← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

رسول الله ﷺ موافين لذي الحجة، فقال رسول الله ﷺ : "من أَحَبَّ أن يُهِلَّ بعمرةٍ، فَلْيِهُلَّ، ومَنْ أحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِحجَّةٍ، فليهلَّ، ولولا أني أَهديتُ، لأهلَلْت بعمرةٍ"، فمنهم من أهل بعمرة، ومنهم من أهل بحجة؛ أي: ومنهم: من قرن. قالت عائشة ﵂: وكنتُ مِمَّنْ أهلَّ بعمرة (١). لكن الذي رواه الأكثرون عنها: أنها أحرمت أولًا بالحج، فتُحمل هذه الرواية على آخر أمرِها، لكونها فسخت الحج إلى العمرة لما عزم النّبيُّ ﷺ على أصحابه بذلك، بدليل قول جابر ﵁: (فأمرَنا رسولُ اللهِ ﷺ ، فجعلناها عمرةً)، ثم لما تعذَّر عليها إتمامُ العمرة، لحيضِها، ولم يمكنها التحلُّلُ منها، وإدراكُ الإحرام بالحج، أمرَها ﷺ بإدخال الحجِّ على العمرة، فصارت حينئذٍ قارِنةً. وفي الحديث: أنهم بعدَ إحرامهم بالحج رَدُّوه إلى العمرة، وهو المطلوب، وقد عُلم مما مر الخلافُ في ذلك، وأن معتمدَ مذهب الإمام أحمد استحبابُه لمن كان مفرِدًا أو قارِنًا، ولم يسقِ الهديَ، وأوجبته الشيعةُ والظاهرية مطلقًا (٢). والله أعلم.

стр. 2277

الحديث الثالث عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَدِمَ رَسَولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابعَةٍ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! أَيُّ الحِلِّ؟ قَالَ: "الحِلُّ كلُّهُ" (١). * * * (عن عبدِ الله بنِ عباس ﵄، قال: قدمَ رسولُ الله ﷺ ) هو (وأصحابه) الذين خرجوا معه في حجة الوداع ﵃ (صبيحة) ليلةِ (رابعةٍ) من ذي الحجة، ففي حديث عائشة - رضي الله

стр. 2278

عنها -، قالت: خرجْنا مع النّبي ﷺ لخمسٍ بقين من ذي القعدة، (١) فدخلوا مكة المشرفة في الرابع من ذي الحجة يوم الأحد حالَ كونهم مُهِلِّين بالحجِّ مفرَدًا، ومنهم من كان قارِنًا، (فأمرهم) النّبيُّ ﷺ (أن يجعلوها)؛ أي: أن يقلبوا الحجةَ (عمرةً)، ويتحللوا بعملها، فيصيروا متمتعين، (فقالوا يا رسول الله)؛ أي: فقال له أصحابه المأمورون بفسخ الحج إلى العمرة والتحلل بعملها، فيصيرون حلالا: (أيُّ الحِلِّ؟) يحصُل لنا؛ أي: هل هو الحلُّ العام لكل ما حَرُمَ بالإحرام حتى الجماعُ، أو حِلٌّ خاصٌّ؛ لأنهم كانوا محرمين بالحج، ومنهم من هو قارن، وكأنهم كانوا يعرفون أن له تحلُّلين. (قال) ﷺ : (الحِلُّ كلُّهُ)؛ أي: هو حلٌّ يحلُّ فيه كلُّ ما يحرُمُ على المحرم، حتى غِشْيانُ النساء؛ لأن العمرةَ ليس لها إلا تحلل واحد. وعند الطحاوي: أَيُّ الحلَّ يحلُّ؟ قال: "الحلُّ كُلُّهُ" (٢). ومقصود الحافظ بتكرار هذه الأحاديث تقويةُ جانبِ جوازِ فسخ الحج [إلى] العمرة، وعدم الالتفات لمن خالفَ في ذلك، وزعمَ أنه كان مختصًا بهم، ثم نُسخ؛ كما تقدمت الإشارة إلى ذلك.

стр. 2279

الحديث الرابع عَنْ عُروَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: سُئِلَ أُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ وَأَنَا جَالِسٌ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسِيرُ حِينَ دَفَعَ؟ قَالَ: كَانَ يَسِير العَنَقَ، فإذَا وَجَدَ فَجْوَةً، نَصَّ (١). العَنَقُ: انْبِسَاطُ السَّيْرِ، والنَّصُّ: فَوْقَ ذَلِكَ.

стр. 2280

(عن عُرْوَةَ بنِ الزبيرِ) بنِ العوَّام: هو أبو عبد الله، القرشيُّ، الأسديُّ، سمع أباه وأمَّه أسماءَ بنتَ أبي بكر الصديقِ، وخالتهَ عائشةَ أُمَّ المؤمنين ﵃، وسمع العبادلَةَ، وغيرَهم من كبار الصحابة ﵃، وروى عنه: ابنُه هشام، والزهري، وعمرُ بنُ عبد العزيز، وغيرهم. ولد سنة اثنتين وعشرين، ومات سنة أربع وتسعين، قاله الجمهور. وقال البخاري: سنة تسع وسبعين. وهو من كبار التابعين، وأحدُ الفقهاء السبعة من أهل المدينة. قال ابن شهاب: كان عروةُ بحرًا لا تكدِّره الدلاء (١). وأما أبوه الزبير: فهو -بضم الزاي- ابنُ العَوَّامِ بنِ خُويلدِ بنِ أسدِ بنِ عبدِ العُزَّى بنِ قُصَيٍّ، القرشيُّ، الأسديُّ، أمه صفيةُ بنتُ عبد المطلب عمةُ رسول الله ﷺ ، أسلمت وهاجرت إلى المدينة، وقد أسلم الزبير قديمًا، وهو ابن خمس عشرة سنة، وقيل: سنة عشر، وقيل: وهو ابن ثمان سنين،

стр. 2281

وقيل: اثنتي عشرة سنة، وكان إسلامه بعد إسلام الصديق بقليل، قيل: كان رابعًا أو خامسًا. وهو أحدُ العشرة المشهودِ لهم بالجنة، هاجر ﵁ للحبشة، ثم للمدينة، وهو أولُ من سلَّ سيفًا في سبيل الله، شهدَ المشاهدَ كلَّها، وشهدَ اليرموكَ وفَتْحَ مصر. وقال النّبي ﷺ في حقه: "لِكُلِّ نِبَيٍّ حَوَارِيُّ، وحَوارِيَّ الزُّبَيْرُ" (١). وكنيته: أبو عبد الله، وكان ﵁ يوم الجمل قد ترك القتال وانصرف، فلحقه جماعة منهم: ابن جرموز، فقتله بوادي السباع بناحية البصرة، وقبره هناك مشهور، وذلك في جمادى الأولى سنة ست وثلاثين، وكان عمره يومئذٍ سبعًا وستين سنة، وقيل: ستًا وستين -رضوان الله عليه- (٢). (قال) عروة بن الزبير -رحمه الله تعالى، ورضي عن آبائه-: (سُئِل) -بضم السين المهملة مبنيًا لما لم يسم فاعله- (أسامة) -بالرفع نائب الفاعل-، وهو أسامة -بضم الهمزة- (بنُ زيد) بنِ حارثةَ حِبُّ رسولِ الله ﷺ وابنُ حِبِّهِ، يُكنى: أبا محمد، وحارثة -بالحاء المهملة والثاء المثلثة-، القضاعيُّ، الأسلميُّ؛ لأنه من ولد أَسْلُم -بضم اللام- بنِ الحافِ -بالحاء المهملة وكسر الفاء- بنِ قضاعةَ -بضم القاف والضاد المعجمة-.

