باب فسخ الحج إلى العمرة
قال شيخ الإسلام ابن تيمية، كما في "مختصر الفتاوى المصرية": لم يختلف النقل، ولا أحد من أهل العلم أن النَّبي ﷺ أمر أصحابه بفسخ الحجّ إلى العمرة، وأنهم إذا طافوا بالبيت وبالصفا والمروة، أن يحلوا من إحرامهم، فهو مما تواترت فيه الأحاديث الصحيحة (١).
ومعنى فسخ الحجّ إلى العمرة؛ أي: قلب إحرامه بالحج عمرةً، ثمّ يتحلَّلُ من إحرامه بعملِ عُمرة، فيصير متمتِّعًا، وهذا مذهب الإمام أحمد، فإنَّه يجوِّزُ ذلك، بل جزم جماعةٌ باستحبابه، ومعناه عن الإمام أحمد، وعبر القاضي وأصحابه، وصاحب "المحرر"، وغيرهم بالجواز.
قال في "الفروع": وإنما أرادوا فرض المسألة مع المخالف، ولهذا ذكر القاضي استحبابه في بحث المسألة.
قال ابن عقيل: هو مستحبٌّ عند أصحابنا للمفرِد والقارِنِ أن يفسخا نِيَّتَهما بالحج (٢).
قال في "الإقناع": يُسن لمن كان قارِنا أو مفرِدًا فسخُ نيتهما بالحج، وينويان عمرةً مفردةً، فإذا فرغا منها، وأَحَلَّا، أحرما بالحج ليصيرا
стр. 2242
متمتعين، ما لم يكونا ساقا هديًا، أو وقفا بعرفةَ (١).
ويأتي بحث الخلاف في ذلك في أثناء شرح الحديث -إن شاء الله تعالى-.
وذكر الحافظ -رحمه الله تعالى- في هذا الباب أحد عشر حديثًا:
(عن) أبي عبدِ الله (جابرِ بنِ عبدِ الله) الأنصاريِّ (﵄، قال: أَهَلَّ النَّبيُّ ﷺ )؛ أي: أحرم هو (وأصحابُه) ﵃ (بالحجِّ)، تمسَّكَ بظاهره من قال: إنه ﷺ حجَّ مفرِدًا، والصحيح أنَّه كان قارنًا، والذين قالوا: إنه حج مفرِدًا: عائشةُ، وابن عمر، وجابر ﵃، لكن في حديث عائشةَ وابنِ عمر: أنَّه تمتّع بالعمرة إلى الحجّ، وهو أصح من حديثهما: أنَّه أفردَ الحجّ، وما صحَّ من ذلك، فمعناه: إفرادُ أعمالِ الحجّ.
وفي الحديث المار المتفق عليه: أنَّه أمر أزواجه أن يحللْنَ عام حجة الوداع، قالت حفصة: فما يمنعُكَ أن تحلَّ؟ قال: "إني لَبَّدْتُ رَأْسي، وَقَلَّدْتُ هَدْيي، فلا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ" (١).
وفي حديث عائشة، وابن عمر: فطاف بالصفا والمروة، ثمّ لم يحللْ من شيء حَرُمَ منه حتّى قضى حجَّه، ونحر هديه يومَ النحر، وأفاضَ فطاف بالبيت، ثمّ حل من كل شيء.
стр. 2245
(وليس مع أحد منهم هدي غير النَّبيِّ ﷺ وطلحةَ) بنِ عُبيد الله بنِ عثمانَ بنِ عمرِو بنِ كعبِ بنِ سعدِ بنِ تيمِ بنِ مُرَّةَ بنِ كعبِ بنِ لُؤَيٍّ، القرشيِّ، التيميِّ، يكنى: أبا محمد، سماه رسول الله ﷺ طلحةَ الجود، وطلحةَ الخير، وطلحةَ الفياض.
وأمه الصعبةُ بنتُ عبدِ الله الحضرميِّ، أسلمت وهاجرت، وهي أخت العلاءِ بنِ الحضرميِّ.
قدم طلحة ﵁ بعد خروج النَّبي ﷺ من بدر، فلم يشهدها، فسأل النَّبيَّ ﷺ سهمَه وأجرَه، فقال: "لكَ سهمُك، ولكَ أجرُك" (١)، وشهد أُحدًا وما بعدها، وأبلى بأحد بلاء حسنًا، وقى رسولَ الله ﷺ بنفسه، واتقى عنه بيده حتّى شَلَّتْ أصابعُهُ، وكان أبو بكر ﵁ إذا ذكرَ أُحُدًا يقول: ذلك يومٌ كلُّه كانَ لطلحة.
وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، والثمانية الذين سبقوا للإسلام، والخمسةِ الذين أسلموا على يد الصدِّيق، والستة أصحاب الشورى الذين تُوفي رسولُ الله ﷺ وهو عنهم راض.
قتل يوم الجمعة لعشرٍ خَلَوْنَ من جُمادى الأولى سنة ست وثلاثين يومَ الجمل، وهو ابنُ أربعٍ وستين سنة، وقيل: ثمان وخمسين، وقبرُه بالبصرة مشهور يُزار ويُتبرك به.
روى عنه بنوه: موسى، وعيسى، ويحيى، وعامر بنو طلحة، وخلائقُ غيرهم.
стр. 2246
روي له عن رسول الله ﷺ ثمانية وثلاثون حديثًا، اتفقا منها على حديثين، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بثلاثة (١).
(وقدم عليٌّ) -رضوان الله عليه- (من اليمن)، ومعه الهديُ.
وفي رواية: وقدم عليٌّ من سِعايته (٢) -بكسر السين المهملة-؛ أي: من عمله في السعي في الصدقات، لكن قال بعضهم: إنما بعثه أميرًا، إذ لا يجوز استعمالُ بني هاشم على الصدقات، وأُجيب بأنَّ سِعايته لا تتعين للصدقة، فإن مطلق الولاية يسمى سعاية، سَلَّمنا، لكن يجوز أن يكون ولاه الصدقاتِ محتسبًا، أو بعمالةٍ من غير الصدقة (٣).
وفي "البخاري ": ومعه هديٌ (٤) -كما قدمنا-، وهي جملة حالية.
وفي رواية أنس ﵁ في "الصحيحين"، وغيرهما، قال: قدم عليٌّ ﵁ على النَّبيِّ ﷺ من اليمن، فقال ﵇: "بِما أَهْلَلْتَ" (٥)؛ أي: أحرمت -بإثبات ألف "ما" الاستفهامية، مع دخول الجار عليها، وهو قليل-، ولأبي ذر: "بِمَ" بحذفها على الكثير الشائع،
стр. 2247
نحو: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ [النازعات: ٤٣]، ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ: ١].
(فقال) عليٌّ ﵁: (أهللتُ بما أهلَّ به النَّبيُّ ﷺ )، ولم يذكر في هذا الحديث جوابَ النَّبي ﷺ حينَ قال له ذلك.
وفي رواية أنس: فقال -أي النَّبي ﷺ : "لولا أن مَعي الهديَ، لأَحْلَلْتُ -أي: من الإحرامِ-، وتمتعْتُ"؛ لأن صاحب الهدي لا يتحلل حتّى ينحرَ هديه.
زاد محمد بن بكر عن ابن جريج: قال: "فامكثْ حَرامًا كما أَنْتَ" (١)، وهذا غيرُ ما أجاب به أبا موسى؛ فإنَّه قال له كما في "الصحيحين": "بما أهللت؟ "، قال: بإهلال النَّبيِّ ﷺ ، قال: "هل سُقْتَ الهديَ؟ "، قال: لا، قال: "فَطُفْ بالبيتِ وبالصَّفا والمروة، ثمّ أَحِلَّ" الحديث، وإنما أجابه بذلك؛ لأنه ليس معه هديٌ، فهو من المأمورين بفسخ الحجّ إلى العمرة، بخلاف عليٍّ ﵁، فإن معه هديًا.
وفي الحديث صحةُ الإحرام المعلَّق على ما أحرمَ به فلانٌ، وينعقدُ، ويصيرُ محرِمًا بما أحرم به فلان إن علمَه (٢).
فإن كان فلان أحرمَ مطلقًا، فللثاني صرفُه لما شاء، ولا يتعين صرفُه إلى ما يصرفه الأول، ولو جهل إحرام الأول؟ فكمن أحرم بنسكٍ ونسيه.
