الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلًا، سمي بذلك، لما فيه الوباء، قاله في "المطالع"، ولو كان كما قيل، لقيل: الأوباء، [أ] وهو مقلوب منه، والأقرب أنه سمي به، لتبوء السيول به -كما تقدم- (١).
(أو) وهو (بوَدَّانَ) -بفتح الواو وتشديد الدال المهملة آخره نون-: موضع بقرب الجحفة، أو قرية جامعة من ناحية الفرع، ووَدَّانُ أقرب إلى الجحفة من الأبواء، فإن من الأبواء إلى الجحفة للآتي من المدينة ما ذكرناه، ومن ودان إلى الجحفة ثمانية أميال (٢).
والشكُّ من الراوي، لكن جزم ابن إسحاق، وصالحُ بنُ كيسانَ عن الزهري: بودان، وجزم معمر، وعبد الرحمن، ومحمد بن عمرو: بالأبواء (٣)، (فَرَدَّه) ﷺ (عليه)، ولم يقبله منه، وقد اتفقت الروايات كلُّها على أنه ﵇ ردَّه عليه، إلا ما يأتي ذكره -إن شاء الله تعالى-.
(فلما رأى) ﷺ (ما في وجهه)؛ أي: وجه الصعب من الكراهة، لما حصل له من الكسر في ردِّ هديته، (قال) ﷺ : تطييبًا لقلبه: (إنَّا) -بكسر الهمزة لوقوعها في الابتداء- (لم نردَّه) -بفتح الدال كما في اليونينية، وهو رواية المحدثين، وذكره ثعلب في "الفصيح"، لكن قال المحققون من النحاة: إنه غلط، والصواب ضمُّ الدال كآخر المضاعف من كل مضاعف مجزوم اتصل به ضمير المذكر، مراعاةً للواو التي توجبها ضمةُ الهاء بعدَها، لخفاء الهاء، فكأن ما قبلها وليَ الواو، ولا يكون ما قبلَ الواوِ إلا
стр. 2347
مضمومًا، كما فتحوها مع هاء المؤنث، نحو: نردَّها، مراعاة للألف، ولم يحفظ سيبويهِ في نحوِ هذا إلا الضمَّ، كما أفاده السمين، وصرح جماعة منهم ابنُ الحاجب بأنه مذهبُ البصريين، وجوز الكسر أيضًا، وهو أضعفها، فصار فيها ثلاثة أوجه (١).
وفي لفظ: "لم نردُدْه" -بفك الإدغام- (٢) (عليك) لعلَّةٍ من العلل (إلا أَنَّا حُرُم) -بفتح الهمزة وضم الحاء المهملة والراء-؛ أي: إلا لأنا محرمون، زاد في رواية صالح بن كيسان عند النسائي: "لا نأكل الصيد" (٣)، وفي رواية شعبة عن ابن عباس: "لولا أنا محرمون، لقبلناه منك" (٤).
وهذا يقتضي تحريم أكل المحرمِ لحمَ الصيد مطلقًا، سواء صِيدَ لأجله، أو بأمره، أولا، وهو مذهب نقل عن جماعة من السلف، منهم: علي بن أبي طالب، وابن عباس، وابن عمر، لكن الذي عليه أكثرُ علماء الصحابة والتابعين التفرقةُ بين ما صاده، أو صِيدَ لأجله من حَلال، وبين ما صاده حلالٌ لا لأجل المحرم، فأباحوا الأخيرَ -كما تقدم-، وكما يأتي في كلام المصنف تأويله (٥).
قال الحافظ ﵀، ورضي عنه-: (وفي لفظ لمسلم): أهدى
стр. 2348
الصعبُ بنُ جثامة للنّبيِّ ﷺ (رِجْلَ حمارٍ)، ذكره من رواية منصور عن الحكم.
(وفي لفظ) لمسلم من رواية شعبة عن حبيب: أهدى؛ أي: الصعب (شِقَّ حمارِ) وحشٍ، فردَّه.
(وفي لفظ) لمسلم أيضًا من رواية شعبة عن الحكم: أهدى الصعبُ بنُ جثامة للنّبيِّ ﷺ (عَجُزَ حمارِ) وحشٍ يقطرُ دمًا.
وأخرج مسلم أيضًا من حديث ابن عيينة عن الزهري، فقال: لَحْمَ حمارِ وحشٍ (١).
وفي لفظ: من لحمِ حمارِ وحش (٢).
وهذه الروايات والطرق التي ذكرها مسلم صريحة في أنه مذبوح، وأنه إنما أهدي بعض لحم صيد، لا كله كما قاله النووي (٣)، ولا معارضة بين قوله: رجلَ حمار، وعجزه، وشقه، إذ يندفع بإرادة رجلٍ معها الفخذُ وبعض جانب الذبيحة، فوجب حملُ رواية: أهدى حمارا: على أنه من إطلاق اسم الكل على البعض، ويمتنع العكس، إذ إطلاق الرجل على كل الحيوان غير معهود؛ لأنه لا يطلق على زيد إصبع ونحوه؛ لأنه غير جائز، لما عرف من أن شرط إطلاق اسم البعض على الكل التلازم، كالرقبة على الإنسان، والرأس، فإنه لا إنسان بدونهما، بخلاف نحو الرجل والظفر.
стр. 2349
وأما إطلاق العين على [الرقيب] (١)، فليس من حيث هو إنسان، بل من حيث هو رقيب، وهو من هذه الحيثية لا يتحقق بلا عين على ما عرف في التحقيقات، أو هو أحد معاني المشترك اللفظي، كما عدَّه الأكثر منها (٢).
قال الحافظ المصنف -رحمه الله تعالى-: (وجه هذا الحديث: أنه ﷺ ظن أنه)؛ أي: حمارَ الوحش (صِيد) -بكسر الصاد المهملة مبنيًا لما لم يسمَّ فاعله-؛ أي: صاده الصعبُ بنُ جثامة (لأجله) ﷺ ، (والمحرم لا يأكل ما)؛ أي: صيدًا (صِيد لأجله) -كما قدمنا الكلام عليه-.
قال الشافعي: إن كان الصعب أهدى حمارًا حيًا، فليس للمحرم أن يذبح حمار وحش حي، وإن كان أهدى له لحمًا، فقد يحتمل أن يكون علم أنه صيده.
ونقل الترمذي عن الشافعي: أنه ردَّه لظنه أنه صِيدَ من أجله، فتركه على وجه التنزه.
وقد روى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي من حديث جابر بن عبد الله ﵄: أن النّبي ﷺ قال: "صيدُ البرِّ لكم حلال وأنتم حُرُم ما لم تَصيدوه، أو يُصَدْ لكم" (٣).
قال الإمام الشافعي: هذا أحسنُ حديث رُوي في هذا الباب، وأَقْيَسُ (٤).
стр. 2350
تنبيه: وقد اتفقت الروايات كلها على أنه ﷺ ردَّ حمارَ الوحش على الصعب بنِ جثامة، ولم يقبله منه، إلا ما رواه ابنُ وهبٍ، والبيهقيُّ من طريقه بإسناد حسنٍ من طريق عمرو بن أمية: أن الصعب أهدى للنّبي ﷺ
عجزَ حمارِ وحش، وهو بالجحفة، فأكل منه، وأكل القوم.
