← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

وقال أبو السعادات: النجش: أن يمدح السلعة، أو يزيد في ثمنها، لينفِّقها ويروِّجها، وهو لا يريد شراءها، ليقع غيره فيها (١). قال في "المنتهى وشرحه": ويثبت الخيار في النجش، ثم فسَّر صورة النجش بقوله: بأن يزايده، أي: يزايد المشتري السلعة من لا يريد شراءً. قال: وظاهره: أنه لابد أن يكون المزايد عالمًا بالقيمة، والمشتري جاهلًا بها. قال: ويثبت له الخيار، ولو بلا مواطأة مع البائع، للعلة المتقدمة، وهي إزالة الضرر الحاصل للمشتري بالتغرير الواقع منه، فقد يوجد الضرر من غير قصد. قال: ومن النجش قول بائع: أُعطيت في هذه السلعة كذا، وهو كاذب. ويحرم النجش، لتغريره المشتري، ولهذا يحرم على بائع سومُ مشترٍ كثيرًا ليبذل قريبًا منه، ذكره الشيخ تقي الدين بن تيمية -قدس الله روحه-. وإذا أخبره أنه اشتراها بكذا، وكانت زائدًا عما اشتراها به، لم يبطل البيع، وكان له الخيار. صححه في "الإنصاف" (٢). تنبيه: الذي اعتمده علماؤنا: صحةُ البيع في النجش، وثبوت الخيار، ولو بلا مواطأة. وعن الإمام أحمد رواية: يبطل البيع، اختارها أبو بكر. وعنه: يقع لازمًا، فلا فسخ من غير رضا، ذكرها في "الانتصار" (٣).

стр. 2382

وقال الشافعية: البيع صحيح، ولا يثبت الخيار للمشتري الذي غرَّ بالنجش، إن لم يكن عن مواطأة من البائع (١)، وحيث قلنا بثبوت الخيار لمن غبن بالنجش، فليس له الأرش مع إمساك المبيع؛ لأن الشرع لم يجعله له، ولم يفُتْ عليه جزء من مبيع يأخذ الأرش في مقابلته (٢). وقال ﷺ : (ولا يبعْ حاضرٌ لبادٍ) فبيعُ الحاضر للبادي من البيوع المنهيِّ عنها، لأجل الضرر (٣)، فلا يصح البيع على معتمد مذهب الإمام أحمد، ويأتي الكلام عليه في حديث ابن عباس ﵄، وهو سادس أحاديث الباب. وقال ﷺ : (ولا تُصَرُّوا) الإبلَ و (الغنمَ) -بضم التاء وفتح الصاد المهملة وتشديد الراء المضمومة، على وزن: لا تُزَكُّوا-، هذا هو المشهور، ومنهم من رواه -بفتح التاء وضم الصاد (٤) -. قال في "النهاية": إن كان من الصَّرِّ، فهو -بفتح التاء وضم الصاد-، وإن كان من الصَّرْي، فهو -بضم التاء- (٥). قال في "المطلع": التصرية: مصدرُ صَرَّى، كعلَّى تعليةً، وسوَّى تسوية، ويقال: صَرَى يصري، كرمى يرمي، كلاهما بمعنى: جمع. قال: والأكثرون على أن التصرية مصدر صرى يصري -معتل اللام-، وذكر الأزهري عن الشافعي: أن المصراة: التي تصر أحلابها، ولا تحلب أيامًا

стр. 2383

حتى يجتمع اللبن في ضرعها، فإذا حلبها المشتري، استغزرها، فجائز أن يكون من الصر (١)، إلا أنه لما اجتمع في الكلمة ثلاث راءات، قلبت الثالثة ياءً، كما قالوا: تقضَّى في تقضَّض، وتصرَّى في تصرَّرَ، كراهيةً لاجتماع الأمثال (٢). واستشهدوا لهذا بقول مالك بن نُويرة حين جمع بنو يربوع صدقاتهم ليوجهوا بها إلى الصدِّيق الأعظم أبي بكر ﵁، فمنعهم من ذلك، وقال: [من الطويل] وَقُلْتُ خُذُوهَا هَذِهِ صَدَقَاتُكُمْ ... مُصَرَّرَةً أَحْلابُها لَمْ تُجَرَّدِ سَأَجْعَلُ نَفْسِي دُونَ ما تَجِدُونَهُ ... وَأَرْهَنُكُمْ يَوْمًا بِما قُلْتُهُ يَدِي (٣) واعلم: أنه لا خلاف بين العلماء أن التصرية حرام، لأجل الغش والخديعة التي فيها للمشتري، والنهي يدل عليه مع علم تحريم الخديعة قطعًا (٤). ومعتمد مذهبنا: يثبت لمشترٍ بالتدليس الردُّ، ولو حصل التدليس في البيع بلا قصد من أحد؛ لأن عدم القصد لا أثر له في إزالة الضرر الحاصل للمشتري، وفيه وجه (٥).

стр. 2384

قال: (ومَنِ ابتاعَها)؛ أي: المصراةَ، (فهو بخيرِ النظرين)؛ أي الردِّ أو الإمساكِ، وذلك (بعد أن يحلبها). وفي حديث أبي هريرة عند الشيخين مرفوعًا: "من اشترى شاةً مُصَرَّاةً، فلينقلب بها فَلْيَحْلُبْهَا، فإن رضي حِلابَها، أمسكَها، وإلا، ردَّها ومعها صاعٌ من تمر" (١)، وفي لفظ: "من ابتاعَ شاةً مصراةً، فهو فيها بالخيار ثلاثة أيام، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردَّها [وَرَدَّ معها صاعًا من تمر] " (٢)، فقد صرَّح في الحديث المتفق عليه بالثلاثة أيام، فهو مبين لما أبهمه هنا (إن رضيها) بعد حلبها ثلاثة أيام (أمسكها) ومضى البيع، (وإن سخطها)، لقلة لبنها بعد الثلاثة أيام (ردَّها و) ردَّ معها (صاعًا من تَمْرٍ). ثم قال الحافظ -رحمه الله تعالى- مشيرًا لرواية أبي هريرة التي ذكرناها، وهي في "الصحيحين": (وفي لفظ: وهو بالخيار ثلاثًا)، وفي لفظ آخر: "من اشترى شاةً مصراةً، فهو بالخيار ثلاثة أيام، فإن ردَّها، ردَّ معها صاعًا من طعام لا سمراءَ" (٣). قال في "المنتهى وشرحه": ومتى علم المشتري التصرية، خُيِّر ثلاثةَ أيام منذُ علم، وقيل: بعدها على الفور، وقيل: يخيَّر مطلقًا ما لم يرض، كبقية التدليس (٤). والمذهب: الأول؛ لأن التصرية إنما تتحقق بثلاث حلبات، إذ في اليوم