فإن كان قبلَ الطواف، جعله عمرةً استحبابًا، ويجوز صرفُه إلى غيرها.
وإن شكَّ هل أحرم الأول، فكمن لم يحرم، فيكون إحرامُه مطلقًا
стр. 2248
يصرفه إلى ما شاء، فإن صرفه قبلَ طوافه، وقع طوافُه عمَّا صرفه إليه، وإن طاف قبلَ صرفِه، لم يعتدَّ بطوافه، وإن كان إحرامُ الأول فاسدًا، فينعقد إحرامه، ويأتي بحجة صحيحة (١).
وقال الشّافعي: إذا أحرم بما أحرم به فلان، انعقد إحرامه، وصار محرمًا بما أحرمَ به فلانٌ، وإن لم يعلم بإحرامه، وإن أحرم مطلقًا، فإن نوى نفسَ الإحرام، ولم يعين نسكًا، صحَّ اتفاقًا، ويجعله ما شاء، نص عليه الإمام أحمد، وفاقًا لأبي حنيفة، ومالكٍ (٢).
قلت: وهو مذهب الشّافعي أيضًا.
قال الحافظ ابن حجر: أجاز الشّافعيُّ الإهلال بالنية المبهَمَة، ثمّ له أن ينقلَها إلى ما شاء من حج أو عمرة، انتهى (٣).
قال في "الفروع": ولا يجزئه -يعني: من نوى الإحرامَ مطلقًا- العملُ قبل النية، كابتداء الإحرام.
وقال الحنفية: فإن طاف شوطًا، كان للعمرة؛ لأنه ركن فيه، فهو أهم، وكذا لو أُحصر، أو جامع، لا؛ لأنه أقل، ولو وقف بعرفة، كان للحج، كذا قالوا، انتهى (٤).
(فأمر النَّبيُّ ﷺ أصحابه) ممن ليس معه هديٌ (أن يجعلوها)؛ أي: الحجةَ التي أهلّوا بها (عمرةً)، وهو معنى فسخِ الحجّ إلى العمرة.
стр. 2249
(فيطوفوا): هو من عطف المفصَّل على المجمَل، مثل: توضَّأَ وغسلَ وجهَه، والمراد بالطواف هنا: ما هو أعم من الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، قال تعالى-: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، أو اقتصر على الطواف بالبيت، لاستلزامه السعيَ بعده، والتقدير: فيطوفوا ويسعوا، فحذف اكتفاء، على أنَّه قد جاء في رواية التصريحُ بهما، (١) (ثمّ يُقَصِّروا)، وهو هنا أفضلُ من الحلق، ليوفروا الشعر ليحلق عند التحلل من الحجّ.
(ويَحِلوا) -بفتح أوله وكسر الحاء المهملة-؛ أي: يصيروا حلالًا، (إلّا من كان معه الهديُ) استثناء من قوله: فأمرَ أصحابه، (فقالوا)؛ أي: المأمورون بالفسخ.
وفي لفظ: "قالوا" -بإسقاط الفاء-: (ننطلقُ)؛ أي: أننطلقُ؟ فحذف همزة الاستفهام التعجبي (٢) (إلى مِنَى) -بالقصر-: الموضعُ المعروف، وهو مذكر، وقد يصرف.
وقال صاحب "المطالع": سمي بذلك، لما يُمنى فيه من الدماء، وقيل: لأن آدم تمنى فيه الجنة (٣).
وقال ابن فارس: سمي بذلك من قولك: منى الله الشيءَ: إذا قدره، فقدر الله أن جعلَه مَشْعرًا من المشاعر (٤).
ويأتي بقية الكلام عليه في الحديث السادس -إن شاء الله تعالى-.
стр. 2250
(وذَكَرُ أَحَدِنا يَقْطُرُ) منيًّا، هو من باب المبالغة؛ أي يفضي بنا إلى مجامعة النساء، ثمّ نحرم بالحج عقبَ ذلك، فنخرج وذكرُ أحدِنا، لقربه من الجماع، يقطر منيًا، وحالةُ الحجّ تنافي الترفُّهَ، وتناسبُ الشعث، فكيف يكون ذلك؟! (١).
(فبلغ ذلك) ليس في اليونينية لفظةُ "ذلك"؛ أي: بلغ قولُهم (النَّبيَّ ﷺ ) بنصب "النَّبي" على المفعولية، (٢) وفي رواية: فما ندري، أشيء بلغه من السماء، أم شيء من قبل النّاس؟ (٣) (فقال) ﷺ ، زاد مسلم: "قد علمتُم أَنِّي أتقاكُم لله ، وأَصْدَقُكمْ وأبَرُّكُمْ (٤) " "لو استقبلْتُ من أَمْرِي ما استدْبَرْتُ"، يجوز أن تكون "ما" موصولة؛ أي: الذي، أو نكرة موصوفة؛ أي: شيئًا، وأيًا ما كان، فالعائدُ محذوف؛ أي: استدبرته (٥)؛ أي: لو كنتُ الآنَ مستقبلًا زمنَ الأمر الذي استدبرته؛ أي: خَلَّفته ومضيتُ عنه خلفي، لفواتي إياه، ومُضيي عنه، (ما أهديت)؛ أي: ما سقتُ الهديَ، (ولولا أن معي الهديَ، لأحللت) من إحرامي؛ لأن وجوده مانع من فسخ الحجّ إلى العمرة والتحلل منها.
والأمرُ الذي استدبره ﷺ هو ما حصل لأصحابه من مشقة انفرادهم عنه بالفسخ، حتّى إنهم توقفوا وتردَّدوا وراجعوه.
أو المعنى: لو أن الذي رأيت في الآخر، وأمرتُكم به من الفسخ عَنَّ لي في أول الأمر، ما سقتُ الهديَ؛ لأن سوقه يمنع من فسخ الحجّ إلى
стр. 2251
العمرة، والتحلل منها؛ لأنه لا يُنحر إلّا بعد بلوغه محلَّه يومَ النحر (١).
وهذا الحديث دلَّ على أن التَّمتُّع أفضلُ الأنساك الثلاثة، وبه احتجَّ الإمامُ أحمد ﵁.
قال إسحاق بنُ إبراهيم: كان اختيارُ أبي عبد الله ﵁ الدخولَ بعمرة؛ لأن النبي ﷺ قال: "لو استقبلْتُ من أمري ما استدبَرْتُ، ما سُقْتَ الهَدْيَ، ولأحْلَلْتُ مَعَكُمْ"، قال: وسمعتهُ يقول: العمرةُ كانتْ آخرَ الأمرين من رسول الله ﷺ ؛ لأن في "الصحيحين" وغيرهما من طرق: أن النَّبي ﷺ أمرَ أصحابه لما طافوا وسعَوْا أن يجعلوها عُمرةً، إلّا من ساقَ هديًا، وثبتَ على إحرامه، لسوقه الهديَ، وتأسَّف بقوله: "لو استقبلْتُ من أمري ما استدبرتُ" الحديث، ولا يقرُّهم إلّا إلى الأفضل، ولا يتأسَّفُ إلّا عليه (٢).
فإن قيل: إنما أراد ﷺ تطييبَ قلوب أصحابه؛ لأنه كان يشقُّ عليهم أن يحلُّوا وهو محرِم، ولم يعجبْهم أن يذهبوا بأنفسِهم ويتركوا الاقتداءَ به، فقال لهم ذلك، لئلا يجدوا في أنفسهم، وليعلموا أن الأفضلَ في حقهم ما دعاهم إليه، فالتأسُّف إنما هو لأجل تأليفِ قلوبهم، ليفعلوا ما أُمروا به مع الانشراح (٣).
فالجواب: هذا عدولٌ عن الظاهر، مع العلم بتمام نصح النَّبيِّ ﷺ ، وأنه لا يأمر أُمَّته إلّا بخير ما أمر به، ثمّ إنكم حيث سلمتم أنَّه الأفضلُ في حقهم،
стр. 2252
ثبتَ أنَّه الأفضلُ في حقِّ مَنْ بعدَهم، إلّا أنَّه فقدوا خصوصيتهم بذلك، والثابتُ خلافه.
