← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

الحديث العاشر عَنْ رَافع بْنِ خَدِيجٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "ثَمَنُ الكَلْبِ خَبِيث، وَمَهْرُ البَغِيِّ خَبِيث، وكَسْبُ الحَجَّامِ خَبِيث" (١).

стр. 2417

(عن) أبي عبد الله (رافعِ بنِ خَديجٍ) -بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة، وبالجيم- ابنِ رافعِ بنِ عديِّ بنِ زيدِ بنِ عمرِو بنِ يَزِيدَ -بفتح المثناة تحت وكسر الزاي- بنِ جُشَمَ -بضم الجيم وفتح الشين المعجمة ابنِ حارثةَ بنِ الحارثِ بنِ الخزرجِ، الحارثيِّ، الأنصاريِّ، الأوسيِّ، من أهل المدينة، لم يشهد بدرًا، لصغره، وشهد أُحدًا، والخندق، وأَكثر المشاهد، وأصابه سهم يوم أُحد، فقال له رسول الله ﷺ : "أنا أشهد لك يوم القيامة"، ثم انتقضت جراحته في زمن عبد الملك بن مروان، فمات سنة ثلاث وسبعين، وقيل: أربع وسبعين بالمدينة، وله ست وثمانون سنة، وقيل: مات في زمن معاوية. روى عنه: ابنه عبد الرحمن، وابن عمر، ومحمود بن لبيد، والسائب بن يزيد، وحنظلة بن قيس، وعطاء بن صهيب -مولاه-، والشعبي، ومجاهد. روي له عن رسول الله ﷺ ثمانية وسبعون حديثًا، اتفقا على خمسة، وانفرد مسلم بثلاثة (﵁) (١). (أن رسول الله ﷺ قال: ثمن الكلب خبيث).

стр. 2418

قال النووي: في الحديث الآخر: "شرُّ الكسب مهرُ البغي، وثمنُ الكلب، وكسبُ الحجَّام" (١). قال النووي: وأما النهي عن ثمن الكلب، وكونه شرَّ المكاسب، وكونه خبيثًا، فيدل على تحريم بيعه، وأنه لا يصح بيعه، ولا يحل ثمنه، ولا قيمة على متلفه، سواء كان معلمًا، أم لا، وسواء كان مما يجوز اقتناؤه، أم لا، وبهذا قال جماهير العلماء، منهم: أبو هريرة، والحسن البصري، وربيعة، والأوزاعي، والحكم، وحماد، والشافعي، وأحمد، وداود، وابن المنذر. وقال أبو حنيفة: يصح بيع الكلاب التي فيها منفعة، وتجب القيمة على متلفها. وحكى ابن المنذر عن جابر، وعطاء، والنخعي جواز بيع كلب الصيد دون غيره، وعن مالك رويتان: إحداهما: لا يجوز بيعه، ولكن تجب القيمة على متلفه. والثانية: يصح بيعه، وتجب القيمة، وقيل عنه: لا يصح، ولا تجب القيمة على متلفه. ودليل الجمهور ما ذكرنا من الأحاديث، وأما الأحاديث الواردة في النهي عن ثمن الكلب إلا كلب الصيد (٢)، وفي رواية: إلا كلبًا [ضاريًا] (٣)، وأن عثمان ﵁ غرم إنسانًا ثمن كلب قتله عشرين بعيرًا (٤)،

стр. 2419

وعن ابن عمرو بن العاص التغريم في إتلافه، فكلها ضعيفة باتفاق أئمة الحديث (١). (ومهرُ البَغِيِّ خبيثٌ)؛ لأنَّه عوضٌ عن محرَّم، فلا يطيب، ولا يحلُّ- كما تقدم. (وكسب الحجَّام خبيثٌ)، قال الأكثرون من السَّلف والخلف: لا يحرم كسب الحجَّام، ولا يحرم أكله، لا على الحرِّ، ولا على العبدِ، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وفي رواية عنه قال بها فقهاء المحدثين: يحرم على الحرِّ دون العبدِ (٢). قال ابن دقيق العيد: والخبيث من حيث هو لا يدل على الحرمة صريحًا، ولذا جاء في كسب الحجَّام أنَّه خبيث، ولم يحمل على التحريم، لدليل خارجي، وهو أن النبي ﷺ حتجم، وأعطى الحجَّام أجره، وهو في "الصحيحين" من حديت ابن عباس ﵄، ولو كان حرامًا، لم يعطه (٣). وحملوا هذه الأحاديث التي فيها النهي على التنزيه، والارتفاع عن دنيء الاكتساب، والحث على مكارم الأخلاق، ومعالي الأمور، ولو كان حرامًا، لم يفرِّق فيه بين الحرِّ والعبدِ، فإنه لا يجوز للرجل أن يطعم عبدَه ما لا يحلُّ (٤). قال في "النهاية": قال الخطابي: قد يجمع الكلام بين القرائن في

стр. 2420

اللفظ، ويفرَّق بينها في المعنى، ويعرف ذلك من الأغراض والمقاصد، فأما مهر البغي، وثمن الكلب، فيريد بالخبيث فيهما: الحرام؛ لأن الكلب نجس، والزنا حرام، وبذل العوض عليه وأخذه حرام، وأما كسب الحجَّام، فيريد بالخبيث: الكراهة؛ لأن الحِجَامة مباحة، وقد يكون الكلام في الفعل الواحد بعضه على الوجوب، وبعضه على الندب، وبعضه على الحقيقة، وبعضه على المجاز، ويفرق بدلائل الأصول واعتبار معانيها. انتهى (١). على أن دلالة الاقتران ضعيفة. وذكر الإمام المحقِّق ابن القيِّم: أن دلالة الاقتران تظهر قوتها في موطن، وضعفها في موطن، ويتساوى الأمران في موطن، وذكر لذلك أمثلة، ثم قال: ولقائلٍ أن يقول: اشتراك المستحب والمفروض في لفظٍ عام لا يقتضي تساويهما، لا لغةً ولا عرفًا، فإنهما إذا اشتركا في شيء، لم يمتنع افتراقهما في شيء، ثم قال: وأما الموضع الذي يظهر فيه ضعف دلالة الاقتران، فعند تعدد الجمل، واستقلال كل واحدة منها بنفسها، كقوله ﷺ : "لا يبولنَّ أحدُكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من جنابة" (٢). قلت: وكذا ما نحن بصدده، فإن كل جملة مفيدة لمعناها، وحكمها وسببها وغايتها منفردة به عن الجملة الأخرى، واشتراكُهما في مجرد العطف لا يوجب اشتراكهما فيما وراءه، والله أعلم.

