← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

"يمنعهم" ضميرٌ عائد إلى النَّبي ﷺ هو فاعله. تعقّبه في "المصابيح": بأنّ تجويز النّصب مبني على أن يكون في لفظ حديث البخاري: لم يمنعهم، وليس كذلك، وإنّما فيه: لم يمنعْهُ، فرفعُ "الإبقاء" متعينٌ؛ لأنّه الفاعل. وهذا الذي قاله الزّركشي وقع للقرطبي في "شرح مسلم" (١). وفي الحديث: ولم يمنعهم، فجوّز فيه الوجهين، وهو ظاهر، لكن نقله إلى ما في البخاري غيرُ متأتٍّ، ذكره القسطلاني (٢). قلت: وسائر نسخ "العمدة" التي وقفنا عليها: ولم يمنعهم -بميم الجمع-. ولم يذكره مسلم في كتاب الحج، ولا البخاري فيما رأيت، إنّما ذكرا: ولم يمنعه، واللَّه أعلم. * * *

стр. 2137

الحديث السادس عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: رَأيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ يقدمُ مَكَّةَ، إذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الأَسْوَدَ، أَوَّلَ مَا يَطُوفُ يَخُبُّ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ (١). * * * (عن) أبي عبدِ الرحمنِ (عبدِ اللَّه بنِ) أميرِ المؤمنين (عمر -رضي اللَّه

стр. 2138

عنهما-، قال: رأيت رسولَ اللَّه ﷺ حين يقدم مكّةَ) المشرّفة (إذا استلمَ الرُّكنَ الأسودَ أوّلَ ما يطوفُ) ظرف مضاف إلى "ما" المصدرية. (يَخُبُّ) -بفتح المثنّاة التحتيّة وضم الخاء المعجمة وتشديد الموّحدة-؛ من الخَبَبِ: ضربٌ من العدو، أي: يَرْمُلُ (١) (ثلاثةَ أشواطٍ). ولفظ البخاري، ومسلم: ثلاثةَ أطوافٍ من السَّبْعِ (٢). وفي لفظ لمسلم من حديث ابن عمر ﵄، قال: كان ﷺ إذا طافَ بالبيت الطّوافَ الأوّل، خَبَّ ثلاثًا، ومشى أربعًا (٣). وفي "الصحيحين" من حديث ابن عمر أيضًا، واللفظ لمسلم: كان ﷺ إذا طافَ في الحجّ والعمرة أوّل ما يقدَمُ، فإنّه يسعى ثلاثةَ أطوافٍ بالبيت، ثمّ يمشي أربعًا، ثمّ يصلّي سجدتين، ثمّ يطوفُ بين الصَّفا والمروةِ (٤). ولفظ البخاري: سعى النَّبي ﷺ ثلاثةَ أشواط، ومشى أربعةً في الحجّ والعمرةِ (٥). وفي مسلم، وكذا البخاري من حديث ابن عمر أيضًا: رملَ رسولُ اللَّه ﷺ من الحَجَر إلى الحَجَر ثلاثًا، ومشى أربعًا (٦).

стр. 2139

وفي لفظ من حديث جابر ﵁، قال: رأيتُ رسول اللَّه ﷺ رملَ من الحَجَر الأسودِ حتَّى انتهى إليه ثلاثةَ أطواف، انفردَ به مسلمٌ (١). تنبيهات: الأوّل: الرّملُ في طواف القدوم في أوّل طوافِه بالبيت سنّةٌ في الأشواط الثّلاثة الأُوَل في حقّ الماشي، لا الرّاكبِ، ولا حاملِ معذورٍ، ولا نساء، ومحرم من مكّة، أو من قربها، ولا في غير الطّواف الأوّل، وهو أولى من الدّنو من البيت بدونه، وإن كان لا يتمكّن من الرّمل أيضًا، أو يختلط بالنّساء، فالدنوُّ أولى، ويطوف كيفَما أمكنه، فإذا وجد فُرْجَةً، رملَ فيها، وتأخيرُ الطّوافِ له ولادّنو، أو لأحدهما، أَوْلى (٢). وقد استقرَّتْ سُنته ﷺ على استيعاب كلِّ طَوْفَة من الطَّوفات الثّلاث من الطَّواف الأول جميع البيت بالرّمل من الحَجَر إلى الحجر؛ لأنّه المتأخرُ من فعله ﷺ (٣). وقد صرّح غيرُ واحد من الأئمة بنسخ عدم الرّمل فيما بين الرُّكنين؛ لثبوت رَمَلِه ﷺ من الحَجَر إلى الحَجَر. وذكر أنّه كان في الحج، فيكون متأخرًا، فيقدَّم على المتقدِّم. قال ابن دقيق العيد: والأكثرُ على استحباب الرَّمَل في طواف القدوم في زمن النَّبي ﷺ وبعدَه، وإن زالتِ العلّةُ التي ذكرها ابنُ عبّاس -رضي اللَّه

стр. 2140

عنهما-، فاستحبابُه في ذلك الوقت لتلك العلّة، وفيما بعدَ ذلك تأسِّيًا واقتداءً بما فعل في زمانه ﷺ . وفي ذلك من الحكمة: تذكُّرُ الوقائع الماضية للسَّلَف الكرام، وفي طَيِّ تذكُّرها مصالحُ دينيّةٌ، إذ تتبيّن في أشياءَ كثيرةٍ، منها: ما كانوا عليه من امتثال أمر اللَّه تعالى، والمبادرة إليه، وبذلِ الأنفس في ذلك. وبهذه النكتة يظهرُ أَنّ كثيرًا من الأعمال الواقعةِ في الحج، ويقال فيها: إنّها تعبُّد، ليست كما قيل، ألا ترى أنّا إذا فعلناها، وتذكَّرنا أسبابَها، حصل لنا من ذلك تعظيمُ الأَوَّلين، وما كانوا عليه من احتمال المشاقِّ في امتثالِ أمر اللَّه تعالى، وكان هذا التّذكُّر باعثًا لنا على مثلِ ذلك، ومقرِّرًا في أنفسنا تعظيمَ الأوّلين؟ وذلك معنًى معقول، مثاله: السّعيُ بينَ الصّفا والمروة؛ فإنّا نتذكّر بفعله قصةَ هاجرَ مع ابنِها إسماعيل ﵇، وترك الخليل لهما في ذلك المكان الموحِش منفردَيْنِ منقطِعَي أسبابِ الحياةِ بالكليّة، مع ما أظهره اللَّه تعالى من الكرامة والآيةِ في إخراجِ الماء لهما، فيظهر لنا من ذلك مصالحُ عظيمة معقولة. وكذلك رميُ الجِمار، إذا فعلناه، تذكّرنا أَنَّ سببه رميُ إبليسَ بالجِمار في هذه المواضع، عند إرادةِ الخليلِ ذبحَ ولده إسماعيلَ، فيحصل لنا من ذلك مصالحُ عظيمةُ النّفع في الدّين (١). وفي "الصّحيحين": أنّ سيّدنا عمرَ ﵁، قال: فما لَنا والرَّمَلَ؟ إنّما كنّا راءَينا به المشركين، وقد أهلكهم اللَّه. ثمّ قال -أي: بعد أن رجع عَمَّا همَّ به-: هو شيءٌ صنعه النَّبيُّ ﷺ ، فلا نحبُّ أن نتركه، ثم رَمَلَ (٢).

