← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

وهو ظاهر "المدونة" (١). وفي "كتاب محمد بن الحسن": لا تشعر البقر؛ لأنه تعذيب، فيقتصر به على الوارد. وقال أبو حنيفة: الإشعار مكروه، وخالفه صاحباه، فقالا: إنه سنة، واحتج لأبي حنيفة أنَّه مُثْلَة، وهي منهيٌّ عنها، وعن تعذيبِ الحيوان. والجواب: بأن أخبار النهي عن المثلة وعن تعذيب الحيوان عامة، وأخبار الإشعار خاصة، فقُدمت. وقال الخطابي: أشعر النَّبي ﷺ هديه آخرَ حياته، ونهيُه عن المثلة كان أولَ مقَدمِه المدينةَ، مع أن الإشعار لا نسلم أنَّه من المثلة، بل من باب آخر، انتهى ملخصًا (٢). بل هو كالختانِ والفَصْدِ، وشقِّ أذن الحيوان ليكونَ علامة. وقد كثر تشنيعُ المتقدمين على أبي حنيفة ﵀ ورضي عنه - في إطلاقه كراهةَ الإشعار، فقال ابن حزم في "المحلَّى": هذه طامَّة من طوامِّ العالم أن يكون مثلةً شيءٌ فعلَه رسول الله ﷺ ، أُفٍّ لكل عقل يتعقب حكم رسول الله ﷺ ، وهذه قولة لأبي حنيفة لا يُعلم له فيها متقدمٌ من السلف، ولا موافقٌ من فقهاء عصره إلّا من قلده، انتهى (٣). وقد ذكر الترمذي عن أبي السائب، قال: كنا عند وكيع، فقال له رجل: رو [ي] عن إبراهيم النخعي أنَّه قال: الإشعار مثلة، فقال له وكيع: أقول

стр. 2207

لك: أشعرَ رسولُ الله ﷺ ، وتقول: قال إبراهيم؟! ما أحقَّك أن تُحبس! انتهى (١). قال القسطلاني: وهذا فيه ردٌّ على ابن حزم؛ حيثُ زعم أنَّه ليس لأبي حنيفة سَلَف في ذلك. وقد أجاب الطحاويُّ منتصرًا لأبي حنيفة، فقال: لم يكره أبو حنيفة أصلَ الإشعار، بل ما يُفعل على وجه يُخاف منه هلاكُ البدن، كسراية الجرح، لاسيما مع الطعن بالشفرة، فأراد سدَّ الباب عن العامة؛ لأنهم لا يراعون الحدَّ في ذلك، وأما من كان عارفًا بالسنة في ذلك، فلا. وقد ثبت عن عائشة ﵂، وابنِ عبّاس: التخييرُ في الإشعار وتركِه، فدلَّ على أنَّه ليس بنسك، انتهى (٢). (وقلدها) هو ﵇، (أو قلدتُها) بالشكِّ من الراوي، وعليه: يجوزُ الاستنابة في التقليد، (ثمّ بعث) ﷺ (بها)، أي: البُدْنِ مع أبي بكر الصديق ﵁ لما حج بالناس سنة تسع (إلى البيت) الحرام، (وأقام) ﵊ (بالمدينة) المنوَّرة حَلالًا، (فما حَرُمَ عليه شيء) من محظورات الإحرام (كانَ له) ﵊ (حِلًّا) -بالنصب-: خبر كان، واسمها ضمير يعود على "شيء"، وفي "القسطلاني": -بالرفع-، قال: والجملة في موضع رفع صفة لقوله: "شيء"، وهو؛ أي: شيء رفع بقوله: فما حَرُم -بضم الراء-، والوجه: نصبُ "حلًّا"، (٣) والله أعلم.

стр. 2208

وسبب هذا الحديث ما في "الصحيحين" عن عمرة بنتِ عبد الرحمن الأنصارية: أن زياد بن أبي سفيان، وهو الذي استلحقه معاوية، وإنما كان يقال له: زياد بن أبيه، أو ابن عبيد؛ لأن أمه سمية مولاة الحارث بن كَلَدَة ولدته على فراش عُبيد، فلما كان في خلافة معاوية، شهد جماعة على إقرار أبي سفيان بأن زيادًا ولدُهُ، فاستلحقه معاويةُ لذلك، وأَمَّره على العراقَين (١). وقدم ابنُ قتيبة في "المعارف": أن أم زياد أسماءُ بنتُ الأعور من بني عبد شمس بن سعد، هذا قول أبي اليقظان، ثمّ قال: وقال غيره: أمه سميَّة أم أبي بَكْرة نُفيعِ بنِ الحارثِ بنِ كلدة طبيبِ العرب، قال: وسميّة من أهل زندورة، وكان كسرى وهبها لأبي الخير -ملكٍ من الملوك- في وفادة له عليه، فلما رجع إلى اليمن، مرض بالطائف، فداواه الحارث، فوهبها له. ووُلد زيادٌ عامَ الفتح بالطائف، وكان كاتِبَ المغيرةِ بنِ شعبة، ثمّ كتب لأبي موسى، ثمّ كتب لابن عبّاس ﵃، وكان زياد مع عليٍّ -رضوان الله عليه-، فولاه فارس، فكتب إليه معاويةُ يتهدده، فكتب إليه زياد: أتوعدني وبيني وبينك ابنُ أبي طالب؟ أما والله! لئن وصلتَ إليَّ، لتجدَنِّي ضَرَّابًا بالسيف، ثمّ لما استلحقه معاوية، ولاه البصرة، فلما مات المغيرةُ بن شعبة، جمع له العراقين، فكان أولَ مَنْ جمعهما. ومات بالكوفة سنة ثلاث وخمسين، (٢) ففي ولايته على العراقين كتب إلى عائشة ﵂ كما في "الصّحيحين": إن عبد الله بن عبّاس

стр. 2209

- ﵄ بكسر همزة إن، وفي رواية بفتحها، (١) قال: من أهدى هديًا، حرم عليه ما يحرم على الحاج -يعني: من محظورات الإحرام- حتّى ينحر هَدْيه، قالت عمرة: فقالت عائشة ﵂: ليس كما قال ابن عبّاس ﵄، أنا فتلت قلائدَ هدي رسول الله ﷺ ، فذكرته (٢). وقد وافق ابنَ عبّاس ﵄ جماعةٌ من الصَّحابة، منهم: ابنُ عمر، رواه سعيدُ بن منصور. وقال ابن المنذر: قال عمر، وعلي، وقيس بن سعد، وابن عمر، وابن عبّاس، والنخعي، وعطاء، وابن سيرين، وآخرون: من أرسلَ الهديَ، وأقامَ، حرم عليه ما يحرُم على المحرِم، وقال ابنُ مسعود، وعائشة، وأنس، وابن الزبير، وآخرون: لا يصير بذلك محرمًا، وإلى ذلك صار فقهاء الأمصار (٣).