стр. 2421

باب العرايا وغير ذلك من أن يبيع النخل بعد التأبير ثمرته للبائع حيث لا شرط، ومنع جواز بيع ما احتاج إلى حق توفية قبلها، وتحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام ونحو ذلك. قال علماؤنا كغيرهم: العرايا: جمع عَرِيَّة، فَعيلَة، بمعنى مفعولة. وهي لغةً: كل شيء أُفرد من جملة، قال أبو عبيد: من عراه يعريه: إذا قصده (١). قال في "المطلع": ويحتمل أن تكون فعيلة بمعنى: فاعلة، من عري يَعرى: إذا خلع ثيابه، كأنها عِريت من جملة التحريم؛ أي: أخرجت. قال ابن عقيل: هي شرعًا: بيع رطب بتمر (٢). وفي "الإقناع": العرايا التي رخص فيها رسول الله ﷺ هي: بيع الرطب في رؤوس النخل خرصًا بمآله يابسًا بمثله من التمر، كيلًا معلومًا، لا جزافًا، فيما دون خمسة أوسق، لمن به حاجة إلى أكل الرطب، ولا نقد معه (٣). وذكر الحافظ -رحمه الله تعالى- في هذا الباب خمسة أحاديث:

стр. 2422

الحديث الأول عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ لِصَاحِب العَرِيَّةِ أَنْ يَبِيعَها بِخَرصِها (١). [وَلِمُسْلِمٍ: بِخَرصِها] تَمرًا يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا (٢).

стр. 2423

(عن) أبي سعيد (زيد بن ثابت) الأنصاريِّ، النجَّاريِّ. تقدَّمت ترجمته (﵁) في باب: المواقيت من كتاب: الصلاة، قال زيد ﵁: (أن رسولَ الله ﷺ رخَّص)؛ أي: سهَّل؛ لأن معنى الرخصة في اللغة: السهولة، وفي الشرع: ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح (١)، والدليل الشرعي هنا: تحريم بيع الرطب بالتمر، والمعارض الراجح: ما ورد عن صاحب الشريعة من التسهيل في جواز بيع العرايا (لصاحب العرية)، وهي بيع الرطب على النخل، فلو كان على وجه الأرض، لم يجز؛ للنهي عنه. والرخصة وردت في ذلك ليؤخذ شيئًا فشيئًا لحاجة التفكُّه (٢) (أن يبيعها) لمحتاجها؛ لأجل التفكه (بخرصها)، وهو أن ينظر الخارص الذي هو الحازر. قال القاضي عياض: الخرص للثمار: الحزر والتقدير لثمرتها، ولا يمكن إلا عند طيبها، والخِرص -بالكسر-: الشيء المقدر، و-بالفتح-: اسم الفعل (٣). وفي "المطلع": الخِرَص -بالفتح والكسر- لغتان في الشيء المخروص، وأما المصدر: فبالفتح، والمستقبل: -بالضم والكسر في الراء-، انتهى (٤).

стр. 2424

(تمرًا) بأن يحزر كم يجيء من العريَّة تمرًا، فيشتريها المشتري بمثل ما يؤول إليه الرطب إذا جف كيلًا؛ لأن الأصل اعتبار الكيل من الجانبين، سقط في أحدهما، وأقيم الخرص مكانه للحاجة، فيبقى الآخر على مقتضى الأصل (١). ويعتبر كون ذلك لمحتاج الرطب، ولا ثمن معه، لما في "الصحيحين" وغيرهما عن محمود بن لبيد، قال: قلت لزيد ﵁: ما عراياكم هذه؟ فسمَّى رجالًا محتاجين من الأنصار شكوا إلى النبي ﷺ أن الرطب يأتي ولا نقد بأيديهم يبتاعون به رطبًا، وعندهم فُضولٌ من التمر، فرخص لهم ﷺ أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر الذي في أيديهم (٢) (يأكلونه رطبًا)، فظاهره عدم اعتبار حاجة البائع، فلو احتاج إلى التمر،

стр. 2425

ولا ثمن معه إلا الرطب، فقال أبو بكر والمجد بجوازه، وهو بطريق التنبيه بالشيء على ما هو أولى منه؛ لأنه إذا جاز مخالفة الأصل لحاجة التفكه، فلحاجة الاقتيات أولى، إذ القياس على الرخصة جائز إذا فهمت العلة (١). وظاهر الحديث: أنه يعطي المشتري البائعَ من التمر مثلَ ما يؤول ما في النخل عند الجفاف، ارتكابًا لأخفِّ المفسدتين، وهو الجهلُ بالتساوي دون أعظمِهما، وهو العلم بالتفاضل، وهو مذهب الإمام أحمدَ، والشافعي. ويشترط الحلولُ -وتقابضُهما- أي: المتعاقدين -بمجلس العقد؛ لأنه بيع تمر بتمر، فاعتبر فيه شروطه، إلا ما استثناه الشارع مما لم يمكن اعتباره في بيع العرايا، والقبض في حقِّ كل واحد منهما بَحَسَبِهِ، ففي نخلٍ بتخليةٍ بينه وبينه، وفي تمرٍ بكيل. وليس من شرطه حضور التمر عند النخل، فلو تبايعا، وسلَّم أحدهما ثم مشى، ولم يتفرَّقا، فسلَّم الآخر، صحَّ؛ لأن التفرُّقَ لم يحصل قبل القبض (٢). تنبيهات: * الأول: أجاز بيعَ العرايا: مالكٌ، والشافعي، وأحمد، للأحاديث الصحيحة الصريحة بذلك، ومنع منه أبو حنيفة مطلقًا. ثم اختلف القائلون بصحة بيع العرايا في صفتها المباحة، وقدرها، وسيأتي تحرير قدرها في الحديث التالي، فصفةُ بيع العرايا الصحيح عند مالك: أن يكون قد وهب رجلٌ لآخر ثمرَ نخلة أو نخلات من حائطه، وشقَّ على الواهب دخولُ الموهوب له إلى حديقته، فإذا بدا صلاحها،

стр. 2426

فللموهوب له بيعُها ممن شاء غير معريها بالذهب والفضة والعروض، ومن معريها خاصة بخرصها تمرًا، وذلك بثلاثة شروط: أحدها: أن يدفعها إليه عند الجذاذ؛ فإنْ شرط قطعها في الحال، لم يجز. الثاني: أن يكون في خمسة أوسق فما دون. الثالث: أن يبيعها بالتمر مقصورًا على مُعريها خاصة دون غيره، وهي لكلِّ ثمرة تيبس وتدَّخر، هذا مذهب مالك على ما ذكره أبو المظفَّر عون الدين بن هبيرة (١)، وابن دقيق العيد (٢)، وغيرهما. ومذهب الإمام الشافعي كمذهب أحمد، إلا أنه لا يشترط الفقر، بل عنده يجوز للأغنياء والفقراء. وذكر ابن هبيرة: أن الشافعي يجوِّزُ بيعَ العرايا ممن له حاجة في الرطب، ليأكله، ولا ثمر عنده، كذا قال (٣). وظاهر كلام العلقمي: اعتبارُ التقابض في المجلس (٤). وجوَّزَ ابنُ عقيل -من أئمة علمائنا- بيعَها لواهبها، لئلا يدخل رب العريَّة حائطه، ولغيره لحاجة غير أكل. قال في "الفروع": ويحتمله كلام الإمام أحمد (٥). قلت: ومعتمد المذهب عدم الجواز إذن.

