه" ضمير الشّأن (٢). (فأمرهم النَّبيُّ ﷺ أن يَرْمُلُوا) -بضم الميم مضارع رَمَل بفتحها-، والرَّمَلُ -بفتح الرّاء والميم-: هو سرعةُ المشي مع تقارُب الخطا دونَ العَدْوِ والوثوبِ، فيما قاله الشّافعي (٣). قال الجوهري: الرَّمَلُ -بالتّحريك-: الهرولة، رَمَلْتُ بينَ الصّفا والمروةِ رَمَلًا ورَمَلانًا (٤).

стр. 2134

وذكر الحنفيّة: الرَّمَلُ هو: أن يَهُزَّ كتفيه في مشيهِ كالمتبخترِ بينَ الصّفين (١). والذي جزم به علماؤنا: هو أن يسرعَ في المشي مع تقارُب الخطا؛ كما قال الشّافعي. وإنّه أولى من الدُّنُوِّ إلى البيت. قال في "الفروع"، وفي "الفصول": العدوُ في المسجد على مثل هذا الوجه -يعني: غير الرّمل- مكروهٌ جدًّا، كذا قال. قال في "الفروع": يتوجّه: تركُ الأَوْلى، انتهى (٢). (الأشواطَ الثّلاثةَ) ليُرِيَ المشركين قوّتهم بهذا الفعل؛ لأنّه أفظعُ في تكذيبهم، وأبلغُ في نِكايتهم (٣). وكذا قالوا، كما في "مسلم": هؤلاء الذين زعمتم أنّ الحمّى [قد] وهنتهم، هؤلاء أجلدُ من كذا وكذا (٤). وفي رواية: ما يرضَوْنَ بالمشي، أَما إنّهم لينقُزون نقزَ الظّباء (٥). وكان ﷺ يكايدهم بكلّ مُستطاع. قوله: ينقزون: هو -بالقاف والزّاي-؛ أي: يَثِبون وَثْبًا (٦).

стр. 2135

والأشواط: جمع شَوْط -بفتح الشّين المعجمة-، والمراد به هنا: الطَّوْفَةُ حولَ الكعبة -زادها اللَّه شرفًا- (١). (و) أمرهم ﷺ (أن يمشوا ما بينَ الرُّكنين) اليمانيين؛ حيث لا يراهم المشركون؛ لأنّهم كانوا ممّا يلي الحجر من قِبَلِ قُعيقعان، وهذا منسوخٌ بالحديث الذي يأتي بعده -إن شاء اللَّه تعالى- (٢). قال ابن عبّاس ﵄: (ولم يمنعْهم) ﷺ (أن يرمُلوا)؛ أي: من أن يرملوا، فحذف الجار لعدم اللّبس. وفي لفظ: ولم يمنعْه أن يأمرهم أن يرمُلوا (الأشواطَ كلَّها)؛ أي: بأن يرملوها؛ يعني: لم يمنعه ﷺ أن يأمرهم بالرَّمل في الطّوفات كلّها (إلّا الإبقاءُ عليهم) -بكسر الهمزة وسكون الموحدة وبالقاف ممدودًا- مصدرُ أَبقى عليه: إذا رفقَ به، وهو مرفوع فاعل "لم يمنعه"، لكن الإبقاء لا يناسب أن يكون هو الذي منعَهم من ذلك؛ إذ الإبقاءُ معناه الرّفق؛ كما في "الصحاح" (٣)، فلابدّ من تأويله بأداة ونحوها؛ أي: لم يمنعهم من الرّمل في الأربعةِ إلّا إرادتُه ﷺ الإبقاءَ عليهم، فلم يأمرهم به، وهم لا يفعلون شيئًا إلّا بأمره. وقول الزّركشي في "شرح البخاري"، وتبعه البدر العيني، (٤) كالحافظ ابن حجر في "الفتح": (٥) يجوز النّصبُ على أنّه مفعول لأجله، ويكون في

стр. 2136

"يمنعهم" ضميرٌ عائد إلى النَّبي ﷺ هو فاعله. تعقّبه في "المصابيح": بأنّ تجويز النّصب مبني على أن يكون في لفظ حديث البخاري: لم يمنعهم، وليس كذلك، وإنّما فيه: لم يمنعْهُ، فرفعُ "الإبقاء" متعينٌ؛ لأنّه الفاعل. وهذا الذي قاله الزّركشي وقع للقرطبي في "شرح مسلم" (١). وفي الحديث: ولم يمنعهم، فجوّز فيه الوجهين، وهو ظاهر، لكن نقله إلى ما في البخاري غيرُ متأتٍّ، ذكره القسطلاني (٢). قلت: وسائر نسخ "العمدة" التي وقفنا عليها: ولم يمنعهم -بميم الجمع-. ولم يذكره مسلم في كتاب الحج، ولا البخاري فيما رأيت، إنّما ذكرا: ولم يمنعه، واللَّه أعلم. * * *

стр. 2137

الحديث السادس عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: رَأيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ يقدمُ مَكَّةَ، إذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الأَسْوَدَ، أَوَّلَ مَا يَطُوفُ يَخُبُّ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ (١). * * * (عن) أبي عبدِ الرحمنِ (عبدِ اللَّه بنِ) أميرِ المؤمنين (عمر -رضي اللَّه