قال الإمام أحمد في رواية ابنيه: نختار المتعةَ؛ لأنه آخر ما أَمر به النَّبيُّ ﷺ ، وهو يعمل لكل واحد منهما على حدة (١).
وقال أبو داود: سمعته يقول: نرى التمتعَ أفضل.
قال: وسمعته يقول لرجل يريدُ أن يحج عن أمه: تمتَّعْ أَحَبُّ إليَّ (٢).
فإن قيل: لم يأمرهم بالفسخ لفضل التَّمتُّع، بل لاعتقادهم عدمَ جواز العمرة في أشهر الحجّ، فإن الجاهلية كانت تعتبر العمرة في أشهر الحجّ من أفجرِ الفجور، فأمرهم بذلك، حسمًا لمادة ما كان مركوزًا في نفوسهم.
فالجواب: إن ذلك مردود؛ لأن أصحابه لم يكونوا يعتقدون ذلك، وهم لا يرون رأيَ الجاهلية وما كانت عليه شيئًا، ثمّ لو كان الأمر كما زعمتم، لم يخص به من لم يسق الهدي؛ لأنهم سواء في الاعتقاد، ثمّ لو كان، لم يتأسف لاعتقاده جوازها فيها، وجعل العلة فيه سوقَ الهدي، مع أن التَّمتُّع في الكتاب دون غيره.
قال عِمرانُ بنُ حُصين ﵁: نزلت آيةُ المتعة في كتاب الله، وأمرَنا بها رسولُ الله ﷺ ، ثمّ لم تنزل آيةٌ تنسخ آيةَ متعةِ الحجّ، ولم ينهَ النَّبي ﷺ حتّى مات (٣).
والمتمتِّع يأتي بأفعال الحجّ والعمرة كاملة على وجه اليسر، وصحَّ
стр. 2253
عنه ﷺ أنَّه ما خُيِّرَ بينَ أمرين إلّا اختارَ أيسرَهما، وقوله ﷺ : "إن هذا الدين يُسرٌ" (١)، وقوله ﷺ : "بُعِثْتُ بالحنيفية السَّمْحَةِ" (٢).
وقال الإمام أحمد ﵁ في رواية أبي طالب: إذا دخل بعمرة، يكون قد جمع الله له حجةً وعمرةً ودمًا (٣).
تنبيهات:
* الأول: اختلف العلماء -رحمهم الله تعالى- في جواز فسخ الحجّ إلى العمرة، فذهب إمامنا إلى أنَّه مستحبٌّ للمفرِدِ والقارِن أن يفسخا نيتهما بالحج.
زاد الشيخُ الموفق: إذا طافا وسعيا، فنويا بإحرامهما ذلك عمرة مفردة، فإذا فرغا من عملهما، وحَلَّا منها، أحرما بالحج ليصيرا متمتِّعين.
وفي "الانتصار"، و"عيون المسائل": لو ادعى مُدَّعٍ وجوبَ الفسخ، لم يبعدْ.
قال في "الفروع": واختار ابنُ حزم وجوبَه، وقال: هو قولُ ابن عبّاس، وعطاء، ومجاهد، وإسحاق.
وفي "مسلم": عن ابن عبّاس ﵄: أن من طاف، حَلَّ، وقالَ: سنةُ نبيكم ﷺ (٤).
قال ابن عبّاس: إنما رُوي التخيير أول الأمرِ بالحل، والتخييرُ كان
стр. 2254
أولًا، ثمّ حتمه عليهم آخرًا لما امتنعوا، فعلَّةُ الحتمِ زالت (١).
ففي "الصحيحين" عن عائشة ﵂، قالت: نزلنا بِسَرِف، فقال النَّبيُّ ﷺ : "مَنْ لم يَكُنْ معه هَدْي، فأحبَّ أن يجعلَها عُمرةً، فليفعلْ، ومن كانَ معه هَدْيٌ، فلا" (٢).
وفيهما أيضًا عنها: حتّى إذا دَنَوْنا من مكّة، أمرَ من لم يكن معه هديٌ إذا طاف بالبيت وبين الصفا والمروة أن يحل (٣).
وفيهما: عن ابن عبّاس ﵄: أن النَّبي ﷺ قدم لأربع مَضَيْنَ من ذي الحجة، فصلى الصبحَ بالبطحاء، وقال لما صلَّى الصبح: "مَنْ شاءَ منكم أن يجعلَها عُمْرَةً، فَلْيَجْعَلْها" (٤).
وفي "مسلم": أن ابنَ جريج قال لعطاء: من أين يقول ذلك؟ -يعني: ابن عبّاس-، قال: من قول الله: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]، قلت: فإن ذلك بعدَ الُمَعَّرفِ، فقال: كان ابن عبّاس يقول: هو بعد المعرَّفِ وقبلَه (٥).
قال الحافظ ابن رجب في "كتابه" على قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ما نصه: والناس في الفسخ على ثلاثة أقوال:
стр. 2255
منهم مَنْ يوجِبُه، كابن عبّاس ﵄، ومن وافقه من أهل الظاهر، والشيعة، وغيرهم.
ومنهم مَنْ يحرِّمه، ككثير من الفقهاء.
ومنهم مَنْ يُبيحه، بل يستحبُّه، وهو قولُ الحسن، ومجاهد، وعبيد الله بن الحسن، والإمام أحمد، وطائفة من أهل الحديث، وغيرهم.
قال الحافظ ابن رجب: وهو الصواب، فمن أوجبه، قال: إن النَّبي ﷺ ثبتَ عنه، بل تواتر: أنَّه أمر أصحابه كلَّهم في حجة الوداع أن يفسخوا، إلّا مَنْ كان معه هَدْيٌ، فلما رأى منهم توقُّفًا، غضبَ، واشتدَّ غضبُه، وأعاد عليهم الأمرَ، وهذا يقتضي الوجوب.
وقال الشيخ تقي الدين: يجبُ على من اعتقدَ عدمَ مساغه، يعني: يكون في حقه واجبًا، لقمع ما في نفسه، لثبوت السنة.
ولذا قال بعض علماء المذهب: نحن نشُهد الله أنا لو أحرمنا بحجٍّ، لرأينا فرضًا فسخَه إلى عمرة، تفاديًا من غضب رسول الله ﷺ (١).
قال الإمام أحمد في رواية خطاب بن بشر: رواه عشرةٌ من أصحاب رسول الله ﷺ ، وهي أخبار صحاح.
وقال في رواية إبراهيم الحربي: فيه ثمانيةَ عشرَ حديثًا صحاحٌ جيادٌ.
وقال سلمة بن شبيب للإمام أحمد ﵁: كلُّ أمرك عندي حسن، إلّا خلةً واحدة، قال: وما هي؟ قال: تقول بفسخ الحجّ إلى العمرة، فقال: يا سلمة! كنت أرى لك عقلا، عندي في ذلك أحدَ عشرَ
стр. 2256
حديثًا صحاحًا عن رسول الله ﷺ ، أتركها لقولك؟! انتهى (١).
قالى في "الإنصاف": فسخُ القارِنِ والمفرِدِ حَجَّهما إلى العمرة مستحَبٌّ بشرطه، نص عليه الإمام أحمد، وعليه الأصحاب قاطبة، قال: وهو من مفردات المذهب، لكن المصنف -يعني: الإمام الموفق- ذكرَ الفسخَ بعدَ الطواف والسعي، وقطع به الخرقي، وقال به الزركشي، وقال: هذا ظاهر الأحاديث.
وعن ابن عقيل: الطوافُ بنية العمرة هو الفسخُ، وبه حصلَ رفضُ الإحرام لا غير، قال: فهذا تحقيقُ فسخِ الحجّ وما ينفسخ به (٢).
وقال الموفق في "الكافي": يُسن لهما إذا لمْ يكن معهما هدي أن يفسخا نيتهما بالحج، وينويا عمرة مفردة، ويحلا من إحرامهما بطواف وسعي وتقصير، ليصيرا متمتعين (٣).
