← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

هي المحل، فأوجب عند الشافعي التبعيض، وعند غيره الإلصاق، غير أن الحنفية لاحظوا تعدِّيَ الفعل للآلة، فيجب قدرُها من الرأس، ولم يلاحظها مالكٌ، ولا أحمدُ -رحمهما الله تعالى-، فاستوعبا الكلَّ، أو جعلاها صلة، كما في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] في آية التيمم، فاقتضى وجوب استيعاب المسح. وأما الوارد في الحلق، فمن الكتاب قولُه تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ [الفتح: ٢٧] من غير باء، ففيها إشارة إلى تحليق الرؤوس أو تقصيرها، وليس فيها ما هو الموجب لطريق التبعيض على اختلافه عند الحنفية والشافعية، وهو دخول الباء على المحل. ومن السنة: فعلُه ﷺ ، وهو الاستيعاب كما هو قول مالك، وكذا أحمد. قال ابن الهمام: وهو -يعني: القول بوجوب استيعاب الحلق أو التقصير- هو الذي أدين الله به، والله أعلم (١).

стр. 2312

الحديث الثامن عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَفَضْنا يَوْمَ النَّحْرِ، فَحَاضَتْ صَفِيَّةُ، فَأَرَادَ النَّبِي ﷺ ما يُرِيدُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّها حَائِضٌ، قَالَ: "أَحَابسَتنا هِيَ؟ "، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! أَفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ، قال: "اخْرُجُوا" (١). وَفِي لَفْظٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "عَقْرَى حَلْقَى، أَفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ؟ "، قِيلَ: نَعَمْ، قال: "فَانْفِرِي" (٢).

стр. 2313

(عن) أُمِّ المؤمنينَ (عائشةَ) الصدِّيقةِ (﵂، قالت: حَجَجْنا مع النّبيِّ ﷺ ) حجة الوداع، (فأفَضْنا يومَ النحر)؛ أي: طفنا طوافَ الإفاضة، (فحاضت) أمُّ المؤمنين (صفيةُ) بنتُ حُيَيٍّ ﵂ بعدما أفاضت، (فأراد النبي ﷺ منها) قبيل وقت النفر (ما يريدُ الرجل من أهله)، وكانت حاضت ليلة النفر، فقالت: ما أُراني -بضم الهمزة-؛ أي: ما أظنُّ نفسي إلا حابستَهم؛ أي: القومَ عن المسير إلى المدينة؛ لأني حضتُ، ولم أطف؛ أي: طوافَ الوداع، فلعلهم بسببي يتوقفون إلى زمان طوافي بعدَ الطهارة، وكذلك كانت حفصة ﵂ قد حاضت أيضًا ليلةَ النفر، قالت عائشة ﵂: (فقلت) للنّبي ﷺ لما أراد من صفية ما أراد: (يا رسولَ الله! إنها حائض، قال) ﷺ : (أحابستُنا) -بهمزة الاستفهام- (هيَ؟)؛ يعني: صفيةَ بسببِ حيضِها عن السفر حتى تطوف طواف الإفاضة، (قالوا: يا رسول الله!) إنها (أفاضَتْ يومَ النحر) قبلَ أن تحيض.

стр. 2314

واستُشكل إرادتُه ﷺ منها الوِقاعَ مع عدم تحققه لحلها من الإحرام، كما أشعر بذلك قوله ﷺ : "أحابستنا هي؟ "، وأجيب بأنه ﷺ كان يعلم إفاضة نسائه، فظن أن صفية أفاضت معهن، فلما قيل له: إنها حائض، خشي أن يكون الحيضُ تقدَّم على الإفاضة، فلم تطفْ، فقال: "أحابستُنا هي؟ "، فلما قيل له: إنها طافت قبل أن تحيض، (قال: اخرجوا)؛ أي: ارحلوا، ورخَّص لها في ترك طواف الوداع (١)، مع كونه واجبًا، كما سيأتي التنبيه عليه. (وفي لفظ) من حديث عائشة في "الصّحيحين" وغيرِهما: قالت صفية: ما أُراني إلا حابستَكُم (٢). وفي لفظ: لما أراد النّبي ﷺ أن ينفر، إذا صفيةُ على باب خِبائها كئيبةً حزينةً، (قال)، وفي لفظ: فقال -بزيادة الفاء- (٣). (النّبيُّ ﷺ : عَقْرَى حَلْقَى) -بفتح الأول وسكون الثاني فيهما، وألفهما مقصورة للتأنيث، فلا ينونان، ويكتبان بالألف-، هكذا يرويه المحدِّثون حتى لا يكاد يُعرف غيره، وفيه خمسةُ أوجه: أولها: أنهما وصفان لمؤنَّث بوزن فَعْلى؛ أي: عقرَها الله في جسدها وحَلْقِها؛ أي: أصابها وجع في حلقها، أو حلقِ شعرها، فهي معقورة محلوقة، وهما مرفوعان خبر مبتدأ؛ أي: هي. ثانيها: كذلك، إلا أنها بمعنى فاعل؛ أي: أنها تعقرُ قومَها وتحلِقُهم

стр. 2315

بشؤمها؛ أي: تستأصِلُهم، فكأنه وصفٌ من فعلٍ متعدٍّ، وهما مرفوعان أيضًا بتقدير هي، وبه قال الزمخشري. ثالثها: كذلك، إلا أنه جمعٌ، كجريح وجَرْحى؛ أي: ويكون وصف المفرد بذلك مبالغة. رابعها: أنه وصف فاعل، لكن بمعنى: لا تلد، كعاقر، وحلقى؛ أي: مشؤومة، قال الأصمعي: يقال: أصبحت أمه حالقًا؛ أي: ثاكلًا. خامسها: أنهما مصدران، كدعوى، والمعنى: عقرَها اللهُ وحلَقَها؛ أي: حلق شعرها، أو أصابها بوجع في حلقِها -كما سبق-، قاله في "المحكم" (١)، فيكون منصوبًا بحركة مقدرة على قاعدة المقصور، وليس بوصف. وقال [أبو عبيد] (٢): الصوابُ عَقْرًا حَلْقًا -بالتنوين فيهما-، قيل له: لمَ لا يجوز فَعْلَى؟ قال: لأن فعلى يجيء نعتًا، ولم يجىء في الدعاء، وهذا دعاء (٣). وقال في "القاموس": عَقْرى وحَلْقى، وينونان (٤). وفي "الصحاح": وربما قالوا: عَقْرى وحَلْقى بلا تنوين (٥).