стр. 2385

الأول لبنُها لبنُ التصرية، وفي اليوم الثاني والثالث يجوزُ أن يكون نقص، لاختلاف العلف وتغير المكان، فإذا مضت الثلاثة، تحققت التصرية غالبًا، فثبت إذًا الخيار على الفور، ومعتمد المذهب: أنَّ له الخيار في الثلاثة أيام إلى انقضائها، وأن ابتداء الثلاث منذ تبينت التصرية. وكذا لو رُدَّت مصراةٌ بعيب غير التصرية قياسًا عليها، ويتعدد الصاع بتعداد المصراة، وله ردُّها بعد رضاه بالتصرية بعيبٍ غيرِها، وقوله ﷺ : "فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها" ربما فُهِمَ منه اختصاص ثبوت الخيار بعد الحلب، والحال أنَّ الخيار ثابت قبل الحلب إذا عُلِمتْ التصرية. وجوابه: أنه يثبت الخيار في هذين الأمرين المعينين، أعني: الإمساكَ، والردَّ مع الصاع، وهذا إنما يكون بعد الحلب، لتوقف هذين المعنيين على الحلب؛ لأن الصاع عوضٌ عن اللبن الذي نقص، ومن ضرورة ذلك الحلب، ويقبل ردَّ اللبن المحلوب من المصراة إن كان بحاله لم يتغير كردها قبل الحلب، وقد أقرَّ البائع له بالتصرية، أو ثبتت بينةٌ، فإن صار لبنها عادة، فلا خيار له، لزوال العيب الذي لأجله ثبت له الرد (١). تنبيهات: * الأول: ظاهرُ الحديث: تعيينُ كون المردود مع المصراة صاعَ تمر، ويتعين كونُه سليمًا، ولو زاد صاع التمر على المصراة قيمة، نصَّ عليه الإمام أحمد، لظاهر الخبر، ولا فرق بين قلة اللبن وكثرته. قال في "المنتهى وشرحه": فإن عدم التمر حين ردَّ المصراة بمحل الردِّ، فقيمته؛ لأنها بدل عنه عند إعوازه، والمعتبر قيمته موضع عقد؛ لأنه

стр. 2386

بمنزلة عين أتلفها، فيجب عليه [قيمتها] (١)، ومن العلماء من عَدَّاه إلى سائر الأقوات، ومنهم من خصه بغالب قوت البلد، وأما حديث: "فإن ردَّها، ردَّ معها مثلَ -أو مثلي- لبنها قمحًا" رواه أبو داود (٢)، فلا يقاوم اختصاص كون المردود تمرًا. قال الشيرازي -من علمائنا-: الواجبُ أحدُ شيئين: صاع من تمر، أو من قمح. قال الزركشي في "شرح الخرقي": وهو مصادم للنص، يعني: لقوله ﷺ : "لا سمراء"؛ لأنها القمح، فالصواب الاقتصار على الوارد، وهو مذهب الشافعي أيضًا (٣). * الثاني: لم يقل أبو حنيفة بهذا الحديث، وكذا روي عن مالك القول بعدم مقتضاه، وقال: لأنه حديث مخالف لقياس الأصول المعلومة، لوجوه، منها: - الأول: أن المعلوم من الأصول أن ضمان المثليات بالمثل، وضمان المتقومات بالقيمة من النقدين، وهنا مع كون اللبن مثليًا وقع مضمونًا بالتمر، فهو خارج عن الأصلين جميعًا. - الثاني: أنَّ القواعد الكلية تقتضي أن يكون المضمون بقدر التالف،

стр. 2387

وذلك مختلف، وهنا قدِّر بمقدار واحد، وهو الصاع مطلقًا، فخرج عن القياس الكلي في اختلاف ضمان المتلفات باختلاف قدرها وصفتها. - الثالث: اللبن التالف إن كان موجودًا عند العقد، فقد ذهب جزء من المعقود عليه من أصل الخلقة، وذلك مانع من الرد، كما لو ذهب بعض أعضاء المبيع، ثم ظهر على عيب، فإنه يمتنع الرد، وإن كان هذا اللبن حادثًا بعد الشراء، فقد حدث على ملك المشتري، فلا يضمنه، وإن كان مختلطًا، فما كان منه موجودًا عند العقد، منع عن الرد، وما كان حادثًا، لم يجب ضمانه. - الرابع: الخيار ثلاثًا من غير شرط مخالف للأصول، فإن الخيارات الثابتة بأصل الشرع من غير شرط لا تتقدر بالثلاث، كخيار العيب، وخيار الرؤية عند من يثبته، وخيار المجلس -عند من يقول به-. - الخامس: يلزم من القول بظاهره: الجمعُ بين المثمَّن للبائع في بعض الصور، وهو ما إذا كانت قيمة الشاة صاعًا من تمر، فإنها ترجع إليه مع الصاع الذي هو مقدار ثمنها. - السادس: أنَّه مخالف لقاعدة الربا في بعض الصور، وهو ما إذا اشترى شاة بصاع، وإذا استردَّ معها صاعًا من تمر، فقد استرجع الصاع الذي هو الثمن، فيكون قد باع صاعًا وشاة بصاع، وذلك خلاف قاعدة الشرع في الربا عندكم، فإنكم تمنعون مثل ذلك. - السابع: إذا كان اللبن باقيًا، لم يكلف رده عندكم، فإذا أمسكه، فالحكم كما لو تلف، فيرد الصاع، وفي ذلك ضمان الأعيان مع بقائها، وهي إنما تضمن بالبدل مع فواتها، كالمغصوب وسائر المضمونات. * الثالث: الذي قال بمقتضى هذا الحديث، وهم: مالك على معتمد

