فَرِّغْني لما خَلَقْتني له، ولا تَشْغَلْني بما تكفَّلْتَ لي به، ولا تحرِمْني وأنا أسألُكَ، ولا تعذّبني وأنا أَستغفرُك (١).
(ثمَّ سلَّمَ) رسولُ اللَّه ﷺ من الرّكعتين، (وانصرف) من هنالك، (فأتى) عقبَ ذلك (الصّفا) -بالقصر-، وهو في الأصل: الحجارةُ الصُّلبة، واحدتُها صَفاةٌ؛ كحَصاة وحَصًى (٢)، وهو هنا اسمُ المكان المعروف عند باب المسجد الحرام.
وذكر الحافظ ابن الجوزي في "مثير العزم السّاكن" عن ابن عبّاس ﵄: أن رجلًا سأله عن الصفا والمروة: لم سُمِّيَا بذلك؟ فقال: لأن آدمَ لمّا حجَّ، رقِيَ على الصَّفا رافعًا يديه إلى اللَّه تعالى ليقبلَ توبتَه، وقد أصفاها، وقامت امرأتُه حوّاءُ على المروة ليقبلَ توبتها (٣).
(فطاف) النَّبيُّ ﷺ ؛ أي: سعى مبتدئًا (بالصَّفا، و) خاتمًا بـ (المروةِ)، وهي بالأصل: الحجارةُ الليِّنَة (٤).
قال الجوهري: المَرْوَةُ: الحجارةُ البيضُ البرّاقةُ، تُقدح منها النار، وبها سميّت المروة بمكّة (٥)، وهي المكان الذي في طواف المسعى.
وقال أبو عبيد البكريّ: المروةُ: جبل لمكّةَ معروف، والصّفا: جبلٌ آخرُ بإزائه، وبينهما قديد ينحرف عنهما شيئًا، والمُشَكَّل: هو الجبل الذي
стр. 2172
ينحدر منه إلى قُديد، وعلى المُشكَّل كانت [مناة] (١).
وفي "النّهاية": مروةُ: المسعى التي تُذْكَر مع الصّفا، وهي أحد رأسيه اللذين ينتهي السّعي إليهما (٢).
(سبعةَ أطواف) يحتسب بالذّهاب سعيةً، وبالرّجوع سعيةً، فإن بدأ بالمروة، لم يحتسب بذلك الشوط.
ولابدّ من استيعاب ما بينهما، وذلك إذا ألصقَ عقبَ رِجْليه بأسفلِ الصَّفا، وأصابعَهما بأسفلِ المروة (٣).
(ثمّ لم يَحْلِلْ) ﷺ (من شيء حَرُم منه حتّى قضى حجّه) بالوقوف بعرفاتٍ ورَمْيِ الجمرات.
وإنّما لم يقل: وعمرتَه؛ لأنها اندرجت في الحجّ، فدخلت أفعالها مندرجة في أفعاله؛ كالطهارة الصغرى مع الطهارة الكبرى.
(و) حتى (نحرَ هديَه) الذي ساقه معه من المدينة (يومَ النَّحْر، وأفاض)؛ أي: دفع نفسَه أو راحلته بعد الإتيان بما ذُكر إلى المسجد الحرام؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦].
(فطاف) النَّبيُّ ﷺ (بالبيت، ثمّ حل) ﷺ (من كل شيء حَرمَ منه)؛ أي: حصلَ له الحِلُّ.
قال ابنُ عمرَ ﵄: (وفعل مثلما فعلَ رسولُ اللَّه ﷺ )؛
стр. 2173
أي: مثلَ ما فعلَه، فـ"ما" مصدريّة، وفاعل فعلَ قولُه: (مَنْ أَهْدَى)؛ أي: ممن كان معه ﷺ .
(فساقَ الهديَ مِنَ النّاسِ)، و"من" للتبعيض؛ لأنّ مَنْ كان معه الهديُ بعضُهم، لا كلُّهم (١).
وفي "البخاري": وعن عروة -يعني: ابنَ الزّبير-: أنّ عائشةَ ﵂ أخبرته عن النَّبيِّ ﷺ في تمتُّعه بالعمرة إلى الحجّ لتمتُّع النّاس معه، بمثل الذي أخبرني سالم؛ يعني: ابنَ عبدِ اللَّه بنِ عمر، عن ابنِ عمرَ ﵃، عن رسول اللَّه ﷺ (٢).
تنبيهات:
الأول: اختلف العلماء في إحرام النَّبيِّ ﷺ ، هل كان مفردًا، أو قارنًا، أو متمتّعًا، أو أحرم مطلقًا؟ واضطربت عليهم الأحاديث:
قال في "مختصر الفتاوى المصريّة": وهي -يعني: الأحاديث- بحمد اللَّه تعالى متّفقة لمن فهم مرادهم.
قال: والمنصوصُ عن الإمام أحمد ﵁: أنّه كان ﷺ قارِنًا -كما قدّمنا-، وهو قول إسحاقَ بنِ راهويه وغيرِه من حُذَّاقِ أئمةِ الحديث.
قال ابن تيمية -قدس اللَّه روحه-: وهو الصواب.
قال: وأوّلُ منِ ادّعى أنَّه كان متمتّعًا التَّمتُّعَ الخاصَّ: القاضي أبو يعلى، وهو أحد أركان علماء مذهب الإمام أحمد.
стр. 2174
قال ابن تيمية: ثمّ الذين قالوا: إنّه كان متمتّعًا، على قولين:
أضعفهما: أنّه حلَّ من إحرامه مع سَوْقه الهديَ، وحملوا أن المتعة كانت لهم خاصة؛ لأنّهم حلّوا من الإحرام مع سوقهم الهديَ، وهذه طريقة القاضي.
قال: وهي منكرة عند الجماهير.
والقول الثاني: أنّ تمتَّع؛ بمعنى: أحرمَ بالعمرة، ولم يحلَّ؛ لسوقه الهدي، وأحرم بالحجّ بعد أن طاف وسعى للعمرة، وهي طريقة الشيخ أبي محمّد -يعني: الإمام الموفّق-، وقد يسمون هذا: قارنًا.
وأمّا الإمام الشّافعي ﵁، فقال تارة: إنَّه أفردَ، وتارةً: تمتّع، وأخرى: إنَّه أحرم مطلقًا، وأخذ بقول من نوى الإفراد، كعائشة؛ لكونها أحفظَ، وجابر، هكذا قال، وظن أن الأحاديث فيها ما يخالف بعضها بعضًا.
قال الشّافعي: فإن قال قائل: فمن أين أثبت حديث عائشة وجابر وابن عمر دون ما قررت؟
قيل: لتقدُّم صحبة جابرٍ، وحسنِ سياقه، ولفضلِ حفظِ عائشة، ولقربِ ابنِ عمرَ منه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: قلت: والصوابُ: أن الأحاديث متّفقة إلا شيئًا يسيرًا يقع مثلُه في غير ذلك، فقد كان عثمانُ ينهى عن المتعة، وكان عليّ يأمر بها، فقال عليّ: لقد علمتَ أننا تمتَّعنا مع رسول اللَّه ﷺ ، فقال: أجل، ولكنّا كنّا خائفين (١).