قال البيهقي: إن كان هذا محفوظًا، فلعله ردَّ الحيَّ، وقبلَ اللحم (١).
قال الحافظ ابن حجر: وفي هذا الجمع نظر، قال: [إن] كانت الطرق كلها محفوظة، فلعله رده حيًا، لكونه صِيدَ لأجله، وردَّ اللحمَ تارةً بذلك، وقبله تارةً أخرى حيث علم أنه لم يُصد لأجله، ويحتمل أن يحمل القبول المذكور في حديث عمرو بن أمية على وقتْ آخرَ، وهو حالَ رجوعه ﷺ من مكة، ويؤيده أنه جازم فيه بوقوع ذلك في الجحفة (٢).
وقال القرطبي في الجمع بين كونه أهدى حمارًا، أو بين كونه أهدى عجز حمار، أو رجل حمار -على ما مر-: يمكن أن يكون الصعب أحضر الحمار مذبوحًا، ثم قطع منه عضوًا بحضرة النّبي ﷺ ، فقدمه له، فرده، فمن قال: أهدى حمارًا، أراد: بتمامه مذبوحًا لا حيًا، ومن قال: لحم حمار، أراد: ما قدمه للنّبي ﷺ (٣).
تتمة: الحمارُ الوحشي يسمَّى: الفَرَأ، ويقال: حمار وحش، وحمار وحشي، وهو العَيْر، وربما أطلق العير عليه وعلى الأهلي أيضًا، وحمارُ الوحش شديدُ الغيرة، ولذلك يحمي عانته الدهرَ كلَّه، ومن عجيب أمره:
стр. 2351
أن الأنثى إذا ولدت ذكرًا، كَدَمَ الفحلُ خصيتيه، ولذلك تعمل الحيلة في الهرب منه حتى يسلم، وربما كسرت رجله كيلا يسعى، ولا تزال ترضعه حتى يكبر، فيسلم من أبيه.
ويقال: إن الحمار الوحشي يُعَمَّر أكثر من مئتي سنة.
وذكر ابن خلكان: أن حمارًا وحشيًا عاش أكثر من ثمان مئة سنة (١).
ولا خلاف في إباحة الحمر الوحشية، إلا ما رُوي عن مطرف: أنه قال: إذا أنس، واعتلف، صار كالأهلي، وأهلُ العلم على خلافه (٢)، والله تعالى الموفق.
قال شارحه الشيخُ الهمامُ الفهامةُ الحاجُّ محمد السَّفَّارينيُّ: نجز الجزءُ الأول من "العمدة" لستٍّ خلت من شعبان سنة ألف ومئة وخمس وستين من الهجرة النبوية.
وقد كان الفراغ من كتابة هذا الجزء في اليوم الثامن والعشرين من شهر رمضان المعظم سنة سبع وستين ومئة وألف على يد كاتبه العبد الفقير الراجي العفوَ من ربه القدير حسن بن السيد هاشم بن السيد عثمان بن السيد سليمان بن السيد حسن الحنبلي الجعفري الحسني -عفا الله تعالى عنه بمنه وكرمه-، وقد نقلت هذه النسخة من مسودة المؤلف -فسح الله تعالى في مدته، ونفع المسلمين بعلومه-، آمين، اللهم آمين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم.
стр. 2352
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين
كتاب البيوع
جمع بَيعْ، وكأنه عبر بالجمع، لاختلاف أنواعه (١)، والبيع مصدر بعت، يُقال: باع، ويبيعُ بمعنى: مَلَكَ، وبمعنى: اشترى، وكذلك شرى يكون للمعنيين.
وحكى الزجّاج وغيره: باع وأباع بمعنى واحد، وقال غير واحد من الفقهاء: اشتقاقه من الباع (٢)، وهو قدر مدّ اليدين، كالبوع، ويضم، والجمع أبواع، كما في "القاموس" (٣)؛ لأنَّ كل واحد من المتعاقدين يمد باعه للأخذ والإعطاء.
قال في "المطلع": وهو ضعيف لوجهين:
أحدهما: أنه مصدر، والصحيح أنَّ المصادر غير مشتقة.
والثاني: أنَّ الباع عينه واو، والبيع عينه ياء، وشرط صحة الاشتقاق الاتفاقُ في الأصلِ والفرعِ في جميع الأصول.
قالى في "المطلع": قال صاحب "المستوعب":
стр. 2353
البيع لغةً: عبارة عن الإيجاب والقبول، إذا تناولَ عينين أو عينًا بثمن، ولهذا لم يُسمَّ عقدُ النكاح والإجارة بيعًا (١).
واصطلاحًا -كما قاله المتأخرون-: مبادلة عين مالية أو منفعة مباحة بإحداهما، أو بمال في الذِّمَّة للملك على التأبيد غير ربًا وقرض (٢).
وأركانه: متعاقدان، ومعقودٌ عليه، وصيغة.
وذكر المصنِّف -رحمه الله تعالى- في هذا الباب حديثين:
(عن) أبي عبدِ الرحمن (عبدِ الله بنِ) أميرِ المؤمنين (عمرَ) بنِ الخطاب (﵄ عن رسول الله ﷺ ، [أنَّه] قال: إذا تبايعَ الرجلانِ)؛ أي: الشخصان من رجلين أو امرأتين، أو رجل وامرأة (فكل واحد منهما) مستقل (بالخيار)؛ أي: خيار الفسخ.
والخيار -بكسر الخاء المعجمة-: اسم من الخيار أو التخيير، قال في "المطلع": اسم مصدر من اختار يختار اختيارًا، وهو طلب خير الأمرين، من إمضاء البيع، وفسخه (١).
ويستمر ذلك لكل واحد منهما (ما لم يتفرقا) من مجلس العقد بأبدانهما التفرقَ المُسقِط للخيار، وهو تفرقهما بحيث لو كلَّم أحدهما صاحبه الكلام المعتاد، لم يسمعه، كذا في "المطلع" (٢).
ومعتمد المذهب إناطة التفرق بالعرف، ولابد أَنْ يكون التفرق بأبدانهما عرفًا من مجلس العقد اختيارًا، ولو بهرب أحدهما من صاحبه، لا مع إكراه، أو فزع من مخوف، أو إلجاء بسيل، أو حمْلٍ، وهما على خيارهما حتى يتفرقا من مجلس زال فيه ذلك (٣)، (و) يبقى لهما خيار المجلس ما (كانا)؛ أي: المتعاقدان (جميعًا).
فإن مات أحدهما، انقطع الخيار، لا إن جُنَّ، وهو على خياره إذا أفاق، ولا يثبت لوليه.
стр. 2356
(أو يخيرْ أحدُهما)؛ أي: المتبايعان (الآخرَ)، وهذا معطوف على قوله ﷺ : "ما لم يتفرقا"؛ أي: وما لم يخير أحدهما الآخرَ.