стр. 2316

وحاصله: جوازُ الوجهين، فالتنوينُ على أنه مصدرٌ منصوبٌ، كسقيًا، وتركه، إما: على أنه مصدر، كما في "المحكم"، أو وصف على بابه، فيكون مرفوعًا -كما مر-، فالجملة على هذا خبرية، وعلى ما قبله دعائية. وفي "القاموس" (١)، و"المحكم" إطلاقُ العَقْرى على الحائض، وكأن العقر بمعنى الجرح، لما كان فيه سيلانُ دم، سُمي سيلانُ الدم بذلك. وعلى كل حال، فليس المراد حقيقةَ ذلك، لا في الدعاء، ولا في الوصف، بل هي كلمة اتسعت فيها العربُ، فتطلقها، ولا تريد حقيقة معناها، فهي كتَرِبَتْ يداه، ورَغِمَ أَنْفُه، ونحوهما، كما في القسطلاني (٢). وفي "النهاية": ظاهرُه الدعاء عليها، وليس بدعاء في الحقيقة، وهو في مذهبهم معروف، انتهى (٣). وفي "المطالع": عَقْرى حَلْقى: مقصور غيرُ منون، ومنهم من ينونهما، وهو الذي صَوَّبه أبو عُبيد، وهو على هذا مصدر؛ أي: عقرها الله وحلَقها؛ أي: أهلَكها وأصابها بوجع في حلقها. قال ابن الأنباري: لفظُه الدعاء، ومعناه غيرُ الدعاء. وقال غير أبي عبيد: إنما هو على وزن غضبى؛ أي: جعلها الله كذلك. وقال الأصمعي: هي كلمةٌ تُقال للأمر عند التعجب منه: عَقْرى حَلْقى خَمْشى؛ أي: يعقر النساء منه خدودهن بالخمش، ويحلقن رؤوسهن للتسلب على أزواجهن لمصائبهن.

стр. 2317

قال في "المطالع": وقيل: هي كلمة تقولها اليهود للحائض. وفي "البخاري": إنها لغة لقريش (١). وقال الداودي: معناه: أنت طويلة اللسان لما كلَّمته بما يكره، مأخوذ من الحلق الذي يخرج منه الكلام، وعَقْرى: العقيرة، وهو الصوت، قال: وهذا لا يساوي سماعه، انتهى (٢). ثم قال النّبي ﷺ عن صفية ﵂: (أفاضت) هي (يوم النحر؟) قبل أن تحيض، (قيل: نعم)؛ أي: قد أفاضت يوم النحر قبل أن تحيض. وفي رواية في "الصّحيحين": أنه ﷺ (قال) لها: "أَوَ ما طُفْتِ يَوْمَ النَّحْر؟ "؛ أي: طواف الإفاضة، قالت صفية: قلت: بلى؛ أي: طفت، قال ﷺ : لا بأسَ (فَانفِري) (٣) -بكسر الفاء-؛ أي: اذهبي؛ إذ طواف الوداع ساقط عن الحائض. تنبيهات: الأول: طوافُ الوداع، ويسمى: طوافَ الصَّدَر -بفتح الدال المهملة- واجبٌ على كل خارج من مكة المشرفة، من حَجِّيٍّ وغيره، غيرَ حائض لم تَطْهُر قبل مفارقة البنيان. قال في "الفروع": ثم يطوف للوداع إن لم يُقم. قال القاضي والأصحاب: إنما يستحق عليه عند العزم على الخروج،

стр. 2318

قال: واحتج به شيخنا شيخ الإسلام ابن تيمية على أنه ليس من الحج، وفاقًا للشافعي، وكذا في "التعليق": أنه ليس منه، ولا يتعلق به، فإن أقام بعد الوداع لغير شَدِّ رَحْلٍ، نص عليه الإمام أحمد، وقال ابن عقيل، وابن الجوزي: أو شراءِ حاجةٍ بطريقه، وقال الشيخ الموفق: أو قضى بها حاجة، أعاد (١). وفي "الإقناع" وغيرِه: وإذا أراد الخروجَ من مكة، لم يخرج حتى يودِّعَ البيتَ بالطواف إذا فرغ من جميع أموره، ومن كان خارجَه، فعليه الوداع، وهو على كل خارج من مكة، ثم يصلي ركعتين خلفَ المقام، ويأتي الحطيمَ، وهو تحت الميزاب، فيدعو، ثم يأتي زمزم، فيشرب منها، ثم يستلم الحجر، فيقَبِّلهُ، ويدعو في الملتزَم، فإن خرج قبلَ الوداع، فعليه الرجوعُ إليه لفعله إن كان قريبًا، ولم يخف على نفسٍ أو مالٍ أو فواتِ رفقة، أو غيرِ ذلك، ولا شيء عليه إذا رجعَ، فإن لم يمكنه، أو أمكنه ولم يرجع، أو بعدَ مسافة قصر، فعليه دم، ولو رجع، وسواء تركه عمدًا أو خطأ أو نسيانًا، ومتى رجع مع القرب، لم يلزمه إحرام، ويلزمُه مع البعد الإحرامُ بعُمرة يأتي بها، ثم يطوف للوداع، وإن أخر طواف الزيارة أو القدوم، فطاف عند الخروج، كفاه عنهما، ولا وداعَ على حائض ونفساءَ ولا فديةَ إلا أن تطهرَ قبل مفارقة البنيان، فترجع وتغتسل وتودِّع، فإن لم تفعل، ولو لعذرٍ، فعليها دم (٢). الثاني: اختلف الأئمةُ في طواف الوداع، فعند أبي حنيفة، وأحمد، ومنصورِ قولَي الشافعي: أنه واجب، وفي تركه دمٌ، وقال مالك: ليس

стр. 2319

بواجب ولا مسنون، وإنما هو مستحب، ولا يجب فيه دم؛ لأن الدمَ إنما يجب عنده في ترك الواجب والمسنون؛ كما في "اختلاف الأئمة" لعون الدين بن هبيرة (١). قال القسطلاني في "شرح البخاري": طواف الوداع غيرُ واجب عند المالكية، بل مندوب إليه، ولا دم في تركه، انتهى (٢). الثالث: قال ابن الجوزي وغيرُه: إذا فرغ من طواف الوداع، فليقفْ في الملتزم، وهو اسم لما بين الركن والباب، وهو مقدار أربعة أذرع، وليدْعُ، قال مجاهدٌ: لا يقوم عبدٌ ثَمَّ فيدعو الله بشيء، إلا استجاب له (٣)، قال: وليكن دعاؤه عند الملتزم أن يقول: "اللهمَّ هذا بيتُك، وأنا عبدُكَ وابنُ عبدِكَ وابنُ أَمَتِك، حَمَلْتَني على ما سَخَّرْتَ لي من خَلْقِك، وسَيَّرْتَني في بلادكَ حَتَّى بَلَّغْتَني بنعمتِكَ إلى بيتِكَ، وأَعَنْتَني على أداءِ نُسُكي، فإن كنتَ رضيتَ عني، فازدَدْ عَنِّي رِضًا، وإلا فَمُنَّ الآن قبلَ أن تنأَى عن بيتِكَ داري، فهذا أَوانُ انصرافي إن أَذِنْتَ لي غيرَ مستبدِلٍ بكَ ولا ببيتِكَ، ولا راغب عنكَ ولا عن بيتِك، اللهمَّ فأَصحِبْني العافيةَ في بدني، والصِّحَّةَ في جِسْمي، والعِصمةَ في ديني، وأَحْسِنْ مُنْقَلَبي، وارزقْني طاعتَكَ أبدًا ما أَبْقَيْتَني، واجمعْ لي بين خَيْرَيِ الدنيا والآخرةِ، فإنَّكَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ" (٤). وإذا أحبَّ، دعا بغير ذلك، ويصلِّي على النّبيِّ ﷺ ، فإذا خرج، ولَّى

стр. 2320

الكعبةَ ظهره، ولا يلتفت، فإن فعل، أعادَ الوداعَ استحبابًا. هذا، وقد قال مجاهد: إذا كدت تخرجُ من المسجد، فالتفتْ، ثم انظرْ إلى الكعبة فقلْ: "اللهمَّ لا تجعلْه آخرَ العهد"، والحائضُ تقفُ على باب المسجد وتدعو بذلك (١)، والله أعلم.

