المضاف، للعلم به، وأُقيم المضافُ إليه مكانه، ومثله البُرُّ فيما يأتي (١).
ومن أسماء الفضة -أيضًا-: اللُّجين، والنسك، والغرب، ويطلقان على الذهب أيضًا.
(إلا هاءَ وهاءَ) -بالمد فيهما على الأفصح، وفتح الهمزة-.
وقيل: بكسرها.
وقيل: بالسكون.
وحكي: القصر بغير همز، وهو قليل، والمعنى: خُذْ وهاتِ.
وحكي: هاكِ -بزيادة كاف مكسورة-.
ويقال: هاءِ -بكسر الهمزة-، بمعنى: هاتِ، و-بفتحها-، بمعنى: خذْ.
قَال ابن الأثير: هاء وهاء: هو أن يقول كل واحد من المتبايعين هاء، فيعطيه ما في يده (٢).
وقال ابن مالك: هاء اسم فعل، بمعنى: خذ، وحقه ألَّا يقع إلا بعد إلا، فيجب تقدير قول قبله يكون محكيًا به؛ أي: إلا مقولًا عنده من المتبايعين، هاء وهاء.
وقال الخليل: هاء: كلمة تستعمل عند المناولة، والمقصود من قول هاء وهاء: أن يقول كل واحد من المتعاقدين لصاحبه: هاء، فيتقابضان في المجلس.
واستدل به على اشتراط التقابض في الصرف في المجلس، والحلول؛
стр. 2487
كما نص عليه علماؤنا -رحمهم الله تعالى-، والشافعية والحنفية (١).
قال في "الإقناع" في الصرف: والقبضُ في المجلس شرطٌ لصحته، فإن طال المجلس، أو تماشيا مصطحبين إلى منزل أحدهما، أو إلى الصراف، فتقابضا عنده، جاز (٢).
ومقصوده بقوله: والقبض في المجلس شرط لصحته، أي: لبقاء الصحة، لا لصحة العقد، وإلا، لم يتقدم المشروط على الشرط، كما نبه عليه العلامة الشيخ منصور في "شرحه على الإقناع" و"المنتهى" (٣).
وقال الإمام مالك: لا يجوز الصرف إلا عند الإيجاب بالكلام، فلو انتقلا من ذلك الموضع إلى آخر، لم يصح تقابضُهما، فمذهبه: عدمُ جواز تراخي القبض في الصرف، سواء كانا في المجلس، أو تفرقا، وحمل قول سيدنا عمر ﵁: لا تفارقه على الفور (٤).
(والبُرُّ) -بضم الباء الموحدة، فراء مشددة-: من أسماء الحنطة، والجمع: أبرار (٥).
يباع (بالبرِّ رِبًا) محرَّمٌ (إلا) أن يكون (هاء وهاء) يعني: حالًّا مقبوضًا في المجلس -كما تقدم في الصرف-، ولا بد من عدم التفاضل، حيث اتحد الجنس، كالبر بالبر.
стр. 2488
(والشعيرُ) يباع (بالشعيرِ) فهو (رِبًا) محرَّم (إلا) أن يكون (هاء وهاء)؛ أي: حالاًّ مقبوضًا قبل التفرق، بشرط التساوي، مع اتحاد الجنس.
والبر والشعير: صنفان عند الجمهور، وخالف في ذلك مالكٌ، والليثُ، والأوزاعيُّ، فقالوا: هما صنف واحد (١).
وقد اتفق العلماء على أنه لا يجوز بيع الربويِّ بجنسه وأحدُهما مؤجَّل، وعلى أنه لا يجوز التفاضل إذا بيع بجنسه حالاًّ، كالذهب بالذهب، وعلى أنه لا يجوز التفرق قبل التقابض إذا باعه بجنسه أو بغير جنسه بما يشاركه في علة الربا، كالذهب بالفضة، والحنطة بالشعير (٢).
وقد اختلفوا في علة الربا، فقال أحمد وأبو حنيفة: العلة في الفضة والذهب: الوزن والجنس، فكل ما جمعه الجنس والوزن، فالتحريم ثابت فيه إذا باعه متفاضلًا، كالذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص، وما أشبهه، وفي غير ذلك العلةُ فيه الكيلُ والجنس، فكل ما جمعه الجنسُ والكيل، فالتحريم فيه ثابت إذا بيع متفاضلًا، كالحنطة والشعير والأرز والأشنان والكرسَنَّة، فكل مكيل وموزون لا يباع بجنسه إلا حالًّا مقبوضًا متساويًا، سواء كان مطعومًا، أو غير مطعوم.
وقال مالك والشافعي: العلة في الذهب والفضة: الثمنيَّةُ، فلا يجري الربا عندهما في الحديد والنحاس ونحوِهما.
وقال الشافعي: العلة في بقية الربويات: كونُها مطعومة، فيتعدَّى الربا منها إلى كل مطعوم.
стр. 2489
وأما مالك، فقال: العلة فيها: كونها تدَّخر للقوت، وتصلح له، فعدَّاه إلى الزبيب؛ لأنه كالتمر، وإلى القطنية؛ لأنها في معنى البر والشعير، فمثل رمانة برمانتين، وسفرجلة بسفرجلتين، حرامٌ عند الشافعي، مباحٌ عند غيره (١).
تنبيهات:
الأول: اعلم أن الربا من حيث هو نوعان: ربا الفضل، وربا النسيئة.
فأما ربا الفضل: فيحرم في كل مكيل وموزون بيعَ بجنسه عند أبي حنيفة وأحمد ﵄، وأما عند مالك والشافعي ﵄، فكل مطعوم مُدَّخَر، وكذا غير مدخر عند الشافعي بيعَ بجنسه متفاضلًا (٢).