стр. 2141

الثّاني: يستحبُّ في طواف القدوم مع الرمل اضْطِباعٌ. ففي حديث يَعْلى بنِ أميةَ ﵁: أنَّ النَّبي ﷺ طاف مُضْطَبعًا، وعليه بُرْدَةٌ. رواه ابن ماجه، والتّرمذي، وصحَّحه، وأبو داود، وقال: ببردٍ له أخضرَ (١). ورواه الإمام أحمد، ولفظُه: ولمّا قدمَ مكَّةَ، طاف بالبيت وهو مضطبعٌ ببرد له حَضْرَمِيٍّ (٢). وأخرج الإمام أحمد أيضًا، وأبو داود من حديث ابن عبّاس ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ وأصحابَه اعتمروا من جعرانة، فرملوا بالبيتِ، وجعلوا أرديتَهم تحتَ آباطِهم، ثم قذفوها على عَواتِقهم اليسرى (٣). قال في "الفروع": ثمّ يضطبع بردائِه في طوافه، نصّ عليه -يعني: الإمام أحمد-. وفي "الترغيب": روايةٌ في رمله. وقال الأثرم: يجعل وسطَه تحتَ كتفِه الأيمنِ، وطرفيه فوق الأيسر. وقال: لا يسنُّ رملٌ ولا اضطباع لامرأةٍ، أو مُحْرِمٍ من مكَّة، أو حاملِ معذورٍ، نصّ عليه.

стр. 2142

ولا في غيره -يعني: غير الطّواف الأوّل- (١). قال في "المطلع": قوله: هو أن يَضْطَبِعَ: وزنُه يَفْتَعِلُ؛ من الضَّبْع، وهو العَضُدُ؛ لأنّه لمّا وقعت تاءُ الافتعال بعدَ حرف الإطباق، وجبَ قلبُها طاء؛ لأنّ التّاء من حروف الهمس، والطّاء من حروف الاستعلاء، فأبدل من التّاء حرف استعلاء من مخرجها، وسمّي هذا اضطباعًا؛ لإبداء الضَّبْعَيْنِ (٢). وفي "النهاية": قولُه: "طافَ مضطبعًا وعليه بُرْدٌ أخضرُ": هو أن يأخذَ الإزارَ أو البُرْدَ، فيجعلَ وسطَه تحت إبطِه الأيمنِ، ويلقيَ طرفيه على كتفه الأيسرِ من جهتي صدرِه وظهرِه، وسمّي بذلك؛ لإبداء الضَّبْعَيْن، ويقال للإبط: الضَّبعْ؛ للمجاورة، انتهى (٣). الثّالث: قال ابن دقيق العيد: فيه -يعني: حديث ابن عمر ﵄ دليلٌ على الاستلام للرُّكن. قال: وذكر بعضُ مصنّفي الشّافعية المتأخّرين: أنّ استلام الرُّكن يُستحب مع استلام الحجر أيضًا، قال: وله متمسَّكٌ بهذا الحديث، وإن كان يحتمل أن يكون معنى قوله: استلم الرُّكن: استلم الحجر؛ لأنّ الحجر بعضُ الرُّكن، كما إذا قال: استلم الرُّكن إنّما يريدُ بعضَه، انتهى (٤). قلت: قوله في الحديث: الرّكن الأسود يعني: إرادة الحجر كما لا يخفى، ويأتي الكلام عليه فيما يليه، واللَّه أعلم. * * *

стр. 2143

الحديث السابع عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: طَافَ النَّبيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ (١).

стр. 2144

المِحْجَنُ: عَصًا مَحْنِيَّةُ الرَّأْسِ. * * * (عن ابن عبّاسٍ ﵄، قال: طافَ النَّبيُّ ﷺ ). الطّوافُ: مأخوذ من قولهم: طافَ به؛ أي: أَلَمَّ. يقال: طافَ يطوفُ طَوْفًا وطوفانًا، وتطوَّفَ، واستطاف، كلُّه بمعنى (١). (في حجةِ الوداعِ) متعلقّ بطاف، وإنّما سميّت حجة الوداع؛ لأنّه ﷺ خطبَ النّاس وودَّعهم، فقالوا: هذه حجةُ الوداع (٢). (على بعيرٍ) متعلّق بطاف أيضًا. وفيه: جوازُ الطَّوافِ راكبًا، (٣) وعندَ الإمام أحمد -على معتمد مذهبه-: إنّما يجزىء الطّواف راكبًا لعذر، نقله الجماعة، وعنه: ولغيره، اختاره أبو بكر، وابن حامد. وقال الإمام أحمد ﵁: إنّما طاف النَّبيُّ ﷺ راكبًا؛ ليراه الناس. قال جماعة: فيجيء من هذا: أنّه لا بأسَ به للإمام الأعظم ليري الجهّال (٤). قال ابن دقيق العيد: إنّما طاف ﷺ راكبًا؛ لتظهرَ أفعالُه؛ ليقتدَى بها، وهذا يؤخَذ منه أصلٌ كبير، وهو: أنّ الشيء قد يكون راجحًا بالنظر إلى محله من حيث هو هو، فإذا عارضه أمر آخر أَرجحُ منه، قُدّم على الأوّل من غير أن تزول تلك الفضيلة الأولى، حتّى إذا زال ذاك المعارضُ الرّاجحُ،

стр. 2145

عاد ترجيحُ الأوّل من حيث هو هو، انتهى (١). (يستلم) ﷺ (الرُّكْنَ)، والاستلام: افتعال من السِّلام -بكسر السّين المهملة-، وهي الحجارة، قاله ابن قتيبة (٢). فلمّا كان لمسًا للحجر، قيل له: استلام، أو من السَّلام -بفتحها-، وهو التحية، قاله الأزهري؛ (٣) لأنّ ذلك الفعلَ سلامٌ على الحجر، وأهلُ اليمن يُسمُّون الرُّكنَ الأسودَ: المحيّا، أو هو اسئلام -مهموزًا-؛ من الملاءمة، وهي الاجتماع، أو استفعال من اللأْمة، وهي الدّرع؛ لأنّه إذا لمس الحجرَ، تحصّن بحصنٍ من العذاب، كما يتحصّن باللأْمة من الأعداء. ويكون خفّف بنقل حركة الهمزة إلى اللَّام السّاكنة، ثمّ حُذفت الهمزة ساكنة، كما في "المصابيح" (٤). (بمحجن) قال الحافظ المصنّف ﵀: (المِحْجَن) -بكسر الميم وسكون الحاء المهملة وفتح الجيم- (عَصًا مَحْنِيَّةُ الرّأسِ). وفي "المطالع": مفتوحةُ الرّأس كالمخطف؛ يعني: كان ﷺ يرمي بالمحجن إلى الرُّكن الأسود حتّى يُصيبَه (٥). زاد مسلم من حديث أبي الطّفيل: ويُقَبِّلُ المحجنَ. ولفظه عن أبي الطّفيل: رأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ يطوف بالبيت، ويستلمُ

