← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

الحديث الثاني عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْم، فَإذَا أُتْبعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيٍ، فَلْيَتْبَعْ" (١).

стр. 2522

(عن أبي هريرةَ) عبد الرحمنِ بنِ صخرٍ (﵁: أن رسولَ الله ﷺ قال: مطلُ الغنيِّ)؛ أي: تسويفُه بالدين، كالامتطال، والمماطلة، والمطاولة، وأصل المطل: من مطلتُ الحديدةَ، أَمطلها: إذا ضربتها ومددتها لتطولَ، وكلُّ ممدودٍ ممطولٌ، ومنه اشتقاق المطل بالدين، يُقال: مطلَه وماطله بحقه، فهو مَطول ومطال (١). والمراد بالغني: هنا: القادر على الوفاء ممن قدر على الأداء فأَخره، ولو كان فقيرًا (٢)، فهو (ظلم) منه، لتمكنه من أداء الحق لربه، فلم يفعل. والمعنى: أنه يَحرُم على الغني القادر أن يمطل بالدين بعد استحقاقه وطلبه (٣). قال علماؤنا كغيرهم: يجب على المديون فورًا وفاءُ دينٍ حالٍّ، أو مؤجَّلٍ حلَّ على قادرٍ بطلب ربِّه، فلا يجبُ بدونه، ولو عين وقت وفاء، خلافًا لما توهمه عبارة "الإقناع" (٤). قال في "الفروع": ويتعين دفعُه بطلبه. قال جماعة، منهم صاحب "المغني" (٥)، و"المحرر": في وجوب زكاة الفطر على المدين: يجب أداء الدين عند طلبه، قال: والمراد، كما قال

стр. 2523

صاحب "المحرر": يجب إذًا على الفور، وقيل: وقبله؛ أي: الطلب، ويمهل بقدر ذلك اتفاقًا (١). قوله: ويمهَل بقدر ذلك؛ أي: بقدر ما يحضر المالك، فإن كان له سلعة، فطلب أن يُمْهَل حتى يبيعَها ويوفيه من ثمنها، أُمْهِلَ بقدر ذلك، وكذلك إن أمكنه أن يحتال لوفاء دينه باقتراضٍ ونحوه، وطلب ربُّ الدين أن يرسم عليه حتى يفعل ذلك، وجب إجابته (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فإن مطله حتى شكي عليه، فما غرمه، فعلى المماطل، فإن أبى مَنْ له مالٌ يفي بدينه الوفاءَ، حبسه الحاكمُ، وليس له إخراجه حتى يتبين أمره، أو يبرأ من غريمه بوفاء أو إبراء، أو يرضى بإخراجه، فإن أصر، باع الحاكم ماله، وقضى دينه. وقال جماعة: إذا أصر على الحبس، وصبر عليه، ضربه الحاكم. قال في "الفصول": للإمام ابن عقيل وغيرِه: يحبسه، فإن أبى، عَزَّره، قال: ويكرر حبسه وتعزيره حتى يقضيه. قال شيخ الإسلام: نهى عن ذلك الأئمةُ من أصحاب الإمام أحمدَ وغيرِهم، ولا أعلم فيه نزاعًا، لكن لا يزاد في كل يوم على أكثر التعزير إن قيل بتقديره، انتهى (٣). وكل هذا يؤخذ من قوله ﷺ : "مطل الغني ظلم"، والظالم يستحق العقوبة، فإن العقوبة تستحق على ترك واجب، أو فعل محرم، وقضية كونه