قال علماؤنا: ولو كان يسيرًا لا يتأتى كيله، كتمرة بتمرة، أو بتمرتين، أو لا يتأتى وزنه، كما دون الأرزة من الذهب والفضة ونحوهما، لا فيما تخرجه الصناعة، كالمعمول من الصفر والحديد ونحوهما، كالخواتيم والسكاكين والإبر ونحوها.
وقال علماؤنا: والجهل بالتساوي حالَ العقد، كالعلم بالتفاضل، فلو باع بعضه ببعض جزافًا، أو كان من أحد الطرفين، حرم، ولم يصح (٣).
وأما ربا النسيئة: فكل شيئين ليس أحدُهما نقدًا، علةُ ربا الفضل فيهما واحدة، كمكيل بمكيل، وموزون بموزون، فيشترط في مثل بيع حديد بنحاس، وبر بشعير -مثلًا- الحلولُ والقبضُ في المجلس، ويجوز التفاضلُ
стр. 2490
حيث اختلف النوعُ، وإن اختلفت العلةُ فيهما، كما لو باع مكيلًا بموزون، جاز التفرق قبل القبض، والنساء والتفاضل، وما كان ليس بمكيل ولا موزون، كثياب وحيوان وغيرِها، يجوز النساء فيه، سواء بيع بجنسه، أو بغير جنسه، متساويًا أو متفاضلًا (١).
الثاني: اقتصر بعض العلماء على كون ما يجري فيه الربا هو ما جاءت به الأحاديث، ولم يتعدَّ شيئًا من ذلك، فحصروا الربويات في ستة أشياء: الذهب، والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح، وهو ما في "مسند الإمام أحمد"، و"صحيح مسلم" من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول لله ﷺ : "الذهبُ بالذهبِ، والفضةُ بالفضةِ، والبُرُّ بالبُرِّ، والشعيرُ بالشعيرِ، والتمرُ بالتمرِ، والملحُ بالملحِ، مِثْلًا بمثلٍ، يدًا بيدٍ، فمن زاد أو استزادَ، فقد أربى، الآخذُ والمعطي فيه سواء" (٢).
ومثله عن أبي هريرة (٣)، وعبادة بن الصامت (٤)، وغيرهما ﵃.
قال أهل الظاهر: لا ربا في غير هذه الستة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: اتفق الناس على تحريم ربا الفضل في الأعيان الستة التي جاءت بها الأحاديث، وهي من أفراد مسلم، وفي آخر
стр. 2491
حديث عبادة: "فإذا اختلفت هذه الأصنافُ، فبيعوا كيفَ شئتم، إذا كان يدًا بيدٍ".
قال: وتنازعوا فيما سوى ذلك على أقوال: فطائفة لم تحرم ربا الفضل في غيرها، وهذا مأثور عن قَتادةَ، وهو قول أهل الظاهر، وابنِ عقيل من أئمة علماء مذهبنا، في آخر مصنفاته رجَّحَ هذا القولَ، مع كونه يقولُ بالقياس.
قال ابن عقيل: لأن علل القياس في مسألة الربا عللٌ ضعيفة، وإذا لم يظهر فيه علة، امتنع القياس.
قال ابن تيمية: وطائفةٌ حرمته في كل قليل موزون، كما يروى عن عمار بن ياسر ﵁، وبه أخذ الإمام أحمد في المشهور عنه، وهو قول أبي حنيفة وغيره.
وطائفةٌ حرَّمته في الطعام، وإن لم يكن مكيلًا، أو موزونًا، كقول الشافعي، وأحمد في مرجوح روايته.
وطائفة لم تحرمه إلا في المطعوم إذا كان مكيلًا أو موزونًا، وهذا قول سعيد بن المسيب، والشافعي في قول، وأحمد في رواية ثالثة اختارها الإمام الموفق، وهذا قريب من قول الإمام مالك: القوت، وما يصلح أن يدخر للقوت، ورجَّح هذا القولَ ابنُ تيمية -رحمه الله تعالى-.
قال ابن تيمية عن هذا القول: إنه أرجح الأقوال.
وقد حكى عن بعض المتأخرين أنه يحرم في جميع الأموال.
قال ابن تيمية: لكن هذا ما علمت به قائلًا من المتقدمين (١)، والله الموفق.
(عن أبي سعيد) سعدِ بنِ مالكِ بنِ سنانٍ (الخدريِّ ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: لا تبيعوا الذهبَ بالذهبِ إلا مِثْلًا بمِثْلٍ)، يدخل في الذهب جميع أصنافه، من: مضروب، ومنقوش، وجيد، ورديء، وصحيح، ومكسَّر، وحلي، وتبر، وخالصٍ، ومغشوش، ونقل النووي تبعًا لغيره في ذلك الإجماعَ (١).
وقوله: "إلا مثلًا بمثل" شرط لازم لا بدَّ منه، وكذا القبضُ قبل التفرق، كما مر، وكما في آخر الحديث (ولا تُشِفُّوا) -بضم المثناة فوق، وكسر الشين المعجمة، وتشديد الفاء-؛ أي: لا تزيدوا (٢) (بعضَها)؛ أي: بعض الطرفين (على بعض)، فلا يسوغ زيادة أحد العوضين على الآخر عند اتحاد الجنس، فيمتنع التفاضل في الأموال الربوية عند اتحاد الجنس، (ولا تبيعوا) معشرَ الأمة، ومن جرت عليه أحكام الشريعة.
(الوَرِق): -بفتح الواو وكسر الراء-، وتقدم أنها تثلث عن "القاموس" (٣)، وفي "النهاية": الورِق -بكسر الراء: الفضة، وقد
стр. 2494
تسكن (١)، والمراد: ما يعم سائر أصنافه، من: مضروب، وجيد، ورديء، ومكسر، وصحيح، وغير ذلك (بالورق، إلا مثلًا بمثلٍ، ولا تُشِفُّوا)، أي: لا تزيدوا (بعضَها على بعضٍ)، فلا يسوغ التفاضل.