стр. 2146

الرُّكن بمحجن معه، ويقبّل المحجنَ (١). وفي حديث جابرِ بنِ عبدِ اللَّه ﵄، قال: طاف رسولُ اللَّه ﷺ بالبيت في حجة الوداع على راحلته، يستلمُ الحجرَ بمِحْجَنه؛ لأن يراه النّاس، وليشرفَ، ويسألوه، فإنّ النّاس غَشُوه. رواه مسلم، (٢) وكذا البخاري، إلّا أنّه لم يقل: لأن يراه النّاس. . . إلخ (٣). قال في "الفروع": الطّائفُ يُحاذي الحجرَ الأسودَ أو بعضَه، وهو جهة المشرق بجميع بدنه، فيستلمه بيده اليمنى؛ يعني: يمسحه بها، ويقبّله من غير صوتٍ للقُبلة. ونصّ الإمام أحمد ﵁: ويسجُدُ عليه. وأن ابن عمر وابن عبّاس ﵃ فعلاه. وإن شَقَّ، قَبَّلَ يدَه، فإن شَق، استلمه بشىء، وقَبَّلَه، وهكذا مذهب الشّافعي ﵁ (٤). وعند الحنفية: يضع يديه عليه، ويُقَبّلهما عندَ عدمِ إمكانِ التّقبيل، فإن لم يُمكنه، وضع عليه شيئًا؛ كعَصًا، فإن لم يتمكّن من ذلك، رفع يديه إلى أذنيه، وجعل باطنهما نحو الحَجَر مشيرًا إليه، كأنه واضعٌ يديه عليه، وظهورُهما نحوَ وجهه، ويُقَبِّلهما (٥). وعند المالكية: إن زوحم، لَمَسَهُ بيده، أو بِعُودٍ، ثمّ وضعَه على فيه من

стр. 2147

غير تقبيل، فإن لم يصل، كَبَّرَ إذا حاذاه، ومضى، ولا يشير بيده (١). ومذهبنا: إن لم يقدر على لمسِه بيده، أو بشيء، فإنّه يشير إليه بيده، أو بشيء، ويستقبل الحجرَ بوجهه، ولا يُقَبّل المشارَ به، ولا يزاحم فيؤذي أحدًا؛ (٢) لما روى الإمام أحمد من حديث عمر ﵁: أن النَّبيَّ ﷺ قال له: "إِنَّكَ رجلٌ قويٌّ، لا تُزاحِمْ على الحجرِ فتؤذيَ الضَّعيفَ، إِنْ وجدْتَ خلوةً، فاستلِمْهُ، وإلَّا، فاستقْبِلْهُ، وهَلِّلْ وكبِّرْ" (٣). * * *

стр. 2148

الحديث الثامن عَنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: لَمْ أَرَ النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَلِمُ مِنَ البَيْتِ إِلا الرُّكنَيْنِ اليَمَانِيَيْنِ (١). . * * * (عن) أبي عبدِ الرحمنِ (عبدِ اللَّه بنِ) أمير المؤمنينَ (عمرَ ﵄، قال: لم أرَ النَّبيَّ ﷺ يستلِمُ من البيتِ) الحرامِ في طوافِه (إلّا الرُّكنينِ اليمانِيَيْنِ) -مخفّفة على المشهور-؛ لأنّ الألف فيه عوضٌ عن ياء

стр. 2149

النّسبة، فلو شُدّدت، لزم الجمعُ بين العِوَض والمعوَّضِ (١)، اللَّذَين هما: الرّكنُ الذي فيه الحجرُ الأسود؛ لأنَّ فيه فَضيلتين: كونه فيه الحجر الأسود، وكونه على قواعد إبراهيم، وفي الرّكن اليماني الفضيلةُ الثّانية فقط، ومن ثمّ خصّ الأوّل بمزيد تقبيله دونَ الثّاني؛ بخلاف الرُّكنين الشّاميين؛ لأنهما لم يتمّا على قواعدِ إبراهيمَ، فليسا بركنين أصليين (٢). وفي "صحيح البخاري": سأل رجلٌ ابنَ عمر ﵄ عن استلام الحجر الأسود، فقال: رأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ يستلمُه ويُقَبِّلُه (٣). وفي "مسند الإمام أحمد"، و"سنن أبي داود": عن ابن عمر ﵄: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان لا يدَعُ أن يستلمَ الحجرَ والرّكنَ اليمانيَ في كل طوافه (٤). وفي الطّبراني: الحجرُ الأسودُ يمينُ اللَّه يصافحُ بها خَلْقَه (٥). ورواه ابنُ خزيمة في "صحيحه"، وزاد: يتكلّم عَمَّن استلمه بالنيّة، وهو يمين اللَّه يصافحُ بها خَلْقَه (٦). قال الإمام الحافظ ابنُ الجوزيِّ: وكان ذلك في ضرب المثل؛

стр. 2150

كمصافحةِ الملوكِ للبيعة، [وتقبيل] (١) المملوكِ يدَ المالك (٢). وتقدَّم الكلامُ على ذلك في الحديث الرّابع. وأما حديث ابن عبّاس ﵄: أنَّ رسول اللَّه ﷺ قبّل الرُّكن اليمانيَ، ووضع خَدَّه عليه، رواه جماعة، منهم: ابنُ المنذر، والحاكم، وصحّحَه، فضعَّفه الحذّاقُ من حُفّاظ المحدّثين (٣). فائدة: عن حُميدِ بنِ أبي سوية، قال: سمعتُ ابنَ هشامٍ يسأل عطاءَ بنَ أبي رَباح عن الرُّكن اليماني وهو يطوفُ بالبيت، فقال عطاء: حدّثني أبو هريرة ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "وُكِّل بِهِ سبعونَ مَلَكًا، فَمَنْ قالَ: اللهمَّ إِنّي أسألُكَ العَفْوَ والعافيةَ في الدُّنيا والآخِرَةِ، رَبَّنا آتِنا في الدُّنيا حسنةً، وفي الآخرةِ حسنةً، وقِنا عذابَ النّار، قالوا: آمين". فلمّا بلغَ الرُّكْنَ الأسودَ، قال: يا أبا محمد! ما بلغك في هذا الرُّكن الأسودِ؟ فقال عَطاء: حَدَّثني أبو هريرةَ ﵁: أنه سمعَ رسول اللَّه ﷺ يقول: "مَنْ فَاوضَه فإنما يفاوضُ يدَ الرَّحْمَنِ". قال له ابن هشام: يا أبا محمد! فالطّواف؟ قال عطاء: حدّثني أبو هريرة ﵁: أنّه سمعَ رسولَ اللَّه ﷺ قالَ: "مَنْ طَافَ بِالبيتِ سَبْعًا، ولا يتكلَّمُ إلّا بسبحانَ اللَّهِ والحمدُ للَّهِ ولا إلهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكبرُ، ولا حولَ ولا قوةَ إلّا باللَّه، مُحِيَتْ عنهُ عشرُ سيئات، وكتبَ له عشرُ حَسناتٍ، ورُفِعَ

стр. 2151

له بها عَشْرُ درجاتٍ، ومَنْ طافَ فتكلّمَ وهو في تِلْكَ المقالَةِ، خاضَ في الرَّحْمَةِ بِرِجْلَيْهِ كخائِض الماءِ بِرِجْلَيْهِ". ورواه ابن ماجه عن إسماعيلَ بنِ عيّاش: حدّثني حميدُ بن أبي سوية (١). قال الحافظ المنذريُّ: حسّنه بعض مشايخنا (٢). تنبيه: المعروفُ عند أهل العلم استحبابُ استلامِ الرُّكن اليماني من غير تقبيلٍ. والحديثُ المارُّ: أنّه ﷺ قَبَّله، ووضعَ خدَّه عليه، (٣) وحديثُ: أنّه استلمَ الحجرَ فقبَّله، واستلم الرُّكنَ اليمانيَ فقبَّلَ يده، (٤) ضعيفان. وعلى تقدير ثبوتِ حديث ابن عبّاس المارِّ، فمحمول على الحجر الأسود؛ لأنَّ المعروفَ أنَّ النَّبي ﷺ استلم الرُّكن اليمانيَ فقط. قال الحافظ ابن الجوزي في "مثير العزم السّاكن": استلام الرُّكن اليماني مسنونٌ عند مالكٍ، والشافعيِّ، وأحمدَ. وقال أبو حنيفة: لا يُسَنُّ. قال: والحديثُ حُجّة عليه (٥). * * *