стр. 2321

الحديث التاسع عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِم بِالبَيْتِ، إِلا أَنهُ خُفِّفَ عَنِ المَرْأَةِ الحَائِضِ (١). * * * (عن) حبر الأمة وأبي الأئمة (عبدِ الله بنِ عباس ﵄، قال: أُمِر) -بضم الهمزة وكسر الميم مبنيًا لما لم يسمَّ فاعله- (الناسُ) -بالرفع-: نائبُ فاعل؛ أي: أمرَ رسول الله ﷺ أمرَ وجوبٍ عند الأئمة الثلاثة، وعند مالك أمرَ ندب (أن يكون آخر عهدهم) طواف الوداع (بالبيت).

стр. 2322

وصرح مسلم في رواية له عن ابن عباس ﵄ بالرفع فيه، ولفظه: كان الناسُ ينصرفون في كلِّ وجه، فقال رسولُ الله ﷺ : "لا يَنْفِرَنَّ أَحَدُكُمْ حَتَّى يكونَ آخرُ عَهْدِه بالبيتِ" (١)؛ أي: الطواف به، كما رواه أبو داود (٢)، (إلا أنه خُفِّفَ عن [المرأة] الحائض)، فلم يجب عليها، واستفيد الوجوب على غيرها من الأمر المؤكَّد، والتعبير في حق الحائض بالتخفيف، والتخفيف لا يكون إلا لأمر مؤكد (٣). قال في "فتح القدير": لا يقال أمر ندب بقرينة المعنى، وهو أن المقصود الوداع؛ لأنا نقول: ليس هذا يصلح صارفًا عن الوجوب، لجواز أن يطلب حتمًا، لما في عدمه من شائبة عدم التأسف على الفراق، وعدمِ المبالاة به، على أن معنى الوداع ليس مذكورًا في النصوص، بل أن يجعل آخر عهدهم بالطواف، فيجوز أن يكون معلولًا بغيره مما لم نقف عليه، ولو سلم، فإنما تعتبر دلالة القرينة إذا لم يقم منها خلاف ما يقتضي مقتضاها، وهنا كذلك، فإن لفظ الترخيص يفيد أنه حتم في حق من لم يرخص له؛ لأن معنى عدم الترخيص في الشيء، هو تحتيمُ طلبه، إذ الترخيص فيه هو إطلاق تركه، فعدمه عدمُ إطلاق تركه (٤). تنبيه: ظاهر كلام علمائنا: عدمُ وجوب طواف الوداع على الخارج من غير مكة، كمنى.

стр. 2323

وفي "الفروع": وإن ودع، ثم أقام بمنى، ولم يدخل مكة، فيتوجَّهُ جوازُه (١). ونقل في محل آخرَ فيه: من الواجبات طوافُ الوداع في الأصح، وهو الصَّدَر، وقيل: الصَّدَرُ: طوافُ الزيارة، قال: وظاهرُ قولهم: ولو لم يكن بمكة. قال الآجري: يطوفه متى ما أراد الخروجَ من مكة، أو منى، أو من نفر آخر (٢). وصرح علماء الشافعية بوجوبه على من أراد الرجوعَ إلى بلده من منى، قالوا: فإن عاد بعد خروجه من مكة أو من منى بلا وداع قبلَ مسافة قصر، فطاف للوداع، فلا دم عليه، وإلا يعد، أو عادَ بعدَ مسافة قصر، فعليه دم (٣). والله سبحانه الموفق.

стр. 2324

الحديث العاشر عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: استَأذَنَ العَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِيَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيالِيَ مِنَى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ (١). * * * (عن) أبي عبدِ الرحمن (عبدِ الله بنِ) أمير المؤمنين (عمرَ) الفاروقِ (﵄، قال: استأذن العباسُ بنُ عبدِ المطلب) ﵁ (رسولَ الله ﷺ )؛ أي: طلب منه الإذن بأن يرخِّصَ له في تركِ المبيتِ بمنى

стр. 2325

لياليها (ليبيتَ بمكةَ) المشرفة (لياليَ مِنَى) الثلاثةَ (من أجل سِقايته) المعروفةِ بالمسجد الحرام، (فأذنَ له) ﷺ . ففي هذا الحديث دليل على وجوب المبيت ليالي التشريق بمنى؛ لأنه ﷺ رخَّصَ للعباس عَمِّه في تركِ المبيت لأجل سقايته، فدل على أنه: لا يجوزُ لغيره؛ لأن التعبير بالرخصة يقتضي أن مقابلها عزيمة (١). ففي حديث ابن عمر في "الصّحيحين": رخص النّبيُّ ﷺ للعباس أن يبيت بمكة أيامَ منى من أجل سقايته (٢)، وفي لفظٍ آخر: أذن (٣). وعند الإمام أحمد في "المسند": أذنَ للعباس بن عبد المطلب أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل السقاية (٤). فدل على أن الإذن إنما وقع للعلة المذكورة، فإذا لم توجد العلة المذكورة، أو ما في معناها، لم يحصل الإذنُ (٥)، وهذا مذهبنا كالشافعية. واتجه العلامة الشيخ مرعي في "غايته": أن المراد من البيتوتة بمنى لياليها معظم الليل (٦). وفي "شرح المنتهى" للشيخ منصور: ولعل المراد: لا يجب استيعابُ الليلة بالمبيت، بل كمزدلفة (٧).

стр. 2326

وفي "شرحه على الإقناع" عند قوله: أو ترك المبيت بمنى ليلة أو أكثر، علم منه: أنه لو ترك دونَ ليلة، فلا شيء عليه، وظاهرُه: ولو أكثرها (١)، وبين كلاميه في الشرحين مدافعة (٢). وفي "الفروع" في عدة واجبات الحج: والمبيت بمزدلفة على الأصح، ولو غلبه نوم بعرفة، نقله المروذي. وفي "الواضح" فيه: وفي مبيت منى ولا عذر إلى بعد النصف، كذا هو في نسخة صحيحة (٣). وصرح الشافعية كما في "شرح البخاري" للقسطلاني بأن المراد: مبيتُ معظمِ الليل، قالوا: كما لو حلف لا يبيتُ بمكان لا يحنث إلا بمبيته معظمَ الليل، كذا قال (٤). تنبيهات: أحدها: المبيتُ بمزدلفة إلى ما بعدَ نصفِ الليل لمن وافاها قبلَ النصف واجبٌ، وله الدفعُ بعد النصف، ولو قبلَ الإمام، وليس له الدفعُ قبل النصف، ويُباح بعدَه، ولا شيء عليه، كما لو وافاها بعده، فإن جاء بعد الفجر، فعليه دم؛ كما لو دفع قبلَ النصف، غيرَ رعاةٍ وسقاة (٥).