وقوله في الموضعين: "ولا تُشِفُّوا بعضَها على بعض" بعد قوله ﷺ : "إلا مثلًا بمثلٍ" لمزيد التأكيد والمبالغة في الإيضاح.
فهذا تصريح بمنع ربا الفضل، ثم أشار ﷺ إلى المنع من ربا النسيئة بقوله: (ولا تبيعوا منها)، أي: النقدين، وبقية الأموال الربوية المنصوص عليها، وكذا ما قيس عليها من بقية الربويات (٢)، حيث اتحد العوضان في علة الربا، بأن كانا مكيلين، أو موزونين، فإن اتحد جنسها، كبرٍّ وبرٍّ، امتنع التفاضل والنَّساء، وإن اختلفا، كبر وشعير عند من عدَّهما جنسين، جاز التفاضل، وامتنع النَّساء، وأما إن اختلفا جنسًا وعلةً، كمكيل وموزون، فلا يمتنع شيء من ذلك -كما تقدمت الإشارة إليه-، فلا يسوغ لأحد -مع اتحاد الجنسين- أن يبيع شيئًا (غائبًا) من الفضة والذهب (بـ) ـشيء (ناجز) منهما، ومكيلًا غائبا بمكيل ناجزٍ، ولا موزونًا غائبًا بموزون حاضر ناجز، إلا النقدين، فإنهما، يجوز أن يكونا رأسَ مال لسلف موزون.
فإنّا وإنْ قُلنا: إنَّ العلة في النقدين كونُهما موزوني جنس، فإنّا نقول: يجوز إسلامهما في الموزون من غيرهما (٣).
قال في "الفروع": وعلى المذهب: يجوز إسلام النقدين في الموزون،
стр. 2495
وبه أبطلت العلة؛ لأن كل شيئين شملهما إحدى علتي ربا الفضل، يحرم النساء فيهما.
قال: وفي طريقة بعض أصحابنا: يحرم سَلَمُهما فيه، فلا يصحُّ، وإن صحَّ، فللحاجة، وأجاب القاضي وغيره بأن القياس المنع (١).
وإنما جاز للمشقة، ولها تأثير.
(وفي لفظ) عند مسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: (إلا يدًا بيد) بعد قوله: "إلا مثلًا بمثل"، ثم قال: "فمن زاد واستزاد، فقد أربى الآخذُ والمعطي سواء".
وكذا في حديث عبادة بن الصامت ﵁ بعد ما عدد الأصناف الستة، ثم قال: "مثلًا بمثل، سواءً بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد" (٢).
وكذا في حديث أبي هريرة ﵁: "يدًا بيد" (٣).
(وفي لفظ) آخر من حديث أبي سعيد ﵁ أيضًا، ولفظه: عن نافع، عن ابن عمر ﵄، قال لرجل من بني ليث: إنَّ أبا سعيد الخدري يأثر هذا عن رسول الله ﷺ .
قال نافع: فذهب عبد الله وأنا معه والليثي، حتى دخل على أبي سعيد الخدري، فقال: إنَّ هذا أخبرني أنَّكَ تخبر أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن بيع الورق بالورق إلا مثلًا بمثل، وعن بيع الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل، فأشار أبو سعيد بأصبعيه إلى عينيه وأذنيه، فقال: أبصرت عيناي، وسمعت أذناي
стр. 2496
رسولَ الله ﷺ يقول: "لا تبيعوا الذهبَ بالذهب، ولا الوَرِق بالورِقِ (إلا وزنًا بوزنٍ، مثلًا بمِثْلٍ، سواءً بسواءٍ) رواه البخاري، ومسلم.
إلا أن البخاري لم يقل في هذا الحديث: "وزنًا بوزن" (١)، والجمع بين هذه الألفاظ توكيد ومبالغة في الإيضاح، ويؤخذ من قوله: "إلا وزنًا بوزن" اعتبارُ الوزن في الموزونات، فلو باعه شيئًا من الموزونات كيلًا، لم يصحَّ، لعدم العلم بالتساوي فيما هو معتبر شرعًا، كما لو أنه باعه شيئًا من المكيلات وزنًا، كرطلِ حنطة برطل، لم يصح، ما لم يساوه كيلًا، فلا بدَّ من التماثل بالمعيار المعتبر شرعًا، فما كان موزونًا، فبالوزن، وما كان مكيلًا فبالكيل (٢)، والله أعلم.
وهو تمر معروف معرَّبٌ، أصله: برنيك؛ أي: الحمل الجيد، كما في "القاموس" (١)، (فقال له)؛ أي: لبلال ﵁ (النبيُّ) بالرفع فاعل؛ أي: قال النبيُّ ﷺ لبلال: (من أين هذا؟)؛ أي: من أين لك هذا التمر الجيد؟ فـ (قال) له (بلالٌ: كان عندنا تمرٌ رديءٌ) غيرُ جيد (فبعتُ منه)؛ أي: من الرديء (صاعين بصاع) من الجيد (لـ) أجل أن (يطعم)؛ أي: يأكلَ منه (النبيُّ ﷺ ، فقال النبيُّ ﷺ عند ذلك)؛ أي: قوله له ما قال من ابتياعه صاعًا بصاعين، (أَوَّهْ) -بالقصر، وشدِّ الواو، وسكون الهاء-، وقيل: بمدُّ الهمزة، قالوا: ولا معنى لمدِّها؛ إلا لبعد الصوت، وقيل: -بسكون الواو وكسر الهاء-، ومن العرب من يمدُّ الهمزة، ويجعل بعدها واوين، فيقول: أووه، وكله بمعنى التحزُّن.
ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥)﴾ [هود: ٧٥] في قول أكثرهم؛ أي: كثير التأوه، وهو الحزن شفقًا وحزنًا، وقيل: أَوَّاه: دَعَّاء، وهو يرجع إلى قريب منه، وأنشد البخاري: [من الوافر]
إِذَا مَا قُمْتُ أَرْحلُهَا بِلَيْلٍ ... تَأَوَّهُ آهَةَ الرَّجُلِ الحَزِينِ (٢)
-بالمد-، وكلاهما صواب؛ أَي: تَوَجَّعُ [تَوَجُّعَ،] الرجل الحزين (٣)، (عين الربا)؛ أي: ما صنعَتُه فهو حقيقة الربا الذي لا شك فيه، (لا تفعل)
стр. 2499
ذلك، فإنه محرم، ثم أَرشده ﷺ إلى فعل ما يحل، ولا محظور فيه، فقال: (ولكن إذا أردتَ أن تشتريَ) تمرًا جيدًا، (فبعِ التمرَ) الرديء (بِبَيْعٍ آخرَ)؛ أي: بثمن معلوم، (ثم اشترِ به)؛ أي: بالثمن الذي بعتَه تمرًا جيدًا، وقد حصل المقصود، وخلصت من إثم الربا.
وفي لفظ آخر عندهما من حديثٌ أبي سعيد الخدري ﵁، قال: أُتي رسولُ الله ﷺ بتمر، فقال: "ما هذا التمر من تمرنا"، فقال الرجل: يارسول الله! بعنا تمرنا صاعين بصاع من هذا، فقال رسول الله ﷺ : "هذا الربا، فردوه، ثم بيعوا تمرنا، فاشتروا لنا من هذا" (١).
وعنه: قال: كنا نُرزق تمرَ الجمع على عهد رسول الله ﷺ ، وهو الخلطُ من التمر، فكنّا نبيع صاعين بصاع، فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ ، فقال: "لا" (٢)، وفي لفظ: "بع الجمعَ بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جَنيبًا" (٣)، والجنيبُ: تمر جيد.
وفي "المطالع": التمر الجنيب: قال مالك: الكَيِّسُ، وقال غيره: هو كلُّ تمر ليس بمختلط، خلاف الجَمْع، وقال الطحاوي، وابن السكن: هو الطيب (٤).
стр. 2500
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "إبطال التحليل": إذا كان مقصود الرجل نفس الملك المباح بالبيع، وما هو من توابعه، وحصَّله بالبيع، فقد قصد بالسبب ما شرعه الله سبحانه له، وأتى بالسبب حقيقة، وسواء كان مقصوده يحصل بعقد، أو عقود، مثل: أن يكون بيده سلعة، وهو يريد أن يبتاع سلعة أخرى لا تباع بسلعته لمانع شرعي أو عرفي أو غير ذلك، فيبيع بسلعته ما ليملك ثمنها، والبيع لملك الثمن مقصود مشروع، ثم يبتاع بالثمن سلعة أخرى، وابتياعُ السلع بالأثمان مقصود مشروع.
قال: وهذه قصة بلال ﵁ بخيبر سواء، فإنه إذا باع الجمع بالدراهم، فقد أراد بالبيع ملك الثمن، وهذا مشروع مقصود، ثم إذا ابتاع بالدراهم جنيبًا، فقد أراد بالابتياع ملكَ سلعة، وهذا مقصود مشروع، فلما كان بائعًا، قصد ملك الثمن حقيقةً، ولما كان مبتاعًا، قصد ملك السلعة حقيقةً، فإن ابتاع بالثمن من غير المشتري منه، فهنا لا محذور فيه، إذ كل واحد من العقدين مقصود مشروع، ولهذا يستوفيان حكم العقد الأول من النقد والقبض ونحو ذلك، وأما إذا ابتاع بالثمن من مبتاعه من جنس ما باعه، فيخاف ألَّا يكون العقد الأول مقصودًا منهما، بل قصدُهما بيعُ السلعة الأولى بالثانية، فيكون رِبًا، ويظهر هذا القصد بأن يكون إذا باعه التمر مثلًا بدراهم لم يحرر وزنها ولا نقدها ولا قبضها، فيعلم أنه لم يقصد بالعقد الأول ملك الثمن بذلك التمر، ولا قصدَ المشتري ملكَ التمر بتلك الدراهم التي هي الثمن، بل قصد العقد الأول على أن يعيد إليه الثمن، ويأخذ التمر الآخر، وهذا تواطؤ منهما حين عقده على فسخه، والعقدُ إذا قُصد به فسخه، لم يكن مقصودًا، وإذا لم يكن الأول مقصودًا، كان وجوده كعدمه، فيكونان قد اتفقا على أن يباع بالتمر تمر، ويحقق أن هذا العقد
стр. 2501
المقصود أنه إذا جاء بدراهم أو دنانير، أو حنطة أو تمر أو زبيب، ليبتاع به من جنسه أكثرَ منه أو أقل، فإنهما غالبًا يتشارطان ويتراضيان على سعر أحدهما من الآخر، ثم يقول بعد ذلك: بعتك هذه الدراهم بكذا وكذا دينارًا، ثم يقول: اصْرف لي بها كذا وكذا درهمًا كما اتفقا عليه أولًا، ويقول: بعتك هذا التمر بكذا وكذا درهمًا، ثم يقول: بعني به كذا وكذا تمرًا، فيكونان قد اتفقا على الثمن المذكور صورةً لا حقيقةً، ليس للبائع غرض في أن يُمَلِّكه، ولا للمشتري غرض في أن يَمْلِكه، وقد تعاقدا على أن يملكه البائع، ثم يعيده للمشتري، والعقد لا يعقد، لفسخ من غير غرض يتعلق بنفس وجوده، فإن هذا باطل.
