← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

(قال) الحافظ أبو محمد المصنف (﵁: التور: إناءٌ يشبه الطَّسْت). تقدم أن التور -بالتاء المثناة-. والطست -بكسر الطاء المهملة وفتحها وبإسقاط التاء-، وجمعه طساس، ويجمع على طسوس، وفي حديث الإسراء: واختلف إليه ميكائيل بثلاث طساس من زمزم (١). قال في "القاموس": الطَّسُّ الطَّسْتُ؛ كالطَّسَّة، والطِّسَّة، والجمع: طُسوس، وطِساس، وطَسيس، وطَسَّاتٌ، والطَّسَّاسُ صانعُه، والطِّساسةُ حِرْفته (٢). قال في "النهاية": والهاء فيه بدل من السين، فجمع إلى أصله (٣). وفي "القاموس": الطست: الطسُّ، أبدل من إحدى السينين تاءً، وحكي بالشين المعجمة (٤). وفي "المطالع": التور: مثل قدح القدر من الحجارة (٥). والحاصل: أنه إناءٌ لا من جملة الأوعية يكون من نحاسٍ، وهو الطست، ومن غير نحاسٍ، والله أعلم. وفي الحديث: جواز الاغتراف للطهارة من الماء القليل، وأنه لا يستعمل لذلك، ولا تعتبر نية الاغتراف، والله أعلم. * * *

стр. 247

الحديث التاسع عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُعْجِبُه التَّيَمُّنُ في تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وطَهُورِهِ، وَفي شَأْنِهِ كلِّهِ (١).

стр. 248

(عن عائشة) أُمَّ المؤمنين (﵂): أنها (قالت: كان رسولُ الله ﷺ يُعجبُه التيمُّنُ)؛ أي: يحبه ويرضاه، وتعني بالتيمن: الابتداء باليمين، قيل: لأنه ﷺ كان يحب الفأل الحسن؛ إذ أصحاب اليمين أهل الجنة. زاد البخاري من رواية شعبة: "ما استطاع"، فنبه على المحافظة على ذلك ما لم يمنع مانعٌ. (في تنعُّلِه)؛ أي: في لبس نعله؛ بأن يبدأ بلبس رجله اليمنى للنعل. (و) في (ترجُّلِه) وهو ترجيلُ شعره؛ أي: تسريحُه ودهنُه؛ بأن يبدأ بالشق الأيمن من رأسه، وكذا لحيته. قال في "المشارق": رجَّل شعَره: إذا مشَّطه بماءٍ أو دُهنٍ لِيَلِين، ويرسل الثائر، ويمد المنقبض (١). زاد أبو داود من رواية شعبة: "وسِواكِه" (٢). (و) في (طهوره) بأن يبدأ بغسل يده اليمنى قبل اليسرى، ورجله اليمنى كذلك، في الوضوء، وبالشق الأيمن في الغسل. والبداءة باليمين من السنة المستحبة، وإن كنا نقول باعتبار الترتيب، إلا أن اليدين كالعضو الواحد، وكذا الرجلين، ومن ثم جُمعا في القرآن حيث قال - تعالى -: ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾ [المائدة: ٦] ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦].

стр. 249

(وفي شأنه كله)، وفي أكثر الروايات بإسقاط الواو. وفي روايةٍ أبي الوقت بإثباتها. قال الحافظ ابن حجرٍ: وهي التي اعتمدها صاحب "العمدة" (١)، يعني: المصنف - رحمه الله تعالى -. قال ابن دقيق العيد. هو عامٌّ مخصوصٌ؛ لأن دخول الخلاء والخروج من المسجد ونحوهما يبدأ فيهما باليسار، انتهى (٢). وتأكيد الشأن بقوله: "كلِّه" يدل على التعميم؛ لأن التأكيد يرفع المجاز، فيمكن أن يقال: حقيقة الشأن ما كان فعلاً مقصوداً، وما يستحب فيه التياسر ليس من الأفعال المقصودة، بل هي إما تروك، وإما غير مقصودةٍ. وهذا كله على تقدير إثبات الواو، وأما على إسقاطها، فقوله: "في شأنه كله" متعلقٌ بـ"يعجبه"، لا بالتيمن؛ أي: يعجبه في شأنه كله التيمن في تنعله إلخ؛ أي: لا يترك ذلك سفراً ولا حضراً، ولا في فراغه ولا شغله. قاله في "الفتح" (٣). وقال الطيبي: قوله "في شأنه" بدل من قوله: "في تنعله"؛ بإعادة العامل، قال: وكأنه ذكر التنعل؛ لتعلقه بالرجل، والترجل؛ لتعلقه بالرأس، والطهور؛ لكونه مفتاح أبواب العبادة، فكأنه نبه على جميع الأعضاء، فيكون كبدل الكل من الكل. ووقع في رواية مسلمٍ بتقديم قوله: "في شأنه كله" على قوله: "في تنعله إلخ".

стр. 250

وزاد الإسماعيلي من طريق غندر عن شعبة: أن عائشة -أيضاً- كانت تُجمله تارةً، وتبينه تارةً. قال الحافظ ابنُ حجرٍ: فعلى هذا يكون أصلُ الحديث ما ذُكر من التنعل وغيره، ويؤيده رواية مسلمٍ وابن ماجه، كلاهما عن أشعث بدون قوله: "في شأنه كله" (١)، وكأن الرواية المقتصرة (في شأنه كله) من الرواية بالمعنى (٢). وفي الحديث: استحباب البداءة بشق الرأس الأيمن في الترجل والغسل والحلق، لا يقال: هو من باب الإزالة، فيبدأ فيه بالأيسر، بل من باب العبادة والتزيين، وقد ثبت الابتداء في الشق الأيمن، وفي الحلق -كما سيأتي-. وفيه: البداءة بالرجل اليمنى في التنعل، وفي إزالتها باليسرى. وفيه: البداءة باليد اليمنى في الوضوء، وكذا الرِّجل، وبالشق الأيمن في الغسل- كما تقدم -، واستدل به على استحباب الصلاة عن يمين الإمام، وفي ميمنة المسجد، وفي الأكل والشرب باليمين (٣). والحاصل: أن قاعدة الشرع المستمرة: استحباب البداءة في اليمين في كل ما كان من باب التكريم والتزيين، وما كان بضدها استحب فيه التياسر، والله الموفق. * * *

стр. 251

الحديث العاشر عن نُعَيْم الْمُجْمِرِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : أَنَّه قالَ: "إنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ، فَلْيَفْعَلْ" (١). وفي لفظٍ: رأيتُ أبَا هريرةَ يتوضَّأُ، فَغسَلَ وَجْهَهُ ويَدَيْهِ حتَّى كَادَ يَبْلُغُ المَنْكِبَيْنِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ حتَّى رَفَعَ إلى السَّاقَيْنِ، ثمَّ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الوُضُوء، فَمَنِ استَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ، فَلْيَفْعَلْ" (٢). وفي لفظٍ لمسلم: سمعتُ خليلي ﷺ يقولُ: "تَبْلُغُ الحِلْيَةُ مِنَ المُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الوُضُوءُ" (٣).