стр. 2282

وأم أسامةَ: هي أمُّ أَيْمَنَ بَرَكَةُ، حاضنةُ النّبيِّ ﷺ ، وكانت حبشيةً مولاةً لأبيه عبدِ الله بنِ عبدِ المطلبِ، فهو مولى النّبيِّ ﷺ ، وابنُ مولاته، وابنُ مولاه أيضًا؛ لأن زيدًا مولى النّبي ﷺ . وأيمنُ الذي كُنيت به أُمُّ أسامةَ هو أيمنُ بنُ عبيدِ بنِ عمرِو بنِ بلالٍ، الأنصاريُّ الخزرجيُّ، استشهد يوم حنين، وهو أخو أسامةَ لأمه. وكان أسامة ﵁ أفطسَ أسودَ كالليل. قال ابنُ سعدٍ: وكان زيدٌ أبيضَ أشقرَ، فلهذا كانت الجاهلية تقدَحُ في نسب أسامة، فلما دخل القائف، ورأى أقدامَهما بارزةً، قال: إن هذهِ الأقدامَ بعضُها من بعض، ففرح النّبيُّ ﷺ بذلك، (١) وسُرَّ بقول مُجَزِّز: إن هذه الأقدامَ بعضُها من بعض. وكان يقال له: الحِبُّ بنُ الحِبِّ. والحِبُّ -بكسر الحاء-: المحبوبُ. وفي "الصّحيحين": أنه ﷺ قال في حقِّ زيدِ بنِ حارثةَ والدِ أسامة: "وايمُ اللهِ! إنْ كانَ لَخليقًا بالإمارةِ، وإنْ كانَ لَمِنْ أَحَبِّ الناسِ إليَّ، وإنَّ هذا -يعني: أسامةَ- لَمِنْ أَحَبِّ الناسِ إليَّ بَعْدَهُ" (٢).

стр. 2283

وفي الترمذي: عن ابن عمر: أن عمر ﵄ فرض لأسامةَ بنِ زيدٍ ثلاثةَ آلافٍ وخمس مئة، وفرض لابن عمر ثلاثة آلاف، فقال عبد الله لأبيه: لِمَ فَضَّلْتَ أسامةَ عليَّ، فوالله! ما سبقني إلى مشهد؟ فقال عمرُ: لأن زيدًا كانَ أحبَّ إلى رسول الله ﷺ من أبيكَ، وكان أسامة أحبَّ إلى رسول الله ﷺ منك، فآثرتُ حِبَّ رسول الله ﷺ على حِبَّي (١). ويروى أنه فرض لأسامة خمسة آلاف، ولابنه ثلاثة آلاف. والأحاديثُ في نحو ذلك كثيرة. وقد استعمله ﷺ وهو ابن ثماني عشرة سنة، وقُبض النّبيُّ ﷺ وهو ابن عشرين سنة. توفي ﵁ بوادي القرى بعد قتلِ عثمان، وقيل: مات في آخر أيام معاوية. وصحح ابن عبدِ البر: أنه مات سنة أربع وخمسين. واعتزل الفتنة ﵁. روي له عن النّبي ﷺ مئةٌ وثمانية وعشرون حديثًا، كما قاله ابن حزم. اتفق "الصحيحان" منها على خمسةَ عشر، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بحديثين. ودفن في البقيع من المدينة المنورة، ويأتي لذكره تتمة في ترجمة والده زيد ﵁ بعد -إن شاء الله تعالى- (٢).

стр. 2284

قال عروةُ: سُئل أسامةُ (وأنا جالس) معه، أو عنده، والواو للحال: (كيفَ كانَ رسولُ الله ﷺ يسير) في حجة الوداع (حينَ دفعَ؟)؛ أي: انصرف من عرفة إلى المزدلفة، وسُمي دفعًا، لازدحامهم إذا انصرفوا، فيدفع بعضهم بعضًا (١). (قال) أسامة ﵁: (كان) ﷺ (يسيرُ العَنَقَ) العَنَقَ -بفتح العين والنون- منصوبٌ على المصدرية انتصابَ القَهْقَرى في قولهم: رجعَ القهقرى، أو التقدير: يسير السير العنق، وهو السيرُ بينَ الإبطاء والإسراع، (٢) يقال: أَعْنَقَ يُعْنِقُ إِعناقًا -بكسر الهمزة-، فهو مُعْنِق، والاسمُ: العَنَق -بالتحريك- (٣)، (فإذا وَجَدَ) ﷺ (فَجوةً) -بفتح الفاء وسكون الجيم-؛ أي: متسعًا. وفي البخاري: قال أبو عبد الله -يعني: نفسه-: فجوة: متسع، يريد: المكان الخالي عن المارة، والجمعُ فَجَوات، وفِجاء -بكسر الفاء والمد-، وكذلك رَكوة -بفتح الراء-، ورِكاء -بكسرها مع المد- (٤).

стр. 2285

(نَصَّ) -بفتح النون والصاد المهملة المشددة-، أي: سار سيرًا شديدًا، يبلُغ به الغايةَ. قال الحافظ المصنف -رحمه الله تعالى-: (العَنَقُ) -بفتح العين والنون-: (انبساطُ السيرِ)، وهو اتساعه، ومنه: بسط له من الدنيا ما بسط؛ أي: وسع (١)، (والنصُّ: فوقَ ذلك)، فهما ضربان من السير، والنصُّ أرفعُهُما (٢)، فإن في "النهاية": النَّص: التحريك حتى يستقصي أقصى سير الناقة، وأصلُ النصِّ: أقصى المشي وغايتُه، ثم سُمي به ضرب من السير سريع، انتهى (٣). وفي الحديث دليل على أنه عند الازدحام كان يستعمل السير الأخف، وعند وجود الفجوة -وهو المكان المنفسح- يستعمل السيرَ الأشدَّ، وذلك باقتصاد، كما جاء في الحديث الآخر: "عَلَيْكُمُ السَّكِينَةَ" (٤) كما قاله ابن دقيق العيد (٥). وهذا الحديث وما بعده ليس مما يتعلق بفسخ الحج إلى العمرة، فكأَن الترجمة باب: فسخ الحج إلى العمرة وغيره، على عادته، فسقطت لفظة "غيره" من بعض النساخ، والله أعلم.

стр. 2286

الحديث الخامس عَنْ [عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو]﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: لم أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ، قَالَ: "اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ"، وَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، فَقَالَ: "ارْمِ وَلَا حَرَجَ"، فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْء قُدِّمَ وَلَا أخِّرَ إلا قَالَ: "افْعَلْ وَلَا حَرَج" (١).