стр. 2427

قال في "شرح المنتهى": ولا يشترط في العريه كونها موهوبة (١)؛ لأن اشتراط ذلك مع اشتراط حاجة المشتري إلى أكلها رطبًا، ولا ثمن معه، يفضي إلى سقوط الرخصة، إذ لا يكاد يتفق ذلك؛ ولأن ما جاز بيعه إذا كان موهوبًا، جاز، كان لم يكن موهوبًا كسائر الأموال (٢). * الثاني: يشترط لبقاء صحة عقد العرايا أن يأكلها أهلها رطبًا، فلو تركت حتى صارت تمرًا، بطل العقد، لقوله ﷺ : "يأكلونه رطبًا". وفي "الصحيحين" من حديث سهل بن أبي حثمة ﵁: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الثمر بالتمر، ورخَّص في العرايا أن تُشترى بخرصها يأكلها أهلها رطبًا (٣). وفي رواية متفق عليها: إلا أنه رخَّص في بيع العرية النخلة والنخلتين، يأخذها أهل البيت بخرصها تمرًا، يأكلونه رطبًا (٤)، ولأن شراءها إنما جاز للحاجة إلى أكل الرطب، فإذا أتمر، تبيَّنا عدمَ الحاجة، ولا فرق بين كون التخلية حتى أتمر لعذر أو غيرها (٥). وحيث بطل البيع، رجعت الثمرة كلها للبائع تبعًا للأصل، كسائر نماء المبيع المتصل إذا رجع للبائع بفسخ أو بطلان.

стр. 2428

ونقل ابن أبي موسى -من أئمة علمائنا- في كتابه "الإرشاد": أنهما يكونان شريكين في الزيادة، فتقوم الثمرة وقتَ العقد وبعدَ الزيادة. وعنه: لا يبطل، والزيادة لهما. وقال القاضي: الزيادة للمشتري. وعنه: يفسد إن أخره عمدًا بلا عذر (١). * الثالث: لا يصح بيع العرايا في بقيَّةِ الثمار، لما روى الترمذي من حديث سهل ورافع مرفوعًا: نهى عن المزابنة الثمر بالتمر، إلا أصحاب العرايا، فإِنه قد أذن لهم، وعن بيع العنب بالزبيب (٢)، ولأن الأصل يقتضي تحريم بيع العرية، وإنما جازت في ثمرة النخيل رخصة، فلا يصح قياس غيرها عليها؛ لأنَّ غيرها لا يساويها في كثرة الاقتيات، وسهولة الخرص، ولأن القياس لا يُنظر إليه إذا خالف نصًا (٣). وقيل: يجوز في العنب فقط، ونقله العلقمي من الشافعية (٤). * الرابع: لا يجوز بيع الرطب بالتمر، حيث كان على الأرض ليس على نخيله، وجوَّزهُ أبو حنيفة، واتفق أبو حنيفة، ومالك، وأحمد على جواز بيع الرطب بالرطب على وجه الأرض مِثْلًا بمثل، ومنع صِحَّة بيعه الشافعي. قال ابن دقيق العيد: وجهًا واحدًا (٥)، والله أعلم.

стр. 2429

الحديث الثاني عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَن النَّبِيَّ ﷺ رخَّصَ فِي بَيْعِ العَرَايَا فِي خَمسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ دُونَ خَمسَةِ أَوْسُقٍ (١). * * * (عن أبي هريرة) عبدِ الرحمنِ بنِ صخرٍ (﵁: أن النبيَّ ﷺ

стр. 2430

رخَّصَ) للمحتاجين لأكل الرطب للتفكُّهِ به، ولا ثمنَ معهم يشترون به رطبًا يتفكهون به (في بيع العرايا) المتقدم ذكرُها، وخصَّ الرخصة بكونها (في خمسة أوسق، أو) قال: فيما (دون خمسة أوسق) بالشك في الخمسة أوسق، فمنع الإمام أحمدُ صحتها في الخمسة أوسق فصاعدًا، لكون الخمسةِ مشكوكًا فيها، فاقتصر على ما لا شك في الجواز فيه، وهو ما دون الخمسة (١). وفي حديث جابر بن عبد الله ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ حين أذن لأهل العرايا أن يبيعوها بخرصها، يقول: "الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة" رواه الإمام أحمد (٢)، ولفظ حديث أبي هريرة عند مسلم: رخَّص في بيع العرايا بخرصها فيما دون خمسة أوسق، أو في خمسة، شك داود، قال: خمسة أو دون خمسة (٣). قال الزركشمي في "شرح الخرقي": المذهب المقطوع به: المنعُ؛ لأن النهي عن المزابنة مطلق، خرج منه ما دون خمسة أوسق، فيبقى ما عداه على مقتضى النهي، وترجيحًا للحظر على الإباحة، ولا فرق عندنا بين الشراء في صفقة أو في صفقات، ولم يختلف قول الشافعي في أنه لا يجوز فيما زاد على الخمسة أوسق، وأنه يجوز فيما دونها، وله في الخمسة قولان، وكذا مذهب مالك، إلا أن الشافعية اعتبروا القدر الجائز بالصفقة إن كانت واحدة، وأما لو كانت في صفقات متعددة، فلا يمنع عندهم، ولو باع

стр. 2431

في صفقة واحدة من رجلين ما يكون لكل واحد منهما القدر الجائز، جاز، ولو باع رجلان من واحد، فكذلك الحكم عندهم في أصح الوجهين. ومذهبنا: لا يصح زيادة مشترٍ على القدر المرخص فيه، ولو اشتراه من عدد في صفقات، بأن يشتري من زيد وسقين، ومن عمرو وسقين، ومن بكر وسقين؛ لأن النهي عن المزابنة عام استُثنيَ منه العرية فيما دون خمسة أوسق، وما زاد يبقى على العموم في التحريم، ولأن ما لم يجز العقد عليه مرة إذا كان من نوع واحد، لم يجز في عقدين، كالذي على وجه الأرض، وكالجمع بين الأختين، وأما إن بايع رجل رجلين عريتين لكل واحد دون الخمسة أوسق، جاز؛ لأن المغلب في التحريم حاجة المشتري لا البائع (١). وتقدَّم في الزكاة أن الوسق: ستون صاعًا، والصاع: خمسة أرطال وثلث بالعراقي، والله الموفق.