стр. 252

(عن نُعَيْمٍ) -بضم النون وفتح العين المهملة- ابنِ عبدِ الله (المُجْمِرِ) -بضم الميم الأولى وإسكان الجيم وكسر الميم الثانية-، ويقال:-بفتح الجيم وتشديد الميم بعدها راء-، سمي بذلك؛ لأنه كان يُجْمر مسجدَ رسولِ الله ﷺ ؛ أي: يبخره، والمجمرُ صفة لعبد الله، ويطلق على ابنه نُعيم مجازاً، وقيل: صفةٌ لنعيم. قال البرماوي (١): ولا يمتنع أن يكون صفةً لكل منهما، وأنه كان يبخر. وقيل: سُمي المجمِر؛ لأن عبد الله كان يأخذ المجمر قدام عمرَ بنِ الخطاب ﵁ إذا خرج إلى الصلاة في رمضان. ونعيمٌ هذا من خيار التابعين، مولى عمر بن الخطاب ﵁، روى عن أبي هريرةَ وغيرِه. قال نعيم: جالست أبا هريرةَ عشرين سنة. روى عنه ابنُه محمدُ بنُ نُعيم، ومالكُ بنُ أنس الإمامُ، وغيرُهما، وكنيته: أبو عبد الله (٢)، فروى نعيم - رحمه الله تعالى - (عن أبي هريرة)

стр. 253

صاحبِ رسولِ الله ﷺ وحافظِ عصره من الصحابة المكرمين - ﵁ وعنهم أجمعين -. (عن رسول الله ﷺ : أنه قال: إِنَّ أُمَّتي) الذين اتَّبعوني؛ فالمراد: أمةُ الإجابة، (يُدْعَوْنَ) -بضم أوله -؛ أي: ينادَوْن ويسمَّوْن (يومَ القيامةِ) في موقف الحساب أو الميزان، أو غير ذلك مما يُدعى إليه الناسُ في ذلك اليوم. (غُرًّا) -بضم المعجمة وتشديد الراء-، جمع أغر؛ أي: ذو غرة. وأصل الغرة: لمعةٌ بيضاء تكون في جبهة الفرس، ثم استُعمل في الجَمال والشهرة وطيبِ الذكر. والمراد بها هنا: النور الكائن في وجوه أمة محمدٍ ﷺ (١). و"غراً" منصوبٌ على المفعولية ليدعون، أو على الحال (٢)؛ أي: إنهم إذا دُعوا على رؤوس الأشهاد نُودوا بهذا الوصف، وعلى هذه الصفة. (مُحَجَّلين): -بالمهملة والجيم-: وهو الخلخال (٣)، والمراد هنا: النور (من آثارِ الوُضوءِ) -بضم الواو- ويجوز -فتحها- على أنه الماء المستعمل في الوضوء، فيكون الغرة والتحجيل نشأ عن الفعل بالماء، قاله ابن دقيق العيد (٤).

стр. 254

تنبيهٌ: استدل بهذا الحديث على أن الوضوءَ من خصائص هذه الأمة جماعةٌ، منهم: الحليمي من الشافعية. وذكر الإمام ابن مفلح حديث: "هذا وضوئي ووضوءُ الأنبياءِ قبلي" (١) من عدة طرقٍ، وقال: يحتمل أن يكون هذا الحديث حسناً؛ لكثرة طرقه، قال: وعلى هذا لا يكون الوضوء من خصائص هذه الأمة، وقاله أبو بكر بن العربي المالكي، وغيرُه، قال: وقد ذكر بعض أصحابنا التيممَ من خصائص هذه الأمة؛ للخبر الصحيح، فدلَّ أن الوضوء ليس كذلك، وقاله القرطبي المالكي، وغيرُه، وعلى هذا يكون المراد بهذا الحديث: أن أمته ﷺ يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء: أنهم امتازوا بالغرة والتحجيل، لا بالوضوء. وقال ابن عبد البر: قد يجوز أن تكون الأنبياء يتوضؤون، فيكتسبون بذلك الغرة والتحجيل، ولا يتوضأ أتباعهم كما جاء عن موسى ﵇: أنه قال: أجدُ أمةً كلُّهم كالأنبياء، فاجعلها أمتي، قال: "تلك أمةُ محمدٍ"، في حديثٍ فيه طولٌ.

стр. 255

قال: وقد قيل: إن سائر الأمم كانوا يتوضؤون، قال: ولا أعرفه من وجهٍ صحيحٍ (١)، انتهى (٢). ونظر الحافظ ابنُ حجرٍ في قول الحليمي: إن الوضوء من خصائص هذه الأمة؛ قال: لأنه ثبت عند البخاري في قصة سارة ﵍ مع الملكِ الذي أعطاها هاجر: أن سارةَ لما همَّ الملك بالدنوِّ منها، قامت تتوضأ وتصلي (٣)، ومن قصة جريج الراهب: أنه قام فتوضأ وصلى، ثم كلم الغلام (٤). قال: فإن ظاهره: أن الذي اختصت به هذه الأمة هو الغرة والتحجيل، لا أصل الوضوء، وقد صرح بذلك في روايةٍ لمسلمٍ عن أبي هريرة -أيضاً- مرفوعاً، قال: "لكم سيما ليست لأحدٍ غيركم" (٥). وله من حديث حذيفة نحوه (٦). وللطحاوي: "ولا يأتي أحدٌ من الأمم كذلك" (٧).