стр. 2388

مذهبه، والشافعي، وأحمد طعنوا في قول من زعم أنه مخالف للأصول، وفي أنه إذا خالف الأصول، لم يجب العمل به. أما الأول: وهو زعمهم أنه مخالف للأصول، فقد فرق بعضهم بين مخالفة الأصول، ومخالفة قياس الأصول، وخص الرد بخبر الواحد بالمخالفة في الأصول، لا بمخالفة قياس الأصول، وهذا الخبر إنما يخالف قياس الأصول. وقد تصدى جماعة من المحققين إلى ردِّ جميع هذه الإرادات: فقال عن الأول: لا نسلم أنَّ جميع الأصول تقتضي الضمان بأحد الأمرين على ما ذكرتموه، فإن الحرَّ يضمن بالإبل، وليس بمثل له، ولا قيمة، والجنين يضمن بالغرة، وليست بمثل له، ولا قيمة، وأيضًا: فقد يضمن المثلي بالقيمة إذا تعذرت المماثلة، وهاهنا تعذرت، فمن أتلف شاة لبونًا، كان عليه قيمتها مع اللبن، ولا يجعل بإزاء لبنها لبن آخر، لتعذر المماثلة. وأما قولكم: القواعد الكلية تقتضي أن يكون الضمان بقدر التالف، ينتقض عليكم بمثل المُوضِحَة؛ فإن أَرْشَها مع قدر، مع اختلافها بالكبر والصغر، والجنين أرشُه مقدَّر، فلا يختلف بذكورة ولا أنوثة، واختلافِ الصفات، والحرُّ ديتُه مقدرة، وإن اختلف بالصغر والكبر وسائر الصفات، والحكمة فيه: بأن ما يقع فيه التنازعُ والتشاجرُ يُقصد قطعُ النزاع فيه بتقديره بشيء معين، وتقدَّم هذه المصلحةُ في مثل هذا المكان على تلك القاعدة. وأما قولكم: إن كان اللبن موجودًا عند العقد. . . . إلخ. فالجواب: إنما يمتنع الرد إذا كان النقص لا لاستعلام العيب، وهذا النقص للاستعلام، على أننا نلتزم أن يكونَ كونُ اللبن التالف كان موجودًا،

стр. 2389

ونلتزم أن حدوث عيب في السلعة عند المشتري لا يمنع الرد، فإن مذهبنا لو تعيَّبَ المبيعُ -أيضًا- عند المشتري، فإن الحاكم يفسخ البيع، ويرد البائع الثمن، ويطالب المشتري بقيمة المبيع؛ لأنه لا يمكن إهمال العيب بلا رضا، ولا أخذ أرش (١). وفي "الإفصاح" لابن هبيرة: اتفقوا على أن للمشتري الردَّ بالعيب الذي لم يعلم به حال العقد ما لم يحدث عنده عيبٌ آخر، وأن له إمساكه إن شاء بعد عثوره عليه، ثم اختلفوا فيه إذا أراد الإمساك، هل له المطالبة بالأرش؟ فقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي: متى أراد الإمساك، ليس له المطالبة بالأرش، مع الإمساك، إلا الإمام أحمد، فإنه قال: له ذلك (٢). والحاصل: أنَّ صاحب الشريعة شرَّع لنا هذا ومهده، وقد صحَّ من عدة طرق، فمخالفته غير سائغة بعد ثبوته في "الصحيحين"، و"السنن"، و"المسانيد"، وغيرها، والله الموفق.

стр. 2390

الحديث الثالث عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى عَنْ بَيْع حَبَلِ الحَبَلَةِ، وَكانَ بَيْعًا يَتَبَايعُهُ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ، كانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الجَزُورَ إلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ، ثُمَّ تُنْتَجَ الَّتِي فِي بَطْنِهَا (١).

стр. 2391

قِيلَ: إِنَّهُ كانَ يَبيعُ الشَّارِفَ -وَهِيَ الكَبِيرَةُ المُسِنةُ- بِنِتَاجِ الْجَنِينِ الَّذِي فِي بَطْنِ نَاقَتِهِ. * * * (عن) أبي عبد الرحمن (عبدِ الله بنِ) أمير المؤمنين (عمرَ) بنِ الخطاب (﵄: أَنَّ رسولَ الله ﷺ نهى) نهيَ تحريم (عن بيع حَبَلِ الحَبَلَةِ). في تفسيره وجهان: أحدهما: أن يبيع إلى أن تحمل الناقة وتضع، ثم تحمل هذا البطن الثاني، وهذا باطل؛ لأنه بيع إلى أجل مجهول. الثاني: أن يبيع نتاج النتاج، وهو باطل -أيضًا-؛ لأنه بيع معدوم (١). قال النووي: هو -بفتح الحاء المهملة، والباء الموحدة- في حَبَل وحَبَلَة (٢). وقال القاضي: رواه بعضهم -بإسكان الباء- في الأول، وهو قوله: حَبْل، وهو غلط، والصواب ما قال أهل اللغة، والحَبَلَةُ هنا جمعُ: حابل، كظالم وظَلَمة، وفاجر وفَجَرة، وكاتب وكَتَبَة. قال الأخفش: يقال: حبلت المرأةُ فهي حابل، والجمع نسوة حَبَلَة. وقال ابن الأنباري: الهاء في الحبلة للمبالغة، ووافقه بعضهم، واتفق

стр. 2392

أهل اللغة على أن الحبل مختص بالآدميات، وفي غيرهن يقال: الحمل، يقال: حبلت المرأة بولد، وحملت ولدًا، وحملت الشاة سخلة، ولا يقال: حبلت. قال أبو عبيد: لا يقال لشيء من الحيوان: حبل، إلا ما جاء في هذا الحديث (١). قال علماؤنا: ولا يصح بيعُ حبل الحبلة، ومعناه: نتاج النتاج، وهذا تفسير أبي عبيدة معمر بن المثنى، وصاحبِه أبي عبيد القاسم بن سَلَّام، وآخرين من أهل اللغة، وبه قال الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وهو أقرب إلى اللغة من قول من قال: إنه البيع بثمن مؤجل إلى أن تلد الناقة ويلد ولدُها. وقد ذكر مسلم في هذا الحديث هذا التفسير، وبه قال مالك، والشافعي، ومن تابعهما، والذي ذكره مسلم هو ما قاله (٢). قال ابن عمر ﵄: كان أهل الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حبل الحبلة: أن تُنتج الناقةُ، ثم تحمل التي نُتجت، فنهاهم رسول الله ﷺ عن هذا (٣). ولفظ البخاري ما ذكره المصنف: (وكان) -أي: بيع حبل الحبلة-

стр. 2393

(بيعًا يتبايعه أهل الجاهلية) قبل الإسلام، (كان الرجل يبتاع الجزور) إلى مدة غير معلومة، وهي: (إلى أن تنتج الناقة، ثم) إذا ولدت، يستمر الأجل ممتدًا إلى أن (تنتج) النتاج (التي) كانـ[ـت] (في بطنها). قال المصنف -رحمه الله تعالى-: (قيل: إنه كان يبيع الشارف)، (وهي) الناقة (الكبيرة المسِنَّة) -أي: الطاعنة في السن- (بنتاج الجنين الذي في بطن ناقته)، والسرُّ في النهي عنه؛ لأنه قد يفضي إلى أكل المال بالباطل، أو إلى التشاجر والتنازع المنافي للمصلحة الكلية (١). والحاصل: أن البيع على كلا التفسيرين باطل، والله تعالى الموفق.