والحاصل: أن المقاصد في العقود معتبرة، والأعمال بالنيات، فلا اعتبار بمن أخذ من هذا الحديث تجويزَ الحيل، وفتحَ باب الذرائع، وذلك أن كلام الشارع إنما يُحمل على البيع الحقيقي، لا على صورة بيع لا حقيقة لها في نفس الأمر، كما أشار إليها شيخ الإسلام -قدس الله روحه-، فإن هذا لو كان مشروعًا، لم يكن في تحريم الربا حكمة إلا تضييع الزمان، وإتعاب النفوس بلا فائدة، فإنه لايشاءُ شاءٍ أن يبتاع ربويًا بأكثر منه من جنسه إلا قال: بعتُك هذا بكذا، وابتعت منك هذا بهذا التمر، فلا يعجز أحدٌ عن استحلال ربًا حرَّمه الله سبحانه قط، فإن الربا في البيع نوعان: ربا الفضل، وربا النسيئة.
فأمَّا ربا الفضل: فيمكنه في كل ميكل ربوي أن يقول: بعتك هذا المال بكذا، ويسمي ما شاء، ثم يقول: ابتعت هذا المال الذي هو من جنسه.
وأمَّا ربا النسيئة: فيمكنه أن يقول: بعتك هذه الحريرة بألف درهم، أَو عشرين صاعًا إلى سنة، فابتعتها منك بسبع مئة حالَّة، أو خمسة عشر صاعًا،
стр. 2502
أو نحو ذلك، كما أشار إليه شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-، ولا يخفى على ذي فطنة فساد ذلك، فيا سبحان الله! أَيعود الربا الذي قد عظَّمَ الله شأنه في القرآن، وأوجبَ محاربةَ مستَحِلِّهِ، ولعنَ أهل الكتاب بأخذه، ولعن آكله وموكله وشاهديه وكاتبه، وجاء فيه من الوعيد ما لم يجىء في غيره إلى أن يستحل جميعه بأدنى سعي من غير كلفة أصلًا، إِلا بصورة عقد هي عبث ولعب يُضحك منها ويُستهزأ بها؟!
وكيف يستحسن مؤمن أن ينسب نبيًا من الأنبياء -فضلًا عن سيد المرسلين-، بل أن ينسب ربَّ العالمين إلى أن يحرم هذه المحارم العظيمة، ثم يبيحها بضرب من العبث والهزل الذي لم يقصد، ولم يكن له حقيقة، وليس فيه مقصود لمتعاقدين قط (١)؟!
تنبيه: دلَّ هذا الحديث على تحريم ربا الفضل في التمر، وعلى الإرشاد إلى التخلص من إثم الربا.
فأما الثاني: فقد ذكرنا منه ما يكفي ويشفي.
وأمَّا الأول: وهو ربا الفضل، فجمهور الأمة وسائر الأئمة على تحريمه.
وخالف ابن عباس ﵄ في ذلك، فلم يحرم ربا الفضل، وكُلِّمَ في ذلك، فقيل: إنه رجع عنه (٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما ربا الفضل بلا نَساء، فقد أشكل على السلف والخلف، فروي عن ابن مسعود، وابن عباس، ومعاوية: أنه لا ربا
стр. 2503
إلا في النَّساء، كما ثبت ذلك عن أسامة، عن النبي ﷺ : أنه قال: "لا ربا إلا في النسيئة" (١).
والحاصل: أن الربا من أكبر الكبائر، سواء في ربا الفضل، أو ربا النسيئة، والله تعالى الموفق.
الرِّياحي -بكسر الراء وفتح المثناة وبالهاء المهملة-، وتقدمت ترجمته في كتاب الصلاة (١).
(قال) أبو المنهال: (سألتُ البراءَ) -بفتح الموحدة، وتخفيف الراء والمدِّ- على المشهور، (بنَ عازبٍ) -بالعين المهملة وبالزاي المكسورة- ابنِ الحارثِ، الأنصاريَّ، الأوسيَّ، وهو وأبوه صحابيان، (وزيدَ بنَ أرقمَ) بنِ زيدِ بنِ قيسِ بنِ النعمانِ، الأنصاريَّ، الخزرجيَّ، وتقدمت ترجمتهما ﵄، (عن الصرفِ) متعلق يقول أبي المنهال: سألت، (فكل واحدٍ منهما) يعني: من البراء بن عازب، وزيد بن أرقم (يقول) عن صاحبه: (هذا خيرٌ مني)، لما فيهما من الفضل، وسلامةِ قلوبهما من الشحناء والفخر، فإنما يعلم الفضلَ لأهل الفضل ذوو الفضل، (وكلاهما) ﵄؛ أي: كل واحد (يقول: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الذهب) بسائر أنواعه (بالوَرِقِ)؛ أي: بالفضة (دينًا)، فلا يَحِلُّ ذلك، ولا يسوغ، فيعتبر في بيع الذهب بالفضة الحلولُ، والتقابضُ قبلَ التفرق -على ما مر-، ويجوز التفاضل، فهذا مضى في تحريم ربا النَّساء،
стр. 2506
ومثل الذهب والووق ما ساواهما في علة الربا -على ما مرَّ-، فلا يباع بر بشعير نساء، ولا تمر بزبيب نساء، ولا موزون بمثله نساء، إلا النقدين، فإنه يجوؤ إسلامهما في الموزونات -كما مرَّ قريبًا-، والله أعلم.
وفي الحديث: دليل على مشروعية التواضع، والاعتراف بحقوق الأكابر، والله أعلم (١).