стр. 256

و"سيما" -بكسر المهملة وإسكان الياء-، أي: علامةٌ، والله أعلم (١). (فمن)؛ أي: أيُّ إنسانٍ (استطاع)؛ أي: استفعالٌ من الطاعة؛ والمراد: من قدرَ وأطاقَ. ويقال: اسطاع، يحذفون التاء استثقالاً لها مع الطاء، ويكرهون إدغام التاء فيها، فتحرك السين، وهي لا تحرك أبداً، وقرأ حمزة غير خلاَّدٍ: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا﴾ [الكهف: ٩٧]، فجمع بين الساكنين (٢). وبعض العرب يقول: استاع يستيع، وبعض يقول: إسطاع يسطيع -بقطع الهمزة- بمعنى: أطاع يطيع. قاله في "القاموس" (٣). (منكم) معشَر المتوضئين من هذه الأمة (أن يُطيل غُرَّته) بمجاوزة محل الفرض؛ بأن يغسل اليدين إلى ما فوق المِرْفقين حتى يبلغ العَضُدَين، والرجلين إلى ما فوق الكعبين حتى يبلغ منتهى الساقين. (فليفعلْ) ذلك؛ أي: فليُطِل الغرةَ والتحجيل. واقتصر في الحديث على إحداهما؛ لدلالتها على الأخرى، نحو قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، واقتصر على ذكر الغرة مع أنها مؤنثة، دون التحجيل وهو مذكر، وتغليب المذكر أشيعُ وأشهر؛ كالقمرين؛ لأن محل الغرة أشرفُ أعضاء الوضوء، وأول ما يقع عليه النظر من الإنسان، على أن في رواية مسلمٍ من طريق عمارة بن غزيّة، ذكرَ الأمرين، ولفظه:

стр. 257

"فليطِلْ غرته وتحجيلَه"، قاله الحافظ ابن حجر (١). وقال ابن بَطَّالٍ: كنى أبو هريرةَ بالغرة على التحجيل؛ لأن الوجه لا سبيل إلى الزيادة في غسله (٢). قال ابن حجرٍ: وفيما قاله نظرٌ؛ لأنه يستلزم قلبَ اللغة، وما نفاه ممنوع؛ لأن الإطالة ممكنة في الوجه، بأن يغسل إلى صفحة العنق مثلاً، وفي هذ انظر لا يخفى. ونقل الرافعي عن بعضهم: أن الغرة تطلق على كل من الغرة والتحجيل، انتهى (٣). قلت: ظاهر صنيع الحافظ عبدِ الحق في "الجمع بين الصحيحين" اتفاقُهما على ذكر الغرة والتحجيل معاً، فإنه ذكر حديث نعيم بن عبد الله المُجمِر، قال: رأيت أبا هريرة ﵁ يتوضأ، فغسل وجهه، فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق. ثم قال لي: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ. وقال: قال رسول الله ﷺ : "أنتم الغُرُّ المُحَجَّلون يومَ القيامة من إسباغِ الوضوءِ، فمن استطاعَ منكم فليطِلْ غرتَه وتحجيلَه" (٤).

стр. 258

وفي لفظٍ آخر: فغسل وجهه ويديه حتى كاد أن يبلغ المنكبين، ثم غسل رجليه حتى رفع إلى الساقين، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أمتي يأتون يومَ القيامة غُرًّا مُحَجَّلين من أثرِ الوضوءِ" الحديث (١). قال الحافظ عبدُ الحق: وقال البخاري: "يُدعون" بدل "يأتون" (٢). فهذا - على قاعدته واصطلاحه - يدل على أنهما لم يختلفا إلا في لفظة "يأتون" كما نبه عليه - رحمة الله تعالى -، مع أن البخاري لم يذكر: "وتحجيله" فيما رأيته في النسخ، ولا سيّما والحافظ ابن حجرٍ عزا ذلك لمسلمٍ حسب (٣). تنبيهات: الأول: ظاهر "الصحيحين" وغيرِهما: أن قوله: "فمن استطاع منكم .... إلخ" من الحديث. وذكر الإمام المحقق ابنُ القيم: أنه مدرَج من كلام أبي هريرة ﵁ (٤). يؤيد ذلك ما رواه الإمام أحمد في "المسند"، وفي آخره: قال نعيمٌ: لا أدري قوله: "من استطاع .. إلخ" من قول النبي ﷺ ، أو من قول أبي هريرة (٥).

стр. 259

قال الحافظ ابن حجرٍ في "الفتح": ولم أر هذه الجملة في رواية أحدٍ ممن روى هذا الحديثَ من الصحابة، وهم عشرة ﵃، ولا ممن رواه عن أبي هريرة غير رواية نعيم هذه، انتهى (١). وهذا يؤيد ما مال إليه المحقق ابن القيم، وشيخُه شيخُ الإسلام (٢): أنه مدرج، والله أعلم. الثاني: اختلف العلماء - رحمهم الله تعالى ورضي عنهم - في استحباب ذلك، وفيه روايتان عن الإمام أحمد: إحداهما: استحباب التجاوز لمحل الفرض لإطالة الغرة والتحجيل، وهذا الصحيح من المذهب، جزم به في "المغني"، و"الشرح"، وابن رزين، وغيرهم، وقدمه في "الفروع"، و"الرعاية"، وابن تميم، وغيرهم، واختاره المجد؛ وفاقاً لأبي حنيفة والشافعي (٣). ولحديث: "تبلغُ الحِليةُ من المؤمنِ حيثُ يبلغُ الوضوءُ" متفق عليه من حديث أبي هريرة، ولفظه: عن أبي حازم، قال: كنت خلف أبي هريرة ﵁ وهو يتوضأ للصلاة، فكان يمدُّ يده حتى تبلغ إبطَه، فقلت: يا أبا هريرة! ما هذا الوضوء؟ فقال: يا بني فروخ! أنتم هاهنا؟ لو علمتُ أنكم هاهنا، ما توضأت هذا الوضوء، سمعتُ خليلي رسولَ الله ﷺ يقول:

стр. 260

"تبلغُ الحليةُ من المؤمن حيثُ يبلغُ الوضوءُ". لم يقل البخاري: يا بني فروخ! إلى قوله: هذا الوضوء (١). قوله: "يا بني فروخ! ": أراد بهم الأعاجم. قال في "النهاية": قال الليث: بلغنا أن فروخ كان من ولد إبراهيم ﵇ بعد إسماعيل وإسحاق، فكثر نسله، ونما عدده، فولد العجم الذين في وسط البلاد. هكذا حكاه الأزهري، انتهى (٢). وفي " القاموس": وفرُّوخ؛ كتنُّور: أخو إسماعيلَ وإسحاقَ، وأبو العجمِ الذين في وسط البلاد (٣). ولأن أبا هريرة ﵁ فعل ذلك، وهو راوي الحديث، وكذا ابن عمر ﵄، أخرجه ابن أبي شيبة، وأبو عبيد بإسناد حسن (٤). وقيل: المستحب من ذلك: إلى نصف العضد والساق. والرواية الثانية عن الإمام أحمد: عدمُ استحباب ذلك، وهو مذهب الإمام مالك، واختيار ابن القيم الجوزية.