стр. 2394

الحديث الرابع وَعَنْه: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، نَهَى البَائِعَ وَالمُشْتَرِي (١).

стр. 2395

(وعنه)؛ أي: عن ابن عمرَ ﵄: (أن النبيَّ ﷺ : نهى عن بيع الثمرة) من النخل، والكرم، وغيرهما، ويستمر ذلك مصحوبًا بالنهي، (حتى)؛ أي: إلى أن (يبدو)، أي: يظهر ويبين (صلاحُها)، بأن تصير على الصفة التي تطلب منه، بخلاف بيعه قبل ذلك، فإنه لا يجوز إلا بشرط القطع، لاحتمال عُروض آفة، وفي ذلك إجراء الحكم على الغالب، إذ تطرقُ التلف إلى ما بعد صلاحه، وعدمُ تطرقه إلى ما لم يبد صلاحه ممكن، فأنيط الحكم بالغالب في الحالين (١)، (نهى) رسولُ الله ﷺ (البائعَ والمشتريَ) عن ذلك، تأكيدًا لما فيه من بيان أن المنع، وإن كان لمصلحة الإنسان، فليس له أن يرتكب النهي فيه قائلًا: أسقطت حقي من اعتبار المصلحة، ألا ترى أنَّ هذا المنع لأجل مصلحة المشتري؟ فإنَّ الثمار قبل بدوِّ صلاحها عرضة للعاهات، فإذا حصل منها شيء، أجحف بالمشتري في الثمن الذي بذله، ومع هذا، فقد منعه الشرع، ونهى المشتري، كما نهى البائع، قطعًا للنزاع والتخاصم، وأكثر علماء الأمة على أنَّ هذا النهي نهيُ تحريم، إلا أنهم أخرجوا من هذا العموم بيعها بشرط القطع (٢).

стр. 2396

الحديث الخامس عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ، قِيلَ: وَمَا تُزْهِي؟ قَالَ: "تَحْمَرُّ أَوْ تَصْفَرُّ"، قَالَ: "أَرَأيتَ إِذَا مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَسْتَحِلُّ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟ " (١).

стр. 2397

(عن) أبي حمزةَ (أنسِ بنِ مالك ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ : نهى عن بيع الثمار حتى تُزْهيَ) -بضم التاء، وبالياء-، وفي لفظ: تَزْهو -بفتح التاء، وبالواو (١) -، ويقال: زها يزهو: طال واكتمل، وأزهى يُزهي: إذا احمرَّ أو اصفرَّ، (٢) ومن ثمَّ قال: (قيل: وما تزهي؟ قال: تحمرُّ أو تصفرُّ)، وهذا التفسير من قول سعيد بن ميناء، كما بينه الإمام أحمد ﵁ (٣)، والمراد من الاحمرار والاصفرار: الحمرة والصفرة، لكنهم إذا أرادوا اللون من غير تمكن، قالوا: حَمُر -بفتح الحاء وضم الميم-، وصَفُر كذلك، فإذا تمكن، قالوا: احمرَّ واصفرَّ، فإذا زاد في التمكن، قالوا: احمارَّ واصفارَّ؛ لأن الزيادة تدل على التكثير والمبالغة (٤). وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، من حديث أنس ﵁: أنَّ النبي ﷺ : نهى عن بيع العنب حتى يسودَّ، وعن بيع الحبِّ حتى يشتدَّ (٥). قال في "المنتهى وشرحه": وصلاحُ بعضِ ثمرةِ شجرةٍ صلاحٌ لجميع

стр. 2398

أشجار نوعها الذي بالبستان الواحد؛ لأن اعتبار الصلاح في الجميع يشقُّ (١). وفي "الفروع": وإذا بدا صلاح بعض نوع. ونقل حنبل عن الإمام أحمد: غلب. وقاله القاضي وغيره في شجرة: بيع جميعه، وعلى الأصح: وبستان، وعنه: ما قاربه، وفاقًا لمالك، وعنه: الجنس كالنوع. قال: واختار شيخنا -يعني: شيخ الإسلام ابن تيمية-: وبقية الأجناس التي تباع حكمه عادة، كان أفرد بالبيع ما لم يصلح منه، لم يصح، انتهى (٢). قال ابن هبيرة: اتفقوا على أنه إذا اشترى ثمرة لم يبدُ صلاحها بشرط قطعها: أنَّ البيع جائز (٣). قال في "الإقناع": لا يصح بيعُ الثمرة قبل بدوِّ صلاحها، ولا الزرع قبل اشتداد حبِّهِ، إلا بشرط القطع في الحال إن كان منتفَعًا به حينئذٍ، ولم يكن مشاعًا، فلا يصح شرط القطع؛ لأنه لا يمكنه قطعه إلا بقطع ما لا بملكه، وليس له ذلك، إلا أن يبيعه مع الأصل، بأن يبيع الثمرة مع الشجر، أو الزرعَ مع الأرض، أو يبيع الثمرة لمالك الأصل، والزرعَ لمالك الأرض، فيجوز (٤)، ونقل ابن هبيرة الاتفاق على صحة ذلك. قال ابن هبيرة: ثم اختلفوا فيما إذا اشتراها -يعني: قبل بدوِّ