стр. 2175
فقد اتفق عثمانُ وعليٌّ ﵄ على أنّهم تمتَّعوا مع رسول اللَّه ﷺ ، وهو في "الصّحيح"، وقول عثمان: كنّا خائفين، فإنما كانوا خائفين في عُمرة القضية، وكانوا قد اعتمروا في أشهر الحجّ مطلقًا؛ ففي "الصّحيح": أن سيّدنا سعدَ بنَ أبي وقاص، لمّا بلغه أنَّ معاويةَ نهى عن المتعة، فقال: فعلناها مع رسول اللَّه ﷺ ، وهذا كافرٌ بالعرش -يعني: معاوية-، (١) ومعلوم أنَّ معاويةَ كان مسلمًا في حجة الوداع، بل وفي عمرة الجعرانةِ عامَ الفتح، ولكن في عمرة القضيّة كان كافرًا بعرش مكّة، فقد سمّى سعدٌ عمرةَ القضيّة عمرةَ الجعرانة، وكانوا خائفين أيضًا عامَ الفتح، أمّا عامَ حجّة الوداع، فكانوا آمِنين؛ ولهذا قالوا: صلّينا مع رسول اللَّه ﷺ بمنًى آمنَ ما كان النّاس ركعتين (٢)، فلعلّه قد اشتبهَ حالُهم هذا العام، فاشتبه على مَنْ روى بأنه نهى عن متعة النساء في حجّة الوداع، وإنّما كان النّهيُ في عام الفتح، وكما يظنّ بعضُهم أن النَّبيَّ ﷺ دخل الكعبةَ في حجّة أو عمرة، وإنّما دخلَ عامَ الفتح، ولم ينقل أحدٌ أنّه دخلَها في حجّةٍ ولا عمرةٍ.
أو يكون مرادُ عثمان: أنّ غالبَ الأرض كانوا كفارًا مخالفين لنا، والآنَ قد فُتحت الأرض، فيتمكّن الإنسانُ أن يذهبَ إلى مِصرِه ثمّ يرجعَ بعمرة، وهذا لم يكن هكذا في حجّة الوداع لمن كان بها مجاورَ العدو بالشام والعراق ومصر.
وفي "الصّحيحين": عن مُطَرِّفِ بنِ الشِّخِّير، قال: قال عِمرانُ بنُ
стр. 2176
حُصين: أُحدثك حديثًا لعلَّ اللَّهَ أن ينفعكَ به: إنَّ النَّبي ﷺ جمع بين حجه وعمرته، ثمّ إنّه لم ينهَ عنه حتّى مات، ولم ينزل فيه قرآن يحرِّمه (١).
وفي رواية: تمتَّعَ رسولُ اللَّه ﷺ وتمتَّعنا معه (٢).
فهذا عمرانُ من أَجَلِّ السّابقين الأوّلين، أخبرَ أنّه تمتَّع، وأنّه جمع.
وفي "مسلم" عن [غنيم] (٣) بن قيس، قال: سألتُ سعدَ بنَ أبي وقاص عن المتعة في الحجّ، فقال: فعلناها، وهذا كافر بالعرش -يعني: معاوية- (٤)، وهو إنّما كان كافرًا في عُمرة القضية.
وكان الشّاميون ينهَوْنَ عن الاعتمار في أشهر الحجّ، فصار الصَّحابة يروون السّنة في ذلك ردًّا على مَنْ نهى عن ذلك، فالقارِنُ عندهم مُتمتّعٌ؛ ولهذا وجبَ عليه الهديُ، ودخل في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وفي "البخاري"، وغيرِه: عن عمرَ بنِ الخطاب، قال: سمعتُ النَّبيَّ ﷺ بوادي العقيق يقولُ: "أتاني الليلةَ آتٍ من ربّي ، فقال: صَلِّ في هذا الوادي المبارَكِ، وقُلْ: عُمْرَة في حَجَّةٍ" (٥)، وفي رواية: "وقل: عُمرةٌ وحَجَّةٌ" (٦).
стр. 2177
وفي "الصّحيحين": عن أنس ﵁، قال: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يُلَبِّي بالحجِّ والعمرةِ.
قال بكر: فحدّثتُ ابنَ عمر، فقال: لَبَّى بالحجِّ وحدَه، فلقيتُ أنسًا، فحدّثُته، فقال أنس: ما يَعُدُّونا إلّا صِبيانًا، سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يلبّي بالحجّ والعمرةِ جميعًا (١).
وقد روى سالم، وهو من أوثق الناس، وثقاتِ أصحابِ ابن عمر: أن ابن عمر قال: تمتّع رسولُ اللَّه ﷺ بالعمرة والحجِّ، وهم أثبتُ عن ابنِ عمرَ من بكرٍ، وغلطُ بكرٍ أولى من غلطِ سالمٍ ابنهِ عنه.
قال ابن تيمية عن حديث ابنِ عمر الذي تقدّم: أنّ رسولَ اللَّه ﷺ تمتَّع في حجَّةِ الوداع بالعمرة إلى الحجّ: هذا من أصحِّ حديث على وجه الأرض.
وثبت عن عائشة ﵂ في "الصحيحين"، وغيرهما: أنّه ﷺ اعتمرَ أربَع عُمَرٍ: عمرةَ الحديبية، وعمرةَ القضَّية، وعمرة الجعرانة، [و] الرّابعة مع حجّه (٢). ولم يعتمرْ بعدَ حجّه باتّفاق المسلمين؛ فتعيّن أن يكون تمتُّعَ قِرانٍ.
وأمّا الذين نقلوا أنّه أفردَ، فثلاثةٌ: عائشةُ، وابنُ عمر، وجابر ﵃، والثّلاثة نُقل عنهم التّمتُّع.
стр. 2178
وحديث عائشةَ، وابنِ عمر: أنه تمتّع بالعمرة إلى الحجّ، أصحُّ من حديثهما: أنَّه أفردَ، وما صحَّ من ذلك عنهما، فمعناه: إفرادُ أعمالِ الحجّ.
وفي "الصّحيحين": أنَّه ﷺ أمرَ أزواجَه أن يَحْلِلْنَ عامَ حجةِ الوداع.
قالت حفصة: فما يمنعُكَ أن تحلّ؟ قال: "إنّي لَبَّدْتُ رَأْسي، وَقلَّدْت هَدْيي، فَلا أَحِلُّ حَتَى أَنْحَرَ" (١).
وفي حديث عائشةَ وابن عمرَ المتقدّمِ: فطافَ بالصّفا والمروة، ثمّ لم يَحْلِلْ من شيء حَرُمَ منه حتّى قَضَى حَجَّهُ، ونَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْر، وأفاضَ فطافَ بالبيتِ، ثمّ حَلَّ من كلِّ شيء، فكلّ هذا يدلّ على أنَّه ﷺ كان معتمرًا، وليس فيه: أنَّه لم يكنْ مع العمرةِ حاجًّا.
فقد تبيّن أن الرواياتِ الكثيرةَ الثّابتةَ عن ابن عمرَ وعائشةَ توافق ما فعله سائر الصَّحابة ﵃: أنَّه ﷺ كان متمتِّعًا التّمتُّعَ العام، وأما ما جاء: أنَّه ﷺ أحرم مطلقًا، فاحتجّ بحديث مرسَل، فلا يعارِضُ هذه الأحاديثَ الثّابتةَ، فظهر؛ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أن من قال: أفرد الحجّ، وأراد أنَّه اعتمر بعدَ حجّه؛ كما يظنّ بعض المتفقهة، فهو مخطىء، وأما [من] (٢) قال: أفرد الحجَّ بمعنى: أنه لم يأتِ مع حجة بعمرة، فقد اعتقده بعض العلماء، وهو غلط؛ لاتفاقهم أنَّه اعتمر أربعَ عمر، الرابعة مع حجّه.
ومن قال: إنَّه تمتّع؛ بمعنى: أنَّه لم يحرم بالحج حتّى طافَ وسعَى، فقوله أيضًا غلطٌ.