стр. 2432

الحديث الثالث عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ، فَثَمَرَتُها لِلْبَائعِ، إِلأَ أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ" (١). وَلِمُسْلِمٍ: "وَمَنِ ابْتَاعَ عَبْدًا، فَمَالُهُ للَّذِي بَاعَهُ، إِلأَ أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ" (٢).

стр. 2433

(عن) أبي عبد الرحمن (عبد الله بنِ) أمير المؤمنين (عمرَ ﵄: أن النبيَّ ﷺ قال: من باع نخلًا قد أُبرت)؛ أي: أُلقحت، يقال: أَبرتُ النخلة، آبرها، ويُقالُ -بالتشديد (١) -، وفي الحديث: وهم يأبرون النخل (٢)؛ أي: يلقحونها ويذكرونها، وقد جاء مفسرًا في الحديث كذلك. ووقع في رواية الطبري: وهم يؤَبِّرون (٣) -بالتشديد (٤) -، وهو أن يشقق أَكِمَّةُ إناث النخل، ويُذَرَّ طلعُ الذكر فيها، ولا يلقح جميع النخل، بل يؤبر البعض، ويشقق الباقي بانبثاث ريح الفحول إليه الذي يحصل به تشقيق الطلع (٥).

стр. 2434

وفي "المطلع": أبرَ النخلَ يأْبِرُه أَبْرًا، والاسم: الإبار، فهو آبِرٌ، والنخلُ مأبور، وأَبَّر -بتشديد الباء- تأبيرًا، فهو مؤبِّر. قال: وأصل الإبار: التلقيح، وهو وضع الذكر في الأنثى (١). (فثمرتُها) بعد التأبير (للبائع) في سورة الإطلاق، وظاهر هذا: اعتبارُ حقيقة التأبير. وقال علماؤنا: من باع أو وهب أو رهن نخلًا، وقد تشقق طلعه، ولو لم يؤبر، أو باع ونحوَه نخلًا به طلعُ فحالٍ يراد لتلقيحٍ، أو صالح به، أو جعله صداقًا، أو عوضَ خُلع، أو أجرة، فالثمر فقط دون العراجينِ ونحوِها لمُعْطٍ متروكًا في النخل إلى الجذاذ، وذلك حين تتناهى حلاوة ثمرها (٢). قال العلَّامة خاتمة المحققين الشيخُ عثمانُ النجديُّ في "حواشي المنتهى": الطَّلع -بالفتح-: ما يطلع من النخلة، ثم يصير تمرًا إن كان أنثى، وإن كان ذكرًا، لم يصر تمرًا، بل يؤكل طريًا، ويترك على النخلة أيامًا معلومة حتى يصير فيه شيء أبيض مثل الدقيق، وله رائحة زكية، فيلقح به الأنثى. وأطلعت الأنثى: أخرجَتْ طلعَها، فهي مُطْلِعٌ، وربما قيل: مُطْلِعَة (٣). فعلقوا الحكم بالتشقق؛ لأن التأبير لا يكون حتى يتشقق الطلع، والطلع: وعاء العنقود، ولما كان الحكم متعلقًا بالتشقق بغير خلاف، فسَّروا التأبير به؛ لأنه لازم له غالبًا، إذ لو انشق طلعه، ولو يؤبر، كانت الثمرةُ للبائع.

стр. 2435

وعلم من الحديث: أن ما قبل ذلك للمشتري؛ لأنه جعل التأبير حدًا لِمِلْك البائع للثمرة، وإلا، لم يكن حدّ، أو كان ذكر التأبير غيرَ مفيد، فجعل ما قبل التشقق تابعًا لأصله، وما بعدَه غيرَ تابع له، كالحمل في الحيوان. وألحق بالبيع باقي عقود المعاوضات؛ لأنها في معناه. وألحق بذلك الهبة، لزوال الملك فيها بغير فسخ، وتصرف المُتَّهب بما شاء أشبة المشتري، والرهن؛ لأنه يراد للبيع ليستوفي الدين من ثمنه، وترك إلى الجذاذ؛ لأن تفريغ المبيع بحسب العرف والعادة، كدار فيها أطعمة أو متاع (١). (إلا أن يشترط المبتاع)؛ أي: المشتري الثمرةَ بعد التأبير كلَّها، أو بعضها المعلومَ، كنصفها أو ثلثها، أو ثمرةَ شجرة معينة له، فله بشرطه. "أَيُّما نخلٍ اشتُري أصولُها وقد أُبِّرَتْ، فإن ثمرتها للذي أبرها، إلا أَن يشترط الذي اشتراها" (٢)، وفي لفظ: "أَيُّما امرِىءٍ أَبر نخلًا، ثم باع أُصولَها، فللذي أَبر ثمرُ النخل، إلا أن يشترط المبتاع" (٣)، ويصح شرط بائع ونحوه ما لمشترٍ بأن يشترط ثمرة النخل قبل التشقق والتأبير مثلًا له، وكذا جزءًا معلومًا منها، نحو: ربع، أو خمس -كما مرَّ-، وله تبقيته إلى جذاذه ما لم يشترط عليه قطع غير مشاع، كان ظهر أو تشقق بعضُ ثمره، أو بعضُ طلع، ولو من نوع، فما ظهر أو تشقق، فلبائع ونحوه، كما سبق،