(فتبايعا على ذلك)؛ أي: على خيار شرط، وجب، وإلا، بأن يتبايعا على أن لا خيارَ بينهما، أو قال البائعِ: بعتُك على أنْ لا خيار بيننا، فقال المشتري: قبلتُ، ولم يزد على ذلك، أو أسقط الخيار بعدَ العقد، مثلَ أنْ يقول كلُّ واحد منهما بعده: اخترت إمضاء العقد، أو التزامه (١).
(فقد وجب البيع)، وسقط خيار المجلس، وإنْ أسقط أحدهما خياره، أو عقد على أن لا خيارَ للبائع مثلًا، أو قال أحدهما لصاحبه: اخترْ، سقط خياره دونَ صاحبه، كلُّ هذا ما لم يشترط أحدهما خيارًا إلى مدَّة معلومة، وهو خيار الشرطَ، فإنْ شرطا، أو أحدهما في العقد، أو زمن الخيارين مدّة معلومة، ثبت (٢) -كما يأتي التنبيه على ذلك إن شاء الله تعالى- قريبًا.
(عن) أبي خالد (حَكيم) -بفتح الحاء المهملة وكسر الكاف- (بن حِزام) -بكسر الحاء المهملة وبالزاي- ابنِ خُويلد بنِ أسدِ بنِ عبدِ العُزَّى بن قُصَيٍّ، القرشيِّ، الأسديِّ، المكيِّ، وهو ابن أخ خديجةَ بنتِ خويلدٍ أمِّ المؤمنين ﵄.
ولد حكيم بن حزام (﵁) في جوف الكعبة، ولا يُعرفُ أحدٌ وُلِدَ فيها غيرُهُ، وما قيل: إنَّ عليًّا وُلِدَ بها أيضًا، فضعيف (١).
وكان ميلادُ حكيم قبل الفيل بثلاث عشرةَ سنةً، وهو من أشراف قريش ووجوهها في الجاهلية والإسلام، وهو من مُسلمة الفتح، هو وبنوه: عبد الله، وخالد، ويحيى، وهشام، وكلهم صحابة، وكان حكيم عاقلًا سريًا فاضلًا نقيًا، حَسُنَ إسلامه بعد أن كانَ من المؤلفة قلوبُهم، أعتق في الجاهلية مئة رقبة، وحمل على مئة بعير، وكان مع المشركين يوم بدر، فنجا من القتل، فكان إذا حلف بعد أن أسلم، قال: لا والذي نجاني يوم بدر (٢)!
قال ابن الجوزي في "منتخب المنتخب": وأعتق مئة رقبة في الإسلام أيضًا، وكذا ذكر أبو نعيم في "الحلية"، ومات بالمدينة في داره سنة أربع وخمسين، وقيل: ثمان وخمسين، وله مئة وعشرون سنة، ستون في الجاهلية، وستون في الإسلام.
روى عنه: عروةُ بنُ الزبير، وسعيدُ بنُ المسيَّب، وموسى بنُ طلحة.
وقال حكيم للنبي ﷺ : يا رسول الله! أرأيت أشياءَ كنتُ أفعلها في
стр. 2359
الجاهلية أتحنَّثُ بها، أَلي فيها أجر؟ فقال رسول الله ﷺ : "أسلمْتَ على ما أسلفت من خير" (١).
ومناقبه كثيرة، وكان قد عَمِيَ قبل موته.
رُوِيَ له عن رسول الله ﷺ أربعون حديثًا، اتفقا منها على أربعة (٢).
* فائدة: من كان عمره مثل حكيم بن حزام في الجاهلية والإسلام سُمِّيَ مُخَضْرَمًا، وقد شاركه في ذلك حسانُ بنُ ثابت، ونوفلُ بنُ معاوية، وحُويطبُ بنُ عبدِ العزى، وحِمْيَرُ بنُ عوفِ بنِ عبدِ عوفٍ، وسعيدُ بنُ يربوع، والنابغةُ الجعديُّ، وأميةُ بنُ ربيعةَ، وأوسُ بنُ معنٍ السَّعديُّ، واللجلاجُ، والربيعُ بنُ صبيح الفزاريُّ، ولكنه عاش وكبر وذلك على الخلاف ستون في الإسلام، يعني: من حين ظهوره واشتهاره، لا من ابتداء إسلامه (٣)، والله أعلم.
قال حكيم: (قال رسول الله ﷺ : البَيِّعَانِ) إطلاقُ البائع على المشتري
стр. 2360
إما على سبيل التغليب، أو أن كلًا منهما بايع (بالخيار) -بكسر الخاء المعجمة-، والمراد به: خيار المجلس (ما لم يتفرَّقا)، وفي رواية النسائي: "يفترقا" -بتقديم الفاء (١) -، ونقل ثعلب عن المفضل بن سلمة: افترقا بالكلام، وتفرقا بالأبدان، وردَّه ابن العربي، لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [البينة: ٤]، فإنه ظاهر في التفرق بالكلام، إلا أنه بالاعتقاد، وأجيب بأنه من لازمه في الغالب؛ لأنه من خالف آخر عقيدته، كان مستدعيًا لمفارقته إياه ببدنه، ولا يخفى ضعف هذا الجواب.
والحق حملُ كلام المفضل على الاستعمال بالحقيقة، وإنما استعمل أحدهما في موضع الآخر اتساعًا (٢).
وإذا تفرقا، لزم البيع، والمراد: التفرق بالأبدان -كما تقدم-.
وهل له حدٌّ ينتهي إليه؟ المشهور الراجح من مذاهب العلماء في ذلك: أنه موكول إلى العرف، فكل ما عُدَّ في العرف تفرقًا، حُكم به، وما لا، فلا (٣)، (أو قال ﷺ : حَتّى يتفرقا) من مجلس العقد الذي عقدا به البيع، (فإن صدقا وبيَّنا)؛ أي: صدق البائع في إخبار الشاري مثلًا، وبيَّن العَيبَ إن كان في السلعة، وصدق المشتري في قدر الثمن مثلًا، وبيَّن العيب إن كان في الثمن، ويحتمل أن يكون الصدق والبيان بمعنى واحد، وذكر أحدهما تأكيدًا للآخر (٤) (بُورك لهما في بيعهما)؛ أي: بارك الله لكل واحد منهما في صفقته، فالبائع يُبارك له في الثمن، والمشتري يبارك له في السلعة.
стр. 2361
والبركة: هي الزيادةُ والنماءُ والكثرةُ والاتساعُ (١)؛ أي: تحصل البركة لكل واحد من المتبايعين، والنماء والزيادة بما آل إليه، وقبضه مع الصدق والبيان (وإن كتما)؛ أي: كتم كل واحد منهما ما في الذي دفعه لصاحبه من عيب، (وكَذَبا)؛ أي: كذب كل واحد منهما في قدر الثمن والمثمَّن الذي في الإخبار بذلك، (مُحقتْ بركةُ بيعِهما) المحق: النقص والمحو والإبطال (٢)، وفي الحديث: "الحَلِفُ مَنْفَقَة للسلعةِ، مَمْحَقَة للبركةِ" (٣)، وفي الحديث: "ما محقَ الإسلامَ شيءٌ ما محقَ الشحُّ" (٤)، فيحتمل أن يكون معنى هذا الحديث على ظاهره، وأن شؤم التدليس والكذب وقع في ذلك العقد لمحق بركته، وإن كان الصادق مأجورًا والكاذب مأزورًا، ويحتمل أن يكون ذلك مختصًا بمن وقع منه التدليس والعيب دون الآخر، ورجَّحه ابن أبي جمرة.