стр. 2524

ظلمًا أنه كبيرة، لكن قال النووي: مقتضى مذهبنا اعتبارُ تكرره (١)، وردَّه السبكيُّ بأن مقتضاه عدمه؛ لأن منع الحق بعد طلبه، وانتفاء العذر عن أدائه، كالغصب، والغصبُ كبيرة لا يُشترط فيها التكرار (٢)، وهذا ظاهر كلام شيخ الإسلام، ومن ثَمَّ أُبيح حبسُه وتعزيره. ومن قوله ﷺ فيما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، من حديث الشريد- بفتح الشين المعجمة -هو ابنُ سُويد الثقفيُّ-، قيل: إنه من حضرموت، فحالف ثقيقًا، مرفوعًا. والشريدُ شهدَ الحُديبية، فهو صحابي ﵁، ولفظُ الحديث: "لَيُّ الواجِدِ يُحِلُّ عرضَه وعقوبته" (٣). وعلقه البخاري في "صحيحه" بلفظ: ويُذكر عن النبيِّ ﷺ ، فذكره. قال سفيان: عِرْضَه: أن يقال: مطلني حقي، وعقوبته: الحبس (٤). قال إسحاق: فسر سفيان عرضه: أذاه بلسانه (٥). وعن وكيع: عرضه: شكايته (٦).

стр. 2525

قال في "النهاية": الليُّ: المطل، يقال: لواه غريمُه بدينه يلويه لَيًّا (١). والواجد: الغني، قال ذو الرمة: [من الطويل] تُرِيدِينَ لَيَّاتِي وَأَنْتِ مَليَّةٌ ... وَأَحْسَنُ يَا ذَاتَ الوِشَاحِ التَّقَاضِيَا (٢) وقال الإمام عبدُ الله بنُ المبارك: يُحِلُّ عرضه؛ أي: يغلظ له، وعقوبته؛ أي: يحبس له (٣)، انتهى. وإذا ثبت إعسارُه، وجبَ انتظارُه، وحَرُمَ حبسُه. واختلف في ثابت العسرة إذا أُطلق من السجن، هل يلازمه غريمُه؟ فقال الثلاثة: يُمنع من الملازمة حتى يثبت له مال آخر. وقال أبو حنيفة: لا يمنع الحاكمُ الغرماءَ من لزومه (٤). تتمة: في "الصحيحين" وغيرهما من حديث أبي هريرة ﵁، قال: كان لرجل على رسول الله ﷺ حق، فأغلظ له، فَهَمَّ به أصحابُ رسول الله ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "إن لصاحب الحَقِّ مقالًا"، هذا لفظ مسلم (٥). ولفظ البخاري: "دعوه، فإن لصاحب الحقِّ مقالًا" (٦). فقال لهم النبي ﷺ : "اشتروا له سنًّا -يعني: من الإبل- فأَعْطُوه إياه"،

стр. 2526

فقالوا: لا نجد إلا سنًّا هو خيرٌ من سنِّه، قال: "فاشتروه، فَأعطُوه إياه، فإن من خيركم -أو خيرَكم- أحسنُكم قضاء". زاد البخاري في طريق أخرى: فقال الرجل: أوفيتني أوفى اللهُ بك (١). وفي لفظ: "فإن خيار الناس أحسنُهم قضاءً" (٢). وفي آخر: "أفضلُكم أحسنُكم قضاءً" (٣). قلت: ومن هذا قصة زيد بن سعَنَة -بالسين المهملة والعين والنون المفتوحتين-، كما ذكر الحافظ المصنف -رحمه الله تعالى-، وجرى عليه الدارقطني. وفي نسخ "الشفاء" للقاضي عياض -بالياء التحتية بعد العين المهملة-، وعليه تصحيح مؤلفه (٤). قال الإمام الحافظ الذهبي: والأول أصحُّ (٥)، وهي ما روى ابنُ حبانَ والحاكمُ عن عبد الله بنِ سلام ﵁: أن زيد بن سعنة -وهو أحد علماء أهل الكتاب من اليهود-. قال النووي: هو أحد أحبار اليهود الذين أسلموا (٦). قال: إنه لم يبق من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتها في وجه محمد ﷺ حين نظرت إليه، إلا اثنتين لم أخبرهما منه: أن يسبق حلمُه