стр. 2210

الحديث الثاني عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: أَهْدَى النَّبِيُّ ﷺ مرَّةً غَنَمًا (١). * * * (عن) أم المؤمنين (عائشةَ) الصدِّيقةِ بنتِ الصديق (﵂)، وَعن أبيها، (قالت: أَهْدَى النَّبِيُّ ﷺ مَرَّةً)، أي: بعث إلى مكّة مرةً واحدةً

стр. 2211

(غنمًا)، وقالت في حديث آخر في "الصحيحين" قالت: كنت أفتلُ قلائدَ للنَّبي ﷺ ، فيبعث بها -يعني: إلى مكّة-، ثمّ يمكُثُ يعني: النَّبي ﷺ بالمدينة حلالًا (١). واحتج بهذا الإمام أحمد، والشافعي، والجمهور: على أن الغنم تقلد، خلافًا لمالك، وأبي حنيفة، حيث منعاه؛ لأنها تضعف عن التقليد (٢). قال القاضي عياض: المعروفُ من مقتضى الرواية: أنَّه كان ﷺ يُهدي البُدْنَ، كقوله في بعض الروايات: قَلَّدَ وأشعرَ، وفي بعضها: فلم يَحْرُمْ عليه شيءٌ حتّى نحرَ الهديَ، ولأن ذلك إنما يكون في البُدْن، وإنما الغنمُ في رواية الأسود بن يزيد هذه، ولانفراده بها، نزلت على حذف مضاف، أي: من صوف الغنم، كما قال في أخرى: "من عِهْن"، (٣) والعِهْنُ: الصوفُ، لكن جاء في بعض الروايات حديث الأسود هذا: كنا نقلِّدُ الشَّاة، فهذا يدفع التأويل، انتهى (٤). قلت: لفظ هذا الحديث كما في "مسلم": عن عائشة ﵂، قالت: كنَّا نقلِّدُ الشاء، فيرسل بها رسول الله ﷺ ، الحديث (٥). وقال الحافظ المنذري: والإعلال بتفرد الأسود عن عائشة ليس بعلة،

стр. 2212

لأنه ثقة حافظ لا يضره التفرُّد، وقد وقع الاتفاق على أن الغنم لا تُشعر، لضعفها، ولأن الإشعار لا يظهر فيها، لكثرة شعرها وصوفها، فتقلَّد بما لا يُضعفها، كالخيوط المفتولة، ونحوها (١). قال الإمام أحمد ﵁: البُدْنُ تُشْعَر، والغنم تُقَلَّد (٢).

стр. 2213

الحديث الثالث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ نَبِي اللهِ ﷺ رأَى رَجُلًا يَسوقُ بَدَنَةَ، قَالَ: "اِرْكبْهَا"، قَالَ: إنَّهَا بَدَنةَ، قَالَ: "اِرْكبْهَا"، قال: فَرَأَيْتُهُ رَاكبَهَا يُسَايِرُ النَّبِي ﷺ (١). وَفِي لَفْظٍ: قَالَ فِي الثَانِيَةِ أَوْ الثَّالِثَة: "اِرْكبْهَا، وَيْلَكَ، أَوْ وَيْحَكَ! " (٢).

стр. 2214

(عن أبي هريرة) عبدِ الرحمن بن صخرٍ (﵁: أن نبي الله ﷺ رأى رجلًا). قال الحافظ في "الفتح": لم أقف على تسميته (١)، ولم يتعرض له البرماوي في "المبهمات". (يسوق بدنة)، زاد مسلم: مقلَّدَةً، (٢) والبدنة تقع على الجمل، والناقة، والبقرة، وهي بالإبل أشبهُ، وكثر استعمالها فيما كان هديًا (٣). وفي "المطلع": قال كثير من أهل اللغة: البَدَنَةُ تطلَق على البعير والبقرة (٤). وقال الأزهري: تكون من الإبل والبقر والغنم (٥).

стр. 2215

وقال صاحب "المطالع" وغيرُه: البدنةُ والبُدْنُ هذا الاسم يختص بالإبل، لعظم أجسامِها (١). وللمفسرين في قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ﴾ [الحج: ٣٦] ثلاثة أقوال: أحدها: أنها الإبل، وهو قول الجمهور. الثاني: أنها الإبل والبقر، قاله جابر، وعطاء. الثالث: أنها الإبل والبقر والغنم. فالبدنة حيث أُطلقت في كتب الفقه، فالمراد بها: البعير، ذكرًا كان أو أنثى، فإن نذر بدنةً، وأطلقَ، فهل تجزئه البقرة؟ على روايتين عن الإمام أحمد ﵁، ذكرهما ابن عقيل (٢). قلت: معتمد المذهب: أنه إن نذر بدنةً، أجزأته بقرة إن أطلق، وإلا، لزمه ما نواه (٣). ويعتبر في البدنة في جزاء الصيد ونحوه: أن تكون قد دخلت في السنة السادسة، وأن تكون بصفة ما يجزىء في الأضحية (٤). (قال) له ﷺ ، وفي لفظ: فقال -بزيادة الفاء- (٥): (اركبْها)، لتخالفَ بذلك الجاهليةَ في ترك الانتفاع بالسائبة والوصيلة والحام، وأوجب بعضُهم ركوبَها لهذا المعنى، عملًا بظاهر الأمر، وحمله الجمهور على الإرشاد

стр. 2216

لمصلحة دنيوية، واستدلوا بأنه ﷺ أهدى ولم يركبْ، ولم يأمرْ جميعَ النّاس بركوب الهدايا (١). وجزم علماؤنا أن له الركوب لحاجة فقط بلا ضرر، ويضمن نقصَها إن نقصت. قال في "الفروع": وله ركوبه -أي: الهدي- لحاجة، وعنه: مطلقًا، قطع به في "المستوعب"، (٢) و"الترغيب" وغيرِهما بلا ضرر، ويضمن نقصه. قال: وظاهر "الفصول" وغيره: إن ركبه بعد الضرورة ونقص، انتهى (٣). وجزم النووي في "الروضة" كأصلها في الضحايا، (٤). ونقل في "المجموع" عن القفال، والماوردي جوازَ الركوب مطلقًا، ونقل فيه عن أبي حامد، والبندنيجي وغيرهما: تقييدَه بالحاجة، (٥) كمعتمد مذهبنا. وفي "شرح مسلم" عن عروة بن الزبير، ومالك في رواية عنه، وكذا في رواية عن الإمام أحمد مرجوحة، وإسحاق بن راهويه: له ركوبُها من غير حاجة، بحيث لا يضرُّها (٦).