стр. 261

قال في "إغاثة اللهفان": قال رسول الله ﷺ : "إن الله حَدَّ حدوداً فلا تعتدوها" (١)، والله سبحانه قد حدّ المرفقين والكعبين، فلا ينبغي تعديتُهما، ولأن رسول الله ﷺ لم ينقل مَنْ نقلَ عنه وضوءه أنه تعداهما؛ لأن ذلك أصل الوسواس، ومادته، ولأن فاعله إنما يفعله قربةً وعبادةً؛ والعبادات مبناها على الاتباع، ولأن ذلك ذريعة إلى غسل الفخذ والكتف، وهذا مما يعلم أن النبي ﷺ وأصحابه لم يفعلوه ولا مرةً واحدةً؛ ولأن هذا من الغلو في الدين، وقد قال ﷺ : "إياكم والغُلُوَّ في الدين" (٢)، ولأنه تعمُّق، وهو منهي عنه، ولأنه عضوٌ من أعضاء الطهارة؛ فكره مجاوزته؛ كالوجه (٣). وقال في كتابه "حادي الأرواح إلى منازل الأفراح"، بعد سياقه لحديث أبي حازم: قد احتج بهذا من يرى استحباب غسل العضد وإطالته، والصحيح: أنه لا يستحب، وهو قول أهل المدينة، وعن الإمام أحمد روايتان. قال: والحديث لا يدل على الإطالة؛ فإن الحلية إنما تكون زينة في الساعد والمعصم، لا في العضد والكتف. قال: وأما قوله: "فمن استطاع منكم أن يُطيل غُرته فليفعلْ"، فهذه الزيادة مدرجة في الحديث من كلام أبي هريرة ﵁، لا من

стр. 262

كلام النبيِّ ﷺ ، بيّن ذلك غيرُ واحد من الحفاظ، وذكرَ كلامَ نعيمُ الذي رواه الإمام أحمد (١). وقال: وكان شيخنا يقول: هذه اللفظة لا يمكن أن تكون من كلام رسول الله ﷺ ، فإن الغرة لا تكون في اليد، ولا تكون إلا في الوجه، وإطالتها غير ممكنةٍ، إذ يدخل في الرأس، ولا يسمى ذلك غرةً، انتهى (٢). وقال ابن بطالٍ وطائفة من المالكية: لا تستحب الزيادة على الكعب والمرافق؛ لقوله ﷺ :"من زادَ على هذا، فقد أساءَ وظلمَ" (٣). والحاصل: أن مذهب أبي هريرة ﵁، وكذا ابن عمر ﵄، ومذهب أبي حنيفة، والشافعي، ومعتمد الروايتين من مذهبنا استحبابُ تجاوز محل الفرض، وقيده بعض العلماء، بنصف العضد والمرفق. ومذهبُ مالكٍ، وأنصُّ الروايتين كما قال ابنُ قاضي الجبل في "الفائق" (٤) عن إمامنا، واختيارُ شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذيه ابن القيم وابن قاضي الجبل: عدمُ الاستحاب، والله أعلم. (وفي لفظٍ) للإمام مسلمٍ: في هذا الحديث: قال نُعيم بنِ عبد الله المجمر: (رأيتُ أبا هريرةَ) ﵁ (يتوضأ، فغسلَ) أبو هريرة

стр. 263

(وجهَهُ ويَدَيه)، يعني: واحدةً بعد واحدةٍ؛ بأن قدم يده اليمنى ثم اليسرى، كما ذكرناه آنفاً (حتى كادَ يبلُغ) بغسلِهما (المَنْكِبين) -تثنية مَنْكِبٍ- وهو ما بين الكتف والعنق، كما في "النهاية" (١). وفي "القاموس": المنكب: مجتمع رأس الكتف والعضد، مذكر (٢)، وهذا الظاهر. قال في "المطلع": العاتق: موضع الرداء من المنكب، يذكر ويؤنث (٣)، يعني: العاتق. وكتب عليه بعض الفضلاء بأن العاتق بين المنكب والعنق، قال: والصحيح تذكيره، وجمعه عواتق، وعُتُق -بضم التاء وكسرها-، انتهى. (ثم غسل رجليه)؛ أي: بعد مسح رأسه، كما تقدم في سياق الحديث بتمامه، وإنما اقتصر على ذكر اليدين والرجلين بعد غسل الوجه؛ لبيان المقصود منه، وهو قوله: (حتى رفع) في غسل كل واحدةٍ من رجليه (إلى الساقين) تثنية ساق؛ وهو ما بين الكعب والركبة، وجمعه سوق وسيقان وأَسْؤُق، -بهمز الواو-؛ لتحمل الضمة، كما في "القاموس" (٤). (ثم قال) أبو هريرة ﵁: (سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: إنَّ أُمتي يُدْعون). ولفظ مسلمٍ: "يأتون" (يومَ القيامةِ غُرًّا) بالنور في وجوههم (مُحَجَّلين) في أرجلهم.

стр. 264

وهل المراد به: الحلي، أو أمرٌ زائدٌ عليه؟ الحق: الثاني؛ وهو نورٌ يتلألأ في سائر أعضاء الوضوء لهذه الأمة (من أَثر الوضوء)، بإفراد أثر في هذه الرواية المضاف إلى الوضوء، فيؤدي مؤدَّى الجمع، (فمن استطاعَ منكم أن يُطيلَ غرته، فليفعلْ)؛ أي: فليُطل الغرة والتحجيل -كما مر-. قلت: ليس هذا من أفراد مسلم، بل متفق على هذه الرواية، وإنما اختلفا في لفظة "يدعون"، فقال مسلمٌ: "يأتون". (وفي لفظٍ لمسلم) -أيضاً-: قال أبو هريرة ﵁: (سمعتُ خليلي) يعني: النبيَّ ( ﷺ يقولُ: تبلغُ الحِليةُ من المؤمن) بالله ورسوله ﷺ من التيجان والأساور والخلاخيل، وغيرِها من اللؤلؤ والذهب والفضة وغيرها يوم القيامة في الجنة، (حيثُ)؛ أي: إلى المحل الذي (يبلغُ الوضوءُ) من الأعضاء. قلت: ليس هذا اللفظ من أفراد مسلم، بل متفقٌ عليه، كما تقدم في سياقه عن أبي حازم (١). قال ابن القيم في "حادي الأرواح": عن الحسن ﵀ قال: الحلي في أهل الجنة على الرجال أحسنُ منه على النساء (٢)، وأخرج ابنُ أبي الدنيا عن داودَ بنِ عامرِ بنِ سعدِ بنِ أبي وقاص، عن أبيه، عن جده ﵁، عن النبيِّ ﷺ : أنه قال: "لو أن رجلاً من أهلِ الجنة اطلع، فبدا سوارُه، لطمسَ ضوءَ الشمس، كما تطمسُ الشمسُ ضوءَ النجوم" (٣).