وقال أبو حنيفة، ومالكٌ، والشافعي، وجماهيرُ العلماء من السلف والخلف: بمنع جواز فسخ الحجّ إلى العمرة، وحملوا الأحاديث الواردةَ الثابتةَ عن النَّبي ﷺ بأمر أصحابِه ﷺ أن يفسخوا حجَّهم إلى عمرة يتحللوا منها بعدَ الطواف والسعي والتقصير، ما لم يكنْ ساقَ أحدُهم الهديَ، فإنَّه يثبتُ على إحرامه، على أنَّه مختصٌّ بهم تلكَ السنةَ، لا يجوزُ بعدَها، ليخالفوا ما كانت عليه الجاهليةُ من تحريم العمرةِ في أشهرِ الحجّ (٤).
وفي "مسلم" من حديث أبي ذر: كانتِ المتعةُ في الحجّ لأصحابِ
стр. 2257
محمدٍ ﷺ خاصَّةً -يعني: فسخَ الحجّ إلى العمرة (١) -.
وعند النسائي: عن الحارث بن بلال، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله! فسخُ الحجّ لنا خاصةً، أم للناس عامةً؟ فقال: "بلْ لنا خاصَّةً" (٢).
قالوا: فسببُ الأمر بالفسخ ما كان إلّا لتقرير مشروعية العمرة في أشهر الحجّ، ما لم يكن مانع من سوقِ الهدي، وذلك أنَّه كان مستعظَمًا عندَهم، حتّى كانوا يعدونها في أشهر الحجّ من أفجرِ الفجور، فكسرَ سَوْرَةَ ما استحكَمَ في نفوسهم من الجاهلية من المكاره بحملِهم على فعلِه بأنفسهم.
* الثاني: اعتقد كثير من العلماء -كما ذكرنا-: أن فسخ الحجّ إلى العمرة مختص بالصحابة الكرام في ذلك العام، واستدلوا بحديث أبي ذر، وحديث بلالِ بن الحارث، وهذا شيء لا ينهض به دليل.
قال الإمام أحمد ﵁: ليس يصحٌّ حديثٌ في أن الفسخ كان لهم خاصة.
وقال في رواية الأثرم عن قول أبي ذر: من يقول هذا، والمتعة في كتاب الله، وأجمع النّاس عليها؟!
وقال: لا يثبت حديثُ بلال، ولا يُعرف الحارثُ، ولم يروه إلّا الدَّراورديُّ.
وقال الدارقطني: تفرَّدَ به ربيعةُ، وتفرَّدَ به الدراورديُّ عنه، ولم أجد من
стр. 2258
وَثَّق أبا عيسى سوى ابنِ حِبان، ولا يخفى تساهلُه (١).
وقال الحافظ ابن رجب: قال الإمام أحمد: روى هذا الحديثَ الحارثُ بنُ بلالِ بنِ الحارثِ، يعني: أنَّه مجهول، قال: وحديثُ أبي ذر رواه مرقع الأسدي، فمن مرقع الأسدي؟ شاعر من أهل الكوفة لم يلق أبا ذر (٢).
وقال في رواية خطاب بن بشر: الذي جاء أنَّه كان لهم خاصةً، ليس بصحيح.
وقال في رواية ابن مشيش، وذكر حديثَ أبي ذر، فقال: رواه يحيى عن المرقع، قال: لا أدري من المرقع، قلت له: أليس هو المرقع بن صيفي؟ قال: لا، ليس هذا المرقع بن صيفي.
وقد ثبت في "الصحيحين": أن النَّبي ﷺ أمرهم بالفسخ، وأطاعوا، فقال له سُراقةُ بنُ مالك ﵁: مُتْعَتُنا هذه لعامِنا هذا، أم للأبد؟ قال: "للأبد" (٣)، وقوله: متعتُنا هذه، إشارةٌ إلى المتعة التي فعلوها، وهي متعةُ فسخ الحجّ إلى العمرة.
ولفظ البخاري من حديث ابن عبّاس، وجابر ﵃: أن النَّبيَّ ﷺ أمرهم بالإحلال، فتوقفوا، فقال: "واللهِ لأنا أَبَرُّ وأَتْقَى لله مِنْهُمْ، ولو أَنِّي استقبلْتُ من أمري ما استَدْبَرْتُ، ما أهديتُ، ولولا أن مَعِي الهديَ لأحللتُ"، فقام سراقةُ بنُ جُعْشُم، فقال: يا رسول الله! هي لنا أو للأبد؟ فقال: "بل للأبد" (٤).
стр. 2259
وقد روي من حديث طاوس: أن عليًا ﵁ سأل النَّبيَّ ﷺ عن الفسخ: لمدتِنا هذه، أم للأبد؟ رواه ابنُ بطةَ مرسلًا من وجه، ومسنَدًا من آخر (١).
وقد قيل: إن الفسخ كان على الذين أمرهم النَّبيُّ ﷺ واجبًا، فإنَّه في أثناء الطريق خَيَّرَهم بين أن يفسخوا، أو يجعلوها عمرةً، وبين أَلَّا يفسخوا، فلما قدم مكّة، ألزمهم به؛ لئلا تفوتَ المصلحةُ بتركه، فإن الفسخ حصل لهم به أفضلُ أنواع النسك، وحصلت به العمرةُ لمن كان مفرِدًا، ولأنهم استعظموه، فلو لم يُلْزمهم به، لما فعلهَ منهم أحدٌ، فإن ثبت الحديثُ المرفوع في اختصاصهم به، فإنما كانوا مختصين بوجوبه ولزومه، لا بجوازه، فأما قولُ أبي ذر، فلو ثبت، لم يكن حجةً؛ لأنه من رأيه، وقول من قال: كان المقصود منه جوازَ بيان العمرة في أشهر الحجّ باطلٌ لوجوه (٢):
أحدها: أن النَّبي ﷺ قد اعتمر قبلَ ذلك ثلاثَ عُمَرٍ، واعتمرَ معه أصحابهُ، وكلُّها كانت في أشهر الحجّ.
الثاني: أن جواز العمرة في أشهر الحجّ قد بَيَّنه لهم عندَ الإحرام بقوله: "مَنْ شاءَ منكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، فَلْيَفْعَلْ، ومَنْ شاءَ منكمْ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ وَحَجٍّ، فَلْيَفْعَلْ"، وقد أهلَّ بعضُهم حينئذ بعمرة، وبعضُهم بحج وعمرة، كما قالت عائشة ﵂، والنبي ﷺ كان قارِنًا أهلَّ بعمرةٍ وحجٍّ، كما قال ابن عمر، وأنس، وغيرهما.
стр. 2260
الثالث: أنَّه أمر بالفسخ من لم يسق الهديَ، ونهى مَنْ ساقَ الهديَ عنه، ولو كان الفسخ في الأصل محرمًا، وإنما أبيح لهم في ذلك العام، ليبين جواز الاعتمار في أشهر الحجّ، لاستوى مَنْ ساق الهدي ومن لم يَسُقه.
الرابع: أن جواز الاعتمار في أشهر الحجّ كان يحصل بمجرد قوله، وبفعل بعضهم، لا يحتاج إلى أمرِهم كلِّهم، والغضبِ على من لا يفعلُه، فلما ألزمَهم كلَّهم به، دلَّ على أن الفسخ هو المقصود.
وإذا قيل بجواز الفسخ أيضًا، كان بعلمِ مَنْ أمرهم به، وفعلِ بعضهم.
فالجواب: كان في الفسخ مقصدان:
* أحدهما: مشروعيته للأمة.
* والثاني: تحصيل أفضل أنواع الجمع بين الحجّ والعمرة في سفرة واحدة لأصحابه، وهذا لم يكن يحصل بدون إلزامهم به.
الخامس: أنَّه ﷺ أمر بالفسخ كلَّ من لم يكن معه هديٌ، وقد كان فيهم مَنْ هو قارن قد أهلَّ بحج وعمرةٍ، وهو ﷺ كان قارِنًا، وقد تأسَّف على فوات الفسخ، فلو كان المقصود بيانَ جواز الاعتمار في أشهر الحجّ، فاعتمارُهُ يظَهر للناس؛ لأنه يُهل بالعمرة والحجِّ جميعًا.
السادس: أن الفسخ لو قدر أنَّه شُرع لبيان مخالفة ما كان عليه المشركون، فإنَّه يصير شرعًا لأمته دائما، فإنَّ كل ما خالف فيه المشركين في أمر الحجّ، فهو إما واجب، كالوقوف بعرفة، والإفاضة منها بعد الغروب، وإما مستحبٌّ، كالإفاضة من جَمْعٍ قبل طلوع الشمس، ولهذا قال: "خالفَ هَدْيُنا هَدْيَ المشركينَ" (١).