стр. 2527

جهلَه، وأَلَّا تزيدَه شدةُ الجهل عليه إلا حلمًا، فكنت أتلطف له؛ لأن أخالطه فأعرفَ حلمَه، فابتعتُ منه تمرًا معلومًا إلى أجل معلوم، وأعطيته الثمن. ولفظُ ابن حبان، و"الوفاء" للحافظ ابن الجوزي: فخرج يومًا، ومعه علي بن أبي طالب ﵁، فجاء رجل كالبدوي، فقال: يا رسول الله! إن قرية بني فلان أسلموا، وحدثتُهم إن هم أسلموا، أتتهم أرزاقُهم رغدًا، وقد أصابتهم سَنَة وشدَّة، وإني مشفق أن يخرجوا من الإسلام، فإن رأيت أن ترسل إليهم بشيء تُعينهم به. قال زيد: فقلت: أنا أبتاع منك بكذا وكذا وسقًا، وأعطيته ثمانين دينارًا، فدفعها إلى الرجل، وقال: "أعجل عليهم بها فأغثهم"، فلما كان قبل الحل بيوم أو يومين أو ثلاثة، خرج رسول الله ﷺ إلى جنازة في نفر من أصحابه، فجذبتُ رداءه جذبةً شديدة حتى سقط عن عاتقه، ثم أقبلتُ بوجه غليظٍ جهم، فقلت: ألا تقضيني يامحمد؟ فو الله! ما علمتُكم بني عبد المطلب بمُطل، فارتعدَتْ فرائصُ عمرَ بن الخطاب كالفلك المستدير، ثم رمى بصره، وقال: أي عدوَّ الله! أتقول هذا لرسول الله ﷺ ، وتصنع به ما أرى، وتقول ما أسمع؟ فو الذي بعثه بالحق! لولا ما أخاف فوته -أي: الافتياتَ عليه، يعني: على رسول الله ﷺ ، لسبقني رأسُك، ورسولُ الله ﷺ ينظر إلى عمرَ في تُؤَدَة وسكون، ثم تبسم وقال: "أنا وهو كنا أحوجَ إلى غير هذا منك يا عمر! تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن اتباعه، اذهبْ". وفي رواية الزهري: أنه قال له: يا محمد! اقضِ حقي، فإنكم -معاشرَ بني عبد المطلب- مُطل، فقال عمر: يا يهودي الخبيث! أما والله! لولا مكانه -يعني: النبيَّ ﷺ ، لضربت الذي فيه عيناكَ، فقال رسول الله ﷺ : "غفر الله لكَ يا أبا حفص، نحن كنا إلى غير هذا منك أحوجَ إلى أن تكون

стр. 2528

أمرتني بقضاء ما عليَّ، وهو إلى أن يكون أَعنته في قضاء حقه أحوج، اذهب يا عمر، فاقض حقه، وزده عشرين صاعًا من تمر مكانَ ما رُعته"، قال زيد: فذهب بي عمر، فقضاني حقي، وزادني عشرين صاعًا من تمر، فقلت: ما هذا؟ قال: أمرني رسول الله أن أزيدك مكان ما رُعْتُك، فقلت: أتعرفني يا عمر؟ قال: لا، فمن أنت؟ فقلت: أنا زيدُ بن سعنة، قال: الحبر؟ قلت: الحبْر، قال: فما دعاكَ إلى أن تفعلَ برسول الله ﷺ ما فعلتَ، وتقول له ما قلتَ؟ قلت: يا عمر! إنه لم يبق من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفته في وجه رسول الله ﷺ حين نظرتُ إليه، إلا اثنتان لم أخبرْهما منه: يسبق حلمُه جهلَه، ولا يزيده شدةُ الجهل عليه إلا حلمًا، فقد اختبرته منه، فأُشهدك يا عمر! أني رضيت بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا، وأُشهدك أن شطرَ مالي، فإني أكثرها مالًا، صدقةٌ على أمة محمد، فقال: أو على بعضهم، فإنها لا تسعهم كلهم، قال: أو على بعضهم، فرجع عمر وزيدُ بنُ سعنة إلى رسول الله ﷺ ، فقال زيد: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فآمن به، وصدَّقه، وبايعه، وشهد معه مشاهدَ كثيرة (١). وفي رواية قال: فلم يزده جهلي عليه إلا حلمًا، الحديث. وفيه: أن أهل اليهودي أسلموا كلهم إلا شيخًا كان ابن مئة سنة، فمضى على الكفر (٢)، والله أعلم.