стр. 2327

الثاني: اختلف الأئمة في المبيت بمزدلفة جزءًا من الليل وليالي منى: هل يجب عليه دم؟ فقال أبو حنيفة: لا شيء عليه، ولو تركه، مع كونه واجبًا عنده، يعني: المبيت بمزدلفة، وأما المبيت بمنى، فعنده سنة لا شيء في تركه. وقال مالك: يجب في تركها الدمُ مع كونها سنةً عنده. وقال الشافعي في أظهر قوليه، وأحمد: يجب في تركها الدمُ، مع كونها واجبةً عندهما. وأجمعوا على أن المبيت بمنى لياليها مشروع إلا في حق السقاية والرعاء، لكن أبو حنيفة ومالكٌ يقولان: هو من سنن الحج، وفي تركه عند مالك دمٌ، وليس عنده بواجب، وقد تقدم أن عند الإمام مالك في ترك المسنون دمًا (١). الثالث: قال الحافظ ابن الجوزي في "مثير العزم الساكن" في شرح السقاية والرفادة، قال: كان أصلَ السقاية حياضٌ من أَدَمٍ توضع على عهد قُصَيٍّ بفِناء الكعبة، ويستقى فيها الماء للحاج. والرفادة: خَرجٌ كانت قريشٌ تخرجه من أموالها إلى قُصَيٍّ يصنع به طعامًا للحاج يأكله مَنْ ليس له سَعَة، وسبب ذلك أن قصيَّ بنَ كلاب استولى على الحرم، وجمعَ إليه بني كنانة، وقال: أرى أن تجتمعوا في الحرم، ولا تتفرقوا في الشعاب والأودية، وكان من عادتهم إذا جاء الليل، خرجوا عن الحرم، لا يستحلون أن يبيتوا فيه، فقالوا: هذا عظيم، فقال: والله! لا أخرج منه، فثبت فيه مع قريش، فلما جاء الموسم، قام خطيبًا،

стр. 2328

فقال: يا معشر قريش! إنكم جيرانُ الله، وأهلُ حَرَمه، وإن الحجاج زوارُ الله وأضيافُه، فترافدوا، واجعلوا لهم طعامًا وشرابًا أيامَ الحج حتى يَصْدُروا، ولو كان مالي يسعُ ذلك، لقمتُ به، ففرض عليهم فرضًا تخرجه قريش من أموالها، فجمع ذلك، ونحر على كل طريق من طرق مكة جزورًا، ونحر بمكة جُزُرًا كثيرة، وأطعم الناسَ، وسقى اللبنَ المحضَ، والماءَ والزبيبَ، وكان قصي يحمل راجل الحاج، ويكسو عاريَهم، وما زال ذلك الأمر حتى قام به هاشمٌ، ثم أخوه المطلب، ثم عبد المطلب، ثم قام به العباس ﵁. قال ابن الجوزي: أولُ مَنْ أطعم الحاجَّ الفالوذجَ بمكةَ عبدُ الله بن جُدْعان. قال أبو عبيدة: وفد ابنُ جدعانَ على كسرى، فأكل عنده الفالوذَجَ، قال: فسأل عنه، فقالوا: لُبابُ البُرِّ مع العَسَل، فقال: أبغوني غلامًا يصنعه، فأتوه بغلام، فابتاعه، وقدم به مكةَ، وأمره فصنعه للحاج، ووضع الموائد من الأبطح إلى باب المسجد، ثم نادى مناديه: ألا من أرادَ الفالوذجَ، فليحضرْ، فحضر الناسُ. قال: وما زال إطعامُ الحاجِّ في الجاهلية وفي الإسلام، وكانت الخلفاء تُقيمه، ولا يكلفون أحدًا من مالِهِ شيئًا، وكان معاويةُ قد اشترى دارًا بمكة، وسماها: "دار المراجل"، وجعل فيها قُدورًا، ورسم لها من ماله، فكانت الجزر والغنم تُنحر، ويطبخ فيها، ويطعم الحاج أيام الموسم، ثم يفعل ذلك في شهر رمضان. وقد أتى النّبيُّ ﷺ زمزمَ وإن آلَ العباس يسقون ويعملون فيها، فقال ﷺ : "اعملوا، فإنَّكم على عملٍ صالحٍ"، ثم قال: "لولا أن تُغْلَبُوا،

стр. 2329

لنزلْتُ حتى أَضَع الحَبْلَ على هَذِه" -يعني: عاتقه-. رواه البخاري من حديث ابن عباس (١). وفي أفراد مسلم من حديث جابر ﵁: أن النّبي ﷺ أتى بني عبدِ المطلب وهم يسقون على زمزم، فقال: "انْزِعوا بَني عبدِ المطلبِ، فلولا أنْ يَغْلِبَكُمُ الناسُ على سِقايتِكم، لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ" (٢). الرابع: المرادُ بسقاية العباس ﵁ في الحديث المذكور: زمزم، فإنهم كانوا ينبذون الزبيبَ في ماء زمزم، ويسقونه الحجاج، وكان الذي وليَ ذلك العباس بن عبد المطلب بعد أبيه في الجاهلية، فأقرها النّبيُّ ﷺ له في الإسلام، فهي حقٌّ لآلِ العباس أبدًا (٣). تتمة: في الكلام على زمزم، وفيها مقاصد: الأول: زمزم -بفتح الزايين وسكون الميم الأولى-، سميت بذلك لكثرة مائها، والماء الزمزمُ: هو الكثير، وقيل: لزمِّ هاجرَ ماءها حين انفجرت، وقيل: لزمزمةِ جبريلِ، وكلامِه (٤). قال ابن الجوزي في "مثير العزم الساكن": سميت بزمزم؛ لأن الماء لمَّا فاضَ، زَمَّتْهُ هاجر، قال ابن فارس اللغوي: وزمزم من قولك: زممتُ الناقةَ: إذا جعلتَ لها زمامًا تحبسها به، انتهى (٥).

стр. 2330

وقال العلامة الشيخ مرعي في كتابه "تشويق الأنام في الحج إلى بيت الله الحرام" (١): قال الحربي: سميت زمزم، لزمه الماء، وهي صونه، وقال المسعودي: لأن الفُرسَ كانت تحجُّ إليها في الزمن الأول، فتزمزم عندها، والزمزمةُ: صوتٌ تخرجه الفرس من خياشيمها عند شرب الماء. الثاني: في بدو شأنها: قد ثبت في الصحاح من البخاري ومسلم وغيرهما، من حديث ابن عباس ﵄، قال: جاء إبراهيمُ بأم إسماعيل وابنِها إسماعيلَ وهي تُرضعه حتى وضعَها عند دَوْحَةٍ فوقَ زمزم، وليس بمكة أحدٌ، وليس بها ماء، ووضع عندهما جِرابًا فيه تمر، وسقاءً فيه ماء، ثم قَفَّى منطلقًا، فتبعته أمُّ إسماعيل، فقالت: أين تذهبُ وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟! فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفتُ إليها، فقالت له: اللهُ أمركَ بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يُضيعنا اللهُ، ثم رجعت، فانطلق إبراهيم، حتى إذا كان عندَ الثنية حيث لا يرونه، استقبلَ بوجهه البيتَ، ثم دعا بهؤلاء الدعوات، ورفع يديه، فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ حتى بلغ: ﴿يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧]. وجعلت أم إسماعيل تُرضع إسماعيلَ وتشربُ من ذلك الماء، حتى إذا نَفِدَ، عطشت، وعطش ابنها، وجعلت تنظرُ إليه يتلوَّى، أو قال: يَتَلَبَّطُ، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقربَ جبلٍ في الأرض يَليها، فقامت عليه، فاستقبلت الواديَ تنظر هل ترى أحدًا؟ فلم تر أحدًا، فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت الواديَ، رفعتْ طرفَ ذراعها، ثم سعت سعيَ