стр. 2261
ولما شرعَ رسولُ الله ﷺ لأمته الرَّمَلَ، وفعلَه، ليرى المشركون قوةَ المؤمنين وجَلَدَهم، فكأَن المقصودَ به نوع من أنواع الجهاد، ثمّ صار سنةً في الحجّ بعدَ ذهاب المشركين، فإنَّه ﷺ رَمَلَ في حجة الوداع بعدَ الفتح، ورَمَلَ بعده الخلفاءُ الراشدون، ولهذا قال عمر: ففيمَ الرملان والكشفُ عن المناكب، وقد نفى الله الشركَ وأهلَه؟ ثمّ قال: لن ندعَ شيئًا فعلناه مع رسول الله ﷺ (١).
وأما قولهم: إن الخلفاء الراشدين لم يفسخوا، ولم يأمروا النّاس بالفسخ.
فالجواب: أن النَّبي ﷺ إنما حجَّ بالناس حجةً واحدة، وقال لهم: "خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكُمْ، فَلَعَلِّي لا أَلْقاكُمْ بعدَ عامي هَذا" (٢)، فلهذا اختار لهم في تلك الحجة أفضلَ أنواع الجمع بين النسكين في سفرة واحدة، ليحصل لهم معه الحجُّ على أكمل الوجوه الممكنة، ويأخذوا مناسكهم عنه، وأما الخلفاء الراشدون، فكانت أيامُهم ممتدةً، فكانوا يأمرون النّاس بأفضلِ أنواع الحجّ والعمرةِ مطلقًا، وهو إفرادُ كلٍّ منهما بسفرة، والاعتمار في غير أشهُرِ الحجّ، فإنَّ ذلك أفضلُ أنواع الحجّ والعمرة مطلقًا، كما نص على ذلك الأئمة، وذكره بعضُهم اتفاقًا، وحينئذ فعمرُ وعثمانُ وغيرُهما اقتدوا بالنبي ﷺ في أمر النّاس بأفضل أنواع النسك، وإلزامِهم لهم بذلك، لا لأنهم خالفوه في أمره بالتمتُّع كما يظن مَنْ لا يفهم حالهم.
стр. 2262
والحاصل: أن السنة الصحيحة، والأخبار الصريحة مفصحةٌ ومصرِّحَةٌ بما ذهب إليه الإمام أحمد، ولا ينهض لمعارضته دليلٌ يعتمد عليه، ولولا الإطالةُ، لذكرنا أدلتهم وما فيها من القدح، والله تعالى أعلم.
* الثالث: في الحديث دليلٌ على جواز استعمال لفظة "لو" في بعض المواضع، وإن كان قد ورد فيها ما يقتضي خلافَ ذلك من قوله ﷺ : "فإنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطانِ" (١)، وفي لفظ: "تفتحُ بابَ الشِّركِ" (٢)، فالنهي عنها في استعمالها في التلهُّف على أمور الدنيا، إما طلبًا، كما يقال: لو فعلتُ كذا حصلَ كذا، وإما هَرَبًا، كقوله: لو كان كذا وكذا، لما وقع لي كذا وكذا، لما في ذلك من صورة عدم التوكُّل في نسبة الأفعال إلى القضاء والقدر، وأما إذا استُعملت في تمني القُرُبات، كما جاء في هذا الحديث، فلا كراهة في مثل هذا، والله أعلم (٣).
قال جابر ﵁ في حديثه: (وأن) -بفتح الهمزة- (عائشة) أم المؤمنين ﵂ (حاضت) بسَرِف قبلَ دخولهم مكّة.
وفي "الصحيحين" من حديث عائشة ﵂، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في أشهُرِ الحجّ وليالي الحج وحرم الحجّ، فنزلنا بِسَرف؛ أي: وهو اسم موضع على عشرة أميال من مكّة، به قبرُ أم المؤمنين ميمونةَ ﵂.
قالت عائشةُ ﵂: فخرجَ النَّبي ﷺ إلى أصحابه، فقال:
стр. 2263
"منْ لم يكنْ منكمْ معه هديٌ، فَأَحَبَّ أن يجعلَها عُمرةً، فليفعلْ، ومَنْ كانَ مَعَهُ الهديُ، فلا"، قالت: فالآخذ بها والتاركُ لها من أصحابه، فأما رسول الله ﷺ ورجالٌ من أصحابه، فكانوا أهل قوة، وكان معهم الهديُ، فلم يقدروا على العمرة.
قالت: فدخلَ عليَّ رسولُ الله ﷺ وأنا أبكي، فقال: "ما يُبْكِيكِ يا هَنْتاهْ؟ " -أي: بفتح الهاء - وسكون الهاء الأخيرة-، كذا ضبط، وفي رواية: -بفتح النون وضمِّ الهاء الأخيرة-، والسكون فيها هو الأصل؛ لأنها للسكت؛ لأنهم شبهوها بالضمائر، وأثبتوها في الوصل، وضموها.
ويقال في التثنية: هَنْتَانِ، وفي الجمع: هَنَاتٌ، وهنواتُ، وفي المذكر: هَنٌ، وهَنان، وهَنونَ، ولكَ أن تلحقها الهاءَ لبيان الحركة، فتقول: يا هَنَهْ، وأن تُشبع الحركةَ فتصيرَ ألفًا، فتقول: يا هَناه (١).
قال الخليل: إذا دعوتَ امرأةً، فكنيتَ عن اسمها، قلت: يا هَنَهْ، فإذا وصلتَها بالألف والهاء، وقفتَ عندَها في النداء، فقلت: يا هَنْتاهْ، ولا يُقال إلّا في النداء (٢).
قيل: ومعنى يا هنتاه: يا بلهاء، كأنها نُسبت إلى قلة المعرفة بمكائد النساء وشرورهن، أو المعنى: يا هذه (٣).
قالت عائشة ﵂: سمعتُ قولَكَ لأصحابك، فمنعتَ العمرةَ، قال: "وما شَأْنُكُ؟ "، قالت: لا أُصلي، قال: "لا يَضيرُكَ، إنما
стр. 2264
أنتِ امرأةٌ من بنات آدَمَ، كتبَ اللهُ عليكَ ما كَتَبَ عليهِنَّ، فكوني في حَجَّتِكِ، فعسى اللهُ أن يَرْزُقَكِيها" الحديث (١).
(فنسكت) عائشةُ ﵂ (المناسِكَ) المتعلقة بالحج (كلَّها)، مع كونها حائضًا، (غيرَ أنها لم تَطُفْ) للعمرةِ، لمانعِ الحيض (بالبيتِ) العتيقِ، ولم تسعَ بين الصفا والمروة، وحذفه؛ لأن السعي لابدَّ أن يتقدمه طوافُ نسك، فيلزم من نفيِ الطوافِ نفيُ السعي (٢).
وفي "الصحيحين" من حديث عائشة ﵂: فلما قدمْنا، فطَوَّفْنا بالبيت -تعني: النَّبيَّ ﷺ وأصحابَه غيرَها-، فأمر النَّبيُّ ﷺ مَنْ لم يكن ساقَ الهدي أن يحلَّ، فحل من لم يكن ساقَ الهدي، ونساؤه لم يَسُقْنَ، فأحلَلْنَ، قالت عائشة ﵂: فحِضْتُ، فلم أطفْ بالبيت، (٣) تعني: طوافَ العمرةِ، لمانع الحيض.
قال جابر ﵁: (فلما طَهُرَتْ) بعرفةَ، كما في "مسلم" (٤).
وفي رواية له: صبيحةَ ليلةِ عرفةَ حين قدموا مِنَى (٥)، وصحَّ أنها طهرت في مِنَى، وجُمع بأنها رأت الطهرَ بعرفةَ، ولم يتهيأ لها الاغتسالُ إلّا في منى.