стр. 2152

باب التمتع هو تفعُّلٌ من المتاع، وهو المنفعة، وما تمتّعت به. يقال: تمتّعتُ بكذا، واستمتعت به، بمعنى. والاسمُ منه: المُتْعَةُ، وهي: أن يُحْرِمَ بالعُمْرة في أشهر الحجِّ، ويفرُغَ منها، ثمّ يحرمُ بالحجِّ من مكّةَ، أو قريبٍ منها. وسمّي تمتعًا؛ لتمتُّع صاحبه بمحظورات الإحرام بين المنسكين (١). واعلمْ: أنَّ الحاجَّ مخيَّرٌ بين التمتّعُ، والإفراد، والقِران؛ وفاقًا. وفي "الفروع": ذكره جماعة إجماعًا، (٢). وجزم به ابنُ هبيرة في "اختلاف الأئمة" (٣). نعم، أبو حنيفةَ استثنى المكّيَّ، فقال: لا يصحُّ في حقِّه التمتُّع والقِران، ويكره له فعلها، فإن فعلها، لزمه دم. وأفضلُها عند الإمام أحمدَ: التَّمتُّع، ثمّ الإفرادُ، ثمّ القِرانُ.

стр. 2153

قال الإمام أحمد في رواية صالح وعبد اللَّه: المذهب المختارُ: المتعةُ؛ لأنّه آخرُ ما أمر به النَّبيُّ ﷺ (١) وهو يعمل لكلّ واحد منهما على حِدَة (٢). وقال أبو داود: سمعتُه يقول: نرى التَّمتُّع أفضلَ (٣)، وسمعتُه قال لرجل يريد أن يحجّ عن أُمّه: تمتّعْ أحبُّ إليَّ. وقال إسحاقُ بنُ إبراهيم: كان اختيارُ أبي عبد اللَّه الدُّخولَ بعُمْرَة؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "لو استقبلْتُ من أَمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ، ما سُقْتُ الهَدْيَ، وَلأَحْلَلْتُ مَعَكُمْ" (٤)، كما يأتي في باب: نسخ الحجّ إلى العمرة. قال: سمعتُه يقول: العمرةُ كانت آخرَ الأمرين من رسول اللَّه ﷺ ، لِما يأتي: أنَّه ﷺ أمر أصحابه لمّا طافوا وسَعَوْا أن يجعلوها عُمرةً، إلّا من ساقَ هَدْيًا، وثبتَ على إحرامِه، لسوقِ الهديِ، وتأسَّفَ كما سبقَ، ولا ينقلُهم إلّا إلى الأفضلِ، ولا يتأسَّفُ إلّا عليه. فإن قيل: لَمْ يأمرْهم ﷺ بالفسخ لفضل التَّمتع، بل لاعتقادهم عدمَ جوازِ العُمرة في أشهرِ الحجّ. قلنا: هذا مردود؛ لأنّهم لم يعتقدوه، ثمّ لو فُرض ذلك، لم يكن ﷺ في اختصاصه بذلك مَنْ لم يَسُقِ الهديَ كبيرُ فائدة؛ لأنّهم سواء في الاعتقاد. ثمّ لو كان، لم يتأسف لاعتقاده جوازها فيها، وجعل العلّة فيه سوق

стр. 2154

الهدي، ولأن التمتع في الكتاب العظيم؛ بخلاف غيره. قال عمران: نزلت آية المتعة في كتاب اللَّه تعالى، الحديث (١)؛ كما يأتي في الباب، وقد صحّ عنه ﷺ : أنّه ما خُيِّرَ بينَ أمرين، إلّا اختارَ أيسرهما (٢). وقال ﵊: "إنَّ هَذا الدِّينَ يُسْر" (٣)، و"بُعِثْتُ بالحِنيفِيَّةِ السَّمْحَةِ" (٤). وعند الحنفيّة: القِرانُ أفضلُ. وعند المالكية، والشّافعيّة: الإفرادُ أفضلُ (٥). وصفة الإفراد: أن يحجُّ؛ أي: يحرم بالحج مفردًا، فإذا فرغ منه، اعتمر عُمرةَ الإسلام، إن كانت باقية عليه. وصفةُ القِران: أن يُحرم بالحج والعُمرة معًا، أو يُحرم بالعُمرة، ثمّ يُدخل عليها الحجَّ قبلَ الشُّروع في طوافها، إلّا لمن معه الهديُ، فيصحُّ، ولو بعدَ السّعي، ويصير قارنًا. ولا يعتبر لصحة إدخال الحجّ على العمرة الإحرامُ به في أَشْهُره.

стр. 2155

وأمّا إن أحرم بالحجِّ، ثمّ أدخلَ العمرةَ عليه، لم يصحَّ إحرامُه بها، فلم يصرْ قارِنًا (١). وذكر الحافظ المصنّف في هذا الباب أربعةَ أحاديث: * * *

стр. 2156

الحديث الأول عَنْ أَبِي جَمْرَةَ نَصْرِ بْنِ عِمْرَانَ الضُّبَعِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ المُتْعَةِ، فَأَمَرَني بِهَا، وَسَأَلْتُهُ عَنِ الهَدْيِ، فَقَالَ: فِيهَا جَزُورٌ، أَوْ بقَرَةٌ، أَوْ شَاةٌ، أو شِرْكٌ في دَمٍ، قَالَ: وَكَأنَّ ناسًا كرِهُوهَا، فَرَأيْتُ فِي المَنَامِ كَأَنَّ إنْسَانًا يُنَادِي: حَجٌّ مَبْرُورٌ، وَمُتْعَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ، فَأَتَيْتُ ابْنَ عبَّاسٍ فَحَدثْتُهُ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ! سُنَّةُ أَبِي القَاسِمِ ﷺ (١). * * * (عن أبي جَمْرَةَ) -بفتح الجيم وسكون الميم وبالرّاء-، واسمه: (نَصْر بن عِمرانَ) بنِ عصامٍ (الضُّبَعِيِّ) -بضم الضّاد المعجمة وفتح الموحّدة وبالعين المهملة- نسبة إلى ضُبيعةَ بنِ قيسِ بنِ ثعلبةَ.

стр. 2157

من ثقاتِ التّابعين بالبصرة، اتّفقوا على توثيقه. سمعَ ابنَ عبّاس ﵄. وفي مسلمٍ، وغيرِه: في حديث وَفْدِ عبدِ قيس عنه: أنّه قال: كنت أترجمُ بينَ يدي ابنِ عبّاس وبين النّاس (١). وسمع أيضًا: ابنَ عمرَ، وجاريةَ -بالجيم- بنَ قُدامة، وهلالَ بنَ جعفرٍ، وغيرَهم. روى عنه: سعيدٌ، وحمّادُ بنُ زيد، وحمّادُ بن سلمة، وقتادةُ، وخلق، وأخرجَ له الجماعةُ. قال مسلم: كان مقيمًا بنيسابورَ، ثمّ انصرف إلى مَرْو، ثمّ إلى سَرَخْسَ. وقال أيضًا في كتاب: الجنائز، وصحّحه: إنّه توفي بسَرَخْسَ (٢). قال الترمذي، وغيرُه: توفي سنة ثمان وعشرين ومئة، وليس في الرّواة أبو جمرة -بالجيم- غيرُه (٣). وكان عمرانُ والدُه جليلًا، قاضيَ البصرة. روى عنه: ابنُه، وغيرُهُ، ذكره ابنُ عبد البر، وابن مَنْدَهْ، وأبو نُعيم في الصّحابة.