стр. 2331

الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتمت المروةَ، فقامت عليها ونظرت، فلم تر أحدًا، ففعلت ذلك سبعَ مرات، قال ابن عباس ﵄: قال النّبيُّ ﷺ : "ولذلك سَعَى الناسُ بيْنَهما"، فلما أشرفت على المروة، سمعت صوتًا، فقالت: صَهْ -تريد نفسها-، ثم تسمَّعَتْ فسمعت، فقالت: قد أسمعتَ إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملَكِ عندَ موضع زمزم، فبحث بعقبه، أو قال: بجناحه حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه، وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها، وهو يفور بعدما تغرف، قال ابن عباس: قال النّبي ﷺ : "يرحمُ اللهُ أُمَّ إسماعيلَ، لو تركَتْ زَمزمَ"، أو قال: "لو لم تغرفْ من الماء، لكانت زمزمُ عينًا معينًا"، فشربت وأرضعت ابنها، فقال لها الملَكُ: لا تخافوا الضيعة، فإن ها هنا بيتًا لله يبنيه هذا الغلام وأبوه، فإن الله لا يضيع أهله (١). قال العلامة الشيخ مرعي في "تشويق الأنام": واستمرت زمزم على ذلك إلى أن سكن الحرمَ قوم عصوا الله، وتهاونوا بحرمة الكعبة، فأخذ الله ماء زمزم منهم، ونضب ماؤها وانقطع، فلم يزل موضعها يدرُس، وتمر عليه السيول عصرًا بعد عصر إلى زمن عبد المطلب جدِّ سيدِ العالم رسولِ الله ﷺ ، فلما قام عبدُ المطلب، فولي سقاية البيت ورفادتَه، أُتي في منامه، فقيل له: احفرْ طيبة، فقال: وما طَيْبَةُ؟ فأتي من الغد فقيل له: احفرْ بَرَّةَ، قال: وما بَرَّةُ؟ فأتي من الغد، فقيل له: احفرِ المضنونةَ، فقال: وما المضنونةُ؟ فأُتي فقيل: احفر زمزم، قال: وما زمزم؟ قال: لا تنزح

стр. 2332

ولا تُذَمّ، تسقي الحجيجَ الأعظم، وهي بين الفَرْثِ والدم، عندَ نُقْرَةِ الغرابِ الأعصم، وكان غرابٌ أعصمُ لا يبرح عند الذبائح مكان الفرث والدم، فغدا عبدُ المطلب بمعوله ومِسْحاته، معه ابنُه الحارث، وليس له يومئذ ولدٌ غيره، فجعل يحفر ثلاثةَ أيام حتى بدا له الطَّوِيُّ، فكبَّرَ وقال: هذا طويُّ إسماعيل، فقالت له قريش: أَشْرِكْنا فيه، قال: ما أنا بفاعل، شيءٌ خُصصت به دونكم، فاجعلوا بيني وبينكم مَنْ شئتم أحاكمْكُم إليه، فقالوا: كاهنةُ بني سعد، فخرجوا إليها، فعطشوا في الطريق حتى أيقنوا بالموت، فقال عبد المطلب: والله! لا يلقانا بأيدينا هكذا، العجزُ ألا نضرب في الأرض، فعسى الله أن يرزقنا ماء، فارتحلوا، وقام عبدُ المطلب إلى راحلته فركبها، فلما انبعثت به، انفجرت تحت خفها عينُ ماء عذبٍ، فكَبَّرَ عبدُ المطلب، وكَبَّرَ أصحابُه، وشربوا جميعًا، وقالوا له: قد قَضَى لكَ علينا الذي سقاك، فوالله! لا نخاصمك فيها أبدًا، فرجعوا، وخلوا بينه وبين زمزم (١). ولم تزل ظاهرة إلى الآن. الثالث: في فضائلها والشرب منها: قال في "الفروع": ثم يشرب -يعني: الحاجَّ- من ماء زمزم لِما أحبَّ، ويتضَلَّع. وفي "التبصرة": ويرشُّ على بدنه وثوبه. وفي "الصّحيحين": قوله ﷺ لأبي ذر: "إنها مباركةٌ، إنها طعام

стр. 2333

طعم" (١)؛ أي: تشبع شاربَها كالطعام (٢). قال ابن الجوزي في "مثير العزم الساكن": يُستحب لمن شربَ من ماء زمزم أن يُكثر منه، فقد روى ابن عباس ﵄، عن النّبي ﷺ : أنه قال: "التَّضَلُّعُ من ماءِ زمزمَ براءةٌ من النفاقِ" (٣). وفي "تشويق الأنام": عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، قال: كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل، فقال: من أين جئتَ؟ فقال: من زمزم، قال: فشربتَ منها كما ينبغي؟ قال: فكيف؟ قال: إذا شربتَ منها، فاستقبل القبلةَ، واذكرِ اسمَ الله تعالى، وتنفس ثلاثًا، وتَضَلَّعْ منها، فإذا فرغتَ، فاحْمَدِ الله ، فإن رسولَ الله ﷺ قال: "إنَّ آيةَ ما بيننا وبينَ المنافقين: لا يَتَضَلَّعُونَ مِنْ زمزمَ" رواه ابن ماجه، وهذا لفظه، والدارقطني، والحاكم في "المستدرك"، وقال: إنه صحيح على شرط الشيخين (٤). قال الطبري: والتَّضَلُّع: الامتلاءُ حتى تمتدَّ الأضلاعُ. والمرادُ من النفس ثلاثًا: أن يفصلَ فاه عن الإناء ثلاثَ مرات، يبتدىء كل مرة باسم الله، ويختم بالحمد لله، وهكذا جاء مفسرًا في بعض الطرق. فعن ابن عباس ﵄، قال: كنا مع النّبي ﷺ في صفة

стр. 2334

زمزم، فأمرَ بدلوٍ، فنزعت له من البئر، فوضعها على شفة البئر، ثم وضع يده من تحت عراقي الدلو، ثم قال: "باسم الله"، ثم كرع فيها (١). مع النّبي ﷺ من أهل مكة وغيرهم صلَّوا بصلاته قصرًا وجمعًا، ثم لم يفعلوا خلاف ذلك، ولم ينقل أحد قط عن النّبي ﷺ أنه قال، لا بعرفة ولا مزدلفة ولا منى: يا أهل مكة! أتموا صلاتكم، فإنا قوم سفر، وإنما نقل أنه قال ذلك في نفس مكة، كما رواه أهل السنن، وقول ذلك داخل مكة دون عرفة ومزدلفة، وقيل على الفرق، انتهى ملخصًا، والله أعلم.