стр. 2217

ولنا على المعتمد: رواية جابر ﵁ عند مسلم: "اركبها بالمعروف إذا أُلْجِئْتَ إليها حَتَّى تجدَ ظهرًا"، ورواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، (١) فإنَّه مقيد، والمقيد يقضي على المطلق، ولأنه شيء خرج عنه للهِ، فلا يرجع فيه، ولو أُبيح النفع لغير ضرورة، أُبيح استئجاره، ولا يجوز ذلك بالاتفاق (٢). وفي حديث أنس بن مالك ﵁: أنَّه ﷺ رأى رجلًا يسوق بدنةً، فقال: "اركبها"، (قال)، وفي لفظ: فقال الرجل: (إنها بدنة)؛ أي: هَدْيٌ، (قال)، وفي لفظ: فقال -بزيادة الفاء-: (اركبها). زاد في حديث أنس تكرير ذلك ثلاثًا (٣). (قال) أبو هريرة ﵁: (فـ) لقد (رأيتُه)؛ أي: ذلك الرجل (راكبَها)؛ أي: البدنة، يجوز أن يكون راكبها بدلًا من ضمير المفعول، ويجوز أن يكون حالًا، وإنما انتصب على الحال؛ لأن إضافته لفظية، فهو نكرة (٤) (يساير النَّبيَّ ﷺ )، والنعلُ في عنقها. (وفي لفظ: قال) النَّبي ﷺ للرجل (في) المرة (الثانية، أو) المرة (الثالثة) من قوله ﷺ له: "اركبها"، وقول الرجل: إنها بدنة: "اركبْها وَيْلَكَ" نصب

стр. 2218

أبدًا على الفعل المطلق بفعل من معناه محذوف وجوبًا؛ أي: ألزمه الله ويلًا، وهي كلمة تقال لمن وقع في الهلاك، أو لمن يستحقه، أو هي بمعنى الهلاك، أو المشقة من العذاب، أو الحزن، أو وادٍ في جهنم، أو بئر فيها، أو باب لها، فيحتمل إجراؤها على هذا المعنى، لتأخر المخاطب عن امتثال أمره ﷺ (١). وَالشَّكِّ في كونه قال له ذلك في الثانية أو الثالثة من الراوي. قال القرطبي وغيره: قالها -أي: ويلك- تأديبًا للرجل لأجل مراجعته له مع عدم خفاء الحال عليه، ويحتمل أَلَّا يُراد بها موضوعُها الأصلي، ويكون مما يجري على لسان العرب في المخاطبة من غير قصد لموضوعه، كما في: تربت يداك، ونحوِه. وقيل: إن الرجل كان قد أشرف على الهلاك من الجهد. وويل: كلمة تقال لمن أشرف على الهلاك، أو وقع في هلكة -كما مر-، فالمعنى: أشرفتَ على الهلاك فاركبْ (٢)، فعلى هذا، فهي إخبار (٣). وفي حديث أنس ﵁ عند الإمام أحمد، والنسائي: أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يسوق بدنةً وقد جهدَه المشيُ، فقال: "اركبها"، قال: إنها بَدَنَةٌ، قال: "اركبها"، قال: إنها بدنة (٤).

стр. 2219

(أو) قال ﷺ بدل كلمة "ويلك": (وَيْحَكَ!)، وهي كلمة ترحُّم وتوجُّع، تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقُّها، أو قد تقال بمعنى المدح والتعجُّب، وهي منصوبة على المصدرية، وقد ترفع، وتضاف، ولا تضاف، يقال ويحَ زيدٍ، وويحًا له، وويح له، ومنه حديث علي -رضوان الله عليه-: ويح ابن أمّ عبّاس! (١) كأنه أعجب بقوله. ومثل ويح: وَيْس، ومن ذلك قولُه ﷺ لعمار بن ياسر ﵁: "وَيْسَ ابنِ سُمَيَّة"، وفي لفظ: "يا وَيْسَ ابنِ سُمَيَّة" (٢)، وهي كلمة تقال لمن يرحم ويرفق به، مثل ويح، وحكمهما واحد، وقد يراد بكلمة "ويل" التعجُّب أيضًا، كما في قوله ﷺ لأبي بصير: "وَيْلُ امِّهِ! مِسْعَرَ حَرْبٍ" (٣)؛ تعجبًا من شجاعته وجرأته وإقدامه، ومنه حديث علي: وَيْلُ امِّهِ كيلًا بغير ثمن! لو أن له وعاءً (٤)؛ أي: يكيل العلوم الجمة بلا عوض، إلّا أنَّه لا يصادف واعيًا. وقيل: "وَيْ" كلمةٌ مفردة، و"لأمه" مفردة، وهي كلمة تفجُّع وتعجُّب، وحُذفت الهمزة من أمه تخفيفًا، وألقيت حركتها على اللام، وينصب ما بعدها على التمييز (٥).

стр. 2220

وفي رواية: فقال له ﷺ في الثالثة أو الرابعة: "اركَبْها ويحَك، أَوْ وَيْلَكَ" رواها الترمذي، (١) وهو في "البخاري" في باب: هل ينتفع الواقف بوقفه؟ كذلك، (٢) والله أعلم.

стр. 2221

الحديث الرابع عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبي طَالِبٍ ﵁، قَالَ: أَمَرَني رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ أَقُومَ عَلَى بدْنِهِ، وَأنْ أَتَصَدَّقَ بلَحْمِهَا وَجُلُودِهَا، وَأَجِلَّتِهَا، وَأَلا أُعْطِيَ الجَزَّارَ مِنْهَا شَيْئًا، وَقَالَ: نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِندِنَا (١).

стр. 2222

(عن) أميرِ المؤمنين أبي الحسنينِ (عليِّ بنِ أبي طالبٍ) الأنزعِ البطينِ (﵁، قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقومَ على بُدْنِه)، وكانت مئة. وفي حديث جابر الطويل عند مسلم: أنَّه ﷺ نحر منها ثلاثًا وستين بدنةً، ثمّ أعطى عليًا فنحر ما غَبَرَ، وأشركه في هديه (١)، (وأن أتصدقَ) على المساكين (بلحمها). وفي رواية عن علي عند البخاري: أهدى النَّبيُّ ﷺ مئةَ بدنةٍ، فأمرني بلحومها، فقسمتها (٢)؛ أي: على المساكين، وربما أشعرَ بالتصدق بجميع لحمها. قال ابن دقيق العيد: ولا شك أنَّه أفضلُ مطلقًا، انتهى (٣). قلت: بل يُستحب أن يأكل من هَدْيه التطوُّعِ، ويهديَ، ويتصدقَ أثلاثًا؛ كالأضحية. وفي "صحيح مسلم" من حديث جابر في وَصْفِهِ حجَّ النَّبي ﷺ ، قال: ثمّ انصرفَ إلى المَنْحَر، فنحر ﷺ ثلاثًا وستين بدنةً بيده، ثمّ أعطى عليًا، فنحر ما غبرَ، وأشركه في هديه، ثمّ أمر من كل بدنة بِبَضْعَةٍ، فجُعلت في قِدْرٍ، فطُبخت، فأكلا من لحمها، وشربا من مرقها، رواه الإمام أحمد في "المسند" (٤).