стр. 2399

صلاحها-، ولم يشترط قطعها، فقال مالك، والشافعي، وأحمد: البيع باطل، وقال أبو حنيفة: صحيح، ويؤمر بقطعها، وفائدة الخلاف في المسألة في محلين: أحدهما: البيع فاسد عندهم، وعنده صحيح. والثاني: إطلاق البيع وترك الاشتراط فيه يقتضي التبقية عندهم، وعنده يقتضي القطع. قال: واتفقوا على أن بيع الثمار قبل بدوِّ صلاحها بشرط التبقية لا يصح، واختلفوا فيما إذا باعها بعد بدوِّ صلاحها بشرط التبقية إلى الجذاذ، فقال الثلاثة: يصح. وقال أبو حنيفة: إذا اشترط ذلك، بطل البيع، فإذا اشترها قبل بدوِّ صلاحها بشرط القطع، فلم يقطعها حتى بدا صلاحها، وأتى عليها أوانُ جذاذها، فقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي: العقد صحيح، والثمرة بزيادتها للمشتري، ومعتمد مذهب الإمام أحمد: يبطل البيع بزيادته، نعم يُعفى عن يسيرها (١). (قال) رسول الله ﷺ : (أرأيتَ إذا منعَ اللهُ الثمرةَ) أن تطيبَ ويبدوَ صلاحُها (بمَ) بحذف ألف (ما) الاستفهامية على الأفصح، لدخول حرف الجر عليها (٢) أي: بأي شيء (يستحلُّ أحدُكم)؛ أي: يعتقده حلالًا (مالَ أخيه؟)، وفيه من التعطف والرأفة مالا يخفى. وفي حديث جابر ﵁: أنَّ النبي ﷺ : وضع الجوائح، رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي (٣)، وفي لفظ عند مسلم: أمرَ

стр. 2400

بوضع الجوائح (١)، وفي لفظ: قال: "إن بعتَ من أخيك ثمرًا، فأصابتها جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بم تأخذُ مالَ أخيك بغير حق؟ " رواه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (٢). والجوائح: جمع جائحة، وهي الآفة التي تُهلك الثمار والأموال، وتستأصلها مصيبةٌ عظيمة، وفتنة مبيرة. وجاح اللهُ المال وأجاحه: أهلكه، كما في "المطلع" (٣). وفي "المطالع": أصابته جائحة؛ أي: مصيبة اجـ[ـتـ] احت ماله؛ أي: استأصلته، ومنه: جائحةُ الثمار، ومنه: قوله: اجتاح أصلها؛ أي: استأصله الهلاك، ومنه: فأَهلكهم واجتاحهم؛ أي: استأصلهم (٤). قال في "المنتهى وشرحه": وما تلف من ثمر على أصوله قبل أوان جذاذه، سوى يسير منه لا ينضبط لقلته بجائحة، وهي مالا صنعَ لآدميٍّ فيها، كالريح والحر والبرد والعطش، ولو كان التلف بعد قبض بالتخلية، فضمانه على بائع، لما ذكرنا من الأحاديث، ولأن التخلية في ذلك ليس بقبض تام؛ لأن على البائع المؤنة إلى تتمة صلاحه، فوجب كونه في ضمان

стр. 2401

بائع، كما لو لم يُقبض، ولأن الثمر على الشجر كالمنافع في الإجارة تؤخذ شيئًا فشيئًا، ثم لو تلفت المنافع قبل استيفائها، كانت من ضمان المؤجر، كذا هنا، ومحل كونها من ضمان البائع ما لم تُبع مع أصلها، لحصول القبض التام وانقطاع علق البائع عنه، أو ما لم يؤخر المشتري أخذها عن عادته، لتفريطه (١). ومذهب أبي حنيفة، وأظهر قولي الشافعي: أن جميع ذلك من ضمان المشتري، فلا يوضع له شيء منها. وقال مالك: يوضع للجائحة إذا أتت على ثلث الثمرة فأكثر، فهو من ضمان البائع، فيوضع عن المشتري، وإن كان دون ذلك، فهو من ضمان المشتري، وهي رواية عن أحمد، ومعتمد مذهبه: أنها من ضمان بائع، قلَّ أو كثر (٢). ومالك: يشترط في جواز وضع الجائحة عن المشتري إذا اشترى ثمرة، واحتاجت إلى التبقية على رؤوس النخل، فإنها إذا كانت غير محتاجة إلى التبقية، لا تكون عنده من ضمان بائع، كان تلف كله (٣). قلت: وما ذكرنا من الأحاديث تؤيد ما ذهب إليه الإمام أحمد، والله أعلم.

стр. 2402

الحديث السادس عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: نهى رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ تُتَلَقَّى الرُّكبَانُ، وَأَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، قَالَ: فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا قَوْلُهُ حَاضِرٌ لِبَادٍ؟ قَالَ: لاَ يَكُونُ لَهُ سِمسَارًا (١). * * * (عن) حبر الأمة وأبي الأئمة (عبدِ الله بنِ عباس ﵄،

стр. 2403

قال: نهى رسول الله ﷺ ) نهيَ تحريم -كما تقدم- (أن تُتَلَقَّى) -بضم التاء الأولى مبنيًا لما لم يسم فاعله- (الركبانُ) -بالرفع- نائبُ فاعل، وتقدم في حديث أبي هريرة -ثاني أحاديث الباب-. (و) نهى ﷺ (أن يبيعَ حاضر) بالبلد عارفٌ بالسعر (لبادٍ)؛ أي: قادم على بلد من غير أهلها-، سواء كان من أهل البادية، أو من أهل القرى؛ لأن العلة واحدة. (قال) طاوس: (فقلت لابن عباس) ﵄: (ما قوله) ﷺ : (حاضر لباد)؟ (قال) ابن عباس- ﵄: (لا يكونُ) الحاضرُ (له)؛ أي: للبادي (سمسارًا). قال في "القاموس": السمسار -بالكسر-: المتوسط بين البائع والمشتري، والجمع: سماسرة، والسمسار -أيضًا-: مالكُ الشيء وقَيِّمُه، والسفير بين المحبين، وسمسار الأرض: العالم بها، وهي بهاء، والمصدر: السمسرة، انتهى (١). والمراد هنا: الأول. قال في "المنتهى وشرحه": كان حضر بادٍ -أي: قدم على بلد إنسانٌ من غير أهلها-، لبيع سلعة بسعر يومها، أَو جهل السعرَ، وقصده -أي: قصدَ القادمَ- لبيع سلعته حاضرٌ بالبلد عارفٌ بالسعر، وكان بالناس إلى السلعة التي حضر القادم بها ليبيعها حاجةٌ، حرمت مباشرة الحاضرِ القاصدِ القادمَ لبيع سلعته للبيع له -أي: للقادم بالسلعة-، وبطل البيع على الأصح، سواء رضي أهل البلد بذلك، أو لا، وفي الأصح: فإن فقد شيء مما ذكر، بأن قدم لا لبيع سلعته، أو لبيعها، ولكن لا يجهل السعر، أو جهله، ولكن لم يقصده الحاضرُ العارف بالسعر، أو قصده، وكان غيرَ عارف بالسعر، أو