стр. 2335

باب المحرم يأكل من صيد الحلال اعلم أن من محظورات الإحرام قتلَ صيد البر المأكول واصطيادَه، وهذا بالإجماع، لقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، وقوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، ويحرم، ويُفدى ما تولَّد منه مع أهليٍّ، أو غير مأكول، وتحرم الدلالةُ عليه، والإشارةُ، والإعانة، ولو بإعارة سلاح ليقتلَه به، وسواء كان معه ما يقتلُه به، أو لا، وبمناولته سلاحَه، أو سوطه، أو أمره باصطياده (١). وذكر الحافظ ﵀ في هذا الباب حديثين:

стр. 2336

الحديث الأول عَنْ أَبي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ حَاجًّا، فَخَرَجُوا مَعَهُ، فَصَرَفَ طَائِفَةً مِنْهُمْ، فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ، وقَالَ: "خُذُوا سَاحِلَ البَحْر حَتَّى نَلْتَقِيَ"، فَأَخَذُوا سَاحِلِ البَحْرِ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا، أَحْرَمُوا كلُّهُمْ إِلَّا أَبُو قَتَادَة لَمْ يُحْرِمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَسِيرُونَ، إِذْ رَأَوْا حُمُرَ وَحْشٍ، فَحَمَلَ أَبُو قَتَادَةَ عَلَى الحُمُرِ، فَعَقَرَ مِنْهَا أتانًا، فَنَزَلْنَا فَأكلْنَا مِنْ لَحْمِهَا، ثُمَّ قُلْنَا: أَنَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟! فَحَمَلْنَا مَا بقِيَ مِنْ لَحْمِهَا، فَأَدْرَكْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: "مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟ "، قَالُوا: لَا، قَالَ: "فَكُلُوا مَا بقِيَ مِنْ لَحْمِهَا" (١). .

стр. 2337

وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ: "هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ مِنْ شَيْءٍ؟ "، فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَنَاوَلْتُهُ العَضُدَ، فَأَكلَهَا (١). * * * (عن أبي قتادةَ) الحارثِ بنِ ربعيٍّ (الأنصاري ﵁)، وهو فارس رسول الله ﷺ ، تقدمت ترجمته في باب الاستطابة. قال: (إن رسول الله ﷺ خرج حاجًا)؛ أي: معتمرًا، فهو من المجاز السائغ؛ لأن ذلك إنما كان في عمرة الحديبية كما جزم به يحيى بن أبي كثير، وهو المعتمد، وأيضًا فالحجُّ لغةً: القصد، وهو هنا قصدُ البيت، فكأنه قال: خرجَ قاصدًا للبيت، ولذا يقال للعمرة: الحجُّ الأصغر (٢).

стр. 2338

وفي "الصّحيحين": عن عبد الله بن أبي قتادة، قال: انطلق أبي مع رسول الله ﷺ عام الحديبية، فأحرم أصحابه، ولم يحرم (١). وعن أبي قتادة، قال: غزا مع رسول الله ﷺ الحديبية، فأهلوا بعمرة، غيري. رواه الشيخان (٢). (فخرجوا معه) حتى بلغوا الرَّوحاء، وهي من ذي الحليفة على [أربعة و] ثلاثين ميلًا، فأخبروه أن عدوًا من المشركين بوادي غيقة يخشى منهم أن يقصدوا غزوه (٣). قال في "النهاية": غَيْقَة -بفتح الغين المعجمة وسكون الياء المثناة تحت-: موضع بين مكة والمدينة من بلاد غِفار، وقيل: حوماء لبني ثعلبة، انتهى (٤). (فصرف) ﷺ (طائفة منهم) -بنصب طائفة- مفعولٌ به، والطائفة من الشيء: القطعة منه، قال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]. قال ابن عباس ﵄: الواحد فما فوقه، (٥) وقال جماعة من العلماء في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢]: الفرقة: تطلق على ثلاثة، والطائفةُ إما واحدٌ أو اثنان، واستشكل بعضُهم إطلاقَ الطائفة على الواحد، لبعده عن الذهن (٦).

стр. 2339

وفي "القاموس": الطائفةُ من الشيء: القطعةُ منه، أو الواحد فصاعدًا، أو إلى الألف، أو أقلها رجلان، أو رجل، فيكون بمعنى النفس، انتهى (١). (فيهم)؛ أي: في الذين صرفهم ﷺ (أبو قتادة)، الأصل كان أن يقول: وأنا فيهم، فهو من باب التجريد، لا يقال: إنه من قول عبد الله بن أبي قتادة؛ لأنه حينئذ يكون الحديث مرسلًا (٢). (وقال)، وفي لفظ: بزيادة الفاء: (٣) (خُذُوا ساحلَ البحر)؛ أي: شاطئه. قال في "القاموس": مقلوب؛ لأن الماء سحله، وكان القياس مسحولًا، أو معناه: ذو ساحل من الماء: إذا ارتفع المد، ثم جزر، فجرف ما عليه (٤) (حتى نلتقي، فأخذوا)؛ أي: الذين صرفهم ﷺ من أصحابه (ساحلَ البحر) لكشف أمر العدو، (فلما انصرفوا) من الساحل بعد أن أمنوا من العدو، وكانوا قد (أحرموا كلهم) من الميقات. فإن قلت: ظاهر ما في "الصّحيحين" من حديث أبي قتادة في رواية من قوله: حتى إذا كنا بالقاحة، ومنا المحرم، ومنا غير المحرم (٥) يخالف ما هنا من انحصار عدم الإحرام فيه. فالجواب: لا مخالفة، لإمكان إرادته بقوله: ومنا غيرُ المحرم: نفسَه

стр. 2340

فقط، بدليل الأحاديث الدالة على الانحصار، ومنها: هذا. (إلا أبو قتادة): -بالرفع-: مبتدأ، خبره: (لم يحرم)، و"إلا" بمعنى: لكن، وهي من الجمل التي لا محل لها من الإعراب، وهي المستثناة، نحو: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ [الغاشية: ٢٢ - ٢٤]، قال ابن خروف: "مَنْ" مبتدأ، و"يعذبه الله" الخبر، والجملة في موضع نصب على الاستثناء المنقطع. قال في "التوضيح": وهذا مما أغفلوه، ولا يعرف أكثرُ المتأخرين من البصريين في هذا النوع، وهو المستثنى بإلا من كلام تام موجب إلا النصبَ. قال: وللكوفيين في مثله مذهبٌ آخر، وهو أن "إلا" حرف عطف، وما بعدها معطوف على ما قبلها (١). وفي رواية عن أبي قتادة: أنه قال: غزا مع رسول الله ﷺ الحديبية، قال: فأهلُّوا بعمرة، غيري (٢). وقد استشكل العلماء عدمَ إحرام أبي قتادة، مع كونهم خرجوا للنسك، ومروا بالميقات، ومن كان كذلك، وجب عليه الإحرامُ من الميقات. وأجيب بوجوه: منها: ما دل عليه الحديث من أنه أرسل إلى جهة أخرى لكشفها، وكان الالتقاء معه ﷺ بعد مضي مكان الميقات، ولا يخفى ما فيه، وإن سكت عنه ابن دقيق العيد.