стр. 2223

وروى نحوه الترمذيُّ وابن ماجه (١). (و) أن أتصدق بـ (جلودها)؛ أي: البُدْنِ المهداةِ، (وأجلتها): جمع جِلال -بالكسر-، وجلال جمع جُلّ -بالضم-، وهو ما تُجلل به الدابة. وفي "القاموس": الجُلُّ -بالضم وبالفتح-: ما تلبسه الدابةُ لتُصان به، انتهى (٢). زاد ابن خزيمة في رواية: على المساكين (٣). (و) أمرني ﷺ (أَلَّا أُعطي الجزارَ)، وهو الذي ينحر الجزائرَ والجُزُرَ، والجزور: البعير، أو خاصٌّ بالناقة المجزورة، وما يذبح من الشاء، ويقال للجزار: جِزِّير؛ كسِكِّيت (٤)، (منها)؛ أي: البُدْنِ المهداة (شيئًا) في أجرة جِزارتها -بكسر الجيم-: اسمٌ للفعل، يعني: على عمل الجزار، نعم يجوز إعطاؤه منها صدقة إذا كان فقيرًا، واستوفى أجرته كاملة، وكذلك إعطاؤه منها هديةً، ولو غنيًا (٥). قال علماؤنا: وله أن ينتفع بجلدها وجُلِّها، أو يتصدَّق بهما، ويحرُمُ

стр. 2224

بيعُهما وبيعُ شيء منها، ولو كانت تطوعًا؛ لأنها تعينت بالذبح، وكذا الأضحية (١). وكذا قال النووي في "شرح مسلم": إن مذهبهم عدمُ جواز بيع جلد الهدي والأضحية، أو أيِّ شيء من أجزائهما، سواء كان تطوعًا، أو واجبًا، قال: لكن إن كان تطوعًا، فله الانتفاعُ بالجلد وغيرهِ باللبسِ وغيره (٢)، فقصر الجوازَ على التطوع. والمعتمد عندنا: التطوعُ والواجبُ في جواز الانتفاع بنحو جلد سواء (٣). (و) قال علي ﵁: (قال) النَّبيُّ ﷺ : (نحن نعطيه)؛ أي: الجزار أجرتَه (من عندنا)، لا من الهدي، وهذه انفرد بها مسلم عن البخاري. قال الحافظ عبدُ الحقِّ الإشبيلي في "الجمع بين الصحيحين": لم يقل البخاري: "نحن نعطيه من عندنا"، وقد عزاه في "منتقى الأحكام" بالزيادة للصحيحين (٤)، وكأنه اعتبار لأصل الحديث، والله أعلم. تنبيهان: الأول: صرّح هذا الحديث بجواز الاستنابة في القيام على الهدي وذبحهِ والتصدقِ به، نعم، الأَفضلُ تولِّيه ذلك بنفسه، لكن النَّبيَّ ﷺ فعل كُلا من المباشرة للذبح، والاستنابة فيه (٥).

стр. 2225

ومعتمد المذهب: ولو كان النائب كتابيًا، والمسلمُ أولى. الثاني: اختلف العلماء ﵃ فيما يؤكل منه، وما لا يؤكل من الهدي ودم التّمتّع والقران والدماء الواجبة: فقال أبو حنيفة، وأحمد -على معتمد مذهبه-: يأكل من دم التّمتّع والقِرانِ، وهديِ التطوعِ إذا بلغ محلَّه. وقال مالك: يأكل من الهدي كلِّه، إلّا من جزاء الصيد، وفدية الأذى، والنذر، ونذر المساكين، وهو في التطوع إذا عطب قبل أن يبلغ محله. وقال الشّافعي: لا يأكل إلّا من التطوع. وفي رواية عن الإمام أحمد: لا يأكل من النذر، ولا من جزاء الصيد، ويأكل مما سوى ذلك. قال في "الفروع": ولا يأكل من واجب، إلّا هدي متعة وقِران، نص عليه، اختاره الأكثر، وظاهر كلام الخرقي: لا من قران. وقال الآجري: ولا من متعة. وقدم في "الروضة": وعنه: يأكل، إلّا من نذر، وجزاء صيد، وزاد ابن أبي موسى: وكفارة، واختار أبو بكر، والقاضي، والشيخ -يعني: الموفق-: جوازَ الأكل من أضحية النذر؛ كالأضحية على رواية، وجزم بها على الأصح (١). قلت: وهذا المذهب، والله أعلم.

стр. 2226

الحديث الخامس عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ أتى عَلَى رَجُلٍ قَدْ أَنَاخَ بَدَنَتَهُ فَنَحَرَهَا، فَقَالَ: ابعَثْهَا قِيَامًا مُقَيَّدَةً، سُنَّةَ مُحمَّدٍ ﷺ (١). * * * (عن زياد بن جُبير) -بضم الجيم وفتح الموحدة- بنِ حَيَّة -بفتح الحاء المهملة وتشديد المثناة تحت- الثقفيِّ، البصريِّ: تابعيّ جليل، يروي عن سعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وغيرهما. روى عنه: يونسُ بنُ عبيد، وأبو عون.

стр. 2227

أخرج له الجماعةُ غير النسائي، وفي "الكاشف" علّم له علامة الجماعة (١). (قال) زياد بن جبير -رحمه الله تعالى-: (رأيت) عبدَ الله (بنَ عمرَ) بنِ الخطاب ﵄ (أتى على رجل) لم يُسَمَّ (قد أناخ بَدَنته)؛ أي: بَرَّكَها، (فنحرها). ولفظ البخاري: ينحرها (٢). ولفظ مسلم كما رأيته في هذا المحل من "صحيحه"، وفي "الجمع بين الصحيحين": عن ابن عمر ﵄: أنَّه أتى على رجل وهو ينحر بدنته باركةً، (فقال)؛ أي: ابن عمر ﵄: (ابْعَثْها)؛ أي: أَثِرْها حال كونها (قيامًا) مصدر بمعنى: قائمةً؛ أي: معقولة اليسرى، رواه أبو داود بإسناد على شرط مسلم (٣). وانتصابه على الحال، قال التوربشتي: لا يصح أن يجعل العامل في "قيامًا" ابعثْها؛ لأن البعث إنما يكون قبل القيام، واجتماع الأمرين في حالة واحدة غيرُ ممكن، انتهى.