وفي "الصحيحين" من حديثها: حتّى قدمنا منى، فطَهُرت (٦) -بالطاء
стр. 2265
المهملة وفتح الهاء وضمها-؛ أي: وذلك يوم السبت، وهو يوم النحر في حجة الوداع، وكان ابتداء حيضها يوم السبت أيضًا لثلاثٍ خَلَوْنَ من ذي الحجة، و (طافَتْ بالبيتِ) طوافَ الإفاضة يومَ النحر، وسعت بينَ الصفا والمروة، قالت -كما في "الصحيحين"-: ثمّ خرجتُ من منى، فأفضتُ بالبيت؛ أي: طفتُ به طواف الإفاضة، قالت: ثمّ خرجتُ معه في النفر الآخر حتّى نزل ﵇ المُحَصَّب -بضم الميم وفتح الحاء والصاد المشددتين المهملتين، آخره موحدة-: موضع متسع بين مكّة ومنى، وسُمي به، لاجتماع الحصباء فيه بحمل السيلِ، لانهباطه، وهو الأبطحُ، والبطحاءُ، وخَيْفُ بني كنانة، وهو ما بين الجبلين إلى المقابر، وليست المقابرُ منه.
وفرق المحبُّ الطبري بين الأبطح والبطحاء من حيث التذكير والتأنيث، لا من حيث المكان، فقال: والأبطح: مكان مسيل واسع فيه دِقاق الحصى، فإذا أردت الوادي، قلت: الأبطح، وإذا أردت البقعة، قلت: البطحاء (١).
قال في حديث جابر: (قالت) عائشة: (يا رسولَ الله! أتنطلقون بعمرة) منفردةٍ عن حجة (وحجة) منفردة عن عمرة، تريد ﵂: العمرةَ التي فسخوا الحجَّ إليها، والحجَّ الذي أنشؤوه من مكّة (٢)، (وأَنطلِقُ) أنا بالـ (ـحجِّ) من غير عمرةٍ منفردةٍ؟!
وفي "مسلم" عنها ﵂: أنَّه قال لها رسول الله ﷺ :
стр. 2266
"يَسَعُكِ طوافُكِ لِحَجِّكِ وعُمْرَتِكِ"، فأبت (١).
وفي "الصحيحين"، و"السنن": أنَّه قال: "يَسَعُكِ لِحَجِّكِ وعُمْرَتِكِ"؛ أي: يكفيك لحجك وعمرتك، قد حللتِ من حجِّك وعمرتك جميعًا.
قالت: يا رسول الله! إني أجدُ في نفسي أَنِّي لم أطفْ بالبيت حين
حججتُ، (فأمر) النَّبيُّ ﷺ (عبدَ الرحمن بنَ أبي بكرٍ) الصديقِ ﵄ (أن يخرجَ معها)؛ أي: مع أخته عائشة الصدِّيقة أم المؤمنين ﵂، فقال ﷺ : "فاذهبْ بها يا عبدَ الرحمن، فَأَعْمِرْها من التَّنعيم".
تقدمت ترجمةُ عبدِ الرحمن في باب السواك.
وذلك؛ أي: أمرُه ﷺ عبدَ الرحمن ﵁ بالخروج مع عائشة ﵂ (إلى التنعيم) ليلة الحَصبة (٢) -بفتح الحاء وسكون الصاد المهملتين-؛ أي: ليلة المبيت بالمحصَّب.
والتنعيم: تفعيل -بفتح المثناة الفوقية وسكون النون وكسر العين المهملة-: موضع على ثلاثة أميال أو أربعة من مكّة، أقرب أطراف الحِلِّ إلى البيت، سُمي به؛ لأن على يمينه جبل نعيم، وعلى يساره جبل ناعم، والوادي اسمه نعمان، قاله في "القاموس" (٣).
قلت: وهو غير نُعمان الأراك الذي بإزاء عرفة.
قال المحبُّ الطبريُّ في "تحصيل المرام": هو أمامَ أدنى الحل، وليس
стр. 2267
بطرف الحل، ومن فسره بذلك، فقد تجوَّزَ، وأطلق اسمَ الشيء على ما قَرُبَ منه، انتهى (١).
وروى الأزرقي من طريق ابن جريج، قال: رأيت عطاءً يصف الموضعَ الذي اعتمرتْ منه عائشةُ، قال: فأشار إلى الموضع الذي ابتنى فيه محمدُ بنُ عليِّ بنِ شافعٍ المسجدَ الذي وراء الأكمة، وهو المسجد الخرب (٢)، وهو أفضلُ مواقيت العُمرة بعد الجِعرانة عند الأربعة، إلّا أبا حنيفة.
قلت: بل هو أفضلُ مطلقًا عند علمائنا.
(فاعتمرَتْ) عائشة ﵂ (بعدَ الحجّ).
وفي حديث عائشة في "الصحيحين": فدعا عبدَ الرحمن بنَ أبي بكرٍ الصدِّيقِ ﵄، فقال: "اخرجْ بأختِكَ من الحرمِ"؛ أي: إلى أدنى الحِلِّ؛ لتجمع في النسك بين أرضِ الحلِّ والحرم، كما يجمعُ الحاجُّ بينهما، "فلتهلَّ بعمرة"؛ أي: مكان العمرة التي كانت تريد حصولها منفردة غيرَ مندرجة، فمنعها الحيضُ منها، "ثمّ افرغا من العُمرةِ"، وظاهرُ هذا: أن عبد الرحمن اعتمرَ مع أخته، "ثمّ ائتيا هاهنا"؛ أي: المحصب، "فإني أنتظركما حتّى تأتياني".
قالت عائشة: فخرجنا إلى التنعيم، فأحرَمْنا بالعمرة، حتّى إذا فرغْتُ؛ أي: منها، وفرغتُ من الطواف، ثمّ جئته بسحر، فقال: "هل فَرَغْتُم؟ "، فقلت: نعم، فأذن بالرحيل في أصحابه، فارتحل النّاس، فمر متوجهًا إلى المدينة (٣).
стр. 2268
تنبيهات:
الأول: دل هذا الحديث على امتناع الطواف من الحائض، واختلف فيه، فقيل: الامتناعُ لنفسه؛ لأن الطواف تعتبر له الطهارةُ كالصلاة.
قال في "الفروع": وتشترط الطهارةُ من حدث.
قال القاضي وغيرُهُ: الطوافُ كالصلاة في جميع الأحكام، إلّا في إباحة الكلام، وعنه -يعني الإمام أحمد ﵁: يصحُّ من معذورٍ، وكذا حائض، وهو ظاهر كلام القاضي وجماعة.
قال: واختاره شيخُنا -يعني: شيخ الإسلام ابن تيمية-، وأنَّه لا دمَ لعذرٍ (١).
قلت: ووقفتُ له في ذلك على مصنفين جزم بصحة طواف الحائض للعذر، ولاسيما في هذه الأزمنة التي لا ينتظر أميرُ الحاج فيها مَنْ حاضت ولا غيرَها، ونصُّ كلامه -رحمه الله تعالى- في أحد المصنفين له:
مسألة: تقع في الحجّ في كل عام، ويُبتلى بها كثير من نساء العلماء والعوام، وهي: أن المرأة المحرِمَةَ تَحيض قبلَ طواف الركن، وهو طواف الإفاضة، ويرحل الركبُ قبل طوافِها، ولا يمكنها المقام.
قال: وفي سنة سبع وسبع مئة جرى ذلك لكثير من نساء الأعيان وغيرِهم، فمنهن من انقطع دمُها يومًا أو أكثرَ باستعمال دواءٍ لذلك، وظنت أن الدمَ لا يعود، فاغتسلت وطافت، ثمّ عاد الدم في أيام العادة، ومنهن من انقطع دمها يومًا أو أكثر بلا دواء، فاغتسلت وطافت، ثمّ عاد الدم في أيام العادة، ومنهن من طافت قبل انقطاع الدم والاغتسال، ومنهن من سافرت
стр. 2269
مع الركب قبل الطواف، وكانت قد طافت طوافَ القدوم، وسعت بعده.