стр. 2436

وما لم يظهر ولا يتشقق، فلمشترٍ، إلا إذا ظهر أو تشقق بعض ثمره في شجرة واحدة، فالكل لبائع ونحوه (١). تنبيهات: * الأول: اتفق الأئمة على صحة بيع الأصول وفيها ثمرٌ بادٍ، ثم اختلفوا لمن تكون الثمرة؟ وسواء أُبرت أو لم تُؤبر؟. فقال أبو حنيفة: الثمرة في الحالين للبائع، وقال الثلاثة: بالتفرقة بين ما إذا كانت مؤبرة فهي للبائع، أو غير مؤبرة فهي للمشتري، إلا أن يشترطها المشتري -كما في الحديث-. وقال أبو حنيفة: لا يجوز تركها إلى حين الجذاذ، بل يؤخذ البائع بقطعها في الحال. وقال الباقون: له تركها إلى الجذاذ (٢). قال علماؤنا في سورة تبقيتها إلى الجذاذ: هذا ما لم تجر عادة بأخذها بُسْرًا، أو يكن بسرُها خيرًا من رطبها، فعلى بائع حينئذٍ أن يجذه إذا استحكمت حلاوة بُسره؛ لأنه عادة أخذه، ومحل هذا إن لم يشترط المشتري على البائع قطعه، فله شرطه، أو لم يشترط المشتري ذلك، وكان النخل يتضرر ببقائه، فيقطع؛ لأن الضرر لا يُزال بالضرر (٣). * الثاني: مثل الطلع الذي تشقق ما بدا من ثمره، كعنب وتين وتوت ورمان وجوز، أو ظهر من نَوْرِه، كمشمش وتفاح وسفرجل ولوز، أو خرج

стр. 2437

من أكمامه، كورد وقطن، فما كان بعد البُدُوِّ، فهو لبائعٍ ونحوه، وما كان قبل ذلك، فلمشتر، والمراد بالقطن: الذي تبقى أصوله، وأما مالا تبقى أصوله، فهو كزرع؛ لأنه لعدم بقائه في الأرض أشبه البر (١). (ولمسلم): قلت: بل لهما، فقد رواه الإمام أحمد (٢)، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (٣)، ولهذا عزاه في "منتقى الأَحكام" لهم (٤)، ولفظ "صحيح البخاري" من حديث ابن عمر ﵄: "أَيُّما نخلٍ بيعَتْ قد أبرتْ" لم يذكر الثمر، "فالثمر للذي أبرها"، وكذلك العبد والحرث، سمى له نافع هؤلاء الثلاث (٥)، ولهذا ذكره الحافظ عبد الحق الإشبيلي في المتفق عليه (٦). (من ابتاع)؛ أي: اشترى (عبدًا) له مال، (فماله) -أي: الذي كان تحت

стр. 2438

يده- للشخص (للذي باعه)، فلا يشمله الشراء، وإنما يشمل بيعُ القِنِّ من ذكر أو أنثى لباسَه المعتاد له؛ لأنه مما تتعلق به حاجةُ المبيع أو مصلحته، وجرت العادة ببيعه معه، فلا يأخذ مشترٍ ما كان يلبسه الرقيق للتجمُّل من لباس وحلي؛ لأنه زيادةٌ على العادة، ولا تتعلق به حاجة المبيع، وإنما يُلبسه إياه لينفِّقَه به، وهذه حاجة البائع لا المَبيع، ولا يشمل البيع مَالًا كان مع الرقيق، ولا بعضه، (إلا أن يشترطَ المبتاعُ) -أَي: المشتري- ذلك، أو بعضَه في العقد، ثم إن قصد ما اشترط، ولا يتناوله بيع لولا الشرط، بأن لم يرد تركه، تركه للقنِّ اشترط له شروط البيع من العلم به، وأَلَّا يشارك الثمن في عِلَّة ربا الفضل ونحوه، كما يشترط ذلك في العينين المبيعين؛ لأنه بيع مقصود أشبة ما لو ضم إلى الثمن عينًا أخرى وباعهما، كان لم يقصد المال الذي تحت يد القن، أو ثياب جماله، أو حليه، فلا يشترط له حينئذٍ شروط بيع، لدخوله تبعًا غير مقصود، أشبة أساساتِ الحيطان، وتموية سقفٍ بذهب، وسواء قلنا: القنُّ يملك بالتمليك، أو لا (١)، ومعتمد المذهب: أنه لا يملك، وإن مُلِّك. واستدل المالكية بظاهر الحديث على أن العبد يملك، لإضافة المال إليه باللام، وهي ظاهرة في الملك، ومن لم ير ذلك يجعلُها للاختصاص، كسرج الفرس (٢)، والله أعلم.

стр. 2439

الحديث الرابع وَعَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا، فَلاَ يَبعهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ" (١). وَفِي لَفْظٍ: "حَتَّى يَقْبِضَهُ" (٢). وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ مِثْلُهُ (٣).

стр. 2440

ما أشار إليه المصنف بقوله: (وعنه)؛ أي: عن ابن عمر ﵄: (أن رسولَ الله ﷺ قال: من ابتاعَ)؛ أي: اشترى من غيره (طعامًا) بكيلٍ، وكل ما يحتاج إلى حق توفية، من كيل، أو وزن، أو عَدٍّ، أو ذَرْع، ملكه بالشراء، ولزم بالعقد، ولو كان قفيزًا من صبرة، ورطلًا من زُبْرَة (١)، لم يصح تصرفه فيه قبل قبضه -ولو من بائعه- ببيع، ولا إجارة، ولا هبة، ولو بلا عوض، ولا رهن، ولو بعد قبض ثمنه، ولا الحوالة عليه، ولا به، ولا غير ذلك (٢)، لقوله ﷺ : (فلا يبعْه)، ومثل البيع غيرُه مما ذكر (حتى)؛ أي: إلى أن (يستوفيه، وفي لفظ: حتى يَقْبِضَهُ). (وعن ابن عباس ﵄ مثلُه) سواء، قال ابن عباس ﵄: وأحسب كلَّ شيء مثله (٣)، وفي لفظ آخر: "فلا يبعه

стр. 2441

حتى يكتاله" (١)، وفيهما في حديث ابن عمر، قال: وكنشتري الطعام من الركبان جزافًا، فنهانا رسول الله ﷺ أن نبيعه حتى ننقله من مكانه (٢). وفي آخر حديث ابن عباس فيهما: قال طاوس: قلت لابن عباس: لم؟ فقال: ألا تراهم يتبايعون بالذهب مُزجَأً؟! (٣). ولفظ البخاري: قلت لابن عباس: كيف ذاك؟ دراهم بدراهم والطعام مُرْجَأٌ (٤)!، وقال: جون: مؤخرون. وفي رواية عن ابن عمر ﵄ فيهما: كانوا يشترون الطعام من الركبان على عهد رسول الله ﷺ ، فيبعث عليهم من يمنعهم أن يبيعوه حيث اشتروه، حتى ينقلوه حيث يُباع الطعام (٥). قوله في الحديث: مُزجَأ؛ أي: مؤخَّر، كما فسره البخاري، ويجوز همزه وتركُ همزه، والجِزافُ -بتثليث الجيم، والكسرُ أفصح وأشهر-: البيعُ بلا كيل ولا وزن ولا تقدير (٦). وصرح الحديث بالنهي عن بيع المبيع حتى يقبضه. واختلف العلماء في ذلك: فقال علماؤنا: من اشترى شيئًا يحتاج إلى حق توفية، لم يصحَّ تصرفُه