стр. 2228

وأجاب الطيبي باحتمال أن تكون حالًا مقدرة، فيجوز تأخيره عن العامل، كما في التنزيل: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا﴾ [الصافات: ١١٢]، أي: ابعثها مقدّرًا قيامُها، ثمّ انحرْها، وقيل: معنى ابعثها: أقمها، فعلى هذا انتصاب "قيامًا" على المصدرية (مقيدةً) بالنصب على الحال، من الأحوال المترادفة أو المتداخلة (١). (سنةَ): منصوب بعامل مضمر على أنَّه مفعول به، والتقدير: فاعلًا بها، أو مقتفيًا، أو متبعًا سنة (محمد ﷺ ). ويجوز الرفع بتقدير: هو سنة محمد. وقول الصحابي: من السنَّةِ كذا مرفوع عند الشيخين، لاحتجاجهما بهذا الحديث في "صحيحيهما" (٢). قال في "الفروع": يُستحب ذبح غيرِ الإبل، ونحرُها -أي: الإبل- قائمةً معقولةَ اليدِ اليسرى، ونقل حنبل عن الإمام أحمد: كيف شاء، باركة وقائمة، في الوهدة بين أصل العنق والصدر، ويسمي ويكبر. قال الإمام أحمد: حين يحرك يده بالذبح، ويقول: اللهمَّ هذا منك ولكَ، ولا بأس بقوله: اللهم تقبلْ من فلان، نصَّ عليه. ونقل بعضهم: يقول: اللهم تقبلْ مني كما تقبلتَ من إبراهيم خليلِكَ. قال: وقاله شيخنا -يعني: شيخ الإسلام ابن تيمية-، وأنَّه إذا ذبح، قال: "وَجَّهْت وجهي" إلى قوله: "وأنا من المسلمين"، انتهى (٣).

стр. 2229

وفي "سنن أبي داود" عن عبد الرحمن بن سابط: أن النَّبي ﷺ وأصحابه كانوا ينحرون البُدْنَ معقولةَ اليسرى قائمةً على ما بقي من قوائِمها، رواه أبو داود (١)، وهو مرسل، ويشير إلى معناه قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦]؛ أي: سقطت، وهو يشعر بأنها كانت قائمة (٢). وفي "الصحيح": قال ابن عبّاس ﵄: صوافَّ؛ أي: قيامًا. وفي "مستدرك الحاكم" من وجه آخر: عن ابن عبّاس ﵄ -في قوله: ﴿صَوَافِنَ﴾ بكسر الفاء بعدها نون-، أي: قيامًا على ثلاثة قوائمَ معقولة، (٣) وهي قراءة ابن مسعود ﵁، وهي جمع صافنة، وهي التي رفعت إحدى يديها بالعقل لئلا تضطرب (٤). تنبيه: معتمد مذهب الحنابلة: والأضحية من الإبل تنحر قائمةً على ثلاثٍ من قوائمها معقولةَ اليد اليسرى. وقال الحنفية: تُنحر باركةً وقائمة (٥). واتفق الأربعةُ على أن السنةَ نحرُ الإبل، وذبحُ ما عداها.

стр. 2230

فإن ذُبح ما يُنحر، أو نُحر ما يُذبح، فقال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد: يُباح، إلّا أن أبا حنيفة مع الإباحة كرهه. وقال الإمام مالك: إن نحر شاة، أو ذبح بعيرًا من غير ضرورة، لم يؤكل لحمُها، وحمله على الكراهة من أصحابه عبدُ العزيز بن أبي سلمة (١)، والله تعالى الموفق.

стр. 2231

باب الغسل للمحرم أي: جوازه، أو وجوبه. أما إذا كان جنبًا، أو كانت حائضًا، فجَمْعٌ على جوازه، بمعنى: أنَّه يجب على المحرم كغيره، لاعتبار الطهارة للصلوات المكتوبة، وهي فرض، وكذا سائر الأغسال الواجبة، وأما إذا كان الغُسل للتبريد ونحوه، فاختلف فيه: قال في "الفروع": وله -أي: المحرم- حكُّ رأسه وبدنه برفق، نص عليه الإمام أحمد، ما لم يقطع شعرًا، وقيل: غيرُ الجنب لا يخللهما بيده، ولا يحكهما بمشط أو ظفر. قال: وله غسلُه في حمام وغيره بلا تسريح، روي عن عمر، وعلي، وابن عمر، وجابر، وغيرهم ﵃، وفاقًا لأبي حنيفة، والشافعي؛ لأن النبي ﷺ غسل رأسه وهو محرمٌ، حرك رأسه بيديه (١)، كما يأتي. وذكر الحافظ في هذا الباب حديثًا واحدًا، وهو:

стр. 2232

عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ حُنَيْنٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ، وَالمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ، اخْتَلَفَا في الأَبْوَاءِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَغْسِلُ المُحْرِمُ رَأْسَهُ، وقَالَ المِسْوَرُ: لا يَغْسِلُ المُحْرِمُ رَأْسَهُ، قَالَ: فَأَرْسَلَني ابنُ عَبَّاسٍ إلَى أَبِي أيوبَ الأَنْصَارِيِّ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ القَرْنَيْنِ، وَهُوَ يُسْتَرُ بثَوْبِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيهِ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: أَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ حُنَيْنٍ، أَرْسَلَنيَ إلَيْكَ ابْنُ عَبَّاسٍ، يَسْألكَ كَيْفَ كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِم؟ فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ، فَطَأْطَأَهُ حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ، ثُمَّ قَالَ لِإنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ المَاءَ: اُصْبُبْ، فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأيتُهُ ﷺ يَفْعَلُ (١). وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ المِسْوَرُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: لَا أُمَارِيكَ أَبَدًا (٢). القَرْنَانِ: العَمُودَانِ اللَّذَانِ تُشَدُّ فِيهِمَا الخَشَبَةُ الَّتِي تُعَلَّقُ عَلَيْهَا البَكَرَةُ.