стр. 2404

كان كذلك، ولكن لم يكن بالناس حاجةٌ إلى السلعة، صح البيع، كشراء الحاضر للبادي، كان وجدت هذه الشروط كلها، بطل البيع على الأصح، نص عليه الإمام أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد، وكذا في مذهب مالك على إحدى الروايتين عنه، وقال مالك في رواية أخرى: يفسخ العقد عقوبةً، وروي عنه: لا يفسخ، وكرهه أبو حنيفة، والشافعي، مع صحته عندهما، ولا يخفى قوة القول ببطلانه، لظاهر الحديث (١). وفي حديث ابن عمر- ﵄: نهى رسول الله ﷺ أن يبيع حاضر لباد. رواه البخاري، والنسائي (٢). وفي حديث جابر ﵁: أنَّ النبي ﷺ قال: "لا يبيع حاضر لباد، دعوا الناس يرزقُ الله بعضُهم من بعض" رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (٣). وفي حديث أنس ﵁: نُهينا أن يبيع حاضر لباد، وإن كان أخاه لأبيه وأمه. متفق عليه (٤).

стр. 2405

ولأبي داود والنسائي: أن النبيَّ ﷺ نهى أن يبيع حاضر لباد، وإن كان أباه أو أخاه (١). فهذه الأحاديث -مع تنوع مخارجها واتحاد معانيها- تدل دلالة ظاهرة على ما ذهب إليه الإمام أحمد؛ لأن النهي فيها وارد على نفس البيع، فلا جرم قلنا ببطلانه حيث وجدت فيه الشروط التي ذكرناها. قال علماؤنا وغيرهم: والمعنى في ذلك: أن البادي إذا تُرك يبيع سلعته، ربما باعها برخص، وهو الغالب، فتحصل التوسعةُ على الناس، بخلاف ما إذا تولى الحاضر، فإنه لا يبيع إلا بسعر البلد، وقد أشار ﷺ إلى ذلك بقوله: "دعوا الناس يرزق اللهُ بعضَهم من بعض" (٢). قال في "الفروع": وإن أشار حاضر على باد، ولم يباشر له بيعًا، لم يكره، خلافًا لما لك. قال: ويتوجه: إن استشاره، وهو جاهل بالسعر، لزم بيانه، لوجوب النصح، كان لم يستشره، ففي وجوب إعلامه -إن اعتقد جهلَه به- نظرٌ، بناء على أنه هل يتوقف وجوب النصح على استنصاحه؟ ويتوجه: وجوبه. وكلام الأصحاب لا يخالف هذا، انتهى (٣).

стр. 2406

الحديث السابع عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: نهى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ المُزَابَنَةِ، والمُزَابَنهُ: أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ إنْ كَانَ نَخْلًا بتَمرٍ كَيْلًا، وَإِنْ كَانَ كَرمًا أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبيبٍ كَيْلًا، وَإِنْ كَانَ زَرْعًا أَنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلِ طَعَامٍ، نَهى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ (١).

стр. 2407

(عن) أبي عبد الرحمن (عبدِ الله بنِ) أمير المؤمنين (عمرَ) الفاروقِ (﵄، قال: نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة). قال: (والمزابنة): مفاعلة من الزَّبْن، وهو الدفع، وحقيقتها: بيعُ معلوم بمجهول من جنسه (١)، وفسرها في الحديث: بـ (أن يبيعَ) الشخصُ (ثمرَ حائطِه)، أي: بستانه (إن كان) حائطُه (نخلًا بتمرٍ كيلًا، وإن كان) حائطُه (كرمًا أن يبيعَه بزبيبٍ)، وهو ذاوي العنب. قال القاضي عياض في "المشارق" في النهي عن بيع الكرم بالزبيب: وقد نهى ﷺ أن يقال للعنب: الكرم (٢)، فيكون هذا الحديث قبل النهي عن تسميته كرمًا، وسمت العرب العنب كرمًا، لكرم ثمرته، وامتداد ظلها، وكثرة حملها، وطيبهِ، وتذلله للقطف، ليست بذي شوك ولا ساق، ويؤكل غضًا وطريًا، وزبيبًا يابسًا، ويدخر للقوت، ويتخذ شرابًا، وأصل الكرم: الكثرة والجمع للخير، وبه سمي الرجل كريمًا، لكثرة خصال الخير فيه، ونخلة كريمة، لكثرة حملها، فكان المؤمن أليق باسم الكرم، وأعلقَ به، لكثرة خيره ونفعه، واجتماع الخصال المحمودة فيه، من السخاء وغيره (٣). (كيلًا) لإفضائه إلى الربا؛ لأن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، (وإن كان) المبتاع (زرعًا)، نهى ﵊ (أن يبيعه بكيلِ طعامٍ) بالإضافة، والمراد به: ما تجري فيه علة الربا من نوعه، كأن يبيعه زرعَ البُرِّ

стр. 2408

ببرٍّ، وزرعَ الشعيرِ بشعيرٍ، ونحو ذلك، وتسمى هذه: المحاقلة -كما تأتي قريبًا-. (نهى) رسول الله ﷺ (عن ذلك كلِّه)، وسميت هذه البيوع مزابنة، من الزبن الذي هو الدفع، كأن كل واحد منهما يزبن صاحبه عن حقه بما يزداد منه (١). قال صاحب "المطالع": المزابنة والزبن: بيعُ معلوم بمجهول من جنسه، [أو بيع مجهول بمجهول من جنسه (٢)] مأخوذ من الزبن، وهو الدفع، لما يقع من الاختلاف بين المتبايعين، فكل واحد يدفع صاحبه عما يرومه منه، انتهى (٣). وفسرها بعضهم ببيع الزرع بالحنطة، وبكل ثمر يخرصه (٤). وقال في "المنتهى وشرحه"، كغيره من علمائنا: ولا يصح بيعُ المزابنة، وهي بيع الرطب على النخل بالتمر (٥).

стр. 2409

الحديث الثامن عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، قَالَ: نَهى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ المُخَابَرَةِ، والمُحَاقَلَةِ، وعَنِ المُزَابَنَةِ، وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُها، وَأَلَّا تُبَاعَ إِلَّا بِالدِّينَارِ وَالدّرهمِ، إِلَّا العَرَايَا (١).