стр. 2158

قالوا: واختُلف في أنَّه صحابي، أو تابعي؟ سمعَ عمرانَ بنَ حُصَين (١). (قال) أبو جمرة: (سألتُ) عبدَ اللَّه (ابن عبّاس ﵄ عن المتعة)؛ يعني: مشروعيتها واستحبابها بأن يُحرم بالعُمرة في أشهر الحجّ، ويفرغ منها، ثمّ يحجّ من عامه، (٢) (فأمرني) ابنُ عبّاس ﵄ (بها). وفي رواية في "الصّحيحين": قال أبو جمرة: تمتَّعْتُ، فنهاني ناسٌ (٣). قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على أسمائهم، وكان ذلك في زمن عبد اللَّه بن الزبير ﵄؛ فإنّه كان ينهى عن المتعة؛ كما رواه مسلم (٤). قال أبو جمرةَ: (وسألته)؛ يعني: ابنَ عبّاس ﵄ (عن الهَدْي)؛ أي: عن أحكام الهديِ الواجبِ فيها؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، (فقال) ابنُ عبّاس: (فيها جَزُور) -بفتح الجيم وضم الزّاي، على وزن فَعُول-، من الجَزْرِ، وهو القطع من الإبل، تقع على الذّكر والأنثى، (٥) (أو بقرةٌ، أو شاةٌ): واحدة

стр. 2159

الغنم، يُطلق على الذّكر والأنثى من الضّأن والمعز (١)، (أو شِرْك) -بكسر الشّين المعجمة وسكون الرّاء-؛ أي: النّصيب الحاصل للشريك من الشّركة (٢) (في) إراقةِ (دَمٍ). والمراد به هنا على الوجه المصرّح به في حديث أبي داود، قال النَّبي ﷺ : "البقرةُ عن سَبْعَةٍ، والجزورُ عن سبعةٍ" (٣)، فهو من المجمَل والمبيَّن. فإذا شارك غيره في سُبْع بقرة، أو جزور، أَجْزَأَ عنه (٤). (قال) أبو جمرة: (وكأنَّ ناسًا)؛ يعني: كعمرَ بنِ الخطّاب، وعثمانَ بنِ عفان ﵄، وغيرهما ممّن نُقل عنه الخلافُ في ذلك (كرهوها)؛ أي: المتعة. قال: (فنمتُ، فرأيتُ في المنام كَأنَّ إنسانًا). ولابن عساكر: كأَنَّ المناديَ (٥) (ينادي: حَجٌّ مبرورٌ)؛ أي: مقبولٌ، فهو صفة لحجّ. ولابن عساكر: حجّة مبرورة -بالتأنيث فيهما-، (٦) (ومتعةٌ مُتَقَبَّلَةٌ). قال: (فأتيتُ) عبدَ اللَّه (بنَ عبّاس) ﵄، (فحدثتُه).

стр. 2160

وفي لفظ: فأخبرتُ ابنَ عبّاس (١). بما رأيتُ في المنام من قولِ المنادي: حجٌّ مبرورٌ ومتعةٌ. وفي لفظ: وعُمرةٌ متقبلة (٢). (فقال) ابنُ عبّاس ﵄ ([اللَّهُ أَكْبَرُ]) متعجِّبًا من الرؤيا، ومُعْجَبًا بها؛ لموافقتها للسنَّة. وقوله: هذه (سنة أبي القاسم ﷺ )؛ أي: طريقته، واستأنس بالرؤيا لما قام به الدّليل الشّرعي؛ فإنّ الرؤيا الصالحة جزءٌ من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، كما في "الصحيح" (٣). ويجوز نصب "سنّة"، وهي رواية غير أبي ذر من رواة البخاري. قال بعض الشّراح: بتقدير: وافقتَ، أو أتيتَ. قال الزركشي: على الاختصاص، (٤) واعترضه الدّماميني بأنّه لا وجهَ لجعل هذا من الاختصاص (٥). وفي لفظ لمسلم: عن أبي جمرة الضّبعي، قال: تمتّعت، فنهاني ناسٌ عن ذلك، فأتيت ابنَ عبّاس، فسألته عن ذلك، فأمرني بها. قال: ثمّ انطلقتُ إلى البيتِ فنمتُ، فأتاني آتٍ في منامي، فقال: عمرةٌ

стр. 2161

مُتَقَبَّلَةٌ وحجٌّ مبرورٌ، فأتيت ابنَ عبّاس، فأخبرته بالذي رأيت، فقال: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، سنّة أبي القاسم ﷺ (١). زاد البخاري فقال: أقمْ عندي وأجعل لك سهمًا من مالي. قال شعبة: فقلت: لم؟ قال: للرؤيا التي رأيت (٢). واللَّه أعلم. * * *

стр. 2162

الحديث الثاني عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَر ﵄، قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ، وَأَهْدَى، فَسَاقَ مَعَهُ الهَدْيَ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَهَلَّ بِالعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالحَجِّ، فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ، فَكَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى، فَسَاقَ الهَدْيَ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ ، قَالَ لِلنَّاسِ: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ من شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْدَى، فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ، وَلْيَحْلِلْ، ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالحَجِّ، وَلْيُهْدِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ". وطَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شَيْءٍ، ثُمَّ خَبَّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنَ السَّبْعِ، وَمَشَى أَرْبَعَةً، وَرَكَعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ عِنْدَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ وانْصَرَفَ، فَأَتَى الصَّفَا، فَطَافَ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ، ثُمَّ لَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَفَاضَ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ أَهْدَى فَسَاقَ الهَدْيَ مِنَ النَّاسِ (١).

стр. 2163

(عن) أبي عبدِ الرّحمنِ (عبدِ اللَّه بنِ) أميرِ المؤمنين (عمرَ) بنِ الخطّاب (﵄، قال: تمتع رسولُ اللَّه ﷺ في حجّة الوداع بالعمرة إلى الحجّ)، التّمتُّع بلغةِ القرآنِ الكريم، وعُرفِ الصّحابة أعمُّ من القِران، كما ذكر غيرُ واحد. وإذا كان أعمَّ منه، احتمل أن يُراد به: الفردُ المسمَّى بالقِران في الاصطلاح الحادث، وأن يراد به: المخصوصُ باسم التّمتُّع في ذلك الاصطلاح. لكن يبقى النظر في أنَّه أعمُّ في عُرْفِ الصّحابة [أم لا] (١). قال في "مختصر الفتاوى المصرية": من روى عن النَّبي ﷺ : أنَّه تمتَّعَ؛ فإنه فَسَّرَ التَّمتُّع بأنّه قرنَ بينَ الحجّ والعُمرة، وهو تمتُّع يجبُ فيه هَدْيُ التَّمتُّع. ومن روى: أنَّه ﷺ أفردَ الحجَّ، فإنّه فسّره بأنّه لم يعملْ غيرَ أعمالِ الحجّ، ولم يحلَّ من إحرامِه كما يحلُّ المتمتّعُ (٢).