стр. 2442

فيه قبل قبضه -ولو من بائعه- ببيع ولا إجارة ونحوهما مما تقدم، ويصح جعلُه مهرًا، والخلع والوصية به، فلو قبضه جزافًا، مكيلًا كان أو نحوه، لعلمهما قدره، بأن شاهدا كيله ونحوه، ثم باعه به من غير اعتبار، صح، وإن أعلمه بكيله ونحوه، فقبضه ثم باعه به، لم يجز، وإن قبضه مصدقًا لبائعه في كيله ونحوه، برىء من عهدته، ولا يجوز له أن يتصرف فيه قبل اعتباره، لفساد قبضه، وإن لم يصدقه قبل قوله في قدره، حيث كان المبيع أو بعضه مفقودًا، أو اختلفا في بقائه على حاله، وإن اتفقا على بقائه على حاله، وثبت ببينة، اعتبر بالكيل والمبيع بصفة أو رؤية سابقة من ضمان بائع حتى يقبضه مشتر، ولا يجوز للمشتري التصرف فيه قبل قبضه، ولو غير مكيل ونحوه، كما لو اشترى شاة أو شقصًا بطعام، فقبض الشاة وباعها، أو أخذ الشقص بالشفعة، ثم تلف الطعام قبل قبضه، انفسخ العقد الأول دون الثاني، وما عدا مكيل ونحوه؛ ك عبد وصبرة يجوز التصرف فيه قبل قبضه ببيع أو إجارة ونحوهما، فإن تلف، فمن ضمان مشتر، تمكن من قبضه أو لا، إذا لم يمنعه منه البائع (١). وقال الشافعية: لا يصح بيع المبيع قبل قبضه، سواء كان طعامًا، أو عقارا، أو منقولا، أو نقدًا، وغيره. وقال أبو حنيفة: يجوز بيع العقار قبل القبض، ويمنع غيره. وقال مالك: لا يجوز في الطعام، ويجوز فيما سواه (٢).

стр. 2443

الحديث الخامس عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ عَامَ الفَتْحِ: "إنَّ الله وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الخمرِ وَالمَيْتَةِ وَالخِنْزِيرِ والأَصنَامِ"، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَرَأَيْتَ شُحُومَ المَيْتَةِ، فَإِنَّهُ يُطْلَى بِها السُّفُنُ، ويُدهنُ بها الجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فقال: "لاَ، هُوَ حَرَام"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: "قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ! إِنَّ الله لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَها، جَمَلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكلوُا ثَمَنَهُ" (١). جَملوه: أذابُوه.

стр. 2444

(عن جابر بن عبد الله ﵄: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح)، أي: فتح مكة المشرفة، وكان في الثامنة، ومقول القول: (إن الله) (ورسوله) محمدًا ﷺ (حَرَّم)، هكذا في "الصحيحين" بإسناد الفعل إلى ضمير الواحد، وكان الأصل: "حرَّما". قال القرطبي: إنه ﷺ تأدب مع الله، فلم يجمع بينه وبين اسم الله في ضمير الاثنين؛ لأنه من نوع ما رد به على الخطيب الذي قال: ومن يعصهما (١)، على أنه ورد في بعض طرق "الصحيحين": "إن الله حرم" ليس فيه: ورسوله، والتحقيق جواز الإفراد في مثل هذا، ووجهه: الإشارة إلى أن أمر النبي ﷺ ناشىء عن أمر الله، وهو نحو قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ (٢) [التوبة: ٦٢]. (بيعَ الخمر)، ويشمل كلَّ مسكر؛ لأنه ما خامر العقلَ وغطاه، وإضافة تحريم الخمر وما عطف عليه لله -جل شأنه- على الحقيقة؛ أي: شرع وقدر تحريم بيع الخمر، وإلى الرسول ﷺ كذلك؛ لأنه مبلِّغ عن الله تعالى؛ أي: أظهر وبين وبلَّغ حرمةَ ذلك. قال علماؤنا:. من شرطِ صحة البجع أن يكون البيع مالًا، وهو ما فيه

стр. 2445

منفعة مباحة لغير حاجة أو ضرورة، فلا يجوز بيع خمرٍ، ولو كانا ذميين، ولا كلبٍ، ولو مباح الاقتناء، وتقدم. ويصح شراء كتب زندقة ليتلفها، لا خمرٍ ليريقها؛ لأن في بيع الكتب ماليةَ الورق (١). (و) حرم بيع (الميتة)، فلا يصح بيعها، ولابيع شيء منها، ولو لمضطر، إلا سمكًا وجرادًا ونحوهما، لا نحو عبد ميت، وإن كان طاهرًا. والحاصل: أن المدرك في عدم جواز بيع نحو الخمر والميتة، هل هو نجاسة عينهما؟ وهذا مذهب الشافعي، أو عدم ماليتهما؟ وهذا معتمد مذهب الإمام أحمد وغيره من الأئمة. وأما قول ابن دقيق العيد: إن الانتفاع بالخمر والميتة لم يعدم، فإنه قد ينتفع بالخمر في أمور، وينتفع بالميتة في إطعام الجوارح (٢). فالجواب: إنا شرطنا كون النفع يباح في كل الأحوال، أو الاقتناء بلا حاجة. (و) حرم بيع (الخنزير) -بكسر الخاء المعجمة ونون أصلية-. وعند الجوهري:. زائدة (٣)، كما في "المطلع" (٤). وقال الدميري: هو عند أكثر اللغويين رباعي. وحكى ابن سيده عن بعضهم: أنه مشتق من خزر العين؛ لأنه كذلك

стр. 2446

ينظر (١)، فهو على ذلك ثلاثي، يقال: تخازر الرجل: إذا ضيق جفنَه ليحدد النظر، كقوله: تعافى وتجاهل. قال عمرُو بنُ العاصِ في يوم صِفِّين: [من الرجز] إذَا تَخَازَزتُ وَمَا بِي مِنْ خَزَرْ ... ثُمَّ كَسَرْتُ الطَّرْفَ مِنْ غَيْرِ عَوَرْ أَلْفَيْتُني أَلْوِي بعيد المستمر ... كَالْحَيَّةِ الصَّمَّاءِ مِنْ أَصْلِ الْجُحُرْ أحمِلُ مَا حُمِّلْتُ مِنْ خَيْرٍ وَشَر (٢) وفي "سنن أبي داود" من حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله حَرَّمَ الخمرَ وثمنَها، وحرمَ الميتةَ وثمنَها، وحرمَ الخنزيرَ وثمنَه" (٣). وقد منع الشافعي وأحمد من جواز الانتفاع بالخنزير، وكذا إسحاق بن راهويه، ورخص بالانتفاع به مالكٌ، وأصحابُ الرأي. (و) حرم بيعَ (الأصنامِ) جمع صنم، وهو ما اتُّخِذ إلهًا من دون الله تعالى. وقيل: هو ما كان له جسم أو صورة، فإن لم يكن له جسم أو صورة، فهو وثن (٤)، والمراد هنا: ما شملهما. قال علماؤنا: لا يصح بيعُ دمٍ وخنزيرٍ وصنمٍ (٥).