стр. 2287

(عن) أبي عبدِ الرحمنِ (عبدِ الله بنِ) أميرِ المؤمنينَ (عمرَ) بنِ الخطاب ﵄ (١): (أنَّ رسول الله ﷺ وقف)؛ أي: على ناقته في يوم النحر عند الجمرة، كما في بعض روايات "الصّحيحين" (٢) (في حجة الوداع)، ورد في كتاب: العلم من "البخاري": بمنى للناس (٣)، (فجعلوا يسألونه، فقال رجل) قال الحافظ: ابن حجر في "الفتح": لم يعرف اسم هذا الرجل، ولا الذي بعده في قوله: فجاء آخر. قال: والظاهر أن الصحابي لم يسمِّ أحدًا، لكثرة من سأل إذ ذاك (٤). (لم أشعر)؛ أي: ثم فطن، وهو أعم من الجهل والنسيان (٥)، وأصل الشعور من المشاعر، وهي الحواس، فكأنه يستند إلى الحواس (٦).

стр. 2288

ولم يفصح في هذه الرواية بمتعلق الشعور، وقد بيَّنه في رواية عند مسلم، ولفظه: لم أشعر أن النحر قبل الحلق (١)، (فحلقت) شعر رأسي، والفاء سببية، جعل الحلق مسببًا عن عدم شعوره، كأنه يعتذر لتقصيره (قبل أن أذبح) هديي (٢). (قال) ﵊: (اذبح) هديك، (ولا حرج) عليك، (وجاء) رجل (آخر، فقال:) يا رسول الله! (لم أشعر)؛ أي: أن الرمي قبل النحر، (فنحرت) هديي (قبل أن أرمي) الجمرة. وتقدم أن النحر ما يكون في اللبّة، والذبح ما يكون في الحلق (٣). (فقال) ﵊: (ارم) الجمرة، (ولا حرج) عليك. قال ابن عمر ﵄: (فما سُئل) النّبيُّ ﷺ -بضم السين المهملة مبنيًا لما لم يسمَ فاعله- (يومئذ عن شيء) من الرمي والحلق والنحر والطواف (قُدِّمَ ولا أُخِّرَ) -بضم القاف والهمزة فيهما-؛ أي: لا قدم، فحذف لفظة "لا"، والفصيح تكرارها في الماضي، قال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ (٤) [الأحقاف: ٩]. ولمسلم: فما سئل عن شيء قُدِّمَ أو أُخِّرَ (٥) (إلا قال) ﷺ : (افعل) ذلك التقديم والتأخير متى شئت، (ولا حرج) عليك مطلقًا، لا في الترتيب،

стр. 2289

ولا في ترك الفدية، وهذا مذهبنا كالشافعية (١). قال ابن دقيق العيد: وظائف يوم النحر أربعة: الرمي، ثم نحر الهدي أو ذبحه، ثم الحلق أو التقصير، ثم طواف الإفاضة. هذا هو الترتيب المشروع فيها، ولم يختلفوا في طلبية هذا الترتيب وجوازه على هذا الوجه (٢). قال علماؤنا: السنة تقديم رمي، فنحر، فحلق، فطواف. وقال في "الفروع": فإن حلق قبل نحره ورميه، أو نحر، أو زار قبل رميه، فلا دم، نص عليه، وقيل: يلزم عالمًا عامدًا، اختاره أبو بكر وغيره، وأطلقها ابن عقيل. وظاهر نقل المروذي: يلزمه صدقة (٣). ومعتمد المذهب: لا يجب شيء. وقال أبو حنيفة، ومالك: الترتيبُ واجب، يُجبر بدم. قال ابن دقيق العيد: ومالك، وأبو حنيفة يمنعان تقديم الحلق على الرمي؛ لأنه حينئذٍ يكون حلقًا قبل وجود التحللين. قال: وللشافعي قولٌ مثله. قال: وقد بُني القولان له على أن الحلق نسك، أو استباحة محظور، فإن قلنا: إنه نسك، جاز تقديمه على الرمي؛ لأنه يكون من أسباب التحلل، وإن قلنا: إنه استباحة محظور، لم يجز؛ لما ذكرنا من وقوع الحلق قبل

стр. 2290

التحللين، ثم نظر في هذا المأخذ بأنه لا يلزم من كون الشيء نسكًا أن يكون من أسباب التحلل. قال: ومالكٌ يرى أن الحلق نسك، ويرى مع ذلك أنه لا يقدم على الرمي، إذ معنى كون الشيء نسكًا: أنه مطلوب مثاب عليه، ولا يلزم من ذلك أن يكون سببًا للتحلل. قال: ونقل عن أحمد: أنه إن قدم بعض هذه الأشياء على بعض، فلا شيء عليه إن كان جاهلًا، وإن كان عالمًا، ففي وجوب الدم روايتان. قال: وهذا القول في سقوط الدم عن الجاهل والناسي دون العامد قويٌّ من جهة أن الدليل دلَّ على وجوب اتباع أفعال الرسول ﷺ في الحج بقوله: "خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكُمْ" (١)، وهذه الأحاديث المرخِّصة في التقديم لما وقع السؤال عنه إنما قرنت بقول السائل: لم أشعر، فيختص الحكم بهذه الحالة، وتبقى حالة العمد على أصل وجوب اتباع الرسول في أعمال الحج، وحينئذ يحمل قوله ﷺ : "لا حَرَجَ" على نفي الإثم في التقديم مع النسيان، ولا يلزم من نفيِ الإثم نفيُ وجوب الدم، لكن يشكل على هذه أن تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع، والحاجة تدعو إلى بيان هذا الحكم، فلا يؤخر عنها بيانه، ولم يأت أنه ﷺ أَمَرَ مَنْ سأله بدم. فإن قيل: لا يلزم من تركه لذكره في الرواية تركُ ذكره في نفس الأمر. قلنا: على مدعي ذلك الإثبات، وأنَّى له به (٢)؟ وأما مجرد الدعوى، فلا التفات إليها، فكل حد يقدر على مثل ذلك، والله أعلم.

стр. 2291

تنبيهان: الأول: قال في "الفروع": والحلق أو التقصير نسك فيه دم، وعنه: إطلاق من محظور لا شيء فيه، ونقل مهنّا في معتمرٍ تَرَكَهُ، ثم أحرمَ بعمرة: الدم كثير، عليه أقل من الدم (١). الثاني: يحصل التحللُ الأول باثنين من رميٍ وحلقٍ وطوافٍ، ويحصل التحلل الثاني بما بقي، مع سعي لمن لم يكن سعى، فالتحلل الأول يحلل له كل شيء ما عدا النساء، من وطء، وقبلة، ولمس بشهوة، وعقد نكاح، والتحلل الثاني يُحل له ذلك (٢)، والله أعلم.