وفي الحديث: فضلُ الصدق، والحت عليه، وذمُّ الكذب، والحثُّ على اجتنابه، وأنه سبب لذهاب البركة، وأن عمل الآخرة يحصِّل خير الدنيا والآخرة بملازمة الصدق واتباعه (٥).
стр. 2362
تنبيهات:
* الأول: اختلف الفقهاء ﵃ في مضمون ما دلَّ عليه حديث ابن عمر، وحديث حكيم بن حزام، من ثبوت خيار المجلس في البيع، فقال إمامنا الإمام أحمد، والإمام الشافعي، وفقهاء أصحاب الحديث بمضمونه، فأثبتوه في عقود المعاوضات اللازمة التي لا يقصد فيها العوض، كالنكاح والخلع والكتابة.
ونفاه الإمام أبو حنيفة، والإمام مالك ﵃ أجمعين -.
وهذان الحديثان يدلان على إثبات خيار المجلس دلالة ظاهرة.
وفي بعض ألفاظ حديث ابن عمر كما في "الصحيحين": "المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر"، وربما قال: "أو يكون بيع الخيار" (١).
وفي لفظ: "كلُّ بيعين لا بيعَ بينهما حتى يتفرقا، إلا بيع الخيار" متفق عليه أيضًا (٢).
وفي لفظ: "المتبايعان كلُّ واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا، إلا بيعَ الخيار" (٣).
وفي لفظ: "إذا تبايع المتبايعان بالبيع، فكل واحد منهما بالخيار من بيعه ما لم يتفرقا، أو يكون بيعهما عن خيار، فإذا كان بيعهما عن خيار، فقد وجب البيع".
стр. 2363
قال نافع: كان ابن عمر ﵄ إذا بايع رجلًا، فأراد أَلَّا يقيله، قام فمشى هنية، ثم رجع، متفق على ذلك أيضًا (١).
وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "البيع والمبتاع بالخيار حتى يتفرقا، إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحلُّ له أن يفارقه خشية أن يستقيله"، ورواه الدارقطني أيضًا (٢).
وفي لفظ: "حتى يتفرقا من مكانهما" (٣).
وعن ابن عمر ﵄ قال: بعتُ أمير المؤمنين عثمان ﵁ مالًا بالوادي بمال له بخيبر، فلما تبايعنا، رجعت على عقبي حتى خرجت من بيته خشية أن يرادَّني البيع، وكانت السنَّة أن المتبايعين بالخيار حتى يتفرقا رواه البخاري (٤).
فهذه الأحاديث تدل دلالة ظاهرة على ثبوت خيار المجلس في البيع، ووافق ابن حبيب من أصحاب مالك من أثبته، والذين نفوه اختلفوا في وجه العذر عن الأحاديث الدالة عليه، فقيل: لكونه حديثًا خالفه راويه -وهو
стр. 2364
مالك-؛ فإنه رواه ولم يقل به، وكل ما كان كذلك لم يعمل به؛ لأن الراوي إذا خالف، فإما أن يكون مع علمه بالصحة فيكون فاسقًا، فلا تُقبل روايته، وإما أن يكون لا مع علمه بالصحة، وهو أعلم بعلل ما روى، فيتبع في ذلك.
والجواب: منع المقدمة الثانية، وهو أن الراوي إذا خالف ما رواه، لم يعمل بروايته، وقولهم: إن كان مع علمه بالصحة، كان فاسقًا، ممنوع، لجواز أن يعلم بالصحة، ويخالف لمعارضٍ راجح عنده، ولا يلزم تقليده فيه، وقولهم: إن كان لا معَ علمه بالصحة، وهو أعلم بروايته، فيتبع في ذلك، ممنوع أيضًا؛ لأنه إذا ثبت الحديث، وجب العمل به ظاهرًا، فلا يترك لمجرد الوهم والاحتمال.
وأيضًا: هذا الحديث مرويٌّ من عدة طرق، فإن تعذر الاستدلال به من جهة رواية مالك، لم يتعذر من جهة أخرى، وإنما ربما يستأنس لما زعموا عند التفرُّق، والواقع خلافه.
وقيل في العذر عن العمل بمضمون الأحاديث: إنها آحاد فيما تعمُّ به البلوى، وخبر الواحد في ذلك غير مقبول، فإن البياعات مما تكرر مرات لا تحصى، ومثل هذا تعمُّ البلوى بمعرفة حكمه، وما عمَّت به البلوى، يكون معلومًا عند الكافة عادة، فانفراد واحد به خلاف العادة.
والجواب عن ذلك: بمنع المقدمتين معًا:
أما الأولى: فالذي تعمُّ به البلوى: البيع دون الفسخ الذي دلَّ عليه الحديث، فإنَّ الظاهر من الإقدام على البيع الرغبةُ من المتعاقدين فيما صارا إليه، فالحاجة في معرفة حكم الفسخ لا تكون عامَّة.
وأما الثانية: فالمعوَّل عليه في الرواية عدالةُ الراوي، وجزمه بالرواية،
стр. 2365
وقد وجد ذلك، وعدم نقل غيره لا يكون معارضًا، لجواز عدم سماعه للحكم، فإن الرسول ﷺ كان يُبَلِّغ الأحكام للآحاد والجماعة، ولا يلزم تبليغ كل حكم لجميع المكلفين.
وعلى تقدير السماع، فمن الجائز أن يعرض مانع من النقل -أعني: نقل غير هذا الراوي-، فإنما يكون ما ذكر إذا اقتضت العادة أن لا يخفى الشيء عن أهل التواتر، وليست الأحكام الجزئية من هذا القبيل، وقد علمت أنَّ الحديث صحَّ عن ابن عمر، وحكيم بن حزام، وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵃.
وقيل في العذر: إنَّ هذا مخالف للقياس الجلي، وللأصول القياسية المقطوع بها، وما كان كذلك، لا يعمل به.
والجواب:
أولًا: عدمُ التسليم في مخالفة القياس الجلي والأصول القياسية.
وثانيًا: لا نسلم أن الحديث المخالف للأصول يُردـ، فإن الأصول تثبت بالنصوص، والنصوصُ ثابتة في الفروع المعينة، وغاية ما في الباب أن يكون الشرع أخرج بعض الجزئيات عن الكليات لمصلحة تخصها، أو تعبُّدًا، فيجب اتباعه.
وقيل في العذر: إنَّ هذا حديث معارض لإجماع أهل المدينة وعملهم، وما كان كذلك، يقدم عليه العمل، وقد قال مالك عقيب روايته: وليس لهذا عندنا حدٌّ معلوم، ولا أمر معمول به فيه، انتهى.