стр. 2529

وقال ﷺ : (فإذا أُتبع أحدكم)؛ أي: أُحيل، ولذا عدَّاه بـ: (على)، فقال: (على مليّ)، كغني لفظًا ومعنى، وفي رواية: مليء -بالهمز- والمشهور رواية ولغة إسكان المثناة من "أتْبع" (١)، ومن (فليتْبَعْ)، وهو على البناء للمجهول، مثل: إذا أُعلم فليعْلَم. تقول: اتَّبعت الرجلَ بحقي أَتبعه تَباعة -بالفتح-: إذا طلبته (٢). وقال القرطبي: أما أُتْبِع -بضم الهمزة وسكون التاء مبنيًّا لما لم يسمَّ فاعله-، فعند الجميع، أما فليتبع، فالأكثر على التخفيف، وقيده بعضهم يالتشديد، والأول أجود، انتهى (٣). قال العلقمي: وما ادعاه من الاتفاق على أُتبع يرده قول الخطابي: إنَّ أكثر المحدثين بتشديد التاء، والصواب التخفيف (٤). ومعنى قوله ﷺ : "من أُتبع فلْيتبع"؛ أي: من أُحيل، فلْيحتل، وقد رواه بهذا اللفظ الإمام أحمد، عن وكيع، عن سفيان الثَّوريُّ، عن أبي الزناد (٥). وأخرج البيهقي مثله من طريق معلى بن منصور (٦). ورواه ابن ماجه من طريق ابن عمر، بلفظ: "إذا أُحِلْتَ على مليءٍ، فاتَّبِعْه" (٧)، وهذا بتشديد التاء بلا خلافٍ.

стр. 2530

والمليء -بالهمزة-: مأخوذ من الإملاء، يُقال: مَلُؤَ الرجلُ -بضم اللام-؛ أي: صار مَلِيئًا. قال الكرماني: المليُّ، كالغنيِّ لفظًا ومعنًى، فاقتضى أنه بغير همز، وليس كذلك، فقد قال الخطابي: إنه في الأصل بالهمز، ومن رواه بتركها، فقد سَهَّله. والأمر في قوله ﷺ : "فليتبع" على ظاهره للوجوب على معتمد مذهب الإمام أحمد، وأبي ثور، وابن جرير، وأهل الظاهر. وعبارة الخرقي: ومَنْ أُحيل بحقه على مليءٍ، فواجبٌ عليه أن يحتال (١). وعند الثلاثة: أن الأمر للاستحباب. ووهم من نقل فيه الإجماع. وقيل: هو أمر إباحة وإرشاد (٢). تنبيهات: * الأول: الحوالة عقد إرفاق لا خيار فيه، وليست بيعًا، بل هي انتقال مال من ذمة إلى ذمة بلفظها، أو معناها الخاص، كأتبعتك بدينك على فلان، أو خذ، أو اطلب دينك منه (٣). * الثاني: يشترط لصحتها ولزومها، رضا محيل، وعلمُ محال به وعليه، والمقاصة، بأن يستوي الدينان جنسًا، وصفة، وحلولًا، وأجلًا، وقدرًا، فلا تصح بذهب على فضة، ولا بصحاح على مكسور، وعكسه،

стр. 2531

ولا مع اختلاف أجل، ولو كانا حالَّين، فشرط على محتال تأخير حقه أو بعضه، لم تصح الحوالة على ما في "الإقناع" (١)، وتبعه في "الغاية" (٢). واستوجه العلامة الشيخ منصور في شرح "الإقناع" فساد الشرط دونها (٣). انتهى. نعم إذا صحت الحوالة، فرضيا بدفع أدنى أو أعلى، أو تأجيلٍ أو تعجيل، أو دفع عوضٍ، جاز. ولا تصح بكثير على قليل، وعكسه، وتصح بقليل على قدره من كثير، وعكسه (٤). الرابع: من شروط الحوالة: استقرار مالِ محالٍ عليه، لا به، خلافًا لجمع، فلا تصحُّ على صداق قبل دخول، أو مال كتابة، أو أجرة قبل استيفاء منفعة، أو فراغ مدة، ولا على ثمن مبيع مدة خيار. الخامس: كون محال عليه يصح السلم فيه؛ من مثلي وغيره، كمعدود ومذروع (٥). * الثالث: لا يشترط في الحوالة رضا محال عليه، ولا رضا محتال، بشرط كون المحال عليه مليًا، والملي هو كما نص عليه الإمام أحمد: القادر مسألة، وقوله، وبدنه فقط، فعند الزركشي من علمائنا: ماله: القدرة على الوفاء، وقوله: ألَّا يكون مماطلًا، وبدنه: إمكان حضوره لمجلس