стр. 2179
ومن قال: تمتّع بأنه حلّ من إحرامه، فهو مخطىء باتفاق العلماء العارفين بالأحاديث.
ومن قال: إنَّه قَرَنَ؛ بمعنى: أنَّه طافَ طَوافين، وسعى سَعْيين، فقد غلط، ولم ينقل ذلك أحدٌ من الصَّحابة عن النَّبي ﷺ ، وكأنّ هذا وقع ممّن دون الصّحابة ممّن لم يفهم كلامَهم، وأمّا الصَّحابةُ، فَنُقولُهم متفقة (١).
الثاني: اختلف الفقهاء في القارن، هل يطوفُ طوافين، ويسعى سَعْيين، أم يكفيه طوافٌ واحدٌ وسعيٌ واحد؟
فمذهب الثلاثة: يكفيه طوافٌ واحد وسعيٌ واحد، وعملُ العمرة دخل في الحجّ كما يدخل الوضوء في الغسل.
ومذهب أبي حنيفة: أنَّه يطوف طوافين، ويسعى سعيين، يطوف ويسعى للعمرة أولًا، ثمّ يطوف ويسعى للحج ثانيًا، وإذا فعل محظورًا، فعليه فديتان.
وقد روي مثل هذا عن علي، وابن مسعود ﵄.
والأحاديثُ الصّحيحة تبيّن أنَّه ﷺ لم يطف ولم يسعَ إلّا طوافًا واحدًا وسعيًا واحدًا، كما في "الصحيحين" عن عائشة ﵂، قالت: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "مَنْ كانَ مَعَهُ هَدْي، فَلْيُهِلَّ بالحَجِّ مَعَ العُمْرَةِ، ثمّ لا يحلُّ [حتى يحلَّ] مِنْهُما جَميعًا".
وقالت فيه: فطاف الذين كانوا أَهَلُّوا بالعمرة بالبيت، وبين الصفا والمروة، [ثم حلُّوا]، ثمّ طافوا طوافًا آخر بعدَ أن رجعوا من مِنًى لحجّهم،
стр. 2180
وأمّا الذين جمعوا الحجَّ والعمرةَ، فإنما طافوا طوافًا واحدًا (١).
وفي "مسلم" عنها: أنَّه قال لها رسول اللَّه ﷺ : "يَسَعُكِ طَوافُك لحجّكِ وعُمْرَتكِ"، فأبت، فبعثها مع عبد الرحمن -يعني: أخاها- إلى التنعيم، فاعتمرت بعد الحجّ (٢).
وفي "الصّحيحين"، و"السّنن": أنَّه قال ﷺ لها: "يَسَعُكِ لَحِجِّكِ وعُمْرَتِكِ"، (٣) "يَكفيكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وعُمْرَتِكِ"، (٤) و"قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وعُمْرَتكِ جَميعًا"، قالت: يا رسول اللَّه! إنّي أجدُ في نفسي أنّي لم أطف بالبيت حين حججتُ، قال: "فاذهبْ بها يا عبدَ الرَّحْمَنِ فأَعْمِرْها مِنَ التَّنْعِيمِ" (٥).
فقد أخبرت أنَّ الذين قَرَنوا لم يطوفوا بالبيت وبين الصّفا والمروة إلّا الطوافَ الأوّلَ الذي طافَه المتمتِّعون أولًا، وقال لها: "يسعكِ طوافُكِ لحجّكِ وعُمْرَتِكِ"، فدلّ أنها كانت قارنة، وأنه يجزئها طواف واحدٌ وسعيٌ واحد؛ كالمفرِد، لاسيما وهي لم تطفْ أوّلًا طوافَ قدوم، بل لم تطفْ إلّا بعد التعريف، وسعت مع ذلك.
стр. 2181
فإذا كان طوافُ الإفاضة والسّعيُ بعدَه يكفي القارنَ، فلا يكفيه طوافُ القدوم مع طواف الإفاضة، وسعى واحدٌ مع أحدهما بالأولى.
وقد صحّ عنه ﷺ أنَّه قال: "دَخَلَتِ العُمْرَةُ في الحَجِّ إِلى يومِ القيامَةِ"، فإذا دخلت، لم تحتج إلى عملٍ زائد (١).
الثّالث: يلزم المتمتعَ دم بالإجماع، وهو دم نُسك لا جُبرانٍ.
قال الإمام أحمد ﵁: إذا دخلَ بعمرة، يكون قد جمع اللَّه له عمرةً وحجةً ودمًا.
قال في "الفروع": هو دمُ نسكٍ لا جُبرانٍ، وإلا، لَما أُبيح له التّمتُّع بلا عذر؛ لعدمِ جواز إحرامٍ ناقصٍ يحتاج أن يجبره بدم.
فإن قيل: لو كان دمَ نسك، لم يدخله الصّومُ؛ كالهدي والأضحية، ولاستوى فيه جميعُ المناسك؟
قيل: دخول الصّوم لا يخرجه عن كونه نسكًا، ولأن الصّوم بدلٌ، والقُرَبُ يدخلُها الإبدال، واختصاصه لا يمنع من كونه نسكًا؛ كالقِران نسك، ويقتصر على طوافٍ وسعي، ولأن سبب التّمتّع من جهته كمن نذر حجة يُهدي فيها هديًا، ثمّ إنما اختصّ؛ لوجود سببه، وهو الترفُّهُ بأحد السفرين.
فإن قيل: نسكٌ لا دمَ فيه أفضلُ، كالإفراد لا دم فيه.
فالجواب: يردُّ عليك: تمتُّعُ المكّيِّ لا دمَ فيه، وتمتُّع غيره الذي فيه الدَّم سواء عندك، وإنّما يفضل ما لا دمَ فيه على ما فيه دم إذا كان سببُ الدمِ
стр. 2182
الجنايةَ، ولهذا إفرادٌ فيه دمُ تطُوّعٍ أفضلُ من إفرادٍ لا دمَ فيه.
فإن قيل: القِرانُ مسارَعَةٌ إلى فعلِ العبادتين، فكانَ ينبغي أن يكون أفضلَ من التّمتُّع؛ للآية، وكالصّلاة أوّل وقتها.
فالجواب: العبرة بمسارَعَةٍ شرعية، ولهذا تختلف الصّلاةُ أوّلَ وقتِها وآخرَه، وتؤخَّرُ لطلب الماء، ولجماعةٍ.
وقد نقل المروذيُّ عن الإمام أحمد ﵁: أنَّ [الحجي] (١) إن ساقَ الهديَ، فالقِرانُ أفضلُ، ثمّ التّمتُّعُ، اختاره شيخُ الإسلام ابنُ تيمية، قال: وإن اعتمرَ وحجَّ في سفرتين، أو اعتمرَ قبلَ أشهرِ الحجّ، فالإفرادُ أفضلُ باتّفاقِ الأئمةِ الأربعة، (٢) نصّ عليه الإمامُ أحمد في الصّورة الأولى، وذكره في "الخلاف" وغيره، وهي أفضل من الثّانية (٣).
وإنّما يلزم المتمتّعَ الدَّمُ بشروط سبعة:
* أحدها: أَلَّا يكون من حاضري المسجد الحرام؛ إجماعًا، وهم أهلُ مكّة والحرَمِ، ومَنْ كان من الحرم دونَ مسافة قَصْر.
فمَنْ له منزلان متأهّلٌ بهما، أحدُهما دونَ مسافة قصر، والآخرُ فوقَها، أو مثلها، لم يلزمه دمٌ (٤).
وكونُ مَنْ منزلُه دونَ مسافةِ قصرٍ من الحرمِ لم يلزمْهُ دمٌ، هو مذهبُ أحمدَ، والشافعيِّ.