وإنما كان إجماع أهل المدينة مقدمًا على مثل هذا، لما اختصوا به من سكناهم في مهبط الوحي، ووفاة الرسول ﷺ بين أظهرهم، ومعرفتهم بالناسخ والمنسوخ، فمخالفتهم لبعض الأخبار تقتضي علمهم بما أوجب
стр. 2366
ترك العمل به من ناسخ، أو دليل راجح، ولا تهمة تلحقهم، فتعيَّنَ اتباعُهم، وكان ذلك أرجح من خبر الآحاد المخالف لعملهم.
والجواب:
أولًا: منعُ كونِ ذلك من إجماع أهل المدينة، فإن الإمام مالكًا لم يصرِّح بأنَّ المسألة من إجماع أهل المدينة، وأيضًا هذا الإجماع إما أن يراد به إجماع سابق، أو لاحق، والأول باطل؛ لأن ابن عمر رأس المفتين بالمدينة في وقته، وقد كان يرى خيار المجلس، وكذا نافع من التابعين، وكذا اللاحق، فإن ابن أبي ذئب من أقران مالك ومعاصريه، وقد أغلظ على مالك لما بلغه مخالفته للحديث.
وثانيًا: منعُ كونِ إجماع أهل المدينة وعملهم مقدمًا على خبر الواحد مطلقًا، فإن الحق الذي لا شك فيه أن عملهم وإجماعهم لا يكون حجة فيما طريقه الاجتهاد والنظر؛ لأن الدليل العاصم للأمة من الخطأ في الاجتهاد لا يتناول بعضهم، ولا مستند للعصمة سواه (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في المسألة المالكية بعد أن فصل إجماع أهل المدينة ونوَّعه إلى أربعة أنواع، فقال:
المرتبة الرابعة: العمل المتأخر من أهل المدينة هل هو حجة شرعية يجب اتباعه أم لا؟
فالذي عليه أئمة الناس: أنه ليس بحجة شرعية، هذا مذهب الشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة، وغيرهم، وهو قول المحققين من أصحاب مالك؛
стр. 2367
كما ذكر ذلك القاضي عبد الوهاب (١) في كتابه "الملخص في أصول الفقه" وغيره، وذكر أنَّ هذا ليس إجماعًا ولا حجةً عند المحققين من أصحاب مالك، وإنما يجعله حجةً بعضُ أهل المغرب من أصحابه، وليس هؤلاء من أئمة النظر والدليل، وإنما هم أهل التقليد، انتهى كلام القاضي عبد الوهاب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ولم أرَ في كلام مالك ما يوجب جعلَ هذا حجة، وهو في "الموطأ" إنما ذكر الأمر المجمع عليه عندهم، فهو يحكي مذهبهم، وتارةً يقول: الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا، يشير إلى الإجماع القديم، وأطال الكلام في ذلك، وحاصله عدمُ اعتبار كونه حجة، والله أعلم.
وقيل في العذر: ما في بعض الروايات: "ولا يحل له أن يفارقه خشيةَ أن يستقيله" (٢)، فاستدلوا بهذه الزيادة على عدم ثبوت خيار المجلس؛ لأنه لولا أن العقد لازم، لما احتاج إلى الاستقالة، ولا طلب الفرار من الاستقالة.
والجواب: بأن المراد من الاستقالة: فسخُ البيع بحكم الخيار، ولا يخفى ما في هذا العذر من الغرر، والله أعلم.
стр. 2368
وقيل في العذر: بحمل المتبايعين على المتساومين.
قلت: ويعلم رَدُّ هذا من جوهر الحديث، ومن فعلِ ابن عمر مع عثمان كما ذكرناه أولًا. وقيل غير ذلك، وكلها واهية ساقطة مصادمة للنص، فلا التفات إليها، ولا تعويل عليها (١)، والله الموفق.
* الثاني: اختلف فيما قبضُه شرطٌ لصحته، كصرف وسَلَم، وبيعِ مال الربا بجنسه.
فقال أبو حنيفة، ومالك: ليس بثابت في ذلك، ولا في عقد من العقود، وأثبته الإمام الشافعي، وهو معتمد الروايتين عن الإمام أحمد (٢).
* الثالث: اتفق الأئمة على جواز خيار الشرط وصحته للمتعاقدين معًا، ولأحدهما بانفراده إذا شرطه، ثم اختلفوا في مدته، فقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجوز أكثر من ثلاثة أيام، وقال مالك: يجوز بقدر الحاجة، وقال الإمام أحمد: يجوز إلى مدة معلومة وإن طالت.
قال العلامة الشيخ مرعي في "غايته": ويتجه لا، كألف سنة، ومئة سنة، لإفضائه للمنع من التصرف المنافي للعقد (٣).
ولابد أن يشترطاه، أو أحدهما في العقد، أو في زمن الخيار، لا بعد لزومه، فلو كان المبيع لا يبقى إلى مضي المدة، كطعام رطب، بيع، وحُفظ ثمنه، وإن شرط الخيارَ بائعٌ ليربح فيما أقرضه، حَرُمَ نصًا، ولم يصح البيع، ويثبت فيما ثبت فيه خيار مجلس، لا فيما قبضه شرطًا لصحته،
стр. 2369
كصرف وسلم، ولو قبض (١)، والله أعلم.
وأما بقية أقسام الخيار، كخيار غبن، وتدليس، وعيب، وتخيير بثمن، واختلاف المتبايعين، أو لخلف في صفة، ولفقد شرط، فمحل تفصيلها كتب الفقه، إذ لم يُشر الحديث الذي شرحناه لغير ما ذكرنا.
* الرابع: لو تلف المبيع في مدَّة الخيار، فمعتمد مذهبنا: أنه يبطل الخيار بتلف المبيع، ولو قبل قبضه؛ خلافًا "للمنتهى" (٢)، أو احتاج لحق توفية، كما لو أتلفه مشترٍ.
وقال الإمام مالك، والشافعي: إذا تلفت السلعة المبيعة بالخيار في مدة الخيار، فضمانها من بائعها دون مشتريها، إذا كانت في يده، أو لم تكن في يد واحد منهما، وإن قبضها المبتاع، ثم تلفت في يده، وكانت مما يغاب عنه، فضمانها منه، إلا أن تقوم له بينة على تلفها، فيسقط عنه ضمانها، وإن كانت مما لا يغاب عنه، فضمانها على كل حال من بائعها.
وقال الإمام أبو حنيفة: إذا تلف المبيع في مدة الخيار إن كان قبل القبض، انتقض المبيع، سواء كان الخيار لهما، أو لأحدهما، وصار كأن لم ينعقد، فأما إن كان تلفه في يد المشتري، وكان له الخيار، فقد تمَّ البيع، ولزم، وإن كان الخيار للبائع، انتقض البيع، ولزم المشتري قيمة المبيع، لا الثمنُ المسمَّى في العقد (٣)، والله أعلم.
стр. 2370
باب ما نهي عنه من البيوع
من بيع المنابذة، والملامسة، وبيع النجش، والمصرَّاة، وبيع حَبَل الحَبَلة، وبيع الثمرة قبل أن يبدو صلاحها، وغير ذلك.