стр. 2447

(فقيل: يا رسول الله! أرأيت شحوم الميتة؟) وهي في الشرع اسم لكل حيوان خرجت روحه بغير ذكاة (١)، (فإنه يطلى بها)؛ أي: بتلك الشحوم (السفنُ، ويدهن بها الجلود) فتلين (ويستصبحُ بها الناسُ)؛ أي: يُشعلون بها سُرُجَهم، (فقال) ﷺ : (لا) يجوز شيء من ذلك، بل (هو)؛ أي: البيع والانتفاع بشحم الميتة (حرام)، سواء كان باستصباح وغيره، فأهدرَ منافعه بعدما بُيِّنَ له أن فيه منفعة (٢)، (ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك) منبهًا على تعليل تحريم بيع هذه الأشياء: (قاتلَ اللهُ اليهودَ)؛ أي: قتلهم الله، وقيل: لعنهم، وقيل: عاداهم، وواحد اليهود: يهودي، وحذفوا ياء النسبة في الجمع، كزنجي وزنج، جعلًا منهم للياء فيه كتاء التأنيث في نحو: شعيرة وشعير، وفي تسميتهم بذلك خمسة أقوال: أحدها: قولهم: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]. الثاني: أنهم هادوا من عبادة العجل؛ أي: تابوا ورجعوا عنها. الثالث: أنهم مالوا عن دين الإسلام ودين موسى. الرابع: أنهم يتهوَّدون عند قراءة التوراة؛ أي يتحركون، ويقولون: السموات والأرض تحركت حيث آتى الله موسى التوراة. قاله أبو عمرو ابن العلاء. الخامس: نسبتهم إلى يهوذا بنِ يعقوبَ، فقيل لهم: يهوذ -بالذال المعجمة-، ثم عرب -بالمهملة-. نقله غير واحد. وهم قوم موسى -عليه وعلى نبينا وعلى سائر الأنبياء الصلاة والسلام- (٣).

стр. 2448

(إن الله) -سبحانه- (لَمَّا حرمَ) عليهم (شحومها)؛ يعني: الميتة، (جملوه) وفي لفظ: "فأجملوه" (١)؛ يعني: أذابوه، يقال: جمل وأجمل (٢)، (ثم باعوه) مع كونه حرم عليهم، (فأكلوا ثمنه)، وليس يباح لهم شيء من ذلك. قال الحافظ -رحمه الله تعالى-: (جملوه: أذابوه)، ومنه: يجملون منه الودك، والجميل: الشحم المذاب (٣). وفي "النهاية": جملت الشحمَ، وأجملته: إذا أذبته، واستخرجت دهنه، وجَملتُ أفصحُ من أجملت (٤). وقال الخطابي: ومعناه: أذابوها حتى تفسير وَدَكًا، فيزول عنها اسمُ الشحم (٥)، فوجه اللوم على اليهود في تحريم أكل الثمن بتحريم أكل الشحوم، واستدل بهذا على تحريم الذرائع؛ لأن أكل الثمن ليس هو أكل الأصل بعينه، لكنه لما كان سببًا إلى أكل الأصل بطريق المعنى، استحقوا اللوم عليه (٦)، والذم بمعاطاته، وفي هذا إبطال لكل حيلة يُتوصل بها إلى محرم، وأنه لا يتغير حكمه بتغير هيئته وتبديل اسمه (٧). وزاد أبو داود في آخر هذا الحديث: أنه ﷺ قال "وإنَّ الله إذا حرمَ على

стр. 2449

قومٍ أكلَ شيءٍ، حرم عليهم ثمنَهُ"، وفي لفظ لأبي داود: "لعنَ اللهُ اليهود، إِن الله حرم عليهم الشحوم فباعوها" (١). وروى الإمام أبو عبد الله بنُ بطة من حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "لا ترتكبوا ما ارتكبته اليهودُ، فتستحلوا محارمَ الله بأدنى الحيل". ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في "إبطال التحليل "، وقال: إسناده جيد، يصحح مثله الترمذي وغيره (٢). ثم قال شيخ الإسلام: ومن احتيالهم: أن الله -سبحانه- لما حرم عليهم أكل الشحوم، تأوَّلوا: أن المراد: نفس إدخاله الفم، وأن الشحم هو الجامد دون المذاب، فجملوه، فباعوه وأكلوا ثمنه، وقالوا: ما أكلنا الشحم، ولم ينظروا في أن الله -سبحانه- إذا حرم الانتفاع بشيء، فلا فرق بين الانتفاع بعينه أو ببدله، إذ البدل يسد مسدَّه، ولا فرقَ بين حال جموده وذوبِه، فلو كان ثمنه حلالًا، لم يكن في التحريم كبير أمر. وقد بلغ عمرَ ﵁ أن فلانًا باع خمرًا، فقال: قاتل الله فلانًا، ألم يعلم أن رسول الله ﷺ قال: "قاتل الله اليهود"، فذكر الحديث (٣). وذكر شيخ الإسلام بعد كلام الخطابي، ثم قال: يقال: جملت الشيء، وأجملته، واجتملته، وقال غير الخطابي: يقال: جملت الشحم، أَجْمُلُه