стр. 2164

وقال في "الفروع ": أمّا حجّةُ النَّبيِّ ﷺ ، فاختُلف فيها بحسب المذاهب، حتّى اختلف كلام القاضي وغيره -يعني: من علمائنا- هل حلّ من عمرته؟ وفيه وجهان؛ والأظهر: قولُ سيدِنا الإمامِ أحمدَ ﵁: لا أشكُّ أنَّه ﷺ كان قارِنًا، والمتعةُ أحبُّ إليَّ. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وعليهِ متقدّمو أصحابه، وهو باتفاق علماء الحديث (١). وفي "الصّحيحين": عن سعيد بن المسيب، قال: اجتمع عليٌّ، وعثمانُ ﵄ بعُسفانَ، فكان عثمانُ ينهى عن المتعة، فقال عليٌّ ﵁: ما تريدُ إلى أمر فعلَه النَّبيُّ ﷺ تنهى عنه؟! فقال عثمان: دَعْنا منكَ، فقال: إنّي لا أستطيعُ أن أدعَكَ، فلمّا رأى عليٌّ ذلك، أَهَلَّ بهما جميعًا (٢). فهذا ممّا يبيِّنُ أنَّه ﷺ كان قارِنًا. ويفيد أيضًا: أنَّ الجمعَ بينَهما تمتُّع؛ فإنّ عثمانَ ﵁ كان ينهى عن المتعة، وقصدَ عليٌّ ﵁ إظهارَ مخالفتِه؛ تقريرًا لما فعلَه النَّبيُّ ﷺ فقرنَ، وإنّما تكون مخالفة إذا كانت المتعة التي نهى عنها عثمان. وتضمَّنَ قولُ عليٍّ وعثمان على اتّفاقهما أنَّ القران من مُسمَّى التّمتّع،

стр. 2165

وحينئذ، فيُحمل قولُ ابنِ عمرَ ﵄: تمتَّعَ رسولُ اللَّه ﷺ : على التَّمتُّع الذي نُسميه قِرانًا؛ بدليل ما في مسلم: عن ابن عمرَ ﵄: أنَّه قرنَ الحجَّ مع العُمرة، فطاف لهما طوافًا واحدًا، ثمّ قال: هكذا فعلَ رسولُ اللَّه ﷺ (١). فظهر أنَّ مرادَه بلفظ المتعة في هذا الحديث: القِرانُ (٢). (وأهدى) ﷺ للبيت تعظيمًا له، (فساق معه الهديَ)، وكان أربعًا وستين بَدَنَةً (من ذي الحُلَيْفَة) ميقاتِ أهلِ المدينة، (وبدأ رسولُ اللَّه ﷺ ، فأهلَّ)؛ أي: رفع صوته في أثناء الإحرام (بالعُمرة) أوّلًا، (ثمّ أهلّ)؛ أي: لَبَّى (بالحجِّ)، وهذا نصٌّ في الإهلال بهما. وقدّم لفظ الإهلال بالعمرة على لفظ الإحرام بالحج. (فتمتع النّاس) في آخر الأمر (مع النَّبيِّ ﷺ بالعُمرة إلى الحجّ). قال ابن دقيق العيد: حمل على التَّمتُّعِ اللغويِّ، فإنّهم لم يكونوا متمتِّعين بمعنى التَّمتُّع المشهور؛ فإنهم لم يُحرِموا بالعُمرة ابتداء، وإنما تمتَّعوا بفسخ الحجّ إلى العمرة، على ما جاء في الأحاديث، (٣). كما يأتي تقريره -إن شاء اللَّه تعالى-. (فكان من النّاس من أهدى، فساق معه الهديَ من ذي الحليفة، ومنهم من لم يُهْدِ، فلمّا قدم النَّبيُّ ﷺ ) مكّةَ المشرفةَ، (قال للناس). وفي رواية عائشة ﵂ ما يقتضي أنَّه ﷺ قال لهم ذلك بعدَ

стр. 2166

أن أهلُّوا بذي الحليفة، لكن الذي تدلّ عليه الأحاديث في "الصّحيحين"، وغيرِهما، من رواية عائشةَ وجابرٍ، وغيرِهما: أنَّه إنّما قال ذلك لهم في منتهى سفرِهم ودُنُوِّهم من مكّة، وهم بِسَرِف؛ كما في حديث عائشة (١). أو بعد طوافه؛ كما في حديث جابر (٢). ويحتمل تكرارُ الأمر بذلك في الموضعين، وأنّ العزيمة كانت أخيرًا حينَ أمرَهم بفسخ الحجّ إلى العمرة (٣). (مَنْ كان منكُم أَهدى، فإنّه لا يحلُّ من شيء)، وفي لفظ: "لشيء" (٤) باللام بدل "من". (حَرُمَ منهُ)؛ أي: من أفعاله، وهو -بفتح الحاء المهملة وضمّ الرّاء-؛ أي: امتنعَ منه بإحرامه (حتّى يقضيَ حَجَّهُ) إن كان حاجًّا، فإن كان معتمرًا، فكذلك، ويُدخِلُ الحجَّ على العمرة، لما في الحديث: "ومن أحرمَ بعمرةٍ، وأَهْدَى، فلا يحلّ حتّى ينحرَ هَدْيَه" (٥)، (ومن لم يكنْ منكم أهدَى، فلْيَطُفْ بالبيتِ) سبعًا، (و) لْيَسعَ (بالصّفا)؛ أي: ما بين الصفا (والمروة) سبعًا، (وليقصّر) من جميع شعر رأسه. وإنّما لم يقلْ: وليحلقْ -وإن كانَ أفضل-، لأنّ التّقصيرَ هنا أفضلُ؛ ليوفِّرَ شعرَهُ، فيحلقَه في الحجّ؛ فإنَّ الحلقَ في التحلُّل من الحجّ

стр. 2167

أفضلُ (١)، (ولْيَحْلِلْ) -بتسكين اللام الأولى والثالثة وكسر ما قبل الأخيرة وفتح التحتيّة-: أمر معناه الخبرُ؛ أي: صار حلالًا، فله فعلُ ما كان محظورًا عليه في الإحرام. ويحتمل أن يكون إذنًا؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، والمراد: فسخُ الحجّ عمرةً، وإتمامُها حتّى يحلّ منها. وفيه دليل: على أن الحلقَ أو التقصيرَ نسكٌ، وهو الصحيح (٢). (ثُمَّ لْيُهِلَّ بالحجِّ)؛ أي: وقتَ خروجه إلى عرفات، لا أنَّه يهلُّ عقبَ تحليلِ العمرة، ولذا قال: "ثمّ ليهلّ"، فعبّر بـ"ثمّ" المقتضية للتّراخي والمُهْلَة (٣). (وَلْيُهْدِ) هَدْيًا، وهو دم المتعة، وهو دم نسك عند الإمام أحمد ﵁. ومن ثمّ سمّاه رسول اللَّه ﷺ هَدْيًا، وهو ممّا وَسَّعَ اللَّهُ به على المسلمين، فأباح لهم التحلُّلَ في أثناء الإحرام والهدي؛ لما في استمرار الإحرامِ من المشقة، فهو بمنزلة القَصْرِ في السفر، والفطر، والمسح، فهو أفضل. ولأجل ذلك سُنَّ له الأكلُ منه -كما يأتي-. (فَمَنْ لم يجدْ هَدْيًا) بأنْ عدم وجوده، أو ثمنه، أو زاد على ثمن المثل، أو كان صاحبه لا يريد بيعَه (٤)، (فليصمْ ثلاثةَ أيامٍ في الحجّ)، والأَوْلى: بعدَ