стр. 2138

عنهما-، قال: رأيت رسولَ اللَّه ﷺ حين يقدم مكّةَ) المشرّفة (إذا استلمَ الرُّكنَ الأسودَ أوّلَ ما يطوفُ) ظرف مضاف إلى "ما" المصدرية. (يَخُبُّ) -بفتح المثنّاة التحتيّة وضم الخاء المعجمة وتشديد الموّحدة-؛ من الخَبَبِ: ضربٌ من العدو، أي: يَرْمُلُ (١) (ثلاثةَ أشواطٍ). ولفظ البخاري، ومسلم: ثلاثةَ أطوافٍ من السَّبْعِ (٢). وفي لفظ لمسلم من حديث ابن عمر ﵄، قال: كان ﷺ إذا طافَ بالبيت الطّوافَ الأوّل، خَبَّ ثلاثًا، ومشى أربعًا (٣). وفي "الصحيحين" من حديث ابن عمر أيضًا، واللفظ لمسلم: كان ﷺ إذا طافَ في الحجّ والعمرة أوّل ما يقدَمُ، فإنّه يسعى ثلاثةَ أطوافٍ بالبيت، ثمّ يمشي أربعًا، ثمّ يصلّي سجدتين، ثمّ يطوفُ بين الصَّفا والمروةِ (٤). ولفظ البخاري: سعى النَّبي ﷺ ثلاثةَ أشواط، ومشى أربعةً في الحجّ والعمرةِ (٥). وفي مسلم، وكذا البخاري من حديث ابن عمر أيضًا: رملَ رسولُ اللَّه ﷺ من الحَجَر إلى الحَجَر ثلاثًا، ومشى أربعًا (٦).

стр. 2139

وفي لفظ من حديث جابر ﵁، قال: رأيتُ رسول اللَّه ﷺ رملَ من الحَجَر الأسودِ حتَّى انتهى إليه ثلاثةَ أطواف، انفردَ به مسلمٌ (١). تنبيهات: الأوّل: الرّملُ في طواف القدوم في أوّل طوافِه بالبيت سنّةٌ في الأشواط الثّلاثة الأُوَل في حقّ الماشي، لا الرّاكبِ، ولا حاملِ معذورٍ، ولا نساء، ومحرم من مكّة، أو من قربها، ولا في غير الطّواف الأوّل، وهو أولى من الدّنو من البيت بدونه، وإن كان لا يتمكّن من الرّمل أيضًا، أو يختلط بالنّساء، فالدنوُّ أولى، ويطوف كيفَما أمكنه، فإذا وجد فُرْجَةً، رملَ فيها، وتأخيرُ الطّوافِ له ولادّنو، أو لأحدهما، أَوْلى (٢). وقد استقرَّتْ سُنته ﷺ على استيعاب كلِّ طَوْفَة من الطَّوفات الثّلاث من الطَّواف الأول جميع البيت بالرّمل من الحَجَر إلى الحجر؛ لأنّه المتأخرُ من فعله ﷺ (٣). وقد صرّح غيرُ واحد من الأئمة بنسخ عدم الرّمل فيما بين الرُّكنين؛ لثبوت رَمَلِه ﷺ من الحَجَر إلى الحَجَر. وذكر أنّه كان في الحج، فيكون متأخرًا، فيقدَّم على المتقدِّم. قال ابن دقيق العيد: والأكثرُ على استحباب الرَّمَل في طواف القدوم في زمن النَّبي ﷺ وبعدَه، وإن زالتِ العلّةُ التي ذكرها ابنُ عبّاس -رضي اللَّه

стр. 2140

عنهما-، فاستحبابُه في ذلك الوقت لتلك العلّة، وفيما بعدَ ذلك تأسِّيًا واقتداءً بما فعل في زمانه ﷺ . وفي ذلك من الحكمة: تذكُّرُ الوقائع الماضية للسَّلَف الكرام، وفي طَيِّ تذكُّرها مصالحُ دينيّةٌ، إذ تتبيّن في أشياءَ كثيرةٍ، منها: ما كانوا عليه من امتثال أمر اللَّه تعالى، والمبادرة إليه، وبذلِ الأنفس في ذلك. وبهذه النكتة يظهرُ أَنّ كثيرًا من الأعمال الواقعةِ في الحج، ويقال فيها: إنّها تعبُّد، ليست كما قيل، ألا ترى أنّا إذا فعلناها، وتذكَّرنا أسبابَها، حصل لنا من ذلك تعظيمُ الأَوَّلين، وما كانوا عليه من احتمال المشاقِّ في امتثالِ أمر اللَّه تعالى، وكان هذا التّذكُّر باعثًا لنا على مثلِ ذلك، ومقرِّرًا في أنفسنا تعظيمَ الأوّلين؟ وذلك معنًى معقول، مثاله: السّعيُ بينَ الصّفا والمروة؛ فإنّا نتذكّر بفعله قصةَ هاجرَ مع ابنِها إسماعيل ﵇، وترك الخليل لهما في ذلك المكان الموحِش منفردَيْنِ منقطِعَي أسبابِ الحياةِ بالكليّة، مع ما أظهره اللَّه تعالى من الكرامة والآيةِ في إخراجِ الماء لهما، فيظهر لنا من ذلك مصالحُ عظيمة معقولة. وكذلك رميُ الجِمار، إذا فعلناه، تذكّرنا أَنَّ سببه رميُ إبليسَ بالجِمار في هذه المواضع، عند إرادةِ الخليلِ ذبحَ ولده إسماعيلَ، فيحصل لنا من ذلك مصالحُ عظيمةُ النّفع في الدّين (١). وفي "الصّحيحين": أنّ سيّدنا عمرَ ﵁، قال: فما لَنا والرَّمَلَ؟ إنّما كنّا راءَينا به المشركين، وقد أهلكهم اللَّه. ثمّ قال -أي: بعد أن رجع عَمَّا همَّ به-: هو شيءٌ صنعه النَّبيُّ ﷺ ، فلا نحبُّ أن نتركه، ثم رَمَلَ (٢).
следующие страницы →