стр. 2450

-بالضم-، والجميل: الشحم المذاب، وذكر حديثَ جابر، ثم قال: قال الإمام أحمد في رواية صالح وأبي الحارث: هذه الحيل التي وضعها فلان وأصحابه، عمدوا إلى السنن، فاحتالوا في نقضها، والشيء الذي قيل لهم: إنه حرام احتالوا فيه حتى أحلوه، ولمحالوا: الرهن لا يحل أن يستعمل، ثم قالوا: يحتال له حتى يستعمل، فكيف يحل ما حرم الله تعالى؟!. وقال ﷺ : "لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم، فأذابوها فباعوها، وأكلوا أثمانها"، أذابوها حتى أزالوا عنها اسم الشحم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وجه الدلالة: ما أشار إليه الإمام أحمد من أن اليهود لما حرم الله عليهم الشحوم، أرادوا الاحتيال على الانتفاع بها على وجه لا يقال في الظاهر: إنهم انتفعوا بالشحم، فجملوه، وقصدوا بذلك أن يزول عنه اسم الشحم، ثم انتفعوا بثمنه بعد ذلك، لئلا يحصل الانتفاع بعين المحرم، ثم مع أنهم احتالوا حيلة خرجوا بها -في زعمهم- من ظاهر التحريم في هذين الوجهين، لعنهم الله تعالى على لسان رسوله على هذا الاستحلال، نظرًا إلى هذا المقصود، فإن حكمة التحريم لا تختلف، سواء كان جامدًا، أَو مائعًا، وبدل الشيء يقوم مقامه، ويسد مسدَّه، فإذا حرم الله الانتفاع بشيء، حرم الاعتياضَ عن تلك المنفعة، ولهذا ما أبيح الانتفاع به من وجه دون وجه، كالحمير، ونحوها، فإنه يجوز بيعها لمنفعة الظهر المباحة، لا لمنفعة اللحم المحرمة، وهذا معنى قوله ﷺ في حديث ابن عباس عند أبي داود: أن رسول الله ﷺ قال: "لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء، حرم عليهم ثمنه" (١).

стр. 2451

قال شيخ الإسلام: يعني: ثمنه المقابل لمنفعة الأكل، فأما إن كانت فيه. منفعة أخرى، وكان الثمن في مقابلتها، لم يدخل في هذا، وأطال الكلام شيخ الإسلام على هذا المقام، والله ولي الإنعام (١).

стр. 2452

باب السلم قال الأزهري: السَّلَم والسَّلَف واحد، يقال: سَلَمَ وأَسْلَمَ، وسَلَفَ وأَسْلَفَ بمعنى واحد، هذا قول جميع أهل اللغة (١)، كما في "المطلع" (٢). وتعريفه: عَقْدٌ على موصوفٍ بذمة مؤجل بثمن مقبوض بمجلس عقد (٣). وهو جائز بالإجماع، وسنده من الكتاب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. روى سعيد بإِسناده عن ابن عباس ﵄: أنه قال: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أَحله الله تعالى في كتابه، وأذن به، ثم تلا هذه الآية (٤).

стр. 2453

وذكر المصنف -رحمه الله تعالى- في هذا الباب حديثًا واحدًا، وهو ما ذكره: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَدِمَ النَّبيُّ ﷺ المَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ في الثِّمَارِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلاَثَ، فَقَالَ: "مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيءٍ، فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعلُومٍ، وَوَزْنٍ مَغلُومٍ، إلَى أَجَلٍ مَعلُومٍ" (١). * * * (عن عبد الله بن عباس ﵄، قال: قدم النبيُّ ﷺ المدينةَ) المشرفةَ أولَ قدومِه الشريفِ مهاجرًا (وهم)؛ يعني: أهل المدينة (يُسْلِفون في الثمار السنتينِ والثلاثَ) سنينَ، ولفظ مسلم: السنةَ والسنتين (٢)، وفي

стр. 2454

لفظ عند البخاري من حديث أبي المنهال، عن ابن عباس ﵄، قال: قدم رسولُ الله ﷺ المدينةَ، والناس يسلفون في الثمر العامَ والعامين، أو قال: عامينِ أو ثلاثةً، شك إسماعيلُ بنُ عُلية (١). والحاصل: أنهم كانوا منهم من يسلف إلى عام، ومنهم من يسلف إلى عامين، ومنهم من يسلف إلى ثلاثة أعوام، فلا مانع من الكثرة والقلة، حيث كان إلى أمد معلوم له وقعٌ في الثمن عادة، كشهر ونحوه (٢). (فقال) ﷺ : (من أسلف في شيء) بما يصحُّ السلفُ فيه بحيث يكون مما تنضبط صفاته؛ لأن مالا يمكن ضبطُ صفاته يختلف كثيرًا، فيفضي إلى المنازعة والمشاقة المطلوبِ شرطًا عدمُها (٣)، ولهذا قال ﷺ : (فليسلِفْ في كيل)؛ أي: إذا كان المُسْلَم فيه مكيلًا، فليكن بكيل (معلوم، و) إذا كان المُسْلَم فيه موزونًا، فليكن بـ (وزن معلوم)، وكذا إذا كان المسلَم فيه مذروعًا، فبذراع معلوم، وأن يكون المكيال والرطل والذراع المقدَّرُ به متعارَفًا عند العامة، وهذا مُفادٌ من قوله ﷺ : "في كيل معلوم"، فلا يصح لو شرط بصنجة أو مكيال أو ذراع لا عرف له (٤). قال ابن المنذر: أجمع كلُّ من يحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم في الطعام لا يجوز بغير مكيال لا يعرف، أو صنجةٍ لا يُعرف عيارُها، ولا في ثوب بذراع فلان أو رطله (٥)، حيث كان غير معروف؛ لأنه غرر

стр. 2455

لا يحتاج إليه العقد، فإن عين فردًا ما له عرف، كمكيال فلان أو رطله، وهما معروفان عند العامة، صح العقد دون التعيين (١). وعلم من الحديث: أنه لا يصح السلم في مكيل وزنًا، ولا في موزون كيلًا. وقد نص الإمام أحمد على ذلك؛ لأنه مبيع تشترط له معرفة قدره، فلم يجز بغير ما هومقدر له في الأصل، كما لو أسلم في المذروع وزنًا، فإنه يصح بغير خلاف (٢)، وأما في السلم في المكيل وزنًا، والموزون كيلًا، ففيه رواية عن الإمام أحمد، وهو مذهب الثلاثة (٣). وقوله ﷺ : (إلى أجل معلوم) يعني: اعتبار كون السلم لا يصح أن يكون حالًّا، كانص عليه الإمام أحمد، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك، وقال الشافعي: يصح. ولنا: أن الشارع قد أمر بالأجل، والأمر للوجوب، ولأن السلم رخصة جاز للرفق، ولا يحصل الرفق إلا بالأجل، فإذا انتفى الأجل، انتفى الرفق، فلا يصح، كالكتابة، والحلول يخرجه عن اسمه ومعناه، بخلاف بيوع الأعيان، فإنها لم تثبت على خلاف الأصل (٤). ثم اختلف القائلون باعتبار الأجل، فمذهب الإمام أحمد: اعتبارُ كون الأجل وقع في الثمن عادة؛ لأنه إنما اعتبر لتحقق الرفق، ولا يحصل بمدة لا وَقْعَ لها في الثمن.
следующие страницы →