стр. 2168

الإحرام به، وأن يكون آخرُها يومَ عرفة؛ وفاقًا لأبي حنيفة. وعنه: يوم التّروية؛ وفاقًا لمالكٍ، والشافعيِّ (١). وله تقديمُ الصّيام قبلَ إحرامه بالحجّ بعدَ أن يُحرم بالعمرة، لا قبلَه، فإن لم يصم الثلاثة أيام قبل يوم النحر، صام أيامَ مِنًى، ولا دمَ عليه، فإن لم يصمها فيها -ولو لعذر-، صامَ بعدَ ذلك عشرةَ أيام، وعليه دمٌ. وكذا إن أَخَّرَ الهديَ عن أيام النحر لغير عذر؛ كما في "الإقناع" (٢)، وغيره. (وسبعةً إذا رجعَ إلى أهله)؛ يعني: إذا فَرَغَ من أعمال الحجّ، فلا يصحُّ صومُها بعد إحرامه بالحج قبلَ فراغه، ولا في أيام مِنًى؛ لبقاء أعمالٍ من الحجّ، ولا بعدَها قبلَ طوافِ الزيارة، فأمّا بعده، فيصح؛ وفاقًا لأبي حنيفة، ومالك. لكن الاختيار: إذا رجعَ إلى أهله ببلده، أو بمكانٍ يستوطنه. وعند الشّافعية: لا يصحُّ صومُها قبلَ رجوعه إلى بلده، أو مكانٍ يستوطن به؛ كمكّة، فلا يجوز صومُها في توجُّهه إلى أهله. قالوا: لأنه أداء للعبادة البدنية على وقتها (٣). ولا يجب تتابعٌ، ولا تفريق في صوم الثلاثة، ولا السبعة، ولا بين ذلك (٤). (وطاف رسولُ اللَّه ﷺ ) طوافَ القدوم (حين قَدِمَ مكّةَ) المشرفةَ،

стр. 2169

(واستلمَ)، أي: مسح (الركنَ) الأسودَ حالَ كونه (أولَ شيء)؛ أي: مبدوءًا به. (ثمّ) بعد استلامه للحجر الأسود (خَبّ) -بفتح الخاء المعجمة وتشديد الموحّدة-، أي: رَمَلَ (ثلاثةَ أطوافٍ من السَّبْعِ، ومشى أربعةً). وفي لفظ: أربعًا؛ أي: من الطّوفات (١). (وركع) ﷺ ؛ أي: صلّى (حينَ قضى)؛ أي: بعدَ أن فرغَ من تأدية (طوافه بالبيت) العتيق سبعًا (عندَ المقام) متعلّق بـ"ركع"؛ يعني: مقام إبراهيم ﵇ (ركعتين) للطَّواف. قال الإمام الحافظ ابن الجوزيّ: إذا قضى الطّائفُ طوافَه، صَلَّى ركعتين، يقرأ في الأولى بعد الفاتحة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١]، والثانية بعدها بالإخلاص، والأفضلُ أن تكون خلفَ المقام. قال سعيد بن جبير: مقام إبراهيم: الحجر (٢). وفي سبب وقوفه عليه قولان: أحدهما: أنَّه جاء يطلب ابنَه إسماعيلَ، فلم يجدْه، فقالت له زوجتُه: انزل، فأبى، فقالت: فدعني أغسل رأسَكَ، فأتته بحَجَر، فوضع رِجْلَه عليه وهو راكبٌ، فغسلَتْ شِقَّهُ، ثمّ رفعته وقد غابتْ رجلُه فيه، فوضعته تحت الشّق الآخرِ، وغسلته، فغابت رجلُه فيه، فجعله اللَّه تعالى من الشّعائر. هذا مرويٌّ عن ابن مسعود، وابن عبّاسٍ ﵃ (٣).

стр. 2170

والثّاني: أنَّه أقامَ على ذلك الحجر لبناء البيت، وكان إسماعيلُ يُناوله الحجارةَ، قاله سعيد بن جبير. وفي "الصحيحين" من حديث عمر بن الخطاب ﵁: أنَّه قال: قلتُ: يا رسول اللَّه! لو اتَّخَذْنا من مقامِ إبراهيم مُصَلًّى، فنزلَتْ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (١) [البقرة: ١٢٥]. قال ابن الجوزي -رحمه اللَّه تعالى-: قال محمدُ بنُ سعد عن أشياخ له: إن عمرَ بنَ الخطاب أَخَّر المَقامَ إلى موضعِه اليوم، وكان مُلْصَقًا بالبيت. وقال بعضُ سَدَنةِ البيت: ذهبنا نرفعُ المقام في خلافة المهديّ، فانثلم، وهو من حجر رخو، فخشينا أن يتفتَّتَ، فكتبنا في ذلك إلى المهديّ، فبعث إلينا بألفِ دينار، فضَبَّبْنا بها المقامَ أسفلَه وأعلاه، ثمّ أمر المتوكّلُ أن يجعل عليه ذهب، أحسن من ذلك العمل، ففعلوا ذلك (٢). وقدرُ المقام ذراعٌ، والقدمانِ داخلان فيه سبعَ أصابعَ (٣). فائدة: ذكر الحافظ ابنُ الجوزي في "مثير العزم السّاكن" عن عبد العزيز بن أبي رواد: أنَّه كان خلفَ المقام جالسًا، فسمع داعيًا دعا بأربع كلمات؛ فعجبَ منهنَّ، وحَفِظَهنَّ، فالتفت، فما رأى أحدًا: اللهمَّ

стр. 2171

فَرِّغْني لما خَلَقْتني له، ولا تَشْغَلْني بما تكفَّلْتَ لي به، ولا تحرِمْني وأنا أسألُكَ، ولا تعذّبني وأنا أَستغفرُك (١). (ثمَّ سلَّمَ) رسولُ اللَّه ﷺ من الرّكعتين، (وانصرف) من هنالك، (فأتى) عقبَ ذلك (الصّفا) -بالقصر-، وهو في الأصل: الحجارةُ الصُّلبة، واحدتُها صَفاةٌ؛ كحَصاة وحَصًى (٢)، وهو هنا اسمُ المكان المعروف عند باب المسجد الحرام. وذكر الحافظ ابن الجوزي في "مثير العزم السّاكن" عن ابن عبّاس ﵄: أن رجلًا سأله عن الصفا والمروة: لم سُمِّيَا بذلك؟ فقال: لأن آدمَ لمّا حجَّ، رقِيَ على الصَّفا رافعًا يديه إلى اللَّه تعالى ليقبلَ توبتَه، وقد أصفاها، وقامت امرأتُه حوّاءُ على المروة ليقبلَ توبتها (٣). (فطاف) النَّبيُّ ﷺ ؛ أي: سعى مبتدئًا (بالصَّفا، و) خاتمًا بـ (المروةِ)، وهي بالأصل: الحجارةُ الليِّنَة (٤). قال الجوهري: المَرْوَةُ: الحجارةُ البيضُ البرّاقةُ، تُقدح منها النار، وبها سميّت المروة بمكّة (٥)، وهي المكان الذي في طواف المسعى. وقال أبو عبيد البكريّ: المروةُ: جبل لمكّةَ معروف، والصّفا: جبلٌ آخرُ بإزائه، وبينهما قديد ينحرف عنهما شيئًا، والمُشَكَّل: هو الجبل الذي