стр. 2507
كشف اللثام شرح عمدة الأحكام
تأليف
الإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن سالم السفاريني النابلسي الحنبلي
المولود سنة (١١١٤ هـ) - والمتوفى سنة (١١٨٨ هـ) - رحمه الله تعالى -
[المجلد الخامس]
اعتنى به تحقيقا وضبطا وتخريجا
نور الدين طالب
стр. 2508
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 2509
كَشْفُ اللِّثَامِ شَرح عُمْدَةِ الأَحْكَامِ
стр. 2510
جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م
رَقم الْإِيدَاع بمَكتَب الشؤون الفَنيَّة
٢٢/ ٢٠٠٧ م
قطَاع المسَاجْد - مَكتب الشؤون الفَنيَّة
الكويت - الرقعي - شَارِع مُحَمَّد بني الْقَاسِم
بدالة: ٤٨٩٢٧٨٥ - داخلي: (٤٠٤)
فاكس: ٥٣٧٨٤٤٧
موقعنا على الإنترنت
www.islam.gov.kw
قطَاع المسَاجْد - مَكتب الشؤون الفَنيَّة
قَامَت بعمليات التنضيد الضوئي والتصحيح العلمي والإخراج الفني والطباعة
دَار النَّوَادِر لصَاحِبهَا ومديرها الْعَام نور الدّين طَالب
سوريا - دمَشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦
لبنان - بَيروت - ص. ب: ٥١٨٠/ ١٤
هَاتِف: ٢٢٢٧٠٠١ (٠٠٩٦٣١١) - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١)
www.daralnawader.com
стр. 2511
الحديث الخامس
عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنِ الفِضَّةِ بالفِضَّةِ، وَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَأَمَر أَنْ نَشْتَريَ الفِضَّةَ بالذَّهَبِ كَيْفَ شِئْنَا، وَنَشْتَرِيَ الفِضَّةَ بالذَّهَبِ كيْفَ شِئْنَا. قالَ: فَسَأَلَ رَجُل، فَقَالَ: يَدًا بِيَدٍ، فَقَالَ: هَكَذَا سَمِعتُ (١).
* * *
(عن أبي بكرة) -بسكون الكاف، وبهاء في آخره- واسمه: نُفَيعْ -بضم النون وفتح الفاء وسكون المثناة تحت- بنُ الحارثِ، وقيل: ابنُ مسروح -بفتح الميم وسكون السين المهملة وآخره جاء مهملة-، الثقفيُّ، من ولد
стр. 2512
ثَقِيف -بفتح المثلثة وكسر القاف وآخره فاء- بنِ مُنَبِّهٍ -بضم الميم وتشديد الباء الموحدة مكسورة-، وقيل: اسم ثقيف: عمرو بن منبه، وقيل غير ذلك.
وأم أبي بكرة سُمَيَّة -بضم السين المهملة وفتح الميم وتشديد الياء المثناة تحت- أمةُ الحارثِ بنِ كَلَدَةَ -بفتح الكاف واللام-، وقيل: بل كان عبدًا للحارث بن كلدة، وهي أم زياد بن أبي سفيان، الذي استلحقه معاوية، وإنما كُنِّيَ أبا بكرة؛ لأنه تدلَّى من حصن الطائف للنبي ﷺ ، وهو محاصر له ببكرة، وهي التي يُستقى عليها على البئر، وجمعها بَكَر -بتحريك الكاف-، وهي من شواذ الجمع؛ لأن فَعْلَة -بسكون العين- لا يجمع على فَعَل بالتحريك، إلا قليلًا، نحو حَلْقَة، وحَلَق، وحَمْأَة، وحَمَأ، وبَكْرَة، وبَكَر (١).
وكان أبو بكرة ﵁ قد أسلم، وعجز عن الخروج من الطائف، إلا هكذا، فكنَّاهُ النبي ﷺ بذلك، وأعتقه، فهو من مواليه، وكانت غزوة الطائف في شوال سنة ثمان.
روي لأبي بكرة عن النبي ﷺ : اثنان وثلاثون حديثًا، اتفقا على ثمانية، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بحديث.
ونزل البصرة، ومات بها سنة تسع وأربعين، وقيل: إحدى وخمسين، واعتزل الفتنة في وقعة الجمل، فلم يقاتل مع واحد من الفريقين ﵁ وعنهم جميعًا (٢) -.
стр. 2513
(قال: نهى رسولُ الله ﷺ عن) بيع (الفضةِ بالفضةِ)، (و) عن بيع (الذهب بالذهب، إلا) أن يكون بيع الفضة بالفضة (سواءً بسواءٍ)، وبيع الذهب بالذهب سواءً بسواء، غيرَ متفاضل، (وأمرَ) نا رسولُ الله ﷺ أمرَ إرشاد وإباحة (أن نشتريَ الذهبَ بالفضةِ كيف شئنا)؛ أي؛ متساويًا ومتفاضلًا، (و) أن (نشتريَ الفضةَ بالذهبِ كيف شئنا)؛ أي: بالنسبة للتفاضل والتساوي، لا بالنسبة إلى الحلول والتأجيل، (قال: فسأل)، أي: سأل أبا بكرة ﵁ (رجل).
قال البرماوي: هو عبدُ الرحمن بنُ أبي بكرة، الراوي عن أبيه هذا الحديث، (فقال)؛ يعني: عبد الرحمن بن أبي بكرة: بشرط كون بيع ذلك) يدًا بيدٍ)، يعني: الحلول والتقابض في المجلس قبل التفرق.
(فقال) أبو بكرة ﵁: (هكذا)، أي: مثلَ ما ذكرتُ لكم (سمعتُ) من رسول الله ﷺ , وقد ورد ذلك مبينًا، كما في حديث عمرَ بنِ الخطاب ﵁ الذي تقدَّم، وفي حديث عبادةَ بنِ الصامتِ ﵁، عند الإمام أحمدَ، ومسلم وأبي داود، وابن ماجه، وفيه: "فإذا اختلفت هذه الأصناف"؛ يعني: الذهب والفضة، والبر والشعير، والتمر والملح، "فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد" (١).
والحاصل: أنه إذا اتحد الجنس، مثلَ الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والتمر بالتمر، فيعتبر لصحة ذلك التساوي،
والحلولُ، والتقابضُ قبل التفرق، وإن اختلف الجنس، اعتبر الحلولُ
стр. 2514
والتقابضُ قبل التفرق، وجاز التفاضلُ، وإن اختلف المبيعان في علة الربا، لم يمتنع من ذلك شيء -كما مرَّ-.