стр. 2292

الحديث السادس عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّخَعِيِّ: أَنّهُ حَجَّ مَعَ ابْنِ مَسعُودٍ، فَرآهُ يَرْمِي الجَمْرَةَ الكُبْرَى بسَبْعِ حَصَيَاتٍ، فَجَعَلَ البَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنَى عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا مَقَامُ الذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البقَرَةِ ﷺ (١).

стр. 2293

(عن عبدِ الرحمنِ) بنِ يزيدَ بن قيس، يكنى: أبا بكر، أخو الأسود (النَّخَعِيِّ)، يعدُّ في الطبقة الأولى من تابعي الكوفيين. روى عن ابن مسعود، وسمع عثمان بن عفان ﵄. وروى عنه: إبراهيم بن مهاجر، وابن إسحاق. حديثه في الكوفيين، ومات في الجماجم، وهي سنة ثلاث وثمانين على الأرجح -رحمه الله تعالى- (١). (أنَّه)؛ أي: عبدُ الرحمن بن يزيد النخعي: (حجَّ مع) عبد الله (بنِ مسعود) ﵁، (فرآه)؛ أي: رأى عبدُ الرحمن بنُ يزيدَ عبدَ الله بن مسعود (يرمي الجمرة الكبرى)، وهي جمرة العقبة. والجمرة في الأصل: النارُ المتقدة، والحصاة، وواحدة جمرات المناسك (٢). قال القرافي من المالكية: الجِمار: اسمٌ للحصى، لا المكان، والجمرةُ: اسم للحصاة، وإنما سمي الموضع جمرة باسم ما جاوره، وهو اجتماع الحصى فيه (٣). (بسبع حصيات)، فلا يجزىء بخمس، ولا بستٍّ، وهذا قول

стр. 2294

الجمهور، خلافًا لعطاء في الإجزاء بالخمس، ومجاهد بالست (١)، وقال به الإمام أحمد في رواية مرجوحة. قال في "الإنصاف": في عدد الحصى روايتان: إحداهما: سبعٌ، وهي المذهب، وعليها الأصحاب (٢). قلت: وقطع في "الإقناع" (٣)، و"المنتهى" (٤) بذلك، وهو المذهب الذي لا يعدل عنه، حتى قال في "الإقناع": فإن أخلَّ بحصاة من الأولى، لم يصحَّ رميُ الثانية، وإن جهل محلَّها، بنى على اليقين (٥). واستدل لقول عطاء ومجاهد، ومرجوح روايتي الإمام أحمد بحديث النسائي عن سعد بن مالك، قال: رجعنا في الحجة مع النّبي ﷺ ، وبعضُنا يقول: رميت بسبع، وبعضُنا يقول: رميتُ بستٍّ، فلم يعبْ بعضهم على بعض، (٦) وحديث أبي داود، والنسائي أيضًا عن أبي مجلز، قال: سألتُ ابنَ عباس ﵄ عن شيء من رمي الجمار، قال: ما أدري رماها رسول الله ﷺ بستٍّ أو سبع (٧). وأجيب: بأن حديث سعد ليس بمسند، وحديث ابن عباس ورد على

стр. 2295

الشك، وشكُّ الشاكِّ لا يقدح في جزم الجازم (١). (فجعل) عبدُ الله بن مسعود ﵁ (البيتَ) الحرام (عن يساره، و) جعل (منى)، وهي ما بين وادي مُحَسِّر وجمرة العقبة (عن يمينه)، فرماها من بطن الوادي مستقبلَ الجمرة. وفي لفظ الترمذي: لما أتى عبدُ الله جمرةَ العقبة، استبطنَ الوادي (٢)، فقال عبدُ الرحمن بن يزيد لابن مسعود ﵁: يا أبا عبد الرحمن! إن ناسًا يرمونها -أي: جمرةَ العقبة- يومَ النحر من فوقها، فقال (٣)، وفي رواية في "الصّحيحين": (ثم قال)، وفي لفظ: وقال (٤): (هذا مقامُ الذي أُنزلَتْ عليه سورة البقرة)؛ أي: النّبي ( ﷺ ). وفي لفظ: هذا رمي الذي أنزلت عليه سورة البقرة ﷺ (٥). وفي لفظ: فقال ابن مسعود: والذي لا إله غيرُهُ! هذا مَقامُ الذي أنزلت عليه سورة البقرة ﷺ (٦) -بفتح ميم مَقام-: اسمُ مكان من قام يقوم؛ أي: هذا موضعُ قيامِ النّبيِّ ﷺ ، وخصَّ سورة البقرة، لمناسبتها للحال؛ لأن معظم المناسك مذكور فيها، خصوصًا ما يتعلق بوقت الرمي، وهو قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، وهو من باب التلميح، فكأنه قال: من هنا رمى مَنْ أُنزلت عليه أمور المناسك، وأُخذ عنه

стр. 2296

أحكامها، فهو أولى وأحق بالاتباع ممن رمى الجمرة من فوقها (١). تنبيهات: أحدها: يأخذ الحاج حصى الجمار من مُزْدَلفة، أو من طريقه قبل أن يصل إلى منى، ومِنْ حيثُ أخذه جازَ، ويُكره من منى، ويكره تكسيره، ويكون أكبرَ من حِمِّص، ودونَ البندق، كحصى الخذف، فلا يجزىء صغير جدًا، ولا كبير، ويجزىء مع الكراهة نجس، فإن غسله، زالت الكراهةُ، وعدده سبعون حصاة على معتمد المذهب، وعليه أئمة علمائنا. فإذا وصل إلى منى، بدأ بجمرة العقبة راكبًا إن كان، وإلا ماشيًا؛ لأنها تحيةُ منى، فيرجمها بسبع حصيات، واحدة بعد واحدة، وذلك بعد طلوع الشمس ندبًا، فإن رمى بعد نصف ليلة النحر، أجزأ، وفاقا للشافعي، وإن غربت الشمس، فبعد الزوال من الغد، فإن رماها دفعة واحدة، لم تجزئه إلا عن حصاة واحدة، ويؤدَّب، نص عليه الإمام أحمد. ويشترط العلمُ بحصول الحصاة في المرمى في سائر الجمرات، ولا يجزىء وضعها، بل طرحها، ويكبر مع كل حصاة، ويقول: اللهم اجعَلْه حَجًا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا، وعملًا مشكورًا، ويرفع الرامي يُمناه حتى يُرى بياضُ إبطه، ويرميها على حاجبه الأيمن، وله رميها من فوقها، ولا يقف عندها، ويقطع التلبية مع أول حصاة (٢). ونقل النووي في "شرح مسلم" عن الإمام أحمد: أنه لا يقطع التلبية حتى يفرغ من رمي جمرة العقبة (٣).