فهؤلاء أربعةُ أصناف، فلما اشتدَّ الأمر بهنَّ، وخفن أن يحرم تزويجهن، ووطء المزوجة منهن، ويرجعن بلا حج، وقد أتين من البلاد البعيدة، وقاسين المشاقَّ الشديدة، وفارقن الأولاد والرحال، وخاطرن بالأنفس، وأنفقن الأموال، كثر منهنَّ السؤال، وقد قاربت عقولُهن الزوال، هل من مخرج عن هذا الحرج، وهل مع الشدة من فرج؟
قال: فسألت الله التوفيق والإرشاد، إلى ما فيه التيسيرُ على العباد، من مذاهب العلماء الأئمة، الذين جُعل اختلافُهم رحمةَ الأمة، فظهر لي الجواب، والله أعلمُ بالصواب: أنَّه يجوز تقليدُ كلِّ واحد من الأئمة الأربعة ﵃، ويجوز لكل أحدٍ أن يقلِّد واحدًا منهم في مسألة، ويقلد إمامًا آخر منهم في مسألة أخرى، ولا يتعين عليه تقليدُ واحدٍ بعينه في كل المسائل، إذا عرف هذا، فيصح حجُّ كلِّ واحدة من الأصناف المذكورة على قولٍ لبعض الأئمة.
أما الصنف الأول والثاني، فيصحُّ طوافُهن في مذهب الشّافعي على أحد القولين فيما إذا انقطعَ دمُ الحائض يومًا ويومًا، فإنَّ يومَ النقاء طهر على هذا القول، ويُعرف بقول التلفيق، وصححه من الشافعية أبو حامد، والمحامليُّ في كتبه، وسليم، والشيخ نصر المقدسي، والرّوياني، واختاره أبو إسحاق المروزي، وقطع به الدارمي.
وأما على مذهب أبي حنيفة، فيصحُّ طوافُهن؛ لأنه لا يُشترط عنده في الطواف طهارةُ الحدث ولا النجس، فيصحُّ عندَه طوافُ الحائض والجنب.
وأما على مذهب الإمام مالك، فيصح طوافُهن؛ لأن مذهبه أن النقاءَ في أيام التقطُع طهر.
стр. 2270
وأما على مذهب الإمام أحمد، فيصحُّ طوافُهن؛ لأن مذهبه في النقاء كمذهبِ مالك.
قال ﵀: ومذهب الإمام أحمد في اشتراط طهارة الحدث والجنب كمذهب أبي حنيفة في إحدى الروايتين عنه.
قلت: إلّا أن معتمد مذهبه: اعتبارُ الطهارة من الحدث والخبث.
قال: وأما الصنف الثالث: فيصح طوافُهن على مذهب الإمام أبي حنيفة، وفي إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، لكن يلزمها ذبحُ بَدَنة، وتأثَمُ بدخولها المسجدَ وهي حائض، فيقال لها: لا يَحِلُّ لكِ دخولُ المسجد وأنتِ حائض، لكن إن دخلتِ وطُفت، أثمتِ، وصح طوافُك، وأجزأك عن الفرض.
وأما الصنف الرابع، وهي التي سافرت من مكّة -شرَّفها الله تعالى- قبلَ الطواف، فقد نقل المصريون عن الإمام مالك: أن من طافَ طوافَ القدوم، وسعَى، ورجع إلى بلده قبلَ طواف الإفاضة جاهلا أَو ناسيًا، أجزأه عن طواف الإفاضة.
ونقل البغداديون عن مالك خلافه.
حكى الروايتين عن مذهب مالك القاضي أبو عبد الله محمدُ بنُ أحمدَ المالكيُّ في كتاب "المنهاج في مناسك الحاج"، قال: وهو كتاب جليل مشهور عند المالكية.
قال الشيخ -رحمه الله تعالى، ورضي عنه-: ويتخرَّج على رواية المصريين عن مالك سقوطُ طواف الإفاضة عن الحائض التي تعذَّرَ عليها الطوافُ والإفاضة، فإنَّ عذرَها أظهرُ من عذر الجاهل والناسي، فإن لم
стр. 2271
يعمل بهذه الرواية، أو لم يصحَّ التخريجُ المذكور، وأرادت الخروج من محظور الإحرام، فعلى قياس أصول مذهب الشّافعي وغيره تصبر حتّى تجاوزَ مكّة بيوم أو يومين، بحيث لا يمكنها الرجوعُ إلى مكّة خوفًا على نفسها أو مالها، فتصير حينئذ كالمُحْصَر؛ لأنها لا تتيقن الإحصارَ لو رجعت إلى مكّة، وتيقُّنُ الإحصارِ كوجود الإحصار، كما أن تَيَقُّنَ الضربِ لو خالف الأمر كوجود الضرب في حصول الإكراه، حتى لو أمره بالطلاق سلطانٌ علم من عادته أن يعاقب إذا خولف، فطلق، لم يقع طلاقه، إذا تقرر هذا، وأرادت الخروج من الإحرام، فتتحلل كما يتحلل للحج، بأن تنوي الخروج من الحج حيث عجزت عن الرجوع، وتذبح هنالك شاة تجزىء في الأضحية، وتتصدق بها، وتقصِّر شعرَ رأسها، فتصير حلالًا، ويحل لها جميعُ ما حَرُمَ بالإحرام، لكن يبقى في ذمتها الحجُّ الواجب، انتهى.
ففي هذا اقتصر على حكي مذاهب الأئمة، وما يتخرج منها.
أما في الكتاب الثاني، فانتصر للقول بسقوط شرط الطهارة في الطواف للعذر انتصارًا لا مزيد عليه، وأن الطهارة كسائر الشروط، مثل الستارة وغيرها، وإذا تعذر الإتيانُ بالشرط، فلا تسقط العبادة، بل شرطُها هو الذي يسقط، فإن الأصول متفقةٌ: أنه متى دار الأمرُ بين الإخلال بوقتِ العبادةِ، والإخلالِ ببعضِ شروطها وأركانها، يعني: كان الإخلال بذلك أولى، كالصلاة، فإن المصلي لو أمكنه أن يصلي قبل الوقت بطهارة وستارة مستقبلَ القبلة مجتنبَ النجاسة، ولم يمكنه ذلك في الوقت، فإنه يفعلُه في الوقت على الوجه الممكن، ولا يفعله قبلَه بالكتاب والسنة والإجماع (١).
وقال في محل آخر: أصول الشريعة أن العبادات المشروعة إيجابًا أو
стр. 2272
استحبابًا إذا عجزَ عن بعض ما يجب فيها، لم يسقط عنه المقدورُ لأجل العجز، بل قد قال النّبي ﷺ : "إذا أمرتُكُمٍ بأمرٍ، فَأْتُوا منهُ ما استَطَعْتُمْ" (١)، وذلك مطابق لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، ومعلوم أن الصلاة وغيرَها من العبادات التي هي أعظمُ من الطواف لا تسقطُ بالعجز عن بعض شروطها وأركانها، فكيف بالحج يسقط بالعجز عن بعض شروط الطواف أو أركانه؟ ومثل هذا القول أن يقال: يسقط عنها طواف الإفاضة، فإن هذا خلافُ الأصول، إذ الحج عبارة عن الوقوف والطواف، والطواف أفضلُ الركنين وأجلُّهما (٢).
وقال في موضع آخر من الكتاب المذكور: غايةُ ما في الطهارة: أنها شرطٌ في الطواف، ومعلوم أن كونها شرطًا في الصلاة أوكدُ منها في الطواف، وكذا سائر الشروط، من الستارة، واجتناب النجاسة، هي في الصلاة أوكد، فإن غاية الطواف أن يشبه بالصلاة.
إلى أن قال: فالمصلي يصلي عريانًا، ومع الحدثِ والنجاسة في صورة المستحاضة وغيرها، وتصلي مع الجنابة أو حدث الحيض مع التيمم، وبدون التيمم عند الأكثرين إذا عجزت عن الماء والتراب، لكن الحائض لا تصلي؛ لأنها ليست محتاجةً إلى الصلاة مع الحيض، فإنها تسقط عنها إلى غير بدل (٣).
والحاصل: أنه انتصر لصحة طواف الحائض، وأقام عليه أدلةً واضحة، فإنه لا دم عليها.
стр. 2273
ثم قال في آخر "مصنفه": هذا هو الذي يتوجه عندي في هذه المسألة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولضرورة الناس واحتياجهم إليها علمًا وعملًا تجشَّمْتُ الكلامَ فيها، فإني لم أجدْ فيها كلامًا لغيري، والاجتهادُ عندَ الضرورة مما أمر الله به، فإن يكنْ ما قلتُهُ صوابًا، فهو حكم الله تعالى ورسوله، والحمد لله تعالى، وإن يكن خطأ، فمني ومن الشيطان، والله تعالى ورسولُه بريئان من الخطأ، انتهى (١).