стр. 2341

ومنها: وهو ضعيف كما قال ابن دقيق العيد: أنه لم يكن مريدًا للنسك (١). قلت: وهذا قال به الشافعية، فإنهم قالوا: لم يحرم أبو قتادة للقول: إنه لم يقصد نسكًا، إذ يجوزُ دخولُ الحرم بغير إحرام لمن لم يرَ حَجًّا ولا عمرة كما هو مذهب الشافعية. وأما على مذاهب الأئمة الثلاثة القائلين بوجوب الإحرام، فاحتجوا له بأن أبا قتادة إنما لم يحرم؛ لأنه ﷺ كان أرسله إلى جهة أخرى ليكشفَ أمرَ عدو في طائفة من الصحابة، ولا يخفى -كما في الحديث- أن خبر العدو أتاهم حين بلوغهم الروحاء على أربعة وثلاثين ميلًا من ذي الحليفة ميقاتِ إحرامهم، ومنها؛ أي: الروحاء وجَّههم النّبي ﷺ ، فهذا صريح في أن خبر العدو أتاهم بعد مجاوزة الميقات (٢). قلت: والأولى ما ذكره الأثرم صاحب الإمام أحمد: إنما جاز لأبي قتادة ذلك؛ لأنه لم يخرج يريد مكة، قال: لأني وجدت في رواية من حديث أبي سعيد فيها: خرجنا مع رسول الله ﷺ ، فأحرمنا، فلما كنا بمكان كذا، إذا نحن بأبي قتادة، وكان النّبيُّ ﷺ بعثه في وجه، الحديث، انتهى. وفي حديث أبي سعيد عند ابن حبان في "صحيحه"، ورواه البزار، والطحاوي، قال: بعث رسول الله ﷺ أبا قتادة على الصدقة، وخرج رسولُ الله ﷺ [و] أصحابه وهم محرمون حتى نزلوا بعسفان، فإذا هم بحمار وحش، قال: وجاء أبو قتادة وهو حِلٌّ، الحديث (٣)، فهذا بظاهره

стр. 2342

يخالف ما في الصحيح، ولكن يحتمل أنه ﷺ (١) [ومن معه لحقوا أبا قتادة في بعض الطريق قبل الروحاء، فلما بلغوها، وأتاهم خبر العدو، وجهه النبي ﷺ في جماعة لكشف الخبر]. [ولا تحرم دلالةٌ على طيبٍ ولباسٍ، ولا دَلالةُ حلال محرمًا على صيد، ويضمنُه المحرمُ، إلا أن يكون في الحرم، فيشتركان في الجزاء كالمحرمَيْن. فإن اشترك في قتل صيدٍ حلالٌ ومحرمٌ، أو سَبُعٌ ومحرمٌ، في الحلِّ، فعلى المحرم الجزاءُ جميعُهُ، ثم إن كان جَرْحُ أحدهما قبل صاحبه، والسَّابق حلالٌ] (٢). أو السبع، فعلى المحرم جزاؤه مجروحًا، وإن سبقه المحرم، وقتله أحدهما، فعلى المحرم أَرْشُ جرحه، وإن كان جرحهما في حالة واحدة، أو جرحاه، ومات منهما، فالجزاء كله على المحرم، وإذا دل محرم محرمًا، أو دل الثاني ثالثًا، وَهَلُمَّ جَرًّا، فقتله العاشر مثلًا، فالجزاء على جميعهم، وإن دل حلالٌ حلالًا على صيد في الحرم، فكدلالة محرمٍ محرمًا عليه (٣). والله أعلم.

стр. 2343

الحديث الثاني عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثيِّ: أَنَّهُ أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا وَهُوَ بالأَبْوَاءِ، أَوْ بِوَدَّانَ، فَرَدَّه عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَىَ مَا فِي وَجْهِهِ، قَالَ: "إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ علَيكَ إِلَّا أنَّا حُرُم" (١). وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِم: رِجْلَ حِمَارٍ (٢). وَفِي لَفْظٍ: شِقَّ حِمَارِ (٣).

стр. 2344

وَفِي لَفْظٍ: عَجُزَ حِمَارٍ (١). وَجْهُ هَذَا الحَدِيثِ: أَنَّه ظَنَّ أَنّهُ صِيدَ لِأَجْلِهِ، وَالمُحْرِمُ لا يَأْكُلُ ما صِيدَ لِأَجْلِهِ. * * * (عن الصَّعْبِ) -بفتح الصاد وسكون العين المهملتين ثم موحدة- (بنِ جَثَّامَةَ) -بفتح الجيم وتشديد المثلثة-، اسمه يزيد بن قيسِ بنِ عبدِ الله بنِ وهبِ بنِ يعمرَ بنِ عوفِ بنِ كعبِ بن عامرٍ (الليثيِّ)، من بني ليث بن مالك. كان الصعب ﵁ ينزل وَدَّانَ والأبواءَ من أرض الحجاز، حديثه في الحجازيين. روي له عن رسول الله ﷺ ستةَ عشرَ حديثًا، اتفقا منها على هذا الحديث، وقد تفرق هذا الحديث في ثلاثة أحاديث. روى عنه ابن عباس ﵄. قال ابن الأثير في "جامع الأصول": مات في خلافة الصديق ﵁.

стр. 2345

كان الصعب حليفًا لقريش، وأمه أختُ أبي سفيان بن حرب، واسمها فاخِتَةُ، وقيل: زينب. وقيل: إن الصعبَ إنما مات في آخر خلافة عمر، قاله ابن حِبان، ويقال: مات في خلافة عثمان (١). (أنه)؛ أي: الصعب (أهدى للنّبيِّ ﷺ حمارًا وحشيًا)، وفي لفظ فيهما: لرسول الله (٢). والأصل في أهدى أن يتعدى بإلى، وقد يتعدى باللام، ويكون بمعناه. ولم تختلف الرواة عن مالك في قوله: حمارًا، وممن رواه عن الزهري كما رواه مالك: معمر، وابنُ جريج، وعبد الرحمن بن الحارث، وصالح بن كيسان، والليث بن سعد، وابن أبي ذؤيب، وشعيب بن أبي حمزة، ويونس، ومحمد بن عمرو بن علقمة، كلهم قال فيه: أهدى لرسول الله ﷺ حمار وحش كما قال مالك (٣). (وهو)؛ أي: والحال أنه ﷺ (بالأبواء) -بفتح الهمزة وسكون الموحدة ممدودًا-: جبل من عمل الفُرْع -بضم الفاء وسكون الراء- بينه وبين

стр. 2346

الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلًا، سمي بذلك، لما فيه الوباء، قاله في "المطالع"، ولو كان كما قيل، لقيل: الأوباء، [أ] وهو مقلوب منه، والأقرب أنه سمي به، لتبوء السيول به -كما تقدم- (١). (أو) وهو (بوَدَّانَ) -بفتح الواو وتشديد الدال المهملة آخره نون-: موضع بقرب الجحفة، أو قرية جامعة من ناحية الفرع، ووَدَّانُ أقرب إلى الجحفة من الأبواء، فإن من الأبواء إلى الجحفة للآتي من المدينة ما ذكرناه، ومن ودان إلى الجحفة ثمانية أميال (٢). والشكُّ من الراوي، لكن جزم ابن إسحاق، وصالحُ بنُ كيسانَ عن الزهري: بودان، وجزم معمر، وعبد الرحمن، ومحمد بن عمرو: بالأبواء (٣)، (فَرَدَّه) ﷺ (عليه)، ولم يقبله منه، وقد اتفقت الروايات كلُّها على أنه ﵇ ردَّه عليه، إلا ما يأتي ذكره -إن شاء الله تعالى-. (فلما رأى) ﷺ (ما في وجهه)؛ أي: وجه الصعب من الكراهة، لما حصل له من الكسر في ردِّ هديته، (قال) ﷺ : تطييبًا لقلبه: (إنَّا) -بكسر الهمزة لوقوعها في الابتداء- (لم نردَّه) -بفتح الدال كما في اليونينية، وهو رواية المحدثين، وذكره ثعلب في "الفصيح"، لكن قال المحققون من النحاة: إنه غلط، والصواب ضمُّ الدال كآخر المضاعف من كل مضاعف مجزوم اتصل به ضمير المذكر، مراعاةً للواو التي توجبها ضمةُ الهاء بعدَها، لخفاء الهاء، فكأن ما قبلها وليَ الواو، ولا يكون ما قبلَ الواوِ إلا