وذكر الحافظ في هذا الباب عشرة أحاديث:
(عن أبي سعيدٍ) سعدِ بنِ مالكٍ (الخدريِّ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ نهى) نهيَ تحريم (عن) بيع (المنابذة): مفاعلة من نبذَ الشيءَ ينبذه: إذا ألقاه (١)؛ أي: أن يجعل النبذ بيعًا، وفسَّر المنابذة بقوله: (وهي طرحُ الرجلِ)؛ أي: الشخص (ثوبَه بالبيعِ إلى الرجلِ قبلَ أنْ يُقَلِّبَهُ)؛ أي: الثوبَ، (أو) قبل أن (ينظرَ إليه).
وفي "النهاية": هي أن يقول الرجل لصاحبه: انبذ إليَّ الثوبَ، أو أنبذه إليك ليجبَ البيعُ.
وقيل: هو أن يقول: إذا نُبذت إليك الحصاةُ، فقد وجب البيع (٢).
قال علماؤنا: فلا يصح بيع المنابذة، للجهالة، أو التعليق، وكذا بيع الحصاة، كارمها، فعلى أي ثوب وقعت، فهو لك بكذا، أو بعتُك من هذه الأرض قدرَ ما تبلغ هذه الحصاة إذا رميتها بكذا، أو بعتك هذا بكذا على أني متى رميت هذه الحصاةَ، فقد وجب البيع، فلا يصح كل ذلك، لما فيه من الغررِ، والجهالةِ، وتعليقِ البيع (٣).
وفي "مسلم" عن أبي هريرة مرفوعًا: نهى عن بيع الحصاة (٤).
(ونهى) رسول الله ﷺ (عن) بيع (الملامسة، والملامسة) المنهيُّ عن البيع بها في هذا الحديث مفاعلة من (لمس) يلمس، ويلمس: إذا أجرى يده على الشيء (٥)، وهي أن يشتري الشخص (الثوب) ونحوه باللمس
стр. 2373
باليد، و (لا ينظر إليه) نظرًا يزيل الجهالة، وكقوله: بعتك ثوبي هذا على أنك متى لمسته، فهو عليك بكذا، أو على أنك إن لمستَه، فعليك بكذا؛ لأنه بيع معلق، ولا يصح تعليقه، أو: أي ثوب لمستَهُ، فهو عليك بكذا، لورود البيع على غير معلوم (١).
وفي "النهاية": نهى عن بيع الملامسة، وهي أن يقول: إذا لمستَ ثوبي، أو لمستُ ثوبك، فقد وجب البيع، وقيل: هو أن يلمس المتاع من وراء ثوب، ولا ينظر إليه، ليوقع البيع عليه، نهى عنه؛ لأنه غرر، أو لأنه تعليق، أو عدول عن الصيغة الشرعية، وقيل: معناه: أن يجعل اللمس باليد قاطعًا للخيار، ويرجع ذلك إلى تعليق اللزوم، وهو غير نافذ، انتهى (٢).
وقال ابن دقيق العيد: اتفق الناس على منع بيع المنابذة والملامسة، واختلفوا في تفسير الملامسة -وذكرَ نحو ما قدمناه-، وأما لفظ الحديث الذي ذكره المصنف، فإنه يقتضي أن جهة الفساد عدمُ النظر والتقليب، وقد يستدل به من يمنع بيعَ الأعيان الغائبة عملًا بالعلة، ومن يشترط الصفةَ في بيع الأعيان الغائبة لا يكون الحديث دليلًا عليه؛ لأنه ها هنا لم يذكر وصفًا، انتهى.
والفرق بين هذين البيعين وبين بيع المعاطاة: عدم الجهالة في بيع المعاطاة ووجودها، أو التعليق فيهما (٣)، والله أعلم.
(عن أبي هريرة) عبدِ الرحمنِ بنِ صخرٍ (﵁) أنَّ رسول الله ﷺ قال: لا تلقوا) -بحذف إحدى التاءين-: نهي تحريم (الركبانَ)، جمع راكب، فهو من البيوع المنهي عنها، لما يتعلق به من الضرر، وهو أن يتلقى طائفة يحملون متاعًا، فيشتريه منهم قبل أن يقدموا البلد فيعرفوا الأسعار، والكلام عليه في ثلاثة مواضع:
أحدها: التحريم، فإن كان عالمًا بالنهي، قاصدًا للتلقي، فهو حرام، وإن خرج لشغل آخر، فرآهم مقبلين، فاشترى، ففي إثمه وجهان، الأظهر: التأثيم.
الثاني: صحة البيع أو فساده، وهو عندنا كالشافعية صحيح، وإن كان آثمًا؛ لأن النهي يعود إلى خارج، وعند كثير من العلماء، يبطل، ومستنده: أنَّ النهي للفساد، ومستندنا كالشافعية: أنَّ النهي لا يرجع إلى نفس العقد، ولا يُخِلُّ هذا الفعل بشيء من أركانه وشرائطه، وإنما هو لأجل الإضرار
стр. 2376
بالركبان، وذلك لا يقدح في نفس البيع.
الثالث: إثبات الخيار المزيل للضرر الحاصل للركبان (١)، ومعتمد المذهب: إثباته.
قال في "الفروع": وإن تلقى الركبان، والمنصوص: ولو لم يقصد، فاشترى منهم، وغبنوا. وعنه: أولا، أو باعهم، فلهم الخيار.
وعنه: يبطل، اختاره أبو بكر (٢).
قال في "المنتهى وشرحه": ويثبت خيار الغبن لركبان، جمع راكب، والمراد هنا: القادم من سفر، وإن كان ماشيًا، تُلُقُّوا -بالبناء للمفعول-؛ أي: تلقاهم الحاضر حين قربوا من البلد، فاشترى أو باع منهم قبل أن يعرفوا السعر، ولو كان التلقي بلا قصد، نصًا؛ لأن مشروعية الخيار لهم إنما ثبتت لإزالة الإضرار بالغبن، وقد يوجد مع عدم القصد (٣).
وفي "صحيح مسلم" عنه ﵇: "لا تلقوا الجَلَب، فمن تلقاه، فاشترى منه، فإذا أتى [سيدُه] السوق، فهو بالخيار" (٤)، فلما أمكن استدراك الخديعة الحاصلة بالخيار، صحَّ البيع.
وعنه -أي: الإمام أحمد-: لا يصح العقد.
وعنه: يصح، ولا يثبت فيه خيار (٥).
стр. 2377
تنبيهان:
الأول: المعوَّل عليه في خيار الغبن: خروجُه عن العادة، وحدَّهُ بعضُهم بالخمس، وحدَّهُ الإمامُ مالك بالثلث، ولم يقل به أبو حنيفة والشافعي، فقالا: لا يثبت به الفسخ بحال.
وقال زين الدين أبو البركات بن المنجا في "شرح المقنع": وحدَّه أبو بكر في "تنبيهه"، وابن أبى موسى في "إرشاده" بالثلث، وقيل: هو مقدر بالسدس، انتهى (١).
الثاني: خيار الغبن على التراخي كخيار العيب؛ لأنه ثبت لرفع ضرر متحقق، فلم يسقط بالتأخير بلا رضا، كالقصاص، والله أعلم (٢).