وقال مالك: هم أهلُ مكّة.
стр. 2183
وقال أبو حنيفة: هم أهلُ المواقيت ومَنْ دونَهم إلى مكّة (١).
وإن استوطن مَكَّةَ أفقيٌّ، فحاضِر، لا دمَ عليه، فإن دخلَها متمتِّعًا ناويًا الإقامةَ بها بعدَ فراغ نسكه، أو نواها بعدَ فراغِه منه، أو استوطن مكّيّ بلدًا بعيدًا، ثمّ عادَ إلى مكّة مُقيمًا متمتّعًا، لزمه دمٌ؛ اتفاقًا.
* الثّاني: أن يعتمرَ في أشهر الحجّ، والاعتبارُ بالشّهر الذي أحرمَ فيه، لا بالذي حَلَّ فيه؛ فلو أحرم بالعمرة في رمضان، ثمّ حلّ في شوال، لم يكن متمتّعًا.
وإن أحرمَ الأفقيُّ بعمرةٍ في غير أشهر الحجّ، ثمّ أقام بمكةَ، واعتمرَ من التّنعيم في أشهُرِ الحجّ، وحجَّ من عامه، فمتمتِّعٌ، نصًا، وعليه دم (٢).
* الثّالث: أن يحجَّ من عامِه؛ وفاقًا للمالكية، والشّافعية؛ لأنّ ظاهر الآية الموالاةُ، [و] لأنه أولى بعدم وجوبِ الدم عليه ممّن يعتمرُ في غير أشهُرِه، ثمّ يحجُّ من عامِه؛ لكثرة التّباعُد.
* الرّابع: أَلَّا يسافر بينَ الحجّ والعمرة مسافةَ قَصْر فأكثر، فإن فعل، فأحرم، فلا دمَ، نصّ عليه الإمام أحمد.
روي عن عمر ﵁: من رجعَ، فليس بمتمتّعٍ، (٣) وهو عامٌّ، ولأنه بالسّفر لم يترفَّهْ بتركِ أحدِ السَّفرين كمحلِّ الوفاق، ولا يلزم المفرد.
وفي "الفصول"، و"المذهب"، و"المحررّ": إن أحرمَ به من الميقات، فلا دمَ.
стр. 2184
ونصّ عليه الإمام أحمدُ؛ وفاقًا للشّافعي.
وحمله القاضي على أنَّ بينه وبين مكّة مسافَةَ قصر.
وقال ابن عقيل: بل هو رواية كمذهب الشّافعي.
وقال أبو حينفة: إن رجع إلى أهله، فلا دم. وروي عن ابن عمر.
وقال مالك: إن رجعَ إلى بلده، أو بقدره، فلا دمَ (١).
* الخامس: أن يحلّ من العمرة قبلَ إحرامه بالحجّ، فإن أحرمَ به قبل حلّه منها، صار قارنًا.
* السادس: أن يُحرم بالعمرة من الميقات، أو من مسافة قصر فأكثرَ من مكّة.
ونصُّ الإمام أحمد، واختاره الموفّقُ وغيرُه: [أنَّ] هذا ليس بشرط، وهو الصّحيح؛ لأنَّا نسمّي المكّي متمتّعًا، ولو لم يسافر (٢).
وقال ابن المنذر، وابن عبد البرّ: أجمع العلماءُ على أن مَنْ أحرم بعمرة في أشهُره، وحلّ منها، وليس من حاضري المسجد الحرام، ثمّ أقام بمكة حلالًا، ثمّ حجّ من عامه: أنّه متمتّعٌ عليه دمٌ.
* السابع: أن ينوي التّمتُّعَ في ابتداء العمرة، أو أثنائِها. ذكره القاضي، وتبعه الأكثر.
واختار الموفّق: عدمَ اعتبار ذلك، وهو الأصحُّ للشّافعية؛ لظاهر الآية، وحصول التَّرفُّه (٣).
стр. 2185
ولا يعتبر وقوع النُّسكين عن واحد؛ فلو اعتمر لنفسه، وحجَّ عن غيره، أو عكسه، أو فعل ذلك عن اثنين، كان عليه دمُ المتمتّعِ.
ولا تُعتبر هذه الشروط في كونه متمتّعًا؛ لأنَّ المتعة تصحُّ من المكّيِّ كغيره، واللَّه أعلم (١).
الرابع: يلزم القارنَ أيضًا دمُ نسكٍ إذا لم يكنْ من حاضري المسجد الحرام.
ويلزم دمُ تمتُّع وقِرانٍ بطلوعِ فجرِ يومِ النحر، ولا يسقطان بفسادِ نسكِهما؛ وفاقًا لمالك، والشافعي، ولا بفواتِه.
وإذا قضى القارن قارنًا، لزمه دَمَان؛ دمٌ لقِرانِه الأوّلِ، ودمٌ للثّاني.
وإن قضى مفردًا، لم يلزمه شيء.
وجزم غير واحد: بل يلزمه دمٌ لقرانه الأول؛ وفاقًا للشافعي.
فإذا فرغ، أحرمَ بالعمرة من الأبعد من الميقاتين اللذين أحرمَ من أحدهما بالقِران، ومن الآخرِ بالحج؛ كمن أفسدَ حجَّه، وإلّا لزمَه دمٌ.
وإن قضى متمتِّعًا، فإن تحلّلَ من العمرة، أحرمَ بالحج من أبعدِ الموضعين: الميقات الأصل، والموضع الذي أحرم منه الإحرامَ الأوّل، واللَّه أعلم (٢).
الخامس: الطّوافُ بالبيت أحدُ أركانِ الحجّ، بل هو المقصودُ بالذّات.
ثمّ إن الطّواف المؤقت أربعة:
طواف القدوم، وهو سنّة.
стр. 2186
وطواف الوداع: وهو واجب.
وطواف الإفاضة، ويسمى: طواف الصَّدَر، وطواف الزيّارة، وهو ركنُ الحجّ الأعظمُ.
وطواف العمرة: وهو ركنها الأعظم.
قال الإمام الحافظ ابن الجوزي في "مثير العزم السّاكن": الأصل في الطّواف من حيث النّقل ما سُئل عنه عليُّ بنُ الحسين عن ابتدائه، فقال: لما قال اللَّه تعالى للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، و ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾، و ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]، ظنّت الملائكة أنَّ ما قالوا ردٌّ على ربهم، فلاذُوا بالعرش، وطافوا به؛ إشفاقًا من الغضب عليهم، فوضع لهم البيت المعمور، فطافوا به، ثمّ بعث ملائكة، فقال: ابنوا لي بيتًا في الأرض بمثاله، وأمر اللَّه تعالى خلقَه أن يطوفوا به كما [يطوف] (١) أهلُ السماء بالبيت المعمور.
وأمّا من حيث المعنى: فهو لياذ بالمخدوم، وخدمة له (٢).
السادس: السعيُ أحدُ أركانِ الحجّ، وسببُ مشروعيته سعيُ هاجرَ أُمِّ إسماعيلَ بين الصّفا والمروة، ويأتي الكلام عليه في الحديث العاشر من باب: فسخ الحجّ إلى العمرة -إن شاء اللَّه تعالى-.
فأركانُ الحجّ: الإحرامُ، والوقوف، والطّواف، والسّعي.
وواجباته سبعة: الإحرامُ من الميقات، والجمعُ بين الليل والنَّهار في الوقوف بعرفة لمن وقفَ نهارًا، والمبيتُ بمزدلفة إلى ما بعدَ نصف اللّيل،
стр. 2187
والمبيتُ بمنًى، والرَّميُ مرتَّبًا، والحلقُ أو التقصير، وطواف الوداع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: طوافُ الوداع ليسَ من الحجّ، وإنّما هو لكلِّ من أرادَ الخروج من مكّة (١).
وأركانُ العمرة ثلاثة: الإحرام، والطواف، والسّعي.
وواجباتها: الإحرام من الحلّ، والحلقُ أو التّقصير.
وما عدا ذلك، فسنن.
فمن ترك ركنًا، لم يتمَّ نسكُه؛ للآية، لكن لا ينعقدُ نسكُه بلا إحرام.
ومن ترك واجبًا، ولو سهوًا، فعليه دمٌ، وإن عدمه، فكصوم المتعة ثلاثة أيام في الحجّ وسبعة إذا رجع، والإطعام عنه -على ما تقدّم-.
ومن ترك سنة، فلا شيء عليه (٢).
السّابع: يُشترط لصحّة الطواف ثلاثةَ عشرَ شرطًا:
الإسلامُ، والعقلُ، والنيّةُ المعينةُ، وسترُ العورة، وطهارةُ الحدث -لا لطفل دون التّمييز-، وطهارةُ الخبث، وتكميلُ السّبع، وجعلُ البيت عن يساره، والطّوافُ بجميع البيت، وأن يطوفَ ماشيًا مع القدرة، وأن يوالي بينه، وأَلَّا يخرجَ من المسجد -يعني: بأن يطوف خارجَ المسجد-، وأن يبتدىء من الحجر الأسود فيحاذيه.
وسننه عشر:
استلامُ الرّكن، وتقبيلُه أو ما يقومُ مقامَه من الإشارة، واستلامُ الرُّكن
стр. 2188
اليماني، والاضطباعُ، والرَّمَلُ، والمشيُ في مواضعه، والذِّكرُ، والدّعاءُ، والدُّنُوُّ من البيت، وركعتا الطّواف.
وإذا فرغ من ركعتي الطّواف، وأراد السّعيَ، سُنَّ عوده إلى الحَجر، فيستلمه، ثمّ يخرج إلى الصّفا من بابه (١).
وشروط صحّة سعي تسع:
الإسلامُ، وعقلٌ، ونية معيّنةٌ، ومُوالاةٌ، ومشيٌ لقادر، وتكميلُ السَّبع، واستيعابُ ما بين الصّفا والمروة، وكونُه بعدَ طوافٍ صحيح -ولو مسنونًا-؛ يعني: بأن يكون طوافَ نسكٍ مثلَ طوافِ القدوم، وبدءُ أوتار من الصفا وأشفاعٍ من المروة.
وسننه:
طهارةُ حدثٍ وخبث، وسترُ عورة، وذِكْرٌ، ودعاءٌ، وإسراعٌ، ومشيٌ في مواضع كُلٍّ منهما، ورقي، وموالاة بينَه وبينَ طواف، فإن طاف بيوم، وسعى في آخر، فلا بأسَ، ولا يُسن عقبَ السعي صلاة، (٢). واللَّه تعالى الموفق.
* * *
(عن) أم المؤمنين (حفصةَ) بنتِ أميرِ المؤمنين عمرَ بنِ الخطاب -رضي اللَّه تعالى عنهما- (زوج النَبيِّ ﷺ )، العدويَّةِ، القريشيَّةِ، هاجرت مع بَعْلِها الذي كان قبلَ النَّبي ﷺ ، وهو خُنَيس -بضم الخاء وفتح النون فمثناة تحتية وسين مهملة-، شهدَ بدرًا، ثمّ تُوفي عنها بالمدينة مقدَمَ النَّبيِّ ﷺ من بدرٍ؛ كما قاله أبو داود، وذكرها -عمرُ ﵁ على أبي بكر، وعثمانَ ﵄، فلم يجبه واحدٌ منهما إلى التزوُّج بها، أما الصدِّيقُ، [فـ]ـلسماعه النَّبيَّ ﷺ يذكرها، وأما عثمانُ، فلطمعه في بنتِ النَّبيِّ ﷺ أُمِّ كُلثومٍ بعدَ وفاة رُقيَّةَ ﵄، فزوَّجه النَّبيُّ ﷺ إياها، فخطب المصطفى ﷺ حفصةَ من عمرَ ﵄، فأنكحه إياها في سنة ثلاثٍ، وقيل: في الثانية، قاله أبو عُبيدة، والأول أكثرُ، وبه قال ابنُ المسيب، والواقدي، وخليفة، وغيرهم.
ثم طلقها ﷺ تطليقةً واحدةً، ثمّ راجعها بأمر جبريل ﵇، وقال: "إنها صوَّامة قَوَّامةٌ، وهي زوجتُك في الجنة"، (١) وذكر هذا الحافظُ المصنفُ في "مختصر السيرة"، ولفظه: أن النَّبيَّ ﷺ طلقها، فأتاه جبريلُ، فقال: "إن اللَّه يأمرُك أن تراجعَ حفصة؛ فإنها صوَّامة قَوَّامةٌ، وإنها زوجُتك في الجنة"، وفي رواية: "صَووم قَووم، وهي من نسائِك في الجنة" (٢).
وفي الطبراني في "المعجم الكبير": عن عقبةَ بنِ عامرٍ ﵁: أن النَّبي ﷺ طلق حفصةَ، فبلغ ذلك عمرَ بنَ الخطاب ﵁، فوضع الترابَ على رأسه، وقال: ما يَعْبَأُ اللَّهُ بابنِ الخطابِ بعدَ هذا،
стр. 2191
فنزل جبريلُ على النَّبي ﷺ ، فقال: "إن اللَّه يأمُركَ أن تراجعَ حفصةَ رحمةً لعمر ﵁" (١).
تُوفيت حفصةُ ﵂ في شعبان سنة خمس وأربعين، وقيل: إحدى وأربعين، وهي بنتُ ستين.
وقال ابن قتيبة في "المعارف": توفيت في خلافة عثمان (٢).
قال ابن سعد: صلى عليها مروانُ بن الحَكَم، وحملَ بينَ عمودي سريرِها من عندِ دارها إلى حريمِ دارِ المغيرة بنِ شعبة، وحمله أبو هريرةَ من دارِ المغيرة إلى قبرها (٣).
ورُوي لها عن رسول اللَّه ﷺ ستون حديثًا، اتفقا على ثلاثة، وتفرد مسلم بستة (٤).
(أنها قالت) -يعني: حفصة بنت الفاروقِ-: (يا رسولَ اللَّه! ما شأنُ النّاس حَلُّوا من العُمرة)، وفي لفظ في "البخاري": حلوا بعمرة؛ (٥) أي: حلوا من الحجّ بعمل عمرة؛ لأنهم فسخوا الحجّ إلى العمرة، فكان إحرامُهم بالعمرة سببًا لسرعةِ حلهم، (٦) (ولم تَحِلَّ) -بفتح أوله وكسر ثالثه- (أنت من عمرتك؟)؛ أي: المضمومة إلى الحجّ، فيكون قارنًا كما هو في
стр. 2192
أكثر الأحاديث، وأنه الأصح -كما تقدم-، وحينئذ فلا تمسَّكَ به لمن قال: إنه كان ﵇ متمتِّعًا؛ لكونه أقرَّ على أنَّه كان محرمًا بعمرة؛ لأن اللفظَ محتملٌ للتَّمَتُّع والقِران (١) -كما مَرَّ-، ومر قولُ الإمام أحمد ﵁: لا أشكُّ أنَّه ﷺ كان قارِنًا، والمتعةُ أحبُّ إليَّ (٢).
(فقال) النَّبيُّ ﷺ : (إني لَبَّدْتُ رأسي) -بفتح اللام والموحدة المشددة-؛ من التلبيد، وهو أن يجعل المحرِمُ [على] رأسه شيئًا من نحو صمغ ليجتمعَ الشعرُ ولا يدخلَ فيه قملٌ، (٣) (وقَلَّدْتُ هَدْيي)، والتقليدُ: هو تعليقُ شيء في عُنُق الهدي ليُعلم، (فلا أَحِلُّ) من إحرامي (حتّى أنحرَ) الهديَ، وهذا قول إمامنا؛ كأبي حنيفة ﵄؛ فإنَّه ﵇ جعل العلة في بقائه على إحرامه الهديَ، وأخبرَ أنه لا يحلُّ حتّى ينحر.
وقالت المالكية، والشافعية: ليس العلةُ في ذلك سوقَ الهدي، بل السببُ إدخال العمرة على الحجّ، واستدلوا بقوله في رواية عبيد اللَّه بن عمرَ بنِ حفصِ بنِ عاصمِ بنِ الخطاب العمريِّ المدنيِّ، قال: أخبرني نافع مولى ابن عمرَ، عن ابن عمرَ، عن حفصةَ، وفيه: "فلا أَحِلُّ حتّى أَحِلَّ من الحجّ" (٤)، فلم يجعل العلة في ذلك سوقَ الهدي وتقليدَه، بل إدخال الحجّ على العمرة (٥).
стр. 2193
قلت: ورواية: "حتّى أنحرَ" أصحُّ وأثبتُ؛ لأنها من رواية مالكٍ عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة، ومالك أثبتُ من عبيد اللَّه، بلا خلاف، فما ذهبَ إليه إمامنا؛ كأبي حنيفة، أصحُّ وأثبتُ كما لا يخفى (١).
وفي "الصحيحين" عن عمرَ ﵁ في قصة أبي موسى الأشعري، واعتراضه على عمرَ، قال عمرُ: وإن نأخذْ بسنةِ رسولِ اللَّه ﷺ ؛ فإن النَّبي ﷺ لم يحلَّ حتّى نحر الهدي، (٢) واللَّه أعلم.
* * *
(عن) أبي نُجيدٍ (عِمرانَ بنِ حُصينٍ) الخزاعيِّ، الكعبيِّ (﵁، قال: نزلَتْ آيةُ المتعةِ)، وهي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] (في كتاب اللَّه) المنزلِ على رسول اللَّه ﷺ ، (ففعلناها) معشرَ الصَّحابة (مع رسول اللَّه ﷺ ).
قال ابن عبّاس ﵄ لما سُئل عن متعة الحجّ، فقال مجيبًا عن ذلك: أَهَلَّ المهاجرون والأنصارُ وأزواجُ النَّبي ﷺ في حجة الوداع، وأَهْلَلْنَا، فلما قدمْنا مكّةَ، قال رسول اللَّه ﷺ : "اجْعَلُوا إهلالَكُم بالحجِّ عمرةً، إلّا من قلَّدَ الهَدْيَ"، فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وأتينا النساءَ، ولبسنا الثياب، الحديث (١).
стр. 2196
قال عمرانُ بن حصين ﵁: (ولم ينزلْ قرآنٌ يحرِّمُه)؛ يعني: التّمتّع.
وفي لفظ: "تمتعنا على عهد رسول اللَّه ﷺ ، ونزل القرآنُ" (١) بجوازه، قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦].
واعلم أن قوله: ولم ينزلْ قرآنٌ يحرمه، من زيادة مسلم على البخاري كما في "القسطلاني"، (٢). وظاهر "الجمع بين الصحيحين" للحافظ عبد الحق: أنها من المتفق عليه، (٣) (ولم ينهَ عنها)؛ أي: المتعة رسولُ اللَّه ﷺ (حتّى مات) النَّبيُّ ﷺ ؛ أي: فلا نسخَ.
وفي لفظ: فلم تنزل آية تنسخُ ذلك، ولم ينهَ عنه حتّى مضى لوجهه (٤).
وفي لفظ: ثم لم تنزل آيةٌ تنسخُ آية متعةِ الحجّ، ولم ينه عنها رسولُ اللَّه ﷺ حتّى ماتَ (٥). (قال رجل برأيه ما شاء، قال البخاري: يقال: إنه عمر) بنُ الخطاب ﵁، لا عثمانُ بنُ عفان؛ لأن عمرَ أولُ من نهى عنها، فكان مَنْ بعده تابعًا له في ذلك (٦).
стр. 2197
(و) في رواية (لمسلمٍ: نزلت آية المتعة) في كتاب اللَّه (يعني: متعة الحج، وأمرنا بها رسولُ اللَّه ﷺ ، ثمّ لم تنزل) بعد ذلك (آية) من كتاب اللَّه (تنسخ آيةَ متعةِ الحجّ)، يعني: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]، (ولم ينه عنها) رسول اللَّه ﷺ (حتّى مات).
وحيثُ ثبتت متعةُ الحجّ بالنص القرآني، ولا ناسخَ لها من كتاب ولا سنة، فلا التفاتَ لمن زعم عدمَ الجواز.
قال الحافظ المصنف ﵀: (ولهما)؛ أي: البخاري ومسلم رواية (بمعناه) من حديث عمران بن حصين، وهذا صريح في ردِّ قول من زعم أن جواز التّمتّع منسوخ، مثل قول يزيد بن أبي مالك في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]، قال: منسوخة، نسخها: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (١) [البقرة: ١٩٧]، فهذا القائل بالنسخ فسر المتعة بالتمتع في أشهر الحجّ مخصوصة بالحج، لا يجوز فيها الاعتمار، فانتسخت المتعة في أشهر الحجّ.
وفي مسلم عن أبي ذر ﵁، قال: كانت متعةُ الحجّ لأصحاب محمد ﷺ خاصة (٢).
قال الحافظ ابنُ رجب في كتابه الذي على قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]: القول بإنكار التّمتّع في أشهر الحجّ هو قولُ ابن الزبير، وطائفةٍ من بني أمية، وروي النهيُ عنه عن عمرَ، وعثمانَ، ومعاويةَ، وغيرِهم.
стр. 2198
قال: والقولُ بأن التّمتُّع في أشهر الحجّ لا يجوز قولٌ باطلٌ، مخالفٌ للكتاب والسنة المتواترة؛ فإن النَّبي ﷺ أمر أصحابه بالتمتع في حجة الوداع، وكان هو متمتعًا تمتّعَ قِرانٍ، ولما سئل ﷺ : أَمُتْعَتُنا هذه لعامِنا هذا أو للأبد؟ قال: "لا، بل للأبد، دخلت العمرة في الحجّ إلى يوم القيامة" (١).
وهذا يرد قولَ من قال: كانت متعةُ الحجّ لهم خاصةً، وقولَ من قال: إن آية التّمتّع منسوخةٌ.
وفي "مسند الإمام أحمد" عن ابن عمر ﵄، قال: العمرةُ في أشهر الحجّ تامةٌ، عمل بها رسولُ الله ﷺ ، ونزل بها كتاب الله (٢).
وأما حديث معاوية: أن رسول الله ﷺ نهى أن يقرن بين حج وعمرة، وفي لفظ: نهى عن جمعٍ بين حج وعمرة، فهو حديث مضطربٌ إسنادًا ومتنًا، ولفظه تارةً ينهى عن القِران، وتارة عن المتعة -يعني: متعة الحجّ-، وهو في "المسند" بهذا اللفظ (٣)، وفيه مَنْ لم يشتهر بالعلم والضبط.
قال الحافظ ابن رجب: فلعل لفظَ الحديث: نهى عن المتعة، والمراد بها: متعةُ النساء، ففسرها بعض الرواة بمتعة الحجّ.
وكذلك الحديث الذي رواه أبو داود عن سعيد بن المسيب: أن رجلًا من أصحاب النَّبي ﷺ أتى عمرَ بنَ الخطاب ﵁، فشهد أنَّه سمعَ رسولَ الله ﷺ في مرضه الذي قُبض فيه نهى عن العمرة قبل
стр. 2199
الحجّ، (١) فهذا الإسنادُ لا يثبت مثلُه، لجهالة بعض من فيه، قاله الحافظ ابن رجب.
قال: وتردُّه الأحاديث الثابتةُ المتواترة عن النَّبي ﷺ ، ولهذا لم يلتفت علماء الأمة وأئمتها إلى هذه الروايات الشاذة المنكرة، ولم يعولوا عليها.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ما ملخصه: لما نهى عمر ﵁ عن الاعتمار في أشهر الحجّ، قصد أمرهم بالأفضل؛ لأنهم تركوا الاعتمار في مفرده غير أشهر الحجّ، ويتركون سائر الأشهر، فصار البيتُ يعرى عن العِمارة من أهل الأمصار في سائر الحول، فكان عمر ﵁ من شفقته على رعيته اختار الأفضل، لإعراضهم عنه، كالأب الشفيق يأمر ولده بما هو الأصلحُ له، وهذا كان موضع اجتهاده لرعيته، فألزمهم بذلك، وخالفه عليٌّ ﵁، وعمرانُ بنُ حصين، وغيرُهما من الصَّحابة، ولم يروا أن يلزم النّاس، بل يُتركون، من أحبَّ شيئًا، عملَه قبل أشهر الحجّ، وفيها، وقوي النزاع في ذلك في خلافة عثمان ﵁ حتّى ثبت أنَّه كان ينهى عن المتعة، فلما رآه عليٌّ ﵁، أهل بهما، وقال: لم أكن أدعُ سنةَ النَّبي ﷺ لقول أحدٍ، (٢) ثمّ كانت بنو أمية ينهون عن المتعة، ويعاقبون عليها، ولا يمكِّنون أحدًا من العمرة في أشهُر الحجّ، وكان ذلك ظلمًا وجهلًا، فلما رأى ذلك الصَّحابةُ، كابن عبّاس، وابن عمر، وغيرِهما، جعلوا يُنكرون ذلك، ويأمرون بالمتعة، اتباعًا للسنة، فكان بعضُ النّاس يقول لابن عمر: إن أباك كان ينهى عنها، فيقول: إن أبي لم يُرد ذلك، ولا كان يضربُ النّاس عليها، وبين لهم أن قصد عمر
стр. 2200
كان الأفضل، يعني: عنده، لا تحريمَ المتعة، وكانوا ينازعونه، فيقول لهم: قدروا أن عمر نهى عن ذلك، تتبعونه، أم النَّبيَّ ﷺ ؟
وكذلك ابنُ عبّاس لما كانوا يعارضونه بما توهموه على أبي بكر وعمر، يقول لهم: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقولُ: قال رسولُ الله ﷺ ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر ﵄؟! (١)، والله أعلم.
стр. 2201
باب الهدي
وهو ما يُهدى إلى الحرم من النَّعَم وغيرِها.
قال في "المطلع": قال الأزهري: أصلُه التشديد، من هَديت [الهدي أهديه] (١)، وكلامُ العرب: أهديت الهديَ إهداء، (٢). وهما لغتان نقلهما القاضي عياض (٣)، وغيرُه، وكذا يقال: هديتُ الهدية، وأهديتُها، وهديتُ العروس، وأهديتُها، وهداه اللهُ من الضلال لا غير (٤).
وفي "النهاية" في حديث طَهْفَة: "هلكَ الهَدِيُّ، وماتَ الوَدِيُّ" (٥)، الهَديُّ -بالتشديد-: كالهَدْيِ -بالتخفيف-: ما يُهدى إلى البيت الحرام من النعم لتُنحر، وأُطلق على جميع الإبل، وإن لم تكن هديًا، تسمية للشيء ببعضه، يقال: كم هديُ بني فلان؟ أي: كم إبلُهم؟ أراد: هلكت الإبل، ويَبِسَتِ النخيل، قال: فأهلُ الحجاز وبنو أسد يخففون الهدي، وبنو تميم
стр. 2202
وسُفْلَى قيسٍ يُثقِّلون، وقد قرىء بهما (١).
وذكر الحافظ في هذا الباب خمسة أحاديث:
стр. 2203
الحديث الأول
عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ أَشْعَرَهَا وَقَلَّدَهَا، أَوْ قَلَّدْتُهَا، ثُمَّ بَعَثَ بهَا إِلَى البَيْتِ، وَأَقَامَ بالمَدِينَةِ، فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْء كَانَ لَهُ حِلًّا (١).
* * *
(عن) أم المؤمنين (عائشة) الصدِّيقة (﵂، قالت: فَتَلْتُ) من فتلَه يفتِلُه: إذا لواه، كَفَتَّلَهُ، فهو فتيل ومفتول، وقد انفتلَ، وتَفَتَّلَ،
стр. 2204
والفَتيلُ: حبلٌ دقيقٌ من لِيفٍ ونحوه، كما في "القاموس" (١).
وفي "النهاية": الفتلةُ: واحدةُ الفتل، وهو ما كان مفتولًا من ورق الشجر كورق الطرفاء، والأثل، ونحوِهما (٢).
(قلائدَ) جمعُ قِلادة، وهو مَا يُعلق في أعناق (هديِ النَّبيِّ ﷺ ) الذي أهداه، (ثمّ أشعرَها) ﷺ ، الإشعار -بكسر الهمزة-، وهو لغةً: الإعلامُ، وشرعًا: بأن يُطعن في شق سنامه الأيمن، وكذا محل السنام من غير
الإبل (٣).
وقال مالك: في الأيسر، وهو الذي في "الموطأ" (٤).
نعم، روى البيهقي عن ابن جريج، عن نافع: عن ابن عمر: أنَّه كان لا يُبالي في أي الشقين أشعرَ، في الأيسر أو في الأيمن (٥).
وهي ثلاث روايات عن الإمام أحمد، (٦) كما في "الفروع"، والمعتمد: الأيمن (٧).
ولا يُشْعَر غيرُ الإبل والبقر، ولا يُشعر الغنم، لضعفها.
стр. 2205
وفي الحديث عن ابن عبّاس ﵄: أشعرَ رسول الله ﷺ في الشقِّ الأيمن.
ففي "مسند الإمام أحمد"، و"صحيح مسلم"، و"سنن أبي داود"، و"النسائي" عن ابن عبّاس ﵄: أن رسول الله ﷺ صلّى الظهر بذي الحليفة، ثمّ دعا ناقته، فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وسَلَتَ الدمَ عنها، وقَلَّدَها نعلين، ثمّ ركب راحلَته، فلما استوت به على البيداء، أهلَّ بالحج (١).
وفي "البخاري": كان ابن عمر ﵄ إذا أهدى من المدينة، قلده، وأشعره بذي الحليفة، يطعن في شقِّ سنامه الأيمن بالشفرة، ووجهها قِبَلَ القبلة باركةً، (٢) ويلطخها بالدم، لتعرَفَ إذا ضَلَّت، وتتميز إذا اختلطت بغيرها.
ونقل حنبلٌ عن الإمام أحمد ﵁: أنَّه قال: لا ينبغي أن يسوقه -يعني: الهدي- حتّى يشعر، ويقلده نعلًا، أو علاقة قربة، سنة النَّبي ﷺ وأصحابه ﵃ (٣).
وكون الإشعار سنةً هو مذهبنا، كالشافعية.
стр. 2206
وهو ظاهر "المدونة" (١).
وفي "كتاب محمد بن الحسن": لا تشعر البقر؛ لأنه تعذيب، فيقتصر به على الوارد.
وقال أبو حنيفة: الإشعار مكروه، وخالفه صاحباه، فقالا: إنه سنة، واحتج لأبي حنيفة أنَّه مُثْلَة، وهي منهيٌّ عنها، وعن تعذيبِ الحيوان.
والجواب: بأن أخبار النهي عن المثلة وعن تعذيب الحيوان عامة، وأخبار الإشعار خاصة، فقُدمت.
وقال الخطابي: أشعر النَّبي ﷺ هديه آخرَ حياته، ونهيُه عن المثلة كان أولَ مقَدمِه المدينةَ، مع أن الإشعار لا نسلم أنَّه من المثلة، بل من باب آخر، انتهى ملخصًا (٢).
بل هو كالختانِ والفَصْدِ، وشقِّ أذن الحيوان ليكونَ علامة.
وقد كثر تشنيعُ المتقدمين على أبي حنيفة ﵀ ورضي عنه - في إطلاقه كراهةَ الإشعار، فقال ابن حزم في "المحلَّى": هذه طامَّة من طوامِّ العالم أن يكون مثلةً شيءٌ فعلَه رسول الله ﷺ ، أُفٍّ لكل عقل يتعقب حكم رسول الله ﷺ ، وهذه قولة لأبي حنيفة لا يُعلم له فيها متقدمٌ من السلف، ولا موافقٌ من فقهاء عصره إلّا من قلده، انتهى (٣).
وقد ذكر الترمذي عن أبي السائب، قال: كنا عند وكيع، فقال له رجل: رو [ي] عن إبراهيم النخعي أنَّه قال: الإشعار مثلة، فقال له وكيع: أقول
стр. 2207
لك: أشعرَ رسولُ الله ﷺ ، وتقول: قال إبراهيم؟! ما أحقَّك أن تُحبس! انتهى (١).
قال القسطلاني: وهذا فيه ردٌّ على ابن حزم؛ حيثُ زعم أنَّه ليس لأبي حنيفة سَلَف في ذلك.
وقد أجاب الطحاويُّ منتصرًا لأبي حنيفة، فقال: لم يكره أبو حنيفة أصلَ الإشعار، بل ما يُفعل على وجه يُخاف منه هلاكُ البدن، كسراية الجرح، لاسيما مع الطعن بالشفرة، فأراد سدَّ الباب عن العامة؛ لأنهم لا يراعون الحدَّ في ذلك، وأما من كان عارفًا بالسنة في ذلك، فلا.
وقد ثبت عن عائشة ﵂، وابنِ عبّاس: التخييرُ في الإشعار وتركِه، فدلَّ على أنَّه ليس بنسك، انتهى (٢).
(وقلدها) هو ﵇، (أو قلدتُها) بالشكِّ من الراوي، وعليه: يجوزُ الاستنابة في التقليد، (ثمّ بعث) ﷺ (بها)، أي: البُدْنِ مع أبي بكر الصديق ﵁ لما حج بالناس سنة تسع (إلى البيت) الحرام، (وأقام) ﵊ (بالمدينة) المنوَّرة حَلالًا، (فما حَرُمَ عليه شيء) من محظورات الإحرام (كانَ له) ﵊ (حِلًّا) -بالنصب-: خبر كان، واسمها ضمير يعود على "شيء"،
وفي "القسطلاني": -بالرفع-، قال: والجملة في موضع رفع صفة لقوله: "شيء"، وهو؛ أي: شيء رفع بقوله: فما حَرُم -بضم الراء-، والوجه: نصبُ "حلًّا"، (٣) والله أعلم.
стр. 2208
وسبب هذا الحديث ما في "الصحيحين" عن عمرة بنتِ عبد الرحمن الأنصارية: أن زياد بن أبي سفيان، وهو الذي استلحقه معاوية، وإنما كان يقال له: زياد بن أبيه، أو ابن عبيد؛ لأن أمه سمية مولاة الحارث بن كَلَدَة ولدته على فراش عُبيد، فلما كان في خلافة معاوية، شهد جماعة على إقرار أبي سفيان بأن زيادًا ولدُهُ، فاستلحقه معاويةُ لذلك، وأَمَّره على العراقَين (١).
وقدم ابنُ قتيبة في "المعارف": أن أم زياد أسماءُ بنتُ الأعور من بني عبد شمس بن سعد، هذا قول أبي اليقظان، ثمّ قال: وقال غيره: أمه سميَّة أم أبي بَكْرة نُفيعِ بنِ الحارثِ بنِ كلدة طبيبِ العرب، قال: وسميّة من أهل زندورة، وكان كسرى وهبها لأبي الخير -ملكٍ من الملوك- في وفادة له عليه، فلما رجع إلى اليمن، مرض بالطائف، فداواه الحارث، فوهبها له.
ووُلد زيادٌ عامَ الفتح بالطائف، وكان كاتِبَ المغيرةِ بنِ شعبة، ثمّ كتب لأبي موسى، ثمّ كتب لابن عبّاس ﵃، وكان زياد مع عليٍّ -رضوان الله عليه-، فولاه فارس، فكتب إليه معاويةُ يتهدده، فكتب إليه زياد: أتوعدني وبيني وبينك ابنُ أبي طالب؟ أما والله! لئن وصلتَ إليَّ، لتجدَنِّي ضَرَّابًا بالسيف، ثمّ لما استلحقه معاوية، ولاه البصرة، فلما مات المغيرةُ بن شعبة، جمع له العراقين، فكان أولَ مَنْ جمعهما.
ومات بالكوفة سنة ثلاث وخمسين، (٢) ففي ولايته على العراقين كتب إلى عائشة ﵂ كما في "الصّحيحين": إن عبد الله بن عبّاس
стр. 2209
- ﵄ بكسر همزة إن، وفي رواية بفتحها، (١) قال: من أهدى هديًا، حرم عليه ما يحرم على الحاج -يعني: من محظورات الإحرام- حتّى ينحر هَدْيه، قالت عمرة: فقالت عائشة ﵂: ليس كما قال ابن عبّاس ﵄، أنا فتلت قلائدَ هدي رسول الله ﷺ ، فذكرته (٢).
وقد وافق ابنَ عبّاس ﵄ جماعةٌ من الصَّحابة، منهم: ابنُ عمر، رواه سعيدُ بن منصور.
وقال ابن المنذر: قال عمر، وعلي، وقيس بن سعد، وابن عمر، وابن عبّاس، والنخعي، وعطاء، وابن سيرين، وآخرون: من أرسلَ الهديَ، وأقامَ، حرم عليه ما يحرُم على المحرِم، وقال ابنُ مسعود، وعائشة، وأنس، وابن الزبير، وآخرون: لا يصير بذلك محرمًا، وإلى ذلك صار فقهاء الأمصار (٣).
стр. 2210
الحديث الثاني
عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: أَهْدَى النَّبِيُّ ﷺ مرَّةً غَنَمًا (١).
* * *
(عن) أم المؤمنين (عائشةَ) الصدِّيقةِ بنتِ الصديق (﵂)، وَعن أبيها، (قالت: أَهْدَى النَّبِيُّ ﷺ مَرَّةً)، أي: بعث إلى مكّة مرةً واحدةً