стр. 2347

مضمومًا، كما فتحوها مع هاء المؤنث، نحو: نردَّها، مراعاة للألف، ولم يحفظ سيبويهِ في نحوِ هذا إلا الضمَّ، كما أفاده السمين، وصرح جماعة منهم ابنُ الحاجب بأنه مذهبُ البصريين، وجوز الكسر أيضًا، وهو أضعفها، فصار فيها ثلاثة أوجه (١). وفي لفظ: "لم نردُدْه" -بفك الإدغام- (٢) (عليك) لعلَّةٍ من العلل (إلا أَنَّا حُرُم) -بفتح الهمزة وضم الحاء المهملة والراء-؛ أي: إلا لأنا محرمون، زاد في رواية صالح بن كيسان عند النسائي: "لا نأكل الصيد" (٣)، وفي رواية شعبة عن ابن عباس: "لولا أنا محرمون، لقبلناه منك" (٤). وهذا يقتضي تحريم أكل المحرمِ لحمَ الصيد مطلقًا، سواء صِيدَ لأجله، أو بأمره، أولا، وهو مذهب نقل عن جماعة من السلف، منهم: علي بن أبي طالب، وابن عباس، وابن عمر، لكن الذي عليه أكثرُ علماء الصحابة والتابعين التفرقةُ بين ما صاده، أو صِيدَ لأجله من حَلال، وبين ما صاده حلالٌ لا لأجل المحرم، فأباحوا الأخيرَ -كما تقدم-، وكما يأتي في كلام المصنف تأويله (٥). قال الحافظ ﵀، ورضي عنه-: (وفي لفظ لمسلم): أهدى

стр. 2348

الصعبُ بنُ جثامة للنّبيِّ ﷺ (رِجْلَ حمارٍ)، ذكره من رواية منصور عن الحكم. (وفي لفظ) لمسلم من رواية شعبة عن حبيب: أهدى؛ أي: الصعب (شِقَّ حمارِ) وحشٍ، فردَّه. (وفي لفظ) لمسلم أيضًا من رواية شعبة عن الحكم: أهدى الصعبُ بنُ جثامة للنّبيِّ ﷺ (عَجُزَ حمارِ) وحشٍ يقطرُ دمًا. وأخرج مسلم أيضًا من حديث ابن عيينة عن الزهري، فقال: لَحْمَ حمارِ وحشٍ (١). وفي لفظ: من لحمِ حمارِ وحش (٢). وهذه الروايات والطرق التي ذكرها مسلم صريحة في أنه مذبوح، وأنه إنما أهدي بعض لحم صيد، لا كله كما قاله النووي (٣)، ولا معارضة بين قوله: رجلَ حمار، وعجزه، وشقه، إذ يندفع بإرادة رجلٍ معها الفخذُ وبعض جانب الذبيحة، فوجب حملُ رواية: أهدى حمارا: على أنه من إطلاق اسم الكل على البعض، ويمتنع العكس، إذ إطلاق الرجل على كل الحيوان غير معهود؛ لأنه لا يطلق على زيد إصبع ونحوه؛ لأنه غير جائز، لما عرف من أن شرط إطلاق اسم البعض على الكل التلازم، كالرقبة على الإنسان، والرأس، فإنه لا إنسان بدونهما، بخلاف نحو الرجل والظفر.

стр. 2349

وأما إطلاق العين على [الرقيب] (١)، فليس من حيث هو إنسان، بل من حيث هو رقيب، وهو من هذه الحيثية لا يتحقق بلا عين على ما عرف في التحقيقات، أو هو أحد معاني المشترك اللفظي، كما عدَّه الأكثر منها (٢). قال الحافظ المصنف -رحمه الله تعالى-: (وجه هذا الحديث: أنه ﷺ ظن أنه)؛ أي: حمارَ الوحش (صِيد) -بكسر الصاد المهملة مبنيًا لما لم يسمَّ فاعله-؛ أي: صاده الصعبُ بنُ جثامة (لأجله) ﷺ ، (والمحرم لا يأكل ما)؛ أي: صيدًا (صِيد لأجله) -كما قدمنا الكلام عليه-. قال الشافعي: إن كان الصعب أهدى حمارًا حيًا، فليس للمحرم أن يذبح حمار وحش حي، وإن كان أهدى له لحمًا، فقد يحتمل أن يكون علم أنه صيده. ونقل الترمذي عن الشافعي: أنه ردَّه لظنه أنه صِيدَ من أجله، فتركه على وجه التنزه. وقد روى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي من حديث جابر بن عبد الله ﵄: أن النّبي ﷺ قال: "صيدُ البرِّ لكم حلال وأنتم حُرُم ما لم تَصيدوه، أو يُصَدْ لكم" (٣). قال الإمام الشافعي: هذا أحسنُ حديث رُوي في هذا الباب، وأَقْيَسُ (٤).

стр. 2350

تنبيه: وقد اتفقت الروايات كلها على أنه ﷺ ردَّ حمارَ الوحش على الصعب بنِ جثامة، ولم يقبله منه، إلا ما رواه ابنُ وهبٍ، والبيهقيُّ من طريقه بإسناد حسنٍ من طريق عمرو بن أمية: أن الصعب أهدى للنّبي ﷺ عجزَ حمارِ وحش، وهو بالجحفة، فأكل منه، وأكل القوم. قال البيهقي: إن كان هذا محفوظًا، فلعله ردَّ الحيَّ، وقبلَ اللحم (١). قال الحافظ ابن حجر: وفي هذا الجمع نظر، قال: [إن] كانت الطرق كلها محفوظة، فلعله رده حيًا، لكونه صِيدَ لأجله، وردَّ اللحمَ تارةً بذلك، وقبله تارةً أخرى حيث علم أنه لم يُصد لأجله، ويحتمل أن يحمل القبول المذكور في حديث عمرو بن أمية على وقتْ آخرَ، وهو حالَ رجوعه ﷺ من مكة، ويؤيده أنه جازم فيه بوقوع ذلك في الجحفة (٢). وقال القرطبي في الجمع بين كونه أهدى حمارًا، أو بين كونه أهدى عجز حمار، أو رجل حمار -على ما مر-: يمكن أن يكون الصعب أحضر الحمار مذبوحًا، ثم قطع منه عضوًا بحضرة النّبي ﷺ ، فقدمه له، فرده، فمن قال: أهدى حمارًا، أراد: بتمامه مذبوحًا لا حيًا، ومن قال: لحم حمار، أراد: ما قدمه للنّبي ﷺ (٣). تتمة: الحمارُ الوحشي يسمَّى: الفَرَأ، ويقال: حمار وحش، وحمار وحشي، وهو العَيْر، وربما أطلق العير عليه وعلى الأهلي أيضًا، وحمارُ الوحش شديدُ الغيرة، ولذلك يحمي عانته الدهرَ كلَّه، ومن عجيب أمره:
следующие страницы →