стр. 2233

(عن عبدِ الله بنِ حُنينٍ) -بضم الحاء المهملة وفتح النون، على التصغير- الهاشميِّ، مولى العباسِ بنِ عبدِ المطلبِ. قال ابن سعد: ويقال: إنه مولى علي بن أبي طالب ﵁، وقيل غيرُ ذلك. سمع ابنَ عبّاس، وعليًا، والمِسْوَرَ، وأبا أيوبَ. روى عنه: محمدُ بن المنكدر، وشريكُ بن عبد الله بن نمر، وأبو بكر بن حفص. قال أسامة بن زيد الليثي: دخلت على عبد الله بن حنين لياليَ استُخلف يزيدُ بن عبد الملك، وكان موته قربَ ذلك، وكان قليل الحديث. أخرج له الجماعة (١). (أَنَّ عبدَ الله بنَ عبّاس) حبرَ الأمة ﵄، (والمِسْوَرَ) -بكسر الميم وسكون السين المهملة-، فهو أبو عبد الرحمن (بنَ مَخْرَمَةَ) -بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الراء-، له ولأبيه مخرمةَ صحبةٌ، فإن مخرمةَ كان من مُسلمة الفتح من المؤلَّفة قلوبُهم، ثمّ حَسُنَ إسلامه، وشهد حُنينًا، وتُوفي بالمدينة، توفي سنة أربع وخمسين، وعمره مئة سنة وخمس عشرة سنة، وعمي في آخر عُمُرهِ (٢).

стр. 2234

وأما أبو عبد الرحمن المسورُ، فهو ابنُ مخرمةَ بنِ نوفل بنِ أُهيب -بضم الهمزة-، ويقال: وهيب بنِ عبدِ مناف بنِ زهرةَ بنِ كلابٍ، الزهريُّ، القرشيُّ، ابنُ أختِ عبدِ الرحمن بن عوف الشفاءِ بنتِ عوفٍ، لها هجرة، وهي -بكسر الشين المعجمة وبالفاء والمد-، فهو وأبوه وأمه من الصَّحابة ﵃، ولد بمكة بعد الهجرة بسنتين، وقدم به المدينة في ذي الحجة سنة ثمان، وهو أصغر من ابن الزبير بأربعة أشهر، وقُبض النَّبيُّ ﷺ وهو ابنُ ثمان سنين، وسمع منه، وحفظ عنه، وحَدَّث عن عمر، وعبد الرحمن بن عوف، وكان فقيهًا من أهل الفضل، ولم يزل بالمدينة إلى أن قُتل عثمان، فانتقل إلى مكّة، فلم يزل بها إلى أن مات معاويةُ، وكره بيعةَ يزيد، فلم يزل مقيمًا بمكة إلى أن بعث يزيدُ عسكَره، وحاصر مكّة، وبها ابنُ الزبير، فأصابَ المسورَ حجر من حجارة المنجنيق وهو يصلي بالحِجر، فقتله، وذلك في مستهلِّ ربيع الأول سنة أربع وستين، وعمره اثنتان، وقيل: ثلاث وستون سنة. روى عنه: عروة بن الزبير، وعلي بن الحسين زينُ العابدين، وعبدُ الله بن حنين، وغيرهم (١). (اختلفا) -يعني: ابنَ عبّاس، والمسورَ بن مخرمة ﵃-،

стр. 2235

وهم (في الأبواء) -بفتح الهمزة وسكون الباء الموحدة والمد-: موضع معينٌ بين مكّة والمدينة. وفي "المطالع": الأبواء: قرية من عمل الفرع، بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلًا. قال بعضهم: سُميت بذلك، لما فيها من الوباء، ولو كان كما قال، لقيل: الأوباء، أو يكون مقلوبًا منه، وبه توفيت أمُّ رسول الله ﷺ ، والصحيحُ أنها سميت بذلك لتبوُّء السيول بها، قاله ثابت، انتهى (١). وفي رواية ابن عيينة: أنهما اختلفا وهما بالعَرْج (٢)، وهو -بفتح أوله وإسكان ثانيه-: قرية جامعة قريبة من الأبواء (٣). قال في "النهاية": من عمل الفرع على أيام من المدينة (٤). (فقال ابن عبّاس) ﵄: (يغسل المحرمُ رأسَه)؛ أي: له ذلك بلا حرج عليه فيه، (وقال المسور) بنُ مخرمة ﵄: (لا يغسلُ المحرِمُ رأسه)، وهذا الحديث دليل على جواز التناظر في مسائل الاجتهاد والاختلاف فيها إذا غلب على ظن المختلفين فيها حكم (٥). (قال) عبدُ الله بن حنين: (فأرسلني) عبدُ الله (بنُ عبّاس) ﵄ (إلى أبي أيوبَ) خالدِ بنِ زيدٍ (الأنصاريِّ) ﵁. وفيه دليل على الرجوع إلى من يُظن به أن عنده علمًا فيما اختلف فيه.

стр. 2236

وفيه دليل على قَبول خبر الواحد، وأن العمل به سائغٌ شائعٌ بين الصَّحابة؛ لأن ابن عبّاس ﵄ أرسلَ ابنَ حُنين ليستعلم له علمَ المسألة، ومن ضرورة ذلك قبولُ خبره عن أبي أيوب فيما أُرسل فيه (١). قال عبد الله بن حنين: (فوجدتُه)؛ أي: أبا أيوب، وفي الكلام طَيٌّ، تقديره: فأرسلني إليه، فذهبت إلى أبي أيوب، فوجدته (يغتسلُ) في حال إحرامِه، وهو واقف (بين القرنين)؛ أي: قرني البئر، وهما جانبا البناء الذي على رأس البئر، يُجعل عليهما خشبة تعلق بها البكرة (٢). (وهو) -يعني: أبا أيوب- (يُسْتَر) -بضم المثناة تحت على صيغة ما لم يسمّ فاعله-؛ أي: يستره مَنْ عنده (بثوب) من أعين الناظرين، وهذا من الاتفاقات الغريبة أن يرسل إليه ليستعلم عن الغسل، فيوجد متلبسًا بما يراد أن يستعلم عنه. قال عبد الله بن حنين: (فسلمت عليه، فقال: من هذا؟)؛ أي: بعد أن ردَّ السلام. فيه دليل على جواز السلام على المتطهر في حال طهارته؛ بخلاف من هو على الحدث. وفيه جواز الكلام في أثناء الطهارة، وعلى التستر عند الغسل (٣). قال عبد الله بن حنين: فـ (قلت: أنا عبدُ الله بنُ حنين، أرسلني إليك) عبدُ الله (بنُ عبّاس) ﵄ (يسألك: كيفَ كان رسولُ الله ﷺ يغسلُ رأسَه وهو محرِمٌ؟)، هذا يُشعر بأن ابن عبّاس ﵄ كان