стр. 2410

المُحَاقَلة: بَيْعُ الحِنْطةِ فِي سُنْبِلَها بِحِنْطَةٍ. * * * تقدَّم الكلام على بيع المحاقلة والمزابنة والثمرة قبل بُدوِّ صلاحها. (عن) أبي عبد الله (جابرِ بن عبدِ الله ﵄، قال: نهى رسول الله ﷺ : عن المخابرة)، وهي المزارعة بجزء -ويأتي ما فيها في الحديث التاسع والعاشر من باب الرهن وغيره إن شاء الله تعالى-. (والمحاقلة)، ويأتي في كلام المصنف تفسيرها، (وعن المزابنة) -المتقدم ذكرها-، (و) نهى (عن بيع الثمرة) من النخل والكرم وغيرهما (حتى يبدوَ صلاحُها، وأَلَّا تباعَ) الثمرةُ مما يجري فيه علة الربا بما يجري فيه علة الربا، فلا يباع التمر بالحنطة إلا يدًا بيد، كان جاز التفاضل، ولا الزبيب بنحو الشعير إلا كذلك، يعني: بشرط القبض قبل التفرق من مجلس العقد (إلا بالدينار والدرهم) المضروبَيْن، فإنهما وإن جرت فيهما علة الربا، لم يمتنع أن يشتري بهما المكيلات والموزونات؛ لأَنهما قيم الأشياء. نعم، يجوز أن يشتري الثمرة بعد بدوِّ صلاحها بمال متقوم لا تجري فيه علة الربا من نحو مواشي وأواني وكراع وغيرها، وقوله: (إلا العرايا) استثناءٌ من النهي عن بيع المزابنة -ويأتي قريبًا-. قال الحافظ المصنف -رحمه الله تعالى-: (المحاقلة): مفاعلة من الحقل، وهو الزرع إذا تشعَّب قبل أن يغلظ سوقه، وقبل: الحقل: الأرض التي تزرع كما في "المطلع" (١). وفي "المطالع": المحاقلة: كراء الأرض بالحنطة، أو كراؤها بجزء مما

стр. 2411

يخرج منها، وقيل: بيع الزرع قبل طيبه، انتهى (١). والمعتمد: ما قاله المصنف: إنه: (بيعُ الحنطةِ في لسُنبلها)، والسنبلة: -بالضم-: واحدة سنابل الزرع (بحنطة). قال في "المنتهى وشرحه": ولا يصح بيع المحاقلة، وهي بيع الحب المشتد في سنبله، من بر أو شعير بجنسه؛ لأن التساوي مجهول، والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، ويصح بيعه بحبِّ غيرِ جنسه، كما لو كان أحدهما برًا، والآخر شعيرًا؛ لأن اشتراط التساوي منتفٍ مع الجنسين (٢). قال في "الفروع": وتحرم المحاقلة، وهي بيع الحب المشتد -ولم يقيده جماعة بمشتد- في سنبله بجنسه، قال: وفي بيعه بمكيل غير جنسه وجهان، ويصح بغير مكيل، وخص الشيخ الموفق وغيره الخلافَ بالحب، انتهى (٣). ومعتمد المذهب: يصح بغير جنسه، مكيلًا كان أو غيره، والله أعلم.

стр. 2412

الحديث التاسع عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهى عَنْ ثمن الكَلْبِ، وَعَنْ مَهْرِ البَغِيِّ، وحُلْوَانِ الكَاهِنِ (١).

стр. 2413

(عن أبي مسعود) عقبةَ بنِ عمرٍ و (الأنصاريِّ) النَّجَّاريِّ (﵁: أن رسول الله ﷺ : نهى عن ثمنِ الكلبِ)، قد اختلف العلماء في بيع الكلب المعلَّم، فمنع صحةَ بيعه مطلقًا الإمامُ أحمد. قال في "الفروع": لا يصح بيعُ كلبٍ، وخمرٍ (١). قال في "الإقناع": ولا كلب، ولو مباح الاقتناء، ومن قتله وهو معلَّم، أساء؛ لأنه فعل محرمًا، ولا غُزمَ عليه؛ لأن الكلب لا يملك، ويحرم اقتناؤه، كخنزير، ولو لحفظ البيوت ونحوها، إلا كلبَ ماشية وصيد وحرث إن لم يكن أسود بهيمًا، أو عقورًا- وتقدم (٢)، وكذا منع صحة بيع الكلب مطلقًا الإمامُ الشافعي، وعند أبي حنيفة: يصح بيع المعلم، وعن مالك: كالمذهبين. وقال الحارثي من علمائنا (٣) عند قول "المقنع": ولا يصح وقف الكلب: والصحيح اختصاصُ النهي عن البيع بما عدا كلبَ الصيد، بدليل

стр. 2414

رواية حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر- ﵁، قال: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب، والسنور، إلا كلبَ صيد، والإسناد جيد (١)، قال: فيصح وقفً المعلَّم؛ لأَن بيعه جائز، انتهى (٢). وفي "حياة الحيوان": ولا يصح بيع جميع الكلاب عندنا -يعني: الشافعية-، خلافًا لمالك، فإنه أباح بيعها. قال سحنون: ويحج بثمنها. قال أبو حنيفة: يجوز بيع غير العقور، انتهى (٣). (و) نهى ﷺ (عن مهر البَغِيِّ)، وهو ما تأخذه على زناها، سماه مهرًا مجازًا، واستعمالًا للوضع اللغوي، ويجوز أن يكون من مجاز التشبيه إن لم يكن المهر في الأصل ما يقابل بِه النكاح (٤). (و) نهى عن (حُلوان الكاهن): وهو ما يُعطاه عن كهانته، والإجماع قائم على تحريم هذين، لما في ذلك من بذل الأعراض فيما لا يجوز مقابلته بالعوض.

стр. 2415

أما الزنا: فظاهر. وأما الكهانة: فبطلانها، وأخذُ العوض عنها من باب أكل المال بالباطل، وفي معناها كل ما يمنع منه الشرع (١). قال في "النهاية": الكاهن: الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الأسرار، وقد كان في العرب كهنة، كشِقٍّ، وسَطيحٍ، وغيرهما، فمنهم من كان يزعم أن له تابعًا من الجن وربيبًا يلقي إليه الأخبار، ومنهم من كان يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب يستدل كما على مواقعها من كلام من يسأله أو فعله أو حاله، وهذا يخصونه باسم العرَّاف، كالذي يدعي معرفة الشيء المسروق، ومكان الضالة ونحوهما، وجمع الكاهن: كَهنة، وكُهَّان (٢).

стр. 2416

الحديث العاشر عَنْ رَافع بْنِ خَدِيجٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "ثَمَنُ الكَلْبِ خَبِيث، وَمَهْرُ البَغِيِّ خَبِيث، وكَسْبُ الحَجَّامِ خَبِيث" (١).