стр. 2532

الحكم (١)، فلا يلزمه احتيال على والده، أو من غير بلده، ولا على ذي شوكة (٢). فإذا استوفت الحوالة سائر شروطها، برىء المحيل بمجرد الحوالة، ولو أفلس محال عليه، أو مات، أو جحد بعد ثبوته، أو تصديق محال، وإلا فيرجع على محيل، كما لو أُحيل بلا رضا على من ظنه مليًا، فبان غيرَ ملي، أو برضاه، واشترط الملاءَة، فانتفت، لا بلا شرط (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه-: الحوالة على ما لَهُ في الديوان إذن في الاستيفاء فقط، وللمحتال الرجوع على مطالبة محيله (٤)، وإحالة من لا دينَ عليه على من دينه عليه وكالة، ومن لا دين عليه على مثله وكالة في اقتراض، وكذا مدين على بريء فلا يصارفه، نص عليه الإمام أحمد (٥)، والله أعلم.

стр. 2533

الحديث الثالث وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ -أَوْ قَالَ-: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ -أَوْ إِنْسَانٍ- قَدْ أَفْلَسَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ" (١).

стр. 2534

ما أشار إليه بقوله -رحمه الله تعالى-: (وعنه) " أي: عن أبي هريرة ﵁، (قال) أبو هريرة: (قال رسولُ الله ﷺ -أو قال-) أبو هريرة ﵁: (سمعت رسولَ الله ﷺ يقول). قال الحافظ ابن حجر: أظن الشك من زُهير -بالتصغير- بنِ معاويةَ الجعفيِّ شيخِ شيخِ البخاري (١). واعترض البدرُ العينيُّ: بأن الظن لا يجدي شيئًا؛ لأَن الاحتمال في غيره قائم (٢). وفيه: شدة الورع والاحتراس في تأدية الحديث كما سمع من غير زيادة ولا نقص، وإن جوزنا روايته بالمعنى. (من أدرك)؛ أي: لحق، والدَّرَك -محركة-: اللَّحاق، يقال: أدركه: لحقه (٣) (مالَه) الذي باعه وأقبضه للمشتري، ولم يقبض من ثمنه شيئًا، فوجده (بعينِهِ). وفي رواية الترمذي وغيرِه: "فوجد الرجلُ سلعته عنده بعينها" (٤) (عند رجل) أفلس (أو) وجد ماله بعينه عند (إنسان) أعمّ من كونه رجلًا (قد أفلس).

стр. 2535

والمفلس لغة: من لا مال له، ولا ما يدفع به حاجته (١). وشرعًا: من لزمه أكثر من ماله (٢). قال في "المطلع": وإنما سمي مفلسًا؛ لأنه لا مال له إلا الفلوس، وهي أدنى أنواع المال. قال في "المطلع": والمفلس في عرف الفقهاء: من دينُه أكثرُ من ماله، وخرجُه أكثرُ من دَخْلِه، ويجوز أن يكون سمي بذلك، لما يؤول إِليه من عدم ماله بعد وفاء دينه، ويجوز أن يكون سمي بذلك؛ لأنه يمنع من التصرف في ماله إلا الشيء التافه، كالفلوس ونحوها. وقال أبو [السعادات] (٣): صارت دراهمه فلوسًا. وقيل: صار إلى حال يقال: ليس معه فلس (٤)، انتهى (٥) (فهو)؛ أي: رب المال الذي دفعه لمبتاعه، ولم يقبض من ثمنه شيئًا، ووجده بعينه (أحقُّ به)؛ أي: مسألة الذي وجده بعينه، لم يزد زيادة متصلة، كسِمَنٍ، وكبر، ولم تتغير صفتها بما يزيل اسمها، كنسج غزل، وخبز دقيق (من غيره) من بقية الغرماء الذين لهم على المفلس ديون (٦). أعلم: أن هذا الحديث رواه الإمام أحمد (٧)، والشيخان، وأصحاب