стр. 2237

عنده علم بأصل الغسل؛ فإن السؤال عن كيفية الشيء إنما يكون بعد العلم بأصله. وفيه دليل على أن غسل البدن كان عنده متقرر الجواز، إذ لم يسأل عنه، وإنما سأل عن كيفية غسل الرأس، ويحتمل اختصاص السؤال عن غسل الرأس، لكونه موضعَ الإشكال في المسألة، أو الحرص عليه، ويخشى بتحريكه باليد من نتف الشعر (١). (فوضع أبو أيوب) الأنصاريُّ ﵁ (يده على الثوب) الذي يُستر به، (فطأطأه)؛ أي: خفض الثوب، وأزاله من إزاء رأسه (٢) (حتّى بدا لي) -بغير همز-؛ أي: ظهر لي (رأسه). (ثمّ قال لإنسانٍ) لم يسم ذلك الإنسان (يصبُّ عليه الماءَ) ليغتسلَ به: (اصْبُبْ) (فصبَّ) الإنسان الماء (على رأسه) -أي: أبي أيوب-. فيه دليل على جواز الاستعانة في الطهارة، وقد ورد في ذلك أحاديث صحيحة، وورد في تركها شيء لا يقابلها في الصحة (٣). (ثمّ حَرَّكَ) أبو أيوبَ (رأسَه بيديه) -بالتثنية- (فأقبل بهما وأدبر). فيه جواز دَلْك شعر المحرم بيده إذا أمن تناثره. (ثم قال) أبو أيوب ﵁: (هكذا رأيتُه ﷺ يفعل). فيه الجوابُ والبيانُ بالفعل، وهو أبلغُ من القول، وإنما عدلَ عبدُ الله بنُ حنين بالسؤال عن الكيفية عن السؤال عن الغسل، حيث لم يقل: هل كان يغسل رأسه؟ ليوافق اختلافهما؛ لأنه لما رآه يغتسل وهو محرم، فهمَ من

стр. 2238

ذلك الجوابَ، ثمّ أحبَّ أَلَّا يرجع إلّا بفائدة أخرى، فسأل عن الكيفية، قاله في "الفتح"، انتهى (١). هذا إن كان ابن عبّاس لم يقل له: سلْ أبا أيوبَ عن كيفية غسل النَّبي ﷺ رأسَه، بل الظاهر هذا، وأن ابن عبّاس كان عنده علمٌ بأصل الغسل -كما قدمنا-. (وفي رواية) عن ابن عيينة في "صحيح مسلم": قال عبدُ الله بن حنين: فرجعتُ إليهما، فأخبرتهما، (فقال المسورُ) بنُ مخرمة (لـ) عبدِ الله (بنِ عبّاس) ﵃: (لا أُماريك)؛ أي: لا أُجادلك بعدَها؛ أي: بعدَ هذه النوبة (أبدًا)؛ لشدة فهمِك، وجودة ذكائك، وغزارة علمك. وفيه وجوبُ الإذعان للحق إذا ظهر، والخبر النبوي إذا ثبت واشتهر، وهي زبدة المناظرة، وثمرة المجادلة والمحاورة. ومحلُّ الدليل من الحديث ظاهر، وهو جواز غسل المحرِمِ رأسَه وبدنه. قال في "الفروع": بدنه كسره حديث أبي أيوب، واغتسل عمر ﵁، وقال: لا يزيدُ الماء الشعرَ إِلَّا شعثًا، في رواية مالك، والشافعي (٢). وعن ابن عبّاس ﵄، قال لي عمر ونحن محرمون بالجحفة: تعالَ أُباقيك أينا أطول نَفَسًا في الماء، رواه سعيد (٣).

стр. 2239

وكره مالك للمحرم غطسَه في الماء، وتغييب رأسه فيه (١). قال في "الفروع": والكراهةُ تفتقر إلى دليل، وتوجَّه قوله: تركُه أولى، أو الجزم به؛ لأن ابن عمر ﵄ كان لا يغسل رأسه إلّا من احتلام، رواه مالك (٢). وفي البخاري: قال ابن عبّاس ﵄: يدخل المحرم الحمام (٣). ولم ير ابن عمر وعائشة بالدخول بأسًا. وفي "الفروع": أن ابن عبّاس دخل حمامًا في الجحفة، رواه الشّافعي، وقال ابن عبّاس: ما يعبأ الله بأوساخنا (٤). قال في "الفروع": ويحمل هذا وما سبق على الحاجة، أو أنَّه لا يكره، وإلا، فالجزم بأنه لا بأس به مع أنه مزيل للشعث والغبار، مع الجزم بالنهي عن النظر في المرآة لإزالة شعثٍ وغبار، فيه نظر ظاهر، مع أن الحجة: "انظروا إلى عبادي أَتَوني شُعْثًا غُبْرًا" (٥)، وهي هنا، فيتوجه من عدم النهي

стр. 2240

هنا، عدمُه هناك بطريق الأولى، لزوال الغسل من الشعث والغبار ما لا يزيل النظر في المرآة، واحتماله إزالة الشعر. ومعتمد مذهبنا: له حكُّ بدنه أو رأسه برفق ما لم يقطعْ شعرًا، أو له غسلُه في حمام وغيره بلا تسريح، وغسلُه بسِدْرٍ وخَطْمِي ونحوهما. قال في "الفروع"، وفاقًا للشافعي، قال: وذكر جماعة: يُكره، وجزم به في "المستوعب"، (١) والشيخ الموفق، وحكاه عن الثلاثة، لتعرضه لقطع الشعر، واحتج القاضي لمعتمد المذهب: بأن القصد منه النظافةُ وإزالةُ الوسخ، كالأشنان والماء، ولا نسلم أنَّه يستلذ رائحته، ثمّ يبطل بالفاكهة، وفيه رواية مرجوحة: أنَّه يحرم ذلك، ويفدي، وفاقًا لأبي حنيفة، ومالك، وقال أبو يوسف، ومحمد: عليه صدقة (٢). وذكر ابن دقيق العيد: أن على غاسل رأسه بالخطمي ونحوه الفديةَ عند أبي حنيفة، ومالك (٣). والله تعالى أعلم. قال الحافظ المصنف -رحمه الله تعالى-: (القَرْنان) في قول عبدِ الله بنِ حنين: فوجدته يغتسل بين القرنين، هما (العمودان اللذان تُشد فيهما الخشبةُ التي تُعلق عليها)؛ أي على تلك الخشبة المشدودة في العمودين (البَكَرَةُ) التي يستقي عليها -تفتح كافها وتسكن- كما في "المطالع" (٤)، والله أعلم.