стр. 2297

الثاني: قال القرافي: الأُولى من الجمرات هي التي تسمى: الجمرة الأولى، وهي التي تلي مسجد الخَيْف، ومن بابه الكبير إليها ألفُ ذراع، ومئتا ذراع، وأربعة وخمسون ذراعًا، وسدس ذراع، ومنها إلى الجمرة الوسطى مئتا ذراع، وخمسة وسبعون ذراعًا، ومن الوسطى إلى جمرة العقبة مئتا ذراع، وثمانية أذرع، كل ذلك بذراع الحديد، انتهى (١). وقد امتازت جمرة العقبة عن الجمرتين الأخريين بأربعة أشياء: اختصاصها بيوم النحر، وأنها لا يوقف عندها، وترمى ضحًى، ومن أسفلها استحبابا (٢). وقد اتفقوا على أنه من حيث رماها جاز، سواء استقبلها، أو جعلها عن يمينه أو يساره، أو من فوقها أو من أسفلها، وإنما الاختلاف في الأفضل (٣). الثالث: رميُ الجمرات الثلاث في أيام منى، وهي أيام التشريق، كلَّ يوم بعدَ الزوال، إلا السقاة والرعاة، فلهم الرميُ ليلًا ونهارًا كما يأتي. فإن رمى غيرُهم قبلَ الزوال، لم يجزئه، فيعيده. وآخرُ وقتِ رمي كلِّ يوم إلى المغرب، ويستحب قبل صلاة الظهر، وأَلَّا يدع الصلاة مع الإمام في مسجد منى، وهو مسجد الخَيف، فيرمي كل جمرة بسبع حصيات، واحدة بعد واحدة، فيبدأ بالجمرة الأولى، فيجعلها عن يساره ويرميها، ثم يتقدم قليلًا لئلا يصيبه الحصى، فيقف فيدعو الله

стр. 2298

رافعًا يديه، ويطيل، ثم يأتي الوسطى فيجعلها عن يمينه، ويستبطن الوادي، ولا يقف عندها، ويستقبل القبلة في الجمرات. وترتيبُها شرط، بأن يرمي الأولى التي تلي مسجد الخيف، ثم الوسطى، ثم العقبة، فإن نَكَسه، لم يجزئه، وإن أخلَّ بحصاة من الأولى، لم يصح رميُ الثانية، ثم يرمي في اليوم الثاني والثالث كذلك. وإذا أخر الرمي كلَّه مع رمي يوم النحر، فرماه آخرَ أيام التشريق، أجزأه أداءً؛ لأن أيامَ الرمي كلَّها بمثابة اليوم الواحد، وكان تاركًا الأفضل، ويجب ترتيبه بنية، وكذا لو أخر رمي يوم أو يومين. وإن أخره كله، أو جمرة واحدة عن أيام التشريق، أو تركَ المبيت بمنى ليلة أو أكثرَ، فعليه دم، ولا يأتي به كالبيتونة. وفي ترك حصاة ما في شَعْرة، وفي حصاتين ما في شَعْرتين، وثلاثٍ دمٌ. ولكل حاج -ولو أراد الإقامة بمكة- التعجيلُ إن أحبَّ، إلا الإمامَ المقيمَ للمناسك، فليس له التعجيلُ، لأجل من يتأخر، فإن أحبَّ أن يتعجَّل في ثاني التشريق، وهو النفرُ الأول، خرج قبل غروب الشمس، ولا يضر رجوعه، وليس عليه في اليوم الثالث رمي. قال علماؤنا: ويدفن بقية الحصى في المرمى (١). قال في "الفروع": ويدفن بقية الحصى في الأشهر، زاد بعضهم: في المرمى.

стр. 2299

وفي "منسك ابن الزاغوني" (١) أحدِ أئمة المذهب: أو يرمي بهن، كفعله في اللواتي قبلهن (٢). وقال علماء الشافعية: فإن نفرَ في اليوم الثاني قبلَ الغروب، سقطَ رميُ اليوم الثالث، وهو إحدى وعشرون حصاة، ولا دمَ عليه ولا إثمَ، فيطرحها. قالوا: وما يفعله الناس من دفنها لا أصلَ له. قال القسطلاني: وهذا مذهب الأئمة الأربعة، وعليه أصحاب أحمد (٣). وفي قولهم في دفن الحصى: لا أصل له، فيه ما تقدم. فإن غربت الشمس وهو بمنى، لزمه المبيت والرمي من الغد بعد الزوال، ثم ينفر، وهو النفر الثاني. ويُسن إذا نفر من منى نزولُه بالأبطح، وهو المحصَّب، وحدُّه ما بين الجبلين إلى المقبرة، فيصلي به الظهرين والعشاءين، ويَهْجَع يسيرًا، ثم يدخل مكة -شرفها الله تعالى- (٤). الرابع: حدُّ منى من جمرة العقبة إلى وادي مُحَسِّر.

стр. 2300

وذكر الحافظ ابن الجوزي في "مثير العزم الساكن": روى سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄: أن رجلًا سأله: لمَ سُميت منى؟ فقال: لِما يقع فيها من دماء الذبائح وشعورِ الناس، تقرُّبًا إلى الله تعالى، وتمنيًا للأمان من عذابه. وقال ابنُ فارس اللغويُّ: مِنَى: من قولك: منى الشيءَ وقدَّره؛ أي: قدَّر فيها النحر (١). وفي "المطلع": مِنَى -بكسر الميم وفتح النون مخففة بوزن رِبَا-. قال أبو عبيد البكري: تُذكر وتؤنث، فمن أنث، لم يُجْرِهِ؛ أي: لم يصرفه. وقال الفَرَّاء: الأغلبُ عليه التذكير، وقال العرجي في تأنيثه: [من البسيط] لَيَوْمُنَا بِمَنًى إِذْ نَحْنُ نَنْزِلُهَا ... أَشَدُّ مِنْ يَوْمِنا بالعَرْجِ أَوْ مِلْك وقال أبو دَهْبَل في تذكيره: [من البسيط] سَقَى مِنًى ثُمَّ رَوَّاهُ وَسَاكِنَهُ ... وَمَا ثَوى فِيهِ وَاهِي الوَدْقِ مُنْبَعِقُ (٢) وقال الحازمي في "أسماء الأماكن": مِنَّى -بكسر الميم وتشديد النون-: الصُّقْعُ قربَ مكة. قال صاحب "المطلع": ولم أرَ هذا لغيره، والصوابُ الأول، انتهى (٣). وفي "القاموس": ومِنَى؛ كإلى: قريةٌ بمكة، ويُصرف، سُميت بمنى: لِما يُمْنى بها من الدماء.