стр. 265

وذى في "حادي الأرواح" عن أبي هريرة: أن أبا أمامةَ ﵄ حدث: أن رسول الله ﷺ حدثهم، وذكرَ حليَ أهلِ الجنة، فقال: "مُسَوَّرون بالذهبِ والفضةِ، مُكَلَّلون بالدُّرِّ، عليهم أكاليلُ من دُرٍّ وياقوتٍ متواصلة، وعليهم تاجٌ كتاجِ الملوك، جُرْدٌ مُكَحَّلون" (١). تنبيه: إن قلت: كيف ساغ لأبي هريرة ﵁ أن يقولَ عن سيد العالم النبيِّ المصطفى ﷺ : (سمعتُ خليلي) مع ما ثبت وصح عنه ﵊: "لو كنتُ مُتَّخِداً خليلاً غيرَ ربي، لاتخذتُ أبا بكرٍ .... الحديث" (٢)؟ قلت: ليس في هذا كبيرُ إشكال؛ لأن أبا هريرةَ ﵁ أخبر أَنَّ رسولَ الله ﷺ خليلُه، وهو أن حبَّ المصطفى قد تخلَّلَ في لحم أبي هريرةَ وَعَصبِه وعظمه، ولا يلزم منه أن يكون أبو هريرة ﵁ خليلاً للنبي ﷺ ، وهذا بيِّنٌ ظاهرٌ، والله أعلم. * * *

стр. 266

باب الاستطابة الباب في اللغة: فرجة في ساتر، يُتوصل منها من داخل إلى خارج، ومن خارج إلى داخل (١). وفي العرف: اسم لطائفةٍ من العلم يتفصل على فصولٍ وفروعٍ ومسائل غالباً. والاستطابة: مأخوذة من الطيب. قال في "الفروع": قال أهل اللغة: يقال: استطاب وأطاب: إذا استنجى، انتهى (٢). فهي إزالة الأذى عن المخرجين بماءٍ طهورٍ، أو حجر طاهرٍ مباحٍ مُنقٍ. قال في "النهاية": وفيه: "نهى أن يستطيبَ الرجلُ بيمينه" (٣). الاستطابة والإطابةُ: كنايةٌ عن الاستنجاء، سمي به؛ من الطيب؛ لأنه

стр. 267

يطيب جسده بإزالة ما عليه من الخبث بالاستنجاء؛ أي: يطهره، انتهى (١). والاستنجاء: إزالة النجو، وهو العذرة. قاله الجوهري (٢). وقيل: من النجو، وهو القَشْر والإزالة. يقال: نَجَوْتُ العودَ: إذا قشرته. وقيل: أصل الاستنجاء: نزعُ الشيء عن موضعه، وتخليصُه، ومنه: نجوت الرطب، واستنجيته: إذا جنيته. وقيل: من النجو، وهو القطع، يقال: نجوتُ الشجرةَ وأنجيتُها واستنجيتها: إذا قطعتها، فكأنه قطع الأذى عنه باستعمال الماء أو الحجر، أو كلٍّ منهما (٣). وذكر الحافظ ﵁ في هذا الباب ستة أحاديث. * * *

стр. 268

الحديث الأول عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ النبيَّ كانَ إذا دخلَ الخَلاءَ، قال: "اللَّهُمَّ إِنَّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبَائِثِ" (١). الخُبُثُ -بضمِّ الخَاء والبَاء-، وهو جمعُ خَبيثٍ، والخبائثُ: جمعُ خَبيثةٍ، استعاذَ من ذُكْرانِ الشَّياطينِ وإناثِهم.

стр. 269

(عن أنس بنِ مالكِ) بنِ النَّضْرِ -بالضاد المعجمة- بن ضَمْضَم -بفتح المعجمتين- بنِ زيدِ بنِ حَرام -بفتح الحاء والراء المهملتين-، الأنصاريُّ الخزرجيُّ -بالخاء المعجمة والزاي بعدها جيم- النجَّاري -بالنون والجيم المشددة والراء؛ لأنه من ولد النجار، وهو تَيْمُ اللاتِ بنُ ثعلبةَ بنِ عمرِو بنِ الخزرجِ، وهو أخو الأوس والأنصار ﵃ كلَّهم -، من أولاد الأوس والخزرج من الأزد، سماهم الله - تعالى - ورسولُه بذلك لمَّا نصروا رسول الله ﷺ وآووه. وأنسٌ هذا خادمُ رسول الله ﷺ ؛ فإنه ﷺ لما قدم المدينةَ، كان عُمْرُ أنسٍ ﵁ عشرَ سنين - على المشهور -، فخدم النبيَّ ﷺ مدةَ إقامته بالمدينة، وهي عشر سنين، وكناه رسول الله ﷺ . أبا حمزة - بالحاء المهملة والزاي - ببقلة تسمى حمزة (١)، ويقال: فيها حُموضة. ويكنى: أبا ثُمامة -بضم المثلثة وتخفيف الميم -، نقله ابن عساكر، وابن الأثير. وأمه: أم سُلَيم بنتُ مِلْحان -بكسر الميم وبالحاء المهملة-، وقد طلبت من رسول الله ﷺ أن يدعو لابنها أنس؛ فقالت: يارسول الله! إن لي خُوَيِّصة، قال: "ما هي؟ "، قالت: خادمُك أنس، فما تركَ خيرَ آخرةٍ ولا دنيا إلا دعا به: "اللهمَّ ارزْقه مالاً وولداً، وباركْ له". قال: فأنا أكثر الأنصار مالاً، وحدثتني ابنتي أُمَيْنَةُ: أنه دفن لصُلبي إلى مقدم الحَجَّاج البصرةَ بضعٌ وعشرون ومئة (٢).

стр. 270

رُوي لسيدِنا أنسٍ ﵁ عن النبي ﷺ ألفا حديث، ومئتان وستة وثمانون حديثاً، اتفق الشيخان على مئةٍ وثمانية وستين، وانفرد البخاري بثلاثةٍ وثمانين، ومسلم بأحد وستين، فهو أحد المكثرين. مات ﵁ بالبصرة، في موضع يعرف بقصر أنس، خارجها، على فرسخٍ ونصف منها، وهو آخر من مات بها من الصحابة ﵃ سنة إحدى وتسعين، أو اثنتين أو ثلاث أو خمسٍ وتسعين. والأول أرجح عند ابن الأثير، ورجح الثالثَ: النوويُّ والذهبي، وغيرهما. وعمره مئة وثلاث سنين. قال النووي: اتفقوا على أنه جاوز المئة (١). (﵁: أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء)؛ أي: أراد أن يدخل؛ كما في بعض ألفاظ البخاري، ولم يصل به سنده (٢).