قوله في الحديث: فسأله رجل. . . إلى آخره: من أفراد مسلم، لم يذكره البخاري، والله أعلم.
стр. 2515
باب الرهن وغيره
من مطل الغني، وأن من أدرك ماله بعينه عند من حُجر عليه لفَلَسٍ، فهو أحق به، وإثبات الشفعة فيما لم يقسم، وذكر الوقف، وامتناع العود في الصدقة، ومنع جواز تخصيص بعض أولاده على بعض بلا مسوغ لذلك، وجواز المخابرة، وذكر العمرى، وحسن الجوار، وتهديد من ظَلَمَ قيدَ شبر من أرض، وما يتصل بذلك.
والرهن في اللغة: الثبوت والدوام.
يُقال: ماء راهن؛ أي: راكد، ونعمة راهنة؛ أي: ثابتة دائمة، وقيل: هو من الحَبْس، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١)﴾ [الطور: ٢١]، وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾ [المدثر: ٣٨]، وجمعه: رِهان، [كَحَبْلٍ وحِبَال] (١)، ورُهُن، كسَقْف وسُقُف، عن أبي عمرو بن العلاء، قال الأخفش: وهي قبيحة، وقيل: رُهُن جمع رِهان، ككتاب وكُتُب، ويقال: رهنت الشيء، وأرهنته (٢).
стр. 2516
وفي الاصطلاح: توثقةُ دَيْنٍ بعَيْن يمكن أخذُه أو بعضه منها، أو من ثمنها، إن تعذر الوفاء من غيرها (١).
واتمقت الأئمة على جوازه سفرًا وحضرًا، لقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، ومعتمد المذاهب الثلاث: جوازُ عقده، مع الحق وبعده، لا قبله (٢).
وقال أبو حنيفة: يصح، ولو قبله، واختاره أبو الخطاب مِنَّا، ويحتملُه كلام الإمام أحمد، لكن المعتمد: عدمُ انعقاده قبله، ولا يصح الرهن إلا منجَّزًا، فلا يصح معلَّقًا بشرط (٣).
وذكر الحافظ المصنف -رحمه الله تعالى- في هذا الباب ثلاثة عشر حديثًا:
стр. 2517
الحديث الأول
عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا، وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ (١).
стр. 2518
(عن) أمِّ المؤمنين، (عائشةَ ﵂) الصديقةِ ﵂: (أن النبيَّ ﷺ اشترى من يهودي)، وهو أبو الشحم من بني ظَفَر -بفتح الظاء المعجمة والفاء-، وهو بطن من الأوس، وكان حليفًا لهم، واسم أبي الشحم كنيتُه، وغَلِطَ من ضبطه بالمدِّ، فقال: آبي الشحم، وزعم أنه سُمِّيَ بذلك؛ لأنه كان لا يأكله، أو لا يأكل ما ذبح على الأصنام، ووقع لإمام الحرمين من الشافعية تكنينه بأبي شحمة، وهذا قريب (١) (طعامًا)، وكان قدر الطعام ثلاثين صاعًا من شعير، وقيل: ستين صاعًا وصاع واحد.
قلت: قد صرَّحت عائشة ﵂ في كتاب: الجنائز من "صحيح البخاري"، بأن الطعام قدره ثلاثون صاعًا من شعير، ولفظه عن عائشة ﵂: توفي رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير (٢).
وكذلك رواه الإمام أحمد، وابن ماجه، والطبراني (٣).
وفي رواية الترمذي، والنسائي: بعشرين صاعًا (٤).
стр. 2519
وفي "مصنف عبد الرزاق": بوسق شعيرٍ أخذه لأهله (١).
ووقع لابن حِبَّان من حديث أنس: أن قيمة الطعام كانت دينارًا (٢).
زاد الإمام أحمد: فما وجد ﷺ ما يفتكُّها به حتى مات (٣).
(ورهنه)؛ أي: رهن النبيُّ ﷺ اليهوديَّ على الطعام (دِرْعًا) -بكسر الدال المهملة، تذكَّر وتؤنث- (من حديد)، واسم هذه الدرع: ذات الفُضول -بالضاد المعجمة وضم الفاء قبلها-، لطولها، أرسل إليه ﷺ بها سعدُ بنُ عبادة هدية حين سار إلى بدر (٤).
قال في "النهاية": الدرع الزردية، وتجمع على أدراع (٥).
فهذا الحديث مما يستدل به على جواز الرهن في الحضر، حتى إن الإمام البخاري ترجم في "صحيحه" كتاب: الرهن في الحضر (٦)، فلم يرد بقوله: في الحضر: أنه قيد، ولكنه قصد به الرد على الظاهرية المحتجين بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
والجواب: أن الله تعالى إنما ذكر السفر؛ لأن الغالب فيه عدم وجود الكاتب، وقد يوجد الكاتب، ومع ذلك يجوز الرهن فيه -أيضًا-؛ لأن
стр. 2520
الرهن للاستيثاق، فكما يسوغ أن يستوثق ربُّ الدين سفرًا، يجوز أن يستوثق حضرًا، كالكفيل، وقد حسم مادة هذه الشبهة من أصلها رهنُ الشارع ﷺ درعَه وهو بالمدينة.
قال ابن بطال: جميع الفقهاء يجوّزون الرهنَ في الحضر والسفر، ومنعه مجاهدٌ، وداود في الحضر.
ونقل الطبري عن مجاهد والضحاك: أنهما قالا: لا يشرع الرهن إلا في السفر، حيث لا يوجد الكاتب (١)، والله الموفق (٢).
(عن أبي هريرةَ) عبد الرحمنِ بنِ صخرٍ (﵁: أن رسولَ الله ﷺ قال: مطلُ الغنيِّ)؛ أي: تسويفُه بالدين، كالامتطال، والمماطلة، والمطاولة، وأصل المطل: من مطلتُ الحديدةَ، أَمطلها: إذا ضربتها ومددتها لتطولَ، وكلُّ ممدودٍ ممطولٌ، ومنه اشتقاق المطل بالدين، يُقال: مطلَه وماطله بحقه، فهو مَطول ومطال (١).