стр. 2536

"السنن" و"المسانيد"، ورواه الإمام مالك في "الموطأ" (١)، وهو من الأحاديث المقطوع بصحتها. وروى الإمام أحمد أيضًا من حديث سمرة بن جندب ﵁، عن النبي ﷺ : "من وجد متاعَه عند مفلس بعينه، فهو أحقُّ به" (٢). وروى مسلم أيضًا من حديث أبي هريرة أيضًا في الرجل الذي يعدم إذا وجد عنده المتاع، ولم يُفرِّقه: أنه لصاحبه الذي باعه (٣)، ورواه بهذا اللفظ النَّسائيُّ أيضًا (٤). وفي لفظ عند الإمام أحمد: "أيُّما رجلٍ أفلسَ، فوجد رجل عنده مالَه، ولم يكن اقتضى من ماله شيئًا، فهو له" (٥). وعن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارثِ بنِ هشام: أن النبىَّ ﷺ قال: "أيُّما رجلٍ باع متاعًا، فأفلس الذي ابتاعه، ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئًا، فوجد متاعه بعينه، فهو أحقُّ به، وإن مات المشتري، فصاحبُ المتاع أُسوةُ الغرماء" رواه الإمام مالك في "الموطأ"، وأبو داود، وهو مرسل (٦)، وقد أسنده أبو داود من وجه ضعيف (٧).

стр. 2537

تنبيهات: الأول: قال بمقتضى هذا الحديث جمهورُ الأئمة، وأكثرُ الأئمة، منهم: عطاء بن أبي رباح، وعروة بن الزبير، وطاوس، والشعبي، والأوزاعي، وعبيد الله بن الحسن، والإمام مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحق بن راهويه، وداود، فكل هؤلاء وغيرهم من أعلام الأئمة ذهبوا إلى ظاهر هذا الحديث، وقالوا: إذا أفلس الرجل، وعنده متاع قد اشتراه، وهو قائم بعينه، فإن صاحبه أحقُّ به من غيره من الغرماء. وقال الإمام أبو عمر يوسفُ بنُ عبدِ البَرِّ: أجمع فقهاء الحجاز، وأهلُ الأثر على القول بجملته؛ أي: بجملة الحديث المذكور، وإن اختلفوا في أشياء من فروعه، ثم قال: واختلف مالك والشافعيُّ في المفلس يأبى غرماؤه دفع السلعة إلى صاحبها، وقد وجدها بعينها، ويريدون دفع الثمن إليه من قبل أنفسهم، لما لهم في قبض السلعة من الفضل (١). فقال مالك: لهم ذلك، وليس لصاحبها أخذُها إذا دفع إليه الغرماء الثمن. وقال الشافعي: ليس للغرماء في هذا مقال، وإذا لم يكن للمفلس ولا لورثته أخذُ السلعة، فالغرماء أبعدُ من ذلك، وإنما الخيار لصاحب السلعة، إن شاء أخذها، وإن شاء تركها، وضرب مع الغرماء (٢). الثاني: في تحرير مذهب الإمام أحمد ﵁ في هذه المسألة من حيث هي معتمد المذهب: أن من وجد عين ما باعه أو أقرضه أو

стр. 2538

أصدقه، ثم تنصف، أو سقط، ولو بعد الحجر عليه غير عالمٍ به، أو أعطاه رأس مال سلم، أو أجرة، ولو نفسه، ولم يمض من مدتها شيء، أو شقصًا أخذه مفلس بشفعة، فهو أحق بها، ولو قال المفلس: أنا أبيعها وأعطيك ثمنها، أو بذله غريم، أو خرجت وعادت لملكه، فلو اشتراها ثم باعها، ثم اشتراها البائع الثاني -وهو المفلس-، فهي لأحد البائعين بقرعة، وشرط لصحته أحقية