стр. 271

نعم، وصله في "الأدب المفرد"، ولفظه: كان النبي ﷺ إذا أراد أن يدخل الخلاء، قال، فذكر مثله (١). وفي بعضها: إذا أتى الخلاء (٢). والخلاء -ممدود-: المكان الذي يُتوضأ فيه -عن الجوهري- (٣)؛ سمي بذلك؛ لكونه يُتخلى فيه. وقال أبو عبيدٍ: يقال لموضع الغائط: الخلاء، والمذهب، والمرفق، والمرحاض (٤). وفي روايةٍ في "الصحيحين": كان إذا دخل الكنيف (٥)، وهو بمعنى الخلاء، سمي بذلك لأنه يَكْنُف من دخله ويستره. قال في "القاموس": والكنيف؛ كأمير: المرحاض (٦). (قال: اللهمَّ)؛ أي: يا ألله! فالميم عوض عن النداء، ولهذا لا يجمع بينهما في اختيار الكلام (إني أعوذ)؛ أي: أتَحَرَّزُ وأَتَحَصَّن. قال ابن القيم في "بدائع الفوائد": اعلم أن لفظة: عاذَ، وما تصرف

стр. 272

منها، تدل على التحرُّز والتحصُّن والالتجاء، وحقيقة معناها: الهروبُ من شيء تخافه إلى من يعصمك منه، ولهذا سمي المستعاذ به: مَعاذاً، كما يسمى: مَلْجأ، وفي الحديث: لما دخل ﵊ على ابنة الجون، فوضع يده عليها، قالت: أعوذ بالله منك، قال: "لقد عُذْتِ بِمَعاذٍ، الحقي بأهلِكِ" (١). فمعنى "أعوذ": ألتجىء وأعتصم وأتحرز. وفي أصله قولان: أحدهما: أنه مأخوذٌ من الستر. والثاني: من لزوم المجاورة. فمن قال بالأول: استدل بأن العرب تقول للبيت الذي في أصل الشجرة، الذي قد استتر بها: عُوَّذ -بضم العين وتشديد الواو مفتوحة-، فكأنه لما عاذ بالشجرة، واستتر بأصلها وظلها، سمي عوذاً، فكذا - العائذ - قد استتر من عدوه بمن استعاذ به. ومن قال بالثاني: استدل بأن العرب تقول للحم إذا لصق بالعظم فلم يتخلص منه: عوذ؛ لأنه اعتصم به واستمسك، فكذا العائذ قد استمسك بالمعاذ به، واعتصم به، ولزمه (٢). (بك) يا ألله لا بغيرك، وأجرى عليه ضمير الخطاب؛ لاستشعار قربه منه، وأنه معه بعلمه وحفظه له - جلَّ شأنه -. (من الخُبُثِ والخبائِثِ).

стр. 273

قال الحافظ ﵁: (الخُبثُ -بضم الخاء المعجمة والباء-: جمع خبيث، والخبائث: جمع خبيثة). كذا في الرواية. وقال الخطابي: إنه لا يجوز غيره، وغلَّط من سكّن الباء الموحدة (١)، وتعقب بأنه يجوز الإسكان كما في نظائره مما جاء على هذا الوجه؛ كُكُتب ورسُل وسُبُل (٢). فعلى هذا يكون قد (استعاذَ ﷺ من ذُكرانِ الشياطينِ): مفرد شيطان، إما من شاط: إذا احترق، أو من شطنَ: إذا بَعُدَ (٣)، وعلى كل، فالشيطان محروق مبعود، (وإناثِهم)، وإنما كان ﷺ يستعيذ إظهاراً للعبودية، ويجهر بها للتعليم. وقد روى المعمري هذا الحديث من طريق عبد العزيز بن المختار، عن

стр. 274

عبد العزيز بن صهيب، بلفظ الأمر، قال: "إذا دخلتُم الخلاءَ، فقولوا: باسم الله، أعوذ بالله من الخبثِ والخبائثِ"، وإسناده على شرط مسلم، وفيه زيادة التسمية. قال الحافظ ابن حجرٍ: ولم أرها في غير هذه الرواية، انتهى (١). قلت: لعله أراد: لم يرها في الحديث المذكور، وإلا فقد روى ابن ماجه، والترمذي من حديث علي ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "سترُ ما بين الجِنِّ وعوراتِ بني آدم إذا دخلَ أحدُهم الخلاءَ: أن يقول: باسم الله" (٢). وروى سعيد بن منصور حديث أنس، فذكر: "باسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث" (٣). قال: الإمام أحمد ﵁: ما دخلت المتوضأ ولم أقلها إلا أصابني ما أكره (٤). وروى أبو داودَ وابنُ ماجه من حديث زيد بن أرقمَ ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إن هذه الحُشوشَ مُحْتَضَرَةٌ، فإذا دخلَ أحدُكم، فليقلِ: اللهمَّ إنِّي أعوذُ بكَ من الخُبُثِ والخبائث" (٥).

стр. 275

"الحُشوش": جمع حُشّ؛ وهي في الأصل: البساتين، كانوا يقضون الحاجة بها، ثم سُمي به موضعُ قضاء الحاجة، والمحتضرة: التي تحضرها الشياطين (١)، ولذلك أمر بذكر الله والاستعاذة قبل دخولها؛ ليكون ذلك حصناً ومعاذاً منها. ويستحب أن يقدم رجله اليسرى دخولاً، واليمنى خروجاً؛ لأن اليمنى لما شَرُف، واليسرى لما خَبُث، والخروج من محل الخبث يمنٌ في الجملة، عكس منزل ومسجد. وروى ابن ماجه عن أبي أمامة مرفوعاً: "لا يعجز أحدُكم إذا أدخل مرفقه أن يقول: اللهمّ إني أعوذُ بك من الرِّجْس النَّجِس الخبيثِ المُخَبث الشيطانِ الرجيمِ (٢) ". قال في "المطلع": الرجس: القذر، والنجس: اسم فاعل من نَجِس ينجَس فهو نَجِسٌ؛ كفرِح يفرَح فهو فَرِحٌ. وقال الفراء: إذا قالوه مع الرجس، أتبعوه إياه، فقالوا: رِجْسٌ نِجْس - بكسر النون وإسكان الجيم -، وهو من عطف الخاص على العام؛ فإن الرجس النجس: الشيطان الرجيم، قد دخل في الخبث والخبائث؛ لأن المراد بهم: الشياطين (٣).