стр. 2241

باب فسخ الحج إلى العمرة قال شيخ الإسلام ابن تيمية، كما في "مختصر الفتاوى المصرية": لم يختلف النقل، ولا أحد من أهل العلم أن النَّبي ﷺ أمر أصحابه بفسخ الحجّ إلى العمرة، وأنهم إذا طافوا بالبيت وبالصفا والمروة، أن يحلوا من إحرامهم، فهو مما تواترت فيه الأحاديث الصحيحة (١). ومعنى فسخ الحجّ إلى العمرة؛ أي: قلب إحرامه بالحج عمرةً، ثمّ يتحلَّلُ من إحرامه بعملِ عُمرة، فيصير متمتِّعًا، وهذا مذهب الإمام أحمد، فإنَّه يجوِّزُ ذلك، بل جزم جماعةٌ باستحبابه، ومعناه عن الإمام أحمد، وعبر القاضي وأصحابه، وصاحب "المحرر"، وغيرهم بالجواز. قال في "الفروع": وإنما أرادوا فرض المسألة مع المخالف، ولهذا ذكر القاضي استحبابه في بحث المسألة. قال ابن عقيل: هو مستحبٌّ عند أصحابنا للمفرِد والقارِنِ أن يفسخا نِيَّتَهما بالحج (٢). قال في "الإقناع": يُسن لمن كان قارِنا أو مفرِدًا فسخُ نيتهما بالحج، وينويان عمرةً مفردةً، فإذا فرغا منها، وأَحَلَّا، أحرما بالحج ليصيرا

стр. 2242

متمتعين، ما لم يكونا ساقا هديًا، أو وقفا بعرفةَ (١). ويأتي بحث الخلاف في ذلك في أثناء شرح الحديث -إن شاء الله تعالى-. وذكر الحافظ -رحمه الله تعالى- في هذا الباب أحد عشر حديثًا:

стр. 2243

الحديث الأول عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدَ اللهِ ﵄، قَالَ: أَهَلَّ النَّبيُّ ﷺ وَأَصْحَاُبهُ بالحَجَّ، وَليْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ وَطَلْحَةَ، وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ اليَمَنِ، فَقَالَ: أَهْلَلْتُ بمَا أَهَلَّ بهِ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، فَيطُوفُوا ثُمَّ يُقَصرُوا وَيَحِلُّوا، إلا مَنْ كَانَ مَعَهُ الهَدْيُ، فَقَالُوا: نَنْطَلِقُ إِلى مِنَى، وَذَكَرُ أَحَدِنَا يَقْطُرُ؟! فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: "لَو اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، مَا أَهْدَيْتُ، وَلَوْلَا أَنَّ مَعِي الهَدْيَ، لأَحْلَلْتُ"، وَأَنَّ عائِشَةَ حَاضَتْ، فَنَسَكَتِ المَنَاسِكَ كُلَّهَا، غَيْرَ أَنَّها لَمْ تَطُفْ بِالبَيْتِ، فَلَمَّا طَهُرَتْ، طَافَتْ بِالبَيْتِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! تَنْطَلِقُونَ بعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، وَأَنْطَلِقُ بِحَجٍّ؟! فَأَمَرَ عَبْدَ الرِّحمنِ بْنَ أَبي بَكْرٍ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إِلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الحَجِّ (١).

стр. 2244

(عن) أبي عبدِ الله (جابرِ بنِ عبدِ الله) الأنصاريِّ (﵄، قال: أَهَلَّ النَّبيُّ ﷺ )؛ أي: أحرم هو (وأصحابُه) ﵃ (بالحجِّ)، تمسَّكَ بظاهره من قال: إنه ﷺ حجَّ مفرِدًا، والصحيح أنَّه كان قارنًا، والذين قالوا: إنه حج مفرِدًا: عائشةُ، وابن عمر، وجابر ﵃، لكن في حديث عائشةَ وابنِ عمر: أنَّه تمتّع بالعمرة إلى الحجّ، وهو أصح من حديثهما: أنَّه أفردَ الحجّ، وما صحَّ من ذلك، فمعناه: إفرادُ أعمالِ الحجّ. وفي الحديث المار المتفق عليه: أنَّه أمر أزواجه أن يحللْنَ عام حجة الوداع، قالت حفصة: فما يمنعُكَ أن تحلَّ؟ قال: "إني لَبَّدْتُ رَأْسي، وَقَلَّدْتُ هَدْيي، فلا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ" (١). وفي حديث عائشة، وابن عمر: فطاف بالصفا والمروة، ثمّ لم يحللْ من شيء حَرُمَ منه حتّى قضى حجَّه، ونحر هديه يومَ النحر، وأفاضَ فطاف بالبيت، ثمّ حل من كل شيء.

стр. 2245

(وليس مع أحد منهم هدي غير النَّبيِّ ﷺ وطلحةَ) بنِ عُبيد الله بنِ عثمانَ بنِ عمرِو بنِ كعبِ بنِ سعدِ بنِ تيمِ بنِ مُرَّةَ بنِ كعبِ بنِ لُؤَيٍّ، القرشيِّ، التيميِّ، يكنى: أبا محمد، سماه رسول الله ﷺ طلحةَ الجود، وطلحةَ الخير، وطلحةَ الفياض. وأمه الصعبةُ بنتُ عبدِ الله الحضرميِّ، أسلمت وهاجرت، وهي أخت العلاءِ بنِ الحضرميِّ. قدم طلحة ﵁ بعد خروج النَّبي ﷺ من بدر، فلم يشهدها، فسأل النَّبيَّ ﷺ سهمَه وأجرَه، فقال: "لكَ سهمُك، ولكَ أجرُك" (١)، وشهد أُحدًا وما بعدها، وأبلى بأحد بلاء حسنًا، وقى رسولَ الله ﷺ بنفسه، واتقى عنه بيده حتّى شَلَّتْ أصابعُهُ، وكان أبو بكر ﵁ إذا ذكرَ أُحُدًا يقول: ذلك يومٌ كلُّه كانَ لطلحة. وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، والثمانية الذين سبقوا للإسلام، والخمسةِ الذين أسلموا على يد الصدِّيق، والستة أصحاب الشورى الذين تُوفي رسولُ الله ﷺ وهو عنهم راض. قتل يوم الجمعة لعشرٍ خَلَوْنَ من جُمادى الأولى سنة ست وثلاثين يومَ الجمل، وهو ابنُ أربعٍ وستين سنة، وقيل: ثمان وخمسين، وقبرُه بالبصرة مشهور يُزار ويُتبرك به. روى عنه بنوه: موسى، وعيسى، ويحيى، وعامر بنو طلحة، وخلائقُ غيرهم.
следующие страницы →