стр. 2301

وعن ابن عباس ﵄: أنها سميت بمنى؛ لأن جبريل ﵇ لما أراد أن يفارق آدمَ، قال له: تَمَنَّ، قال: أتمنى الجنة، فسميت منى لأمنية آدم ﵇ (١). وتقدم في الحديث الأول من هذا الباب لها ذكر، والله أعلم. الخامس: في أصل رمي الجمار. قال ابن الجوزي في "مثير العزم الساكن": قال أبو مجلز: لما فرغ إبراهيم ﵇ من البيت، أتاه جبريل، فأراه الطوافَ، ثم أتى به جمرة العقبة، فعرض له الشيطانُ، فأخذ جبريلُ سبعَ حَصيات، وأعطى إبراهيمَ سبعًا، وقال له: ارم وكَبِّرْ، فرميا وكَبَّرا مع كل رمية حتى غابَ الشيطانُ، ثم أتى به الجمرةَ القصْوى، ففعلا كذلك. قال ابن الجوزي: هذا الأصلُ في شروع الرمي، كما أن الأصل في شروع السعي سعيُ هاجرَ بين الصفا والمروة، وذكرَ أصلَ الرمل، ثم قال: ثم زالت تلك الأشياء، وبقيت آثارها وأحكامها. قال: وربما أشكلت هذه الأمور على من يرى صورها ولا يعرف أسبابها، فيقول: هذا لا معنى له. قال: فقد بينتُ لكَ الأسباب من حيث النقل. قال: وها أنا أُمهد لك من المعنى قاعدةً تُمِرُّ عليها ما جاءك من هذا: اعلم أن أصل العبادة معقول، وهو ذل العبد لمولاه بطاعته، فإن الصلاة فيها من التواضع والذل ما يفهم منه التعبُّد، وفي الزكاة إرفاقٌ ومواساةٌ يفهم

стр. 2302

معناه، وفي الصوم: كسرُ شهوة النفس، لتنقاد طائعةً إلى مخدومها، وفي تشريف البيت، ونصبه مقصدًا، وجعلِ ما حواليه حرمًا تفخيمًا له، وإقبالِ الخلق شعثًا غبرًا كإقبال العبد إلى مولاه ذليلًا معتذرًا أمر مفهوم، والنفس تأنس من التعبد بما تفهمه، فيكون ميلُ الطبع إليه مُعينًا على فعله، وباعثًا، فوظفت لها وظائف لا تفهمها ليتم انقيادها، كالسعي والرمي، فإنه لا حظَّ للنفس في ذلك، ولا أنسَ فيه للطبع، ولا يهتدي العقل إلى معناه، فلا يكون الباعث إلى امتثال الأمر فيه سوى مجردِ الأمر، والانقيادِ المحض، وبهذا الإيضاح تعرف أسرار العبادات الغامضة، انتهى (١). وقال ابن عباس ﵄ في رمي الجمار: فالشيطانَ ترجمون، وملةَ أبيكم تتبعون، رواه البيهقي (٢). فائدة: قال ابن الجوزي: ربما قال قائل: نحن نعلم أن الحاج خلق كثير، ويحتاج كلُّ واحد منهم أن يرمي سبعين حصاة، وهذا من زمن إبراهيم ﵇، والمرمى مكان صغيرٍ، ثم لا يجوز أن يرمي بحصاة قد رُمي بها، وترى الحصى في المرمى قليلًا، فما وجه ذلك؟ فالجواب: ما روي عن سعيد بن جبير: أنه قال: الحصى قُربان، فما قُبل منه، رُفع، وما لم يُقبل، بقي (٣).

стр. 2303

وفي حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: أنَّ راميَ الجِمار لا يدري أحدٌ مالَهُ حتى يُوفَّاه يومَ القيامة، رواه ابن حبان في حديث طويل (١). وفي حديث أنس بن مالك ﵁: أنه كان قاعدًا مع رسول الله ﷺ في مسجد الخيف، وأن رجلًا من الأنصار سأله عن مخرجه من بيته يؤُمُّ البيتَ الحرام، وعَدَّ المشاعرَ، فأجابه ﷺ عن ذلك، وقال: "إنه يُغفر له بكلِّ حصاةٍ رماها كبيرةً من الكبائرِ الموبقاتِ" رواه سعيد بن منصور (٢). ورواه ابن الجوزي عن عطاء الخراساني، عن رسول الله ﷺ مرسلًا (٣). وروى الطبراني عن ابن عمر ﵄: أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ عن رمي الجمار، وما له فيه، فسمعتُه يقول: "تجدُ ذلكَ عندَ ربك أحوجَ ما تكونُ إليه" (٤)، والله تعالى الموفق.

стр. 2304

الحديث السابع عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "اللَّهُمَّ ارْحَم المُحَلِّقِينَ"، قَالُوا: وَالمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: "اللَّهُمَّ ارْحَمِ المُحَلَقِينَ"، قَالُوا: يَا رسُولَ اللهِ! وَالمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: "وَالمُقَصرِينَ" (١).

стр. 2305

(عن) أبي عبدِ الرحمنِ (عبدِ الله بنِ) أمير المؤمنين (عمرَ) بنِ الخطاب (﵄: أن رسول الله ﷺ قال) في حجة الوداع، أو في الحديبية، أو في الموضعين، جَمعًا بين الأحاديث (١): (اللهمَّ ارْحَمِ المحلِّقين، قالوا)؛ أي: الصحابة ﵃. قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": لم أقف في شيء من الطرق على الذي تولى السؤال في ذلك بعد البحث الشديد، انتهى (٢). وفي رواية ابن سعد في "الطبقات" في غزوة الحديبية: أن عثمان وأبا قتادةَ هما اللذان قَصَّرا ولم يحلِقا في عام الحديبية (٣). قال الجلال البلقيني: فيحتمل أن يكونا هما اللذان قالا: (والمقصرين)؛ (٤) أي: قل: وارحم المقصرين (يا رسولَ الله!). وفي حديث ابن عمر في رواية أخرى في "الصّحيحين"، قال: حلق النّبيُّ ﷺ وطائفةٌ من أصحابه، وقَصَّرَ بعضهم (٥). قال البلقيني: بين في رواية ابن سعد في "الطبقات" في غزوة الحديبية البعض الذي قَصَّر، ولفظه: عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ رأى أصحابه حلقوا رؤوسهم عامَ الحديبية غيرَ عثمانَ وأبي قتادةَ، فاستغفرَ رسولُ الله ﷺ للمحلقين ثلاثَ مرات، وللمقصرين مرة (٦).

стр. 2306

قال صاحب "المصابيح": إن ثبت أن ما أورده البخاري ومسلم في هذا الباب كان في عام الحديبية، حَسُنَ التفسيرُ بذلك، وإلا، فلا، إذ لا يلزم من كون عثمانَ وأبي قتادة قصرا في عام الحديبية أن يكونا قَصَّرا في غيره (١). (قال) ﷺ ثانيًا: (اللهمَّ ارحمِ المحلِّقين، قالوا: يا رسول الله!) قل: (و) ارحم (المقصرين)، فـ (قال: و) ارحم (المقصرين) بالعطف على محذوف، ومثلُه يسمى بالعطف التلقيني (٢)، كقوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤]. قال الزمخشري في "كشَّافه": ومن ذريتي عطفٌ على الكاف، كأنه قال: وجاعلٌ بعضَ ذريتي، كما يقال: سأكرمك، فتقول: وزيدًا، انتهى (٣). وتعقبه أبو حيان: بأنه لا يصحُّ العطف على الكاف؛ لأنها مجرورة، فالعطف عليها لا يكون إلا بإعادة الجار، ولم يُعَدْ؛ لأن "من" لا يمكن تقديرُ الجار مضافًا إليها؛ لأنها حرف، فتقديرها بأنها مرادفة لبعض حتى يقدر "جاعل" مضافًا إليها لا يصح، ثم قال: والذي يقتضيه المعنى أن يكون ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ متعلقًا بمحذوف، والتقدير: واجعل من ذريتي إمامًا؛ لأن إبراهيم ﵇ فهم من قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]