الثاني: حمل بعضُ الناس على ظاهر قوله ﷺ لعبد الرحمن بن أبي بكر ﵄: "اذهبْ بها -أي: عائشة ﵂-، فأعمرها من التنعيم".
فشرطَ الخروجَ إلى التنعيم بعينه، ولم يكتفِ بالخروج إلى مطلَقِ الحِلِّ، وليس الأمرُ كما زعم؛ لأن القصدَ الجمعُ بين الحلِّ والحَرَمِ في العمرة كما وقع ذلك في الحج، فإنه جمعَ فيه بين الحل والحرم، فإن عرفةَ من أركان الحج، وهو من الحل.
قال في "الفروع": ثم يُحْرِم بها -أي: العمرة- من أدنى الحِلِّ.
وفي "فصول ابن عقيل": الإفرادُ: أن يحرم بالحج في أشهُره، فإذا تحلل منه، أحرم بالعمرة من أدنى الحل (٢).
وفي "الإقناع": مَنْ كان في الحرم من مكيٍّ وغيرِه، خرج إلى الحل، فأحرم من أدناه، ومن التنعيم أفضلُ، ثم من الجعرانة، ثم من الحديبية، ثم ما بعد، ومن كان خارجَ الحرم دونَ الميقات، فمن دُويرة أهله، ومن كان
стр. 2274
في قرية، فمن الجانب الأقرب من البيت، ومن الأبعد أفضلُ (١).
الثالث: قد عُلم من النص عدمُ اعتبارِ الطهارة لسائر المناسك، سوى الطواف، من الوقوف، والسعي، ورمي الجمار، وغيرها؛ لأن عائشة ﵂ فعلتْ جميعَ أفعال الحج وهي حائض، إلا الطوافَ، فدلَّ ذلك على عدم اشتراطِ الطهارة في بقية أعمال الحج.
وفي الحديث دلالة: على جواز الخلوة بالمحارم، ولا خلاف في ذلك (٢)، والله أعلم.
стр. 2275
الحديث الثاني
عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ونَحْنُ نَقُولُ: لَبَّيْكَ بالحَجِّ، فَأمَرَنا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَجَعَلْنَاهَا عُمْرَة (١).
* * *
(عن جابرِ) بنِ عبدِ الله أيضًا ﵁ وعن أبيه-، (قال: قَدِمْنا معَ رسولِ الله ﷺ ) في حجة الوداع، (ونحن نقولُ: لبيكَ بالحجِّ).
وفي لفظ: لبيكَ اللهمَّ لبيكَ بالحجِّ (٢).
يدل على أنهم أحرموا بالحج مفرَدًا، لكنه محمول على بعضهم، لما في حديث عائشة ﵂ في "الصّحيحين"، قالت: خرجنا مع
стр. 2276
رسول الله ﷺ موافين لذي الحجة، فقال رسول الله ﷺ : "من أَحَبَّ أن يُهِلَّ بعمرةٍ، فَلْيِهُلَّ، ومَنْ أحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِحجَّةٍ، فليهلَّ، ولولا أني أَهديتُ، لأهلَلْت بعمرةٍ"، فمنهم من أهل بعمرة، ومنهم من أهل بحجة؛ أي: ومنهم: من قرن.
قالت عائشة ﵂: وكنتُ مِمَّنْ أهلَّ بعمرة (١).
لكن الذي رواه الأكثرون عنها: أنها أحرمت أولًا بالحج، فتُحمل هذه الرواية على آخر أمرِها، لكونها فسخت الحج إلى العمرة لما عزم النّبيُّ ﷺ على أصحابه بذلك، بدليل قول جابر ﵁: (فأمرَنا رسولُ اللهِ ﷺ ، فجعلناها عمرةً)، ثم لما تعذَّر عليها إتمامُ العمرة، لحيضِها، ولم يمكنها التحلُّلُ منها، وإدراكُ الإحرام بالحج، أمرَها ﷺ بإدخال الحجِّ على العمرة، فصارت حينئذٍ قارِنةً.
وفي الحديث: أنهم بعدَ إحرامهم بالحج رَدُّوه إلى العمرة، وهو المطلوب، وقد عُلم مما مر الخلافُ في ذلك، وأن معتمدَ مذهب الإمام أحمد استحبابُه لمن كان مفرِدًا أو قارِنًا، ولم يسقِ الهديَ، وأوجبته الشيعةُ والظاهرية مطلقًا (٢). والله أعلم.
стр. 2277
الحديث الثالث
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَدِمَ رَسَولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابعَةٍ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! أَيُّ الحِلِّ؟ قَالَ: "الحِلُّ كلُّهُ" (١).
* * *
(عن عبدِ الله بنِ عباس ﵄، قال: قدمَ رسولُ الله ﷺ ) هو (وأصحابه) الذين خرجوا معه في حجة الوداع ﵃ (صبيحة) ليلةِ (رابعةٍ) من ذي الحجة، ففي حديث عائشة - رضي الله
стр. 2278
عنها -، قالت: خرجْنا مع النّبي ﷺ لخمسٍ بقين من ذي القعدة، (١) فدخلوا مكة المشرفة في الرابع من ذي الحجة يوم الأحد حالَ كونهم مُهِلِّين بالحجِّ مفرَدًا، ومنهم من كان قارِنًا، (فأمرهم) النّبيُّ ﷺ (أن يجعلوها)؛ أي: أن يقلبوا الحجةَ (عمرةً)، ويتحللوا بعملها، فيصيروا متمتعين، (فقالوا يا رسول الله)؛ أي: فقال له أصحابه المأمورون بفسخ الحج إلى العمرة والتحلل بعملها، فيصيرون حلالا: (أيُّ الحِلِّ؟) يحصُل لنا؛ أي: هل هو الحلُّ العام لكل ما حَرُمَ بالإحرام حتى الجماعُ، أو حِلٌّ خاصٌّ؛ لأنهم كانوا محرمين بالحج، ومنهم من هو قارن، وكأنهم كانوا يعرفون أن له تحلُّلين.
(قال) ﷺ : (الحِلُّ كلُّهُ)؛ أي: هو حلٌّ يحلُّ فيه كلُّ ما يحرُمُ على المحرم، حتى غِشْيانُ النساء؛ لأن العمرةَ ليس لها إلا تحلل واحد.
وعند الطحاوي: أَيُّ الحلَّ يحلُّ؟ قال: "الحلُّ كُلُّهُ" (٢).
ومقصود الحافظ بتكرار هذه الأحاديث تقويةُ جانبِ جوازِ فسخ الحج [إلى] العمرة، وعدم الالتفات لمن خالفَ في ذلك، وزعمَ أنه كان مختصًا بهم، ثم نُسخ؛ كما تقدمت الإشارة إلى ذلك.
(عن عُرْوَةَ بنِ الزبيرِ) بنِ العوَّام: هو أبو عبد الله، القرشيُّ، الأسديُّ، سمع أباه وأمَّه أسماءَ بنتَ أبي بكر الصديقِ، وخالتهَ عائشةَ أُمَّ المؤمنين ﵃، وسمع العبادلَةَ، وغيرَهم من كبار الصحابة ﵃، وروى عنه: ابنُه هشام، والزهري، وعمرُ بنُ عبد العزيز، وغيرهم.
ولد سنة اثنتين وعشرين، ومات سنة أربع وتسعين، قاله الجمهور.
وقال البخاري: سنة تسع وسبعين.
وهو من كبار التابعين، وأحدُ الفقهاء السبعة من أهل المدينة.
قال ابن شهاب: كان عروةُ بحرًا لا تكدِّره الدلاء (١).
وأما أبوه الزبير: فهو -بضم الزاي- ابنُ العَوَّامِ بنِ خُويلدِ بنِ أسدِ بنِ عبدِ العُزَّى بنِ قُصَيٍّ، القرشيُّ، الأسديُّ، أمه صفيةُ بنتُ عبد المطلب عمةُ رسول الله ﷺ ، أسلمت وهاجرت إلى المدينة، وقد أسلم الزبير قديمًا، وهو ابن خمس عشرة سنة، وقيل: سنة عشر، وقيل: وهو ابن ثمان سنين،