стр. 2172

ينحدر منه إلى قُديد، وعلى المُشكَّل كانت [مناة] (١). وفي "النّهاية": مروةُ: المسعى التي تُذْكَر مع الصّفا، وهي أحد رأسيه اللذين ينتهي السّعي إليهما (٢). (سبعةَ أطواف) يحتسب بالذّهاب سعيةً، وبالرّجوع سعيةً، فإن بدأ بالمروة، لم يحتسب بذلك الشوط. ولابدّ من استيعاب ما بينهما، وذلك إذا ألصقَ عقبَ رِجْليه بأسفلِ الصَّفا، وأصابعَهما بأسفلِ المروة (٣). (ثمّ لم يَحْلِلْ) ﷺ (من شيء حَرُم منه حتّى قضى حجّه) بالوقوف بعرفاتٍ ورَمْيِ الجمرات. وإنّما لم يقل: وعمرتَه؛ لأنها اندرجت في الحجّ، فدخلت أفعالها مندرجة في أفعاله؛ كالطهارة الصغرى مع الطهارة الكبرى. (و) حتى (نحرَ هديَه) الذي ساقه معه من المدينة (يومَ النَّحْر، وأفاض)؛ أي: دفع نفسَه أو راحلته بعد الإتيان بما ذُكر إلى المسجد الحرام؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]. (فطاف) النَّبيُّ ﷺ (بالبيت، ثمّ حل) ﷺ (من كل شيء حَرمَ منه)؛ أي: حصلَ له الحِلُّ. قال ابنُ عمرَ ﵄: (وفعل مثلما فعلَ رسولُ اللَّه ﷺ )؛

стр. 2173

أي: مثلَ ما فعلَه، فـ"ما" مصدريّة، وفاعل فعلَ قولُه: (مَنْ أَهْدَى)؛ أي: ممن كان معه ﷺ . (فساقَ الهديَ مِنَ النّاسِ)، و"من" للتبعيض؛ لأنّ مَنْ كان معه الهديُ بعضُهم، لا كلُّهم (١). وفي "البخاري": وعن عروة -يعني: ابنَ الزّبير-: أنّ عائشةَ ﵂ أخبرته عن النَّبيِّ ﷺ في تمتُّعه بالعمرة إلى الحجّ لتمتُّع النّاس معه، بمثل الذي أخبرني سالم؛ يعني: ابنَ عبدِ اللَّه بنِ عمر، عن ابنِ عمرَ ﵃، عن رسول اللَّه ﷺ (٢). تنبيهات: الأول: اختلف العلماء في إحرام النَّبيِّ ﷺ ، هل كان مفردًا، أو قارنًا، أو متمتّعًا، أو أحرم مطلقًا؟ واضطربت عليهم الأحاديث: قال في "مختصر الفتاوى المصريّة": وهي -يعني: الأحاديث- بحمد اللَّه تعالى متّفقة لمن فهم مرادهم. قال: والمنصوصُ عن الإمام أحمد ﵁: أنّه كان ﷺ قارِنًا -كما قدّمنا-، وهو قول إسحاقَ بنِ راهويه وغيرِه من حُذَّاقِ أئمةِ الحديث. قال ابن تيمية -قدس اللَّه روحه-: وهو الصواب. قال: وأوّلُ منِ ادّعى أنَّه كان متمتّعًا التَّمتُّعَ الخاصَّ: القاضي أبو يعلى، وهو أحد أركان علماء مذهب الإمام أحمد.

стр. 2174

قال ابن تيمية: ثمّ الذين قالوا: إنّه كان متمتّعًا، على قولين: أضعفهما: أنّه حلَّ من إحرامه مع سَوْقه الهديَ، وحملوا أن المتعة كانت لهم خاصة؛ لأنّهم حلّوا من الإحرام مع سوقهم الهديَ، وهذه طريقة القاضي. قال: وهي منكرة عند الجماهير. والقول الثاني: أنّ تمتَّع؛ بمعنى: أحرمَ بالعمرة، ولم يحلَّ؛ لسوقه الهدي، وأحرم بالحجّ بعد أن طاف وسعى للعمرة، وهي طريقة الشيخ أبي محمّد -يعني: الإمام الموفّق-، وقد يسمون هذا: قارنًا. وأمّا الإمام الشّافعي ﵁، فقال تارة: إنَّه أفردَ، وتارةً: تمتّع، وأخرى: إنَّه أحرم مطلقًا، وأخذ بقول من نوى الإفراد، كعائشة؛ لكونها أحفظَ، وجابر، هكذا قال، وظن أن الأحاديث فيها ما يخالف بعضها بعضًا. قال الشّافعي: فإن قال قائل: فمن أين أثبت حديث عائشة وجابر وابن عمر دون ما قررت؟ قيل: لتقدُّم صحبة جابرٍ، وحسنِ سياقه، ولفضلِ حفظِ عائشة، ولقربِ ابنِ عمرَ منه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: قلت: والصوابُ: أن الأحاديث متّفقة إلا شيئًا يسيرًا يقع مثلُه في غير ذلك، فقد كان عثمانُ ينهى عن المتعة، وكان عليّ يأمر بها، فقال عليّ: لقد علمتَ أننا تمتَّعنا مع رسول اللَّه ﷺ ، فقال: أجل، ولكنّا كنّا خائفين (١).

стр. 2175

فقد اتفق عثمانُ وعليٌّ ﵄ على أنّهم تمتَّعوا مع رسول اللَّه ﷺ ، وهو في "الصّحيح"، وقول عثمان: كنّا خائفين، فإنما كانوا خائفين في عُمرة القضية، وكانوا قد اعتمروا في أشهر الحجّ مطلقًا؛ ففي "الصّحيح": أن سيّدنا سعدَ بنَ أبي وقاص، لمّا بلغه أنَّ معاويةَ نهى عن المتعة، فقال: فعلناها مع رسول اللَّه ﷺ ، وهذا كافرٌ بالعرش -يعني: معاوية-، (١) ومعلوم أنَّ معاويةَ كان مسلمًا في حجة الوداع، بل وفي عمرة الجعرانةِ عامَ الفتح، ولكن في عمرة القضيّة كان كافرًا بعرش مكّة، فقد سمّى سعدٌ عمرةَ القضيّة عمرةَ الجعرانة، وكانوا خائفين أيضًا عامَ الفتح، أمّا عامَ حجّة الوداع، فكانوا آمِنين؛ ولهذا قالوا: صلّينا مع رسول اللَّه ﷺ بمنًى آمنَ ما كان النّاس ركعتين (٢)، فلعلّه قد اشتبهَ حالُهم هذا العام، فاشتبه على مَنْ روى بأنه نهى عن متعة النساء في حجّة الوداع، وإنّما كان النّهيُ في عام الفتح، وكما يظنّ بعضُهم أن النَّبيَّ ﷺ دخل الكعبةَ في حجّة أو عمرة، وإنّما دخلَ عامَ الفتح، ولم ينقل أحدٌ أنّه دخلَها في حجّةٍ ولا عمرةٍ. أو يكون مرادُ عثمان: أنّ غالبَ الأرض كانوا كفارًا مخالفين لنا، والآنَ قد فُتحت الأرض، فيتمكّن الإنسانُ أن يذهبَ إلى مِصرِه ثمّ يرجعَ بعمرة، وهذا لم يكن هكذا في حجّة الوداع لمن كان بها مجاورَ العدو بالشام والعراق ومصر. وفي "الصّحيحين": عن مُطَرِّفِ بنِ الشِّخِّير، قال: قال عِمرانُ بنُ
следующие страницы →