والمراد بالغني: هنا: القادر على الوفاء ممن قدر على الأداء فأَخره، ولو كان فقيرًا (٢)، فهو (ظلم) منه، لتمكنه من أداء الحق لربه، فلم يفعل.
والمعنى: أنه يَحرُم على الغني القادر أن يمطل بالدين بعد استحقاقه وطلبه (٣).
قال علماؤنا كغيرهم: يجب على المديون فورًا وفاءُ دينٍ حالٍّ، أو مؤجَّلٍ حلَّ على قادرٍ بطلب ربِّه، فلا يجبُ بدونه، ولو عين وقت وفاء، خلافًا لما توهمه عبارة "الإقناع" (٤).
قال في "الفروع": ويتعين دفعُه بطلبه.
قال جماعة، منهم صاحب "المغني" (٥)، و"المحرر": في وجوب زكاة الفطر على المدين: يجب أداء الدين عند طلبه، قال: والمراد، كما قال
стр. 2523
صاحب "المحرر": يجب إذًا على الفور، وقيل: وقبله؛ أي: الطلب، ويمهل بقدر ذلك اتفاقًا (١).
قوله: ويمهَل بقدر ذلك؛ أي: بقدر ما يحضر المالك، فإن كان له سلعة، فطلب أن يُمْهَل حتى يبيعَها ويوفيه من ثمنها، أُمْهِلَ بقدر ذلك، وكذلك إن أمكنه أن يحتال لوفاء دينه باقتراضٍ ونحوه، وطلب ربُّ الدين أن يرسم عليه حتى يفعل ذلك، وجب إجابته (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فإن مطله حتى شكي عليه، فما غرمه، فعلى المماطل، فإن أبى مَنْ له مالٌ يفي بدينه الوفاءَ، حبسه الحاكمُ، وليس له إخراجه حتى يتبين أمره، أو يبرأ من غريمه بوفاء أو إبراء، أو يرضى بإخراجه، فإن أصر، باع الحاكم ماله، وقضى دينه.
وقال جماعة: إذا أصر على الحبس، وصبر عليه، ضربه الحاكم.
قال في "الفصول": للإمام ابن عقيل وغيرِه: يحبسه، فإن أبى، عَزَّره، قال: ويكرر حبسه وتعزيره حتى يقضيه.
قال شيخ الإسلام: نهى عن ذلك الأئمةُ من أصحاب الإمام أحمدَ وغيرِهم، ولا أعلم فيه نزاعًا، لكن لا يزاد في كل يوم على أكثر التعزير إن قيل بتقديره، انتهى (٣).
وكل هذا يؤخذ من قوله ﷺ : "مطل الغني ظلم"، والظالم يستحق العقوبة، فإن العقوبة تستحق على ترك واجب، أو فعل محرم، وقضية كونه
стр. 2524
ظلمًا أنه كبيرة، لكن قال النووي: مقتضى مذهبنا اعتبارُ تكرره (١)، وردَّه السبكيُّ بأن مقتضاه عدمه؛ لأن منع الحق بعد طلبه، وانتفاء العذر عن أدائه، كالغصب، والغصبُ كبيرة لا يُشترط فيها التكرار (٢)، وهذا ظاهر كلام شيخ الإسلام، ومن ثَمَّ أُبيح حبسُه وتعزيره.
ومن قوله ﷺ فيما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، من حديث الشريد- بفتح الشين المعجمة -هو ابنُ سُويد الثقفيُّ-، قيل: إنه من حضرموت، فحالف ثقيقًا، مرفوعًا. والشريدُ شهدَ الحُديبية، فهو صحابي ﵁، ولفظُ الحديث: "لَيُّ الواجِدِ يُحِلُّ عرضَه وعقوبته" (٣).
وعلقه البخاري في "صحيحه" بلفظ: ويُذكر عن النبيِّ ﷺ ، فذكره.
قال سفيان: عِرْضَه: أن يقال: مطلني حقي، وعقوبته: الحبس (٤).
قال إسحاق: فسر سفيان عرضه: أذاه بلسانه (٥).
وعن وكيع: عرضه: شكايته (٦).
стр. 2525
قال في "النهاية": الليُّ: المطل، يقال: لواه غريمُه بدينه يلويه لَيًّا (١).
والواجد: الغني، قال ذو الرمة: [من الطويل]
تُرِيدِينَ لَيَّاتِي وَأَنْتِ مَليَّةٌ ... وَأَحْسَنُ يَا ذَاتَ الوِشَاحِ التَّقَاضِيَا (٢)
وقال الإمام عبدُ الله بنُ المبارك: يُحِلُّ عرضه؛ أي: يغلظ له، وعقوبته؛ أي: يحبس له (٣)، انتهى.
وإذا ثبت إعسارُه، وجبَ انتظارُه، وحَرُمَ حبسُه.
واختلف في ثابت العسرة إذا أُطلق من السجن، هل يلازمه غريمُه؟
فقال الثلاثة: يُمنع من الملازمة حتى يثبت له مال آخر.
وقال أبو حنيفة: لا يمنع الحاكمُ الغرماءَ من لزومه (٤).
تتمة: في "الصحيحين" وغيرهما من حديث أبي هريرة ﵁، قال: كان لرجل على رسول الله ﷺ حق، فأغلظ له، فَهَمَّ به أصحابُ رسول الله ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "إن لصاحب الحَقِّ مقالًا"، هذا لفظ مسلم (٥).
ولفظ البخاري: "دعوه، فإن لصاحب الحقِّ مقالًا" (٦).
فقال لهم النبي ﷺ : "اشتروا له سنًّا -يعني: من الإبل- فأَعْطُوه إياه"،