стр. 276

تنبيهات: الأول: قد نبهنا على أن ضبط الحافظ المصنف - رحمه الله تعالى - هو الذي صوبه الخطابي. لكن قد صرح جماعةٌ من الأئمة، وأهل المعرفة: بأن "الباء" في لفظة "الخبث" ساكنةٌ، منهم: أبو عُبيدٍ (١)، إلا أنه يقال: إنَّ تركَ التخفيف أولى؛ لِئلا يُشتبه بالمصدر. قال الحافظ ابن حجرٍ: ووقع في نسخة ابن عساكر -يعني: من "صحيح البخاري"-: قال أبو عبد الله -يعني: البخاري-: ويقال: الخبْث- بإسكان الموحدة -، فإن كانت مخففة من المحركة، فقد تقدم توجيهه، يعني: أنه جمعُ خبيثٍ لذكرانِ الشياطين، وإن كان بمعنى المفرد، فمعناه كما قال ابن الأعرابي: المكروه. قال: فإن كان من الكلام، فهو الشتم، وإن كان من الملل، فهو الكفر، وإن كان من الشراب، فهو الضار. وعلى هذا؛ فالمراد بالخبائث: المعاصي، أو مطلق الأفعال المذمومة؛ ليحصل التناسب. قال: ولهذا وقع في رواية الترمذي وغيره: "أعوذ بالله من الخُبْث والخبيث، أو الخُبُث والخبائث" (٢) هكذا على الشك، الأول بالإسكان مع الإفراد، والثاني بالتحريك مع الجمع؛ أي: من الشيء المكروه، ومن الشيء المذموم، أو ذكران الشياطين وإناثهم، انتهى (٣).

стр. 277

قال ابن قرقول في "المطالع": الخبث - بإسكان الباء - (١). قال أبو عبيدٍ: هو الشر. وقال ابن الأنباري: هو الكفر. والخبائث: الشياطين. وقال الداودي: الخبث: الشيطان، والخبائث: المعاصي. قال: وقيل: الخبائث: إناث الجن، والخبُث -بضم الباء-: ذكورهم، جمع خبيث. وغَلَّط الخطابي مَنْ سكَّن الباء. وقيل: استعاذ الخبث نفسِه الذي هو الكفر، ومن الخبائث التي هي الأخلاق الخبيثة، انتهى (٢). الثاني: يسن للمتخلِّي إذا خرج أن يقدِّم رجلَه اليمنى خروجاً، ويقول: غُفرانَكَ، الحمدُ لله الذي أذهبَ عني الأذى وعافاني؛ لِما روت عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا خرجَ من الخلاء، قال: "غُفرانَكَ" رواه الخمسة إلا النسائي. حديثٌ حسنٌ غريبٌ (٣). وعن أنسِ بنِ مالكٍ ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج من الخلاء، قال: "الحمدُ لله الذي أذهبَ عنِّي الأَذَى وعافاني"

стр. 278

رواه ابن ماجه (١)، وذكره الإمام أحمد (٢). فقوله: "غُفرانَكَ" منصوبٌ على المفعولية بفعلٍ محذوفٍ، أي: أسألك غفرانَك، أو على المصدرية، أي: اغفرْ غفرانَكَ. قال في "المطلع": معناه: اغفر لي تقصيري في شكر ما أنعمت به علي من الرزق ولذَّتِه وإساغتِه والانتفاعِ به، وتسهيلِ خروجه (٣). وكان نوح ﵇ يقول: "الحمدُ لله الذي أذاقَني لَذَّتَهُ، وأبقى فِيَّ منفعتَهُ، وأذهبَ عني أذاه" (٤). وقيل: مِنْ تَرْكِ الذكر مُدَّةَ التخلِّي. وقال في "شرح الوجيز": إنما شُرع له ذلك؛ لأن الخلاءَ مَظِنَّةُ الغفلةِ والوسواس، فاستُحِبَّ الاستغفارُ عقبَهُ. الثالث: المراد بالخلاء: محلُّ قضاء الحاجة، حتى لو بال في نحو إناء، لكن إن كان قضاء الحاجة في الأمكنة المعدَّة لذلك يقول الذكرَ المشروع عند إرادة دخولها، وإلا، فيقوله عند الشروع في ذلك؛ كتشمير ثيابه، والله أعلم. * * *

стр. 279

الحديث الثاني عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأنصاريِّ ﵁، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ، فَلاَ تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلاَ بَوْلٍ، وَلاَ تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبوُا". قالَ أَبو أَيُّوبَ: فَقَدِمْنا الشَّامَ، فوجدْنا مَراحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ نَحْوَ الكَعْبَةِ، فَنْنَحرِفُ عَنْهَا، ونَسْتَغْفِرُ اللهَ (١).

стр. 280

الغائطُ: المَوْضِعُ المُطْمَئِنُّ مِنَ الأرضِ، كانوا يَنْتابونه للحاجَةِ، فَكَنَّوا به عن نَفْسِ الحَدَثِ؛ كراهيةً لذكرِه بخاصِّ اسمِهِ. والمراحيضُ: جمعُ مِرْحاض، وهو المُغْتَسَلُ، وهو -أيضاً- كنايةٌ عن مَوْضِعِ التَخَلِّي. * * * (عن أبي أيوبَ) خالدِ بنِ زيدِ بنِ كُلَيبِ بنِ ثعلبةَ بنِ عبد عوفٍ (الأنصاريِّ) الخزرجيِّ النَّجَّاريِّ (﵁)، صحابيٌّ جليلٌ شهد العقبةَ وبدراً وأُحداً والمشاهدَ كلَّها، ونزل عليه رسولُ الله ﷺ حين قدم المدينة مهاجراً، وأقام عنده شهراً، حتى بنيت مساكنه ومسجده. روي له عن النبي ﷺ مئة وخمسون حديثاً. اتفق الشيخان منها على سبعةٍ، انفرد البخاري بحديثٍ، ومسلمٌ بخمسةٍ. روى عنه جمع من الصحابة؛ كالبراءِ بنِ عازبٍ، وجابرِ بنِ سَمُرَةَ، والمقدامِ بنِ معدي كرب، وأبي أمامةَ الباهليِّ، وزيدِ بنِ خالدٍ الجهنيِّ، وابنِ عباسٍ، وغيرهم. توفي غازياً بالروم مع يزيدَ بنِ معاوية في أيام أبيه، سنة خمسين، أو إحدى وخمسين، أو اثنتين وخمسين، وقبره بالقسطنطينية معظم جداً (١).