стр. 2307

الاختصاص، فسأل الله تعالى أن يجعل من ذريته إمامًا، انتهى (١). وفي رواية في "الصّحيحين": قال في الرابعة: "والمُقَصِّرين" (٢). وفي حديث أبي هريرة في "الصّحيحين": قال رسول الله ﷺ : "اللهمَّ اغفرْ للمُحَلِّقين"، قالوا: وللمقصِّرين، قال: "اللهمَّ اغفرْ للمُحَلِّقين"، قالوا: وللمقصِّرين -قالها ثلاثًا: "اغفر للمحلقين"-، قالوا: وللمقصرين قالها ثلاثًا؛ أي: اغفر للمحلقين ثلاث مرات، وفي الرابعة قال: "وللمقصرين" (٣). ففيه تفضيلُ الحلق للرجال على التقصير الذي هو أخذُ أطرافِ الشعر، لقوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]، إذ العربُ تبدأ بالأهم والأفضل، (٤) نعم، إن أحرم متمتِّعًا، فالتقصير له أفضلُ، ليوفِّرَ شعره ليحلقه عند التحلل من حجه. فيحلق رأسه، ويبدأ بأيمنه، ويستقبل القبلة فيه، ويكبر وقتَ الحلق، والأولى أَلَّا يشارط الحلاقَ على أجرة، وإن قصر، فمن جميع شعر رأسه، لا من كل شعرة بعينها. والمرأة تقصر من شعرها على أي صفة كان، من ضَفْر وعَقْصٍ وغيرِهما قدرَ أنملةٍ فأقلَّ من رؤوس الضفائر.

стр. 2308

وكذا عبدٌ، ولا يحلق إلا بإذن سيده؛ لأن الحلق يُنقص قيمته. ويسن أخذُ أظفاره وشاربه ونحوه، ومن عدم الشعر، استحب أن يُمِرَّ الموسى على رأسه (١). وفي "مثير العزم الساكن": روي عن النّبي ﷺ : أن رجلًا من الأنصار سأله عن الحج، فذكر الحديث، إلى أن قال: "وأَمَّا حَلْقُ رأسِكَ، فإن لكَ بكلِّ شعرةٍ نورًا" (٢). وفي لفظ: "فإذا حَلَقْتَ رأسَكَ، تناثَرَتِ الذنوبُ كما يتناثرُ الشعرُ، بكلِّ شعرةٍ ذنبٌ" (٣). قلت: رواه الطبراني في "الكبير"، والبزار، قال: وقد روي هذا الحديث من وجوه (٤). قال الحافظ المنذري: رواته موثقون، ورواه ابن حبان في "صحيحه" (٥). فائدة: ذكر الحافظُ ابنُ الجوزيِّ في "مثير العزم الساكن" بسنده إلى وكيع، قال: قال لي أبو حنيفةَ النعمانُ بنُ ثابتٍ الإمامُ: الحلقُ فيه خمسة أبواب من المناسك، فعلَّمنيها حَجَّامٌ، وذلك أني حين أردت أن أحلق رأسي، وقفت على حجام، فقلت له: بكم تحلقُ رأسي؟ فقال: أعراقيٌّ

стр. 2309

أنت؟ قلت: نعم، قال: النسكُ لا يُشارَط عليه، اجلس، فجلست منحرفًا عن القبلة، فقال لي: حَوِّلْ وجهَكَ إلى القبلة، فحوَّلته، وأردت أن أحلق رأسي من الجانب الأيسر، فقال: أَدِرِ الشقَّ الأيمنَ من رأسك، فأدرتُه، وجعل يحلق وأنا ساكتٌ، فقال لي: كَبِّرْ، فجعلتُ أكبر حتى قمتُ لأذهبَ، فقال لي: أين تريد؟ قلت: رحلي، قال: صلِّ ركعتين، ثم امضِ، فقلت: ما ينبغي أن يكون ما رأيت من عقل هذا الحجام، فقلت له: من أين لكَ ما أمرتني به؟ فقال لي: رأيتُ عطاءَ بنَ أبي رباحٍ يفعل ذلك (١). تنبيهات: الأول: حديثُ أبي هريرة يدلُّ على أن دعاء رسول الله ﷺ للمحلقين بالمغفرة كان في حجة الوداع؛ لأنه لم يكن قدم على النّبي ﷺ عامَ الحديبية؛ لأن الحديبية في السادسة، وهو إنما قَدِمَ على النّبيِّ ﷺ في السابعة، لكنْ لم يصرح أبو هريرة بسماعه من النّبيِّ ﷺ ، فاحتمل الأمرين، لإمكان سماعه مِمَّنْ حضرَ الحديبية، وحذفه له، ولو صرح بالسماع، لتعين كونه في حجة الوداع (٢). الثاني: تقدم أن الحلق أو التقصير نسكٌ، لا استباحةُ محظور، ويرشد لهذا الدعاءُ لفاعله بالرحمة، والدعاءُ ثواب، والثوابُ إنما يكون على العبادات، لا على المباحات، ولتفضيله أيضًا على التقصير، إذ المباحات لا تتفاضل، ولا تحلُّلَ للحج والعمرة بدونه كسائر أركانها إلا لمن لا شعر برأسه، فيتحلل منهما بدونه، فلا يؤمر به بعد نبات شعره. وهو عندنا كالحنفية واجبٌ، وعند الشافعية من الفروض، وأقلُّ

стр. 2310

ما يجزىء عند الشافعية: ثلاثُ شعرات، وعند أبي حنيفة: ربعُ الرأس، وعند أبي يوسف: النصف، وعند الإمام أحمد والمالكية: الجميع، كما أشرنا إليه سابقًا. قال العلامةُ الكمالُ بنُ الهمام: اتفق الأئمةُ الثلاثة: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي: أن قال كل منهم بأنه يجزىء في الحلق القدرُ الذي قال: إنه يجزىء في الوضوء. قال: ولا يصح أن يكون هذا منهم بطريقة القياس؛ لأنه لا يكون قياسًا بلا جامع يظهر أثره، وذلك لأن حكم الأصل على تقدير القياس وجوبُ المسح، ومحله المسح، وحكمُ الفرع وجوبُ الحلق، ومحله الحلق للتحلل، ولا يظن أن محل الحكم الرأس، إذ لا يتحد الأصل والفرع، وذلك أن الأصل والفرع هما محلا الحكم المشبه به والمشبه، والحكم هو الوجوب مثلًا، ولا قياس يُتصور عند اتحاد محله، إذ لا اثنينية، وحينئذٍ فحكم الأصل، [و] هو وجوبُ المسح ليس فيه معنى يوجب جواز قَصْره على الربع، وإنما فيه نفسُ النص الوارد فيه، وهو قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]،، بناء، إما على الإجمال والتحاق حديث المغيرة بيانًا، أو على عدمه، والمفاد بسبب الباء إلصاقُ اليد كلِّها بالرأس؛ لأن الفعل حينئذ يصير متعديًا إلى الآلة بنفسه، فيشملها، وتمام اليد يستوعب الربع عادة، فتعين قدرُه، لا أنَّ فيه معنًى ظهر أثرُه من الاكتفاء بالربع، أو بالنقص مطلقًا، أو تعين الكل، وهو متحقق في وجوب حلقها عند التحلل من الإحرام، ليتعدى الاكتفاء بالربع من المسح إلى الحلق، وكذا الآخران، وإذا انتفت صحةُ القياس، فالمرجعُ في كل من المسح وحلق التحلل ما يفيده نصه الواردُ فيه، والواردُ في المسح دخلت فيه الباء على الرأس التي