стр. 2417

(عن) أبي عبد الله (رافعِ بنِ خَديجٍ) -بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة، وبالجيم- ابنِ رافعِ بنِ عديِّ بنِ زيدِ بنِ عمرِو بنِ يَزِيدَ -بفتح المثناة تحت وكسر الزاي- بنِ جُشَمَ -بضم الجيم وفتح الشين المعجمة ابنِ حارثةَ بنِ الحارثِ بنِ الخزرجِ، الحارثيِّ، الأنصاريِّ، الأوسيِّ، من أهل المدينة، لم يشهد بدرًا، لصغره، وشهد أُحدًا، والخندق، وأَكثر المشاهد، وأصابه سهم يوم أُحد، فقال له رسول الله ﷺ : "أنا أشهد لك يوم القيامة"، ثم انتقضت جراحته في زمن عبد الملك بن مروان، فمات سنة ثلاث وسبعين، وقيل: أربع وسبعين بالمدينة، وله ست وثمانون سنة، وقيل: مات في زمن معاوية. روى عنه: ابنه عبد الرحمن، وابن عمر، ومحمود بن لبيد، والسائب بن يزيد، وحنظلة بن قيس، وعطاء بن صهيب -مولاه-، والشعبي، ومجاهد. روي له عن رسول الله ﷺ ثمانية وسبعون حديثًا، اتفقا على خمسة، وانفرد مسلم بثلاثة (﵁) (١). (أن رسول الله ﷺ قال: ثمن الكلب خبيث).

стр. 2418

قال النووي: في الحديث الآخر: "شرُّ الكسب مهرُ البغي، وثمنُ الكلب، وكسبُ الحجَّام" (١). قال النووي: وأما النهي عن ثمن الكلب، وكونه شرَّ المكاسب، وكونه خبيثًا، فيدل على تحريم بيعه، وأنه لا يصح بيعه، ولا يحل ثمنه، ولا قيمة على متلفه، سواء كان معلمًا، أم لا، وسواء كان مما يجوز اقتناؤه، أم لا، وبهذا قال جماهير العلماء، منهم: أبو هريرة، والحسن البصري، وربيعة، والأوزاعي، والحكم، وحماد، والشافعي، وأحمد، وداود، وابن المنذر. وقال أبو حنيفة: يصح بيع الكلاب التي فيها منفعة، وتجب القيمة على متلفها. وحكى ابن المنذر عن جابر، وعطاء، والنخعي جواز بيع كلب الصيد دون غيره، وعن مالك رويتان: إحداهما: لا يجوز بيعه، ولكن تجب القيمة على متلفه. والثانية: يصح بيعه، وتجب القيمة، وقيل عنه: لا يصح، ولا تجب القيمة على متلفه. ودليل الجمهور ما ذكرنا من الأحاديث، وأما الأحاديث الواردة في النهي عن ثمن الكلب إلا كلب الصيد (٢)، وفي رواية: إلا كلبًا [ضاريًا] (٣)، وأن عثمان ﵁ غرم إنسانًا ثمن كلب قتله عشرين بعيرًا (٤)،

стр. 2419

وعن ابن عمرو بن العاص التغريم في إتلافه، فكلها ضعيفة باتفاق أئمة الحديث (١). (ومهرُ البَغِيِّ خبيثٌ)؛ لأنَّه عوضٌ عن محرَّم، فلا يطيب، ولا يحلُّ- كما تقدم. (وكسب الحجَّام خبيثٌ)، قال الأكثرون من السَّلف والخلف: لا يحرم كسب الحجَّام، ولا يحرم أكله، لا على الحرِّ، ولا على العبدِ، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وفي رواية عنه قال بها فقهاء المحدثين: يحرم على الحرِّ دون العبدِ (٢). قال ابن دقيق العيد: والخبيث من حيث هو لا يدل على الحرمة صريحًا، ولذا جاء في كسب الحجَّام أنَّه خبيث، ولم يحمل على التحريم، لدليل خارجي، وهو أن النبي ﷺ حتجم، وأعطى الحجَّام أجره، وهو في "الصحيحين" من حديت ابن عباس ﵄، ولو كان حرامًا، لم يعطه (٣). وحملوا هذه الأحاديث التي فيها النهي على التنزيه، والارتفاع عن دنيء الاكتساب، والحث على مكارم الأخلاق، ومعالي الأمور، ولو كان حرامًا، لم يفرِّق فيه بين الحرِّ والعبدِ، فإنه لا يجوز للرجل أن يطعم عبدَه ما لا يحلُّ (٤). قال في "النهاية": قال الخطابي: قد يجمع الكلام بين القرائن في

стр. 2420

اللفظ، ويفرَّق بينها في المعنى، ويعرف ذلك من الأغراض والمقاصد، فأما مهر البغي، وثمن الكلب، فيريد بالخبيث فيهما: الحرام؛ لأن الكلب نجس، والزنا حرام، وبذل العوض عليه وأخذه حرام، وأما كسب الحجَّام، فيريد بالخبيث: الكراهة؛ لأن الحِجَامة مباحة، وقد يكون الكلام في الفعل الواحد بعضه على الوجوب، وبعضه على الندب، وبعضه على الحقيقة، وبعضه على المجاز، ويفرق بدلائل الأصول واعتبار معانيها. انتهى (١). على أن دلالة الاقتران ضعيفة. وذكر الإمام المحقِّق ابن القيِّم: أن دلالة الاقتران تظهر قوتها في موطن، وضعفها في موطن، ويتساوى الأمران في موطن، وذكر لذلك أمثلة، ثم قال: ولقائلٍ أن يقول: اشتراك المستحب والمفروض في لفظٍ عام لا يقتضي تساويهما، لا لغةً ولا عرفًا، فإنهما إذا اشتركا في شيء، لم يمتنع افتراقهما في شيء، ثم قال: وأما الموضع الذي يظهر فيه ضعف دلالة الاقتران، فعند تعدد الجمل، واستقلال كل واحدة منها بنفسها، كقوله ﷺ : "لا يبولنَّ أحدُكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من جنابة" (٢). قلت: وكذا ما نحن بصدده، فإن كل جملة مفيدة لمعناها، وحكمها وسببها وغايتها منفردة به عن الجملة الأخرى، واشتراكُهما في مجرد العطف لا يوجب اشتراكهما فيما وراءه، والله أعلم.
следующие страницы →