وقال ﷺ : (ولا يبع بعضُكم) معشرَ المسلمين (على بَيْع بعض) بصيغة النهي، ويروى: "لا يبيع" بصورة النفي (٣)، وقال ابن قرقول: كلاهما صحيح (٤)، وقال ابن الأثير في روايات هذا الحديث: "لا يبيع" -بإثبات التحتية، والفعل غير مجزوم-، وذلك لحنٌ، قال: وإن صحت الرواية فتكون "لا" نافية، وقد أعطاها معنى النهي؛ لأنه: إذا نفى هذا البيع، فكأنه قد استمر عدمه، والمراد من النهي عن الفعل: إنما هو طلب إعدامه، أو استبقاء عدمه (٥)، فيحرم ذلك؛ كقوله لمشتر شيئًا بعشرة: أنا أعطيك مثله بتسعة.
стр. 2378
وكذا شراء على شراء مسلم، كقوله لبائع شيئًا بتسعة: عندي فيه عشرة، زمن الخيارين، يعني: خيار الشرط، وخيار المجلس، ليفسخ البيع، ويعقد معه؛ لأن الشراء في معنى البيع، ولأن الشراء يسمى بيعًا، وذلك لما فيهما من الإضرار بالمسلم، والإفساد عليه.
وكذا يحرم سومٌ على سوم المسلم مع الرضا من البائع صريحًا (١)، لما روى مسلم عن أبي هريرة ﵁: أنَّ النبي ﷺ قال: "لا يَسُمِ الرجلُ على سَوْم أخيه" (٢)، وأما السوم على السوم، مع عدم رضا البائع، لا يحرم، لما روى أنس ﵁: أنَّ رجلًا من الأنصار شكا إلى النبي ﷺ الشدة والجهد، فقال له النبي ﷺ : "أما بقيَ لك شيء؟ "، قال: بلى، قَدَح وحِلْس، قال: "فأتني بهما"، فأتاه بهما، فقال: "من يبتاعهما منه؟ " رواه الترمذي، وحسَّنه (٣).
وهذا إجماع، فإنَّ المسلمين لم يزالوا يتبايعون في أسواقهم بالمزايدة (٤)، ولا يحرم بيع ولا شراء ولا سوم بعد ردّ السلعة المبتاعة، أو ردّ السائم في مسألة السوم؛ لأن العقد أو الرضا بعد الرد غير موجود، ولا يحرم بذل بأكثرَ مما اشترى، كأن يقول لمن اشترى شيئا بعشرة:
стр. 2379
أعطيك مثلَه بإحدى عشر؛ لأن الطبع يأبى إجابته، وكذا قوله لبائع شيء بعشرة: عندي فيه تسعة، ويصح العقد على السوم فقط؛ لأنَّ المنهي عنه السوم لا البيع، وأما البيع على بيعه، والشراءُ على شرائه، فلا يصحان، للنهي عن ذلك، وهو يقتضي الفساد، ومثل البيع إجارة (١).
وللتحريم عند الشافعي شرطان:
أحدهما: استقرار الثمن، فأما ما يباع بثمن يزيد، فللطالب أن يزيد على الطالب، ويدخل عليه.
الثاني: أن يحصل التراضي بين المتساومين صريحًا، فإن وجد ما يدل على الرضا من غير تصريح، فوجهان (٢).
وقد بينا لك معتمد مذهبنا: أنه لابد في السوم من الرضا صريحًا، وفي البيع لابد من كونه زمن الخيارين -على ما مرَّ-.
وذكر الشيخ يوسف في "حاشية المنتهى":
قال ابن نصر الله في "حاشية الرعاية": وظاهر هذا: لا يحرم شراؤه وبيعه على شراء ذمي وبيعه، وقد صرحوا بذلك في الخطبة، وهذا مثله.
وجزم بذلك في "حاشية الكافي" في مسألة البيع، وقال فيها أيضًا: وهل يتعدى الحكم إلى الذمي مع الذمي؟ يحتمل وجهين، أظهرهما: عدم التعدي، انتهى.
تنبيه:
قال في "النكت": وإن رضي البائع أن يبيع على بيعه، وأذن له في
стр. 2380
ذلك، فإطلاق كلامهم يقتضي المنع، والتعليل يقتضي الجواز، وهو أولى؛ لأن صورة الإذن مستثناة في "الصحيحين" (١)، ولفظه من حديث ابن عمر ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا يبعْ بعضُكم على بيع بعض" (٢)، وفي لفظ آخر: "لا يبيع الرجلُ على بيع أخيه، ولا يخطبُ على خطبة أخيه، إلا أن يأذن له" (٣)، والله أعلم.
قال أبو هريرة ﵁: وقال رسول الله ﷺ : (ولا تَنَاجَشُوا).
والنجشُ: أن يزيد في ثمن سلعة تُباع ليغرَّ غيره، وهو غير راغب فيها.
قال في "المطلع": النجش أصلُه: الاستخراج والاستثارة (٤).
قال ابن سيده: نجش الصيدَ وكلَّ مستور ينجشه نجشًا: إذا استخرجه، والناجش: المستخرجُ للصيد (٥)، وفي حديث ابن المسيب: "لا تطلع الشمسُ حتى ينجشُها ثلاث مئة وستون ملكًا" (٦)؛ أي: يستثيرها (٧).
وقال ابن قتيبة: النجش: الختل، ومنه قيل للصائد: ناجش؛ لأنه يختل الصيد (٨).
стр. 2381
وقال أبو السعادات: النجش: أن يمدح السلعة، أو يزيد في ثمنها، لينفِّقها ويروِّجها، وهو لا يريد شراءها، ليقع غيره فيها (١).
قال في "المنتهى وشرحه": ويثبت الخيار في النجش، ثم فسَّر صورة النجش بقوله: بأن يزايده، أي: يزايد المشتري السلعة من لا يريد شراءً. قال: وظاهره: أنه لابد أن يكون المزايد عالمًا بالقيمة، والمشتري جاهلًا بها. قال: ويثبت له الخيار، ولو بلا مواطأة مع البائع، للعلة المتقدمة، وهي إزالة الضرر الحاصل للمشتري بالتغرير الواقع منه، فقد يوجد الضرر من غير قصد. قال: ومن النجش قول بائع: أُعطيت في هذه السلعة كذا، وهو كاذب.
ويحرم النجش، لتغريره المشتري، ولهذا يحرم على بائع سومُ مشترٍ كثيرًا ليبذل قريبًا منه، ذكره الشيخ تقي الدين بن تيمية -قدس الله روحه-.
وإذا أخبره أنه اشتراها بكذا، وكانت زائدًا عما اشتراها به، لم يبطل البيع، وكان له الخيار. صححه في "الإنصاف" (٢).
تنبيه:
الذي اعتمده علماؤنا: صحةُ البيع في النجش، وثبوت الخيار، ولو بلا مواطأة.
وعن الإمام أحمد رواية: يبطل البيع، اختارها أبو بكر.
وعنه: يقع لازمًا، فلا فسخ من غير رضا، ذكرها في "الانتصار" (٣).
стр. 2382
وقال الشافعية: البيع صحيح، ولا يثبت الخيار للمشتري الذي غرَّ بالنجش، إن لم يكن عن مواطأة من البائع (١)، وحيث قلنا بثبوت الخيار لمن غبن بالنجش، فليس له الأرش مع إمساك المبيع؛ لأن الشرع لم يجعله له، ولم يفُتْ عليه جزء من مبيع يأخذ الأرش في مقابلته (٢).
وقال ﷺ : (ولا يبعْ حاضرٌ لبادٍ) فبيعُ الحاضر للبادي من البيوع المنهيِّ عنها، لأجل الضرر (٣)، فلا يصح البيع على معتمد مذهب الإمام أحمد، ويأتي الكلام عليه في حديث ابن عباس ﵄، وهو سادس أحاديث الباب.
وقال ﷺ : (ولا تُصَرُّوا) الإبلَ و (الغنمَ) -بضم التاء وفتح الصاد المهملة وتشديد الراء المضمومة، على وزن: لا تُزَكُّوا-، هذا هو المشهور، ومنهم من رواه -بفتح التاء وضم الصاد (٤) -.
قال في "النهاية": إن كان من الصَّرِّ، فهو -بفتح التاء وضم الصاد-، وإن كان من الصَّرْي، فهو -بضم التاء- (٥).
قال في "المطلع": التصرية: مصدرُ صَرَّى، كعلَّى تعليةً، وسوَّى تسوية، ويقال: صَرَى يصري، كرمى يرمي، كلاهما بمعنى: جمع. قال: والأكثرون على أن التصرية مصدر صرى يصري -معتل اللام-، وذكر الأزهري عن الشافعي: أن المصراة: التي تصر أحلابها، ولا تحلب أيامًا
стр. 2383
حتى يجتمع اللبن في ضرعها، فإذا حلبها المشتري، استغزرها، فجائز أن يكون من الصر (١)، إلا أنه لما اجتمع في الكلمة ثلاث راءات، قلبت الثالثة ياءً، كما قالوا: تقضَّى في تقضَّض، وتصرَّى في تصرَّرَ، كراهيةً لاجتماع الأمثال (٢).
واستشهدوا لهذا بقول مالك بن نُويرة حين جمع بنو يربوع صدقاتهم ليوجهوا بها إلى الصدِّيق الأعظم أبي بكر ﵁، فمنعهم من ذلك، وقال: [من الطويل]
وَقُلْتُ خُذُوهَا هَذِهِ صَدَقَاتُكُمْ ... مُصَرَّرَةً أَحْلابُها لَمْ تُجَرَّدِ
سَأَجْعَلُ نَفْسِي دُونَ ما تَجِدُونَهُ ... وَأَرْهَنُكُمْ يَوْمًا بِما قُلْتُهُ يَدِي (٣)
واعلم: أنه لا خلاف بين العلماء أن التصرية حرام، لأجل الغش والخديعة التي فيها للمشتري، والنهي يدل عليه مع علم تحريم الخديعة قطعًا (٤).
ومعتمد مذهبنا: يثبت لمشترٍ بالتدليس الردُّ، ولو حصل التدليس في البيع بلا قصد من أحد؛ لأن عدم القصد لا أثر له في إزالة الضرر الحاصل للمشتري، وفيه وجه (٥).
стр. 2384
قال: (ومَنِ ابتاعَها)؛ أي: المصراةَ، (فهو بخيرِ النظرين)؛ أي الردِّ أو الإمساكِ، وذلك (بعد أن يحلبها).
وفي حديث أبي هريرة عند الشيخين مرفوعًا: "من اشترى شاةً مُصَرَّاةً، فلينقلب بها فَلْيَحْلُبْهَا، فإن رضي حِلابَها، أمسكَها، وإلا، ردَّها ومعها صاعٌ من تمر" (١)، وفي لفظ: "من ابتاعَ شاةً مصراةً، فهو فيها بالخيار ثلاثة أيام، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردَّها [وَرَدَّ معها صاعًا من تمر] " (٢)، فقد صرَّح في الحديث المتفق عليه بالثلاثة أيام، فهو مبين لما أبهمه هنا (إن رضيها) بعد حلبها ثلاثة أيام (أمسكها) ومضى البيع، (وإن سخطها)، لقلة لبنها بعد الثلاثة أيام (ردَّها و) ردَّ معها (صاعًا من تَمْرٍ).
ثم قال الحافظ -رحمه الله تعالى- مشيرًا لرواية أبي هريرة التي ذكرناها، وهي في "الصحيحين": (وفي لفظ: وهو بالخيار ثلاثًا)، وفي لفظ آخر: "من اشترى شاةً مصراةً، فهو بالخيار ثلاثة أيام، فإن ردَّها، ردَّ معها صاعًا من طعام لا سمراءَ" (٣).
قال في "المنتهى وشرحه": ومتى علم المشتري التصرية، خُيِّر ثلاثةَ أيام منذُ علم، وقيل: بعدها على الفور، وقيل: يخيَّر مطلقًا ما لم يرض، كبقية التدليس (٤).
والمذهب: الأول؛ لأن التصرية إنما تتحقق بثلاث حلبات، إذ في اليوم
стр. 2385
الأول لبنُها لبنُ التصرية، وفي اليوم الثاني والثالث يجوزُ أن يكون نقص، لاختلاف العلف وتغير المكان، فإذا مضت الثلاثة، تحققت التصرية غالبًا، فثبت إذًا الخيار على الفور، ومعتمد المذهب: أنَّ له الخيار في الثلاثة أيام إلى انقضائها، وأن ابتداء الثلاث منذ تبينت التصرية.
وكذا لو رُدَّت مصراةٌ بعيب غير التصرية قياسًا عليها، ويتعدد الصاع بتعداد المصراة، وله ردُّها بعد رضاه بالتصرية بعيبٍ غيرِها، وقوله ﷺ : "فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها" ربما فُهِمَ منه اختصاص ثبوت الخيار بعد الحلب، والحال أنَّ الخيار ثابت قبل الحلب إذا عُلِمتْ التصرية.
وجوابه: أنه يثبت الخيار في هذين الأمرين المعينين، أعني: الإمساكَ، والردَّ مع الصاع، وهذا إنما يكون بعد الحلب، لتوقف هذين المعنيين على الحلب؛ لأن الصاع عوضٌ عن اللبن الذي نقص، ومن ضرورة ذلك الحلب، ويقبل ردَّ اللبن المحلوب من المصراة إن كان بحاله لم يتغير كردها قبل الحلب، وقد أقرَّ البائع له بالتصرية، أو ثبتت بينةٌ، فإن صار لبنها عادة، فلا خيار له، لزوال العيب الذي لأجله ثبت له الرد (١).
تنبيهات:
* الأول: ظاهرُ الحديث: تعيينُ كون المردود مع المصراة صاعَ تمر، ويتعين كونُه سليمًا، ولو زاد صاع التمر على المصراة قيمة، نصَّ عليه الإمام أحمد، لظاهر الخبر، ولا فرق بين قلة اللبن وكثرته.
قال في "المنتهى وشرحه": فإن عدم التمر حين ردَّ المصراة بمحل الردِّ، فقيمته؛ لأنها بدل عنه عند إعوازه، والمعتبر قيمته موضع عقد؛ لأنه