стр. 2311

هي المحل، فأوجب عند الشافعي التبعيض، وعند غيره الإلصاق، غير أن الحنفية لاحظوا تعدِّيَ الفعل للآلة، فيجب قدرُها من الرأس، ولم يلاحظها مالكٌ، ولا أحمدُ -رحمهما الله تعالى-، فاستوعبا الكلَّ، أو جعلاها صلة، كما في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] في آية التيمم، فاقتضى وجوب استيعاب المسح. وأما الوارد في الحلق، فمن الكتاب قولُه تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ [الفتح: ٢٧] من غير باء، ففيها إشارة إلى تحليق الرؤوس أو تقصيرها، وليس فيها ما هو الموجب لطريق التبعيض على اختلافه عند الحنفية والشافعية، وهو دخول الباء على المحل. ومن السنة: فعلُه ﷺ ، وهو الاستيعاب كما هو قول مالك، وكذا أحمد. قال ابن الهمام: وهو -يعني: القول بوجوب استيعاب الحلق أو التقصير- هو الذي أدين الله به، والله أعلم (١).

стр. 2312

الحديث الثامن عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَفَضْنا يَوْمَ النَّحْرِ، فَحَاضَتْ صَفِيَّةُ، فَأَرَادَ النَّبِي ﷺ ما يُرِيدُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّها حَائِضٌ، قَالَ: "أَحَابسَتنا هِيَ؟ "، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! أَفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ، قال: "اخْرُجُوا" (١). وَفِي لَفْظٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "عَقْرَى حَلْقَى، أَفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ؟ "، قِيلَ: نَعَمْ، قال: "فَانْفِرِي" (٢).

стр. 2313

(عن) أُمِّ المؤمنينَ (عائشةَ) الصدِّيقةِ (﵂، قالت: حَجَجْنا مع النّبيِّ ﷺ ) حجة الوداع، (فأفَضْنا يومَ النحر)؛ أي: طفنا طوافَ الإفاضة، (فحاضت) أمُّ المؤمنين (صفيةُ) بنتُ حُيَيٍّ ﵂ بعدما أفاضت، (فأراد النبي ﷺ منها) قبيل وقت النفر (ما يريدُ الرجل من أهله)، وكانت حاضت ليلة النفر، فقالت: ما أُراني -بضم الهمزة-؛ أي: ما أظنُّ نفسي إلا حابستَهم؛ أي: القومَ عن المسير إلى المدينة؛ لأني حضتُ، ولم أطف؛ أي: طوافَ الوداع، فلعلهم بسببي يتوقفون إلى زمان طوافي بعدَ الطهارة، وكذلك كانت حفصة ﵂ قد حاضت أيضًا ليلةَ النفر، قالت عائشة ﵂: (فقلت) للنّبي ﷺ لما أراد من صفية ما أراد: (يا رسولَ الله! إنها حائض، قال) ﷺ : (أحابستُنا) -بهمزة الاستفهام- (هيَ؟)؛ يعني: صفيةَ بسببِ حيضِها عن السفر حتى تطوف طواف الإفاضة، (قالوا: يا رسول الله!) إنها (أفاضَتْ يومَ النحر) قبلَ أن تحيض.

стр. 2314

واستُشكل إرادتُه ﷺ منها الوِقاعَ مع عدم تحققه لحلها من الإحرام، كما أشعر بذلك قوله ﷺ : "أحابستنا هي؟ "، وأجيب بأنه ﷺ كان يعلم إفاضة نسائه، فظن أن صفية أفاضت معهن، فلما قيل له: إنها حائض، خشي أن يكون الحيضُ تقدَّم على الإفاضة، فلم تطفْ، فقال: "أحابستُنا هي؟ "، فلما قيل له: إنها طافت قبل أن تحيض، (قال: اخرجوا)؛ أي: ارحلوا، ورخَّص لها في ترك طواف الوداع (١)، مع كونه واجبًا، كما سيأتي التنبيه عليه. (وفي لفظ) من حديث عائشة في "الصّحيحين" وغيرِهما: قالت صفية: ما أُراني إلا حابستَكُم (٢). وفي لفظ: لما أراد النّبي ﷺ أن ينفر، إذا صفيةُ على باب خِبائها كئيبةً حزينةً، (قال)، وفي لفظ: فقال -بزيادة الفاء- (٣). (النّبيُّ ﷺ : عَقْرَى حَلْقَى) -بفتح الأول وسكون الثاني فيهما، وألفهما مقصورة للتأنيث، فلا ينونان، ويكتبان بالألف-، هكذا يرويه المحدِّثون حتى لا يكاد يُعرف غيره، وفيه خمسةُ أوجه: أولها: أنهما وصفان لمؤنَّث بوزن فَعْلى؛ أي: عقرَها الله في جسدها وحَلْقِها؛ أي: أصابها وجع في حلقها، أو حلقِ شعرها، فهي معقورة محلوقة، وهما مرفوعان خبر مبتدأ؛ أي: هي. ثانيها: كذلك، إلا أنها بمعنى فاعل؛ أي: أنها تعقرُ قومَها وتحلِقُهم

стр. 2315

بشؤمها؛ أي: تستأصِلُهم، فكأنه وصفٌ من فعلٍ متعدٍّ، وهما مرفوعان أيضًا بتقدير هي، وبه قال الزمخشري. ثالثها: كذلك، إلا أنه جمعٌ، كجريح وجَرْحى؛ أي: ويكون وصف المفرد بذلك مبالغة. رابعها: أنه وصف فاعل، لكن بمعنى: لا تلد، كعاقر، وحلقى؛ أي: مشؤومة، قال الأصمعي: يقال: أصبحت أمه حالقًا؛ أي: ثاكلًا. خامسها: أنهما مصدران، كدعوى، والمعنى: عقرَها اللهُ وحلَقَها؛ أي: حلق شعرها، أو أصابها بوجع في حلقِها -كما سبق-، قاله في "المحكم" (١)، فيكون منصوبًا بحركة مقدرة على قاعدة المقصور، وليس بوصف. وقال [أبو عبيد] (٢): الصوابُ عَقْرًا حَلْقًا -بالتنوين فيهما-، قيل له: لمَ لا يجوز فَعْلَى؟ قال: لأن فعلى يجيء نعتًا، ولم يجىء في الدعاء، وهذا دعاء (٣). وقال في "القاموس": عَقْرى وحَلْقى، وينونان (٤). وفي "الصحاح": وربما قالوا: عَقْرى وحَلْقى بلا تنوين (٥).
следующие страницы →