стр. 281

(قال) أبو أيوب (﵁: قال رسولُ الله ﷺ : إذا أَتيتم)، وفي رواية لهما، وللإمام أحمدَ وغيره: "إذا أتى أحدُكم" (١). (الغائطَ): أصله: المكانُ المطمئنُّ، كانوا ينتابونه للحاجة، فكنوا به عن نفس الحدث، كما يأتي في كلام الحافظ، وإنما فعلوا ذلك؛ كراهيةً لاسمه؛ لأن من عادة العرب التعفُّف في ألفاظها؛ واستعمالُ الكنايات في كلامها، وصونُ الألسنة بما تُصان الأسماعُ والأبصار عنه. وقال بعضهم: كني [به] عن العَذِرة؛ كراهةً لذكرها بخاصِّ اسمها، فصار حقيقةً عرفية غلبت على الحقيقة اللغوية. وقال ابن العربي: غلب هذا الاسم على الحاجة حتى صار فيها أعرفَ منه في مكانها، وهو أحد قسمي المجاز (٢). (فلا تستقبلوا) وفي الرواية الأخرى: "فلا يستقبل" (٣) (القبلةَ) اللام فيها للعهد؛ أي: الكعبة، و (لا) ناهيةٌ. (بغائطٍ) أراد به: الفضلةَ الخارجةَ من الدُّبر، فيكون استعمله في حقيقته، وهو المكان المقصود لقضاء الحاجة، ومجازه، وهو الفضلة الخارجة.

стр. 282

(ولا) تستقبلوا القبلة بـ (بولٍ) هو معروف، جمعه أبوال، والاسم: البِيْلَة -بالكسر- (١). (ولا تستدْبِروها)، أي: القبلة، وفي الرواية الأخرى: "ولا يُوَلِّها ظَهْرَهُ" (٢). قال في "شرح البخاري" لابن حجرٍ: والظاهر من قوله: "ببولٍ": اختصاص النهي بخروج الخارج من العورة، ويكون مثاره: إكرام القبلة من المواجهة بالنجاسة، ويؤيده قوله في حديث جابرٍ: "إذا أَهْرَقْنا الماءَ" (٣). وقيل: مثار النهي: كشف العورة؛ كالوطء مثلاً، ونقله ابن شاس المالكي قولاً في مذهبهم. وكأن قائله تمسكَ بروايةٍ في "الموطأ": "لا تستقبلوا القبلةَ بفروجِكم" (٤)، ولكنها محمولة على المعنى الأول عند الجمهور؛ أي: حال قضاء الحاجة؛ جمعاً بين الروايتين (٥). (ولكنْ شَرِّقوا)؛ أي: استقبلوا جهة المشرق، (أو غَرِّبوا)؛ أي: استقبلوا جهة المغرب.

стр. 283

قال الخطابي: هذا خطابٌ لأهل المدينة، ولمن كان قبلته على ذلك السمت، فأما من كانت قبلته إلى جهة المشرق والمغرب، فإنه لا يغرب ولا يشرق (١). تنبيه: أكثرُ الكتب الصحيحة المعتمدة بإثبات الألف قبل الواو في "أو غربوا"، وذكر العلقمي في "شرح الجامع الصغير" (٢) عن شيخه ولي الدين: أنه قال: ضبطناه في "سنن أبي داود": "وغربوا" بغير ألفٍ (٣). ونقل النووي في "شرح مسلم" عن بعض نسخ أبي داود: "أو غربوا" (٤)، والمعنى صحيحٌ على كل منهما. (قال أبو أيوبَ) ﵁: (فَقَدِمْنا الشامَ) بعد فتحِها، ومراده: ديرةَ الشام، لا خصوصَ دمشق، وسُميت الشام؛ لأن قوماً من بني كنعان تشاءموا إليها؛ أي: تياسروا، أو سمي بسام بن نوح؛ فإنه بالشين بالسريانية، أو لأن أرضها شامات، بيضٌ وحمرٌ وسودٌ، وعلى هذا لا يهمز، وقد يذكَّر (٥).

стр. 284

وحدودُها: ما بين الفرات والعريش شمالاً، وقبلةً، وما بين دومة الجندل والبحر مشرقاً، ومغرباً. (فوجَدْنا مراحيضَ قد بُنيت نحوَ)؛ أي: متوجهة إلى جهة (الكعبةِ، فـ) ـصرنا إذا دخلناها لقضاء حاجتنا فيها (ننحرف) في تلك المراحيض (عنها)؛ أي: عن جهة الكعبة المشرفة. (ونستغفرُ اللهَ ) من ذلك؛ أي: نطلب منه المغفرة؛ لاستقبالنا القبلةَ في حال البراز. وهذا يُشعر بالمنع من ذلك، ولو في البنيان. وهذا إحدى الروايتين عن الإمام أحمد ﵁ نص عليه في رواية الأثرم، وإبراهيمَ بنِ الحارث، فقال: البيوت والصحراء سواءٌ (١). وهو قول أبي أيوب الأنصاري ﵁ كما ذكرناه، وبه قال النخعي، وسفيان الثوري، وأبو حنيفة، واختاره أبو بكرٍ عبدُ العزيز، وشيخُ الإسلام ابنُ تيمية، وتلميذاه ابنُ القيم، وابن قاضي الجبل، وقدَّمه في "الرعايتين"، وجزم به في "الوجيز" (٢). وهذا مرجوح في المذهب، والمعتمد: التفصيل بين البنيان والصحارى، فيحرم في الصحاري دون البنيان. وهذا المذهب بلا ريبٍ؛ وفاقاً لمالكٍ، والشافعي، فلا يمتنع الاستقبال والاستدبار في البنيان.

стр. 285

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: هذا المنصور عند الأصحاب (١). قال في "الفروع": اختاره الأكثر (٢)، وجزم به في "الإيضاح"، و"تذكرة ابن عقيلٍ" (٣) و"الطريق الأقرب" (٤)، و"العمدة" للإمام الموفق، و"المنوَّر" (٥)، وقدمه في "الخلاصة" (٦)، و"المحرَّر" (٧). قال في "الشرح الكبير" للإمام شمس الدين بن أبي عمر: هذا هو الصحيح، لما روت عائشةُ ﵂: أن رسول الله ﷺ ذُكر له أن قوماً يكرهون استقبالَ القبلة بفروجِهم، قال رسول الله ﷺ : "أَوَ قد فعلوها؟! استقبلوا بمقعدتي القبلةَ" رواه أصحاب السنن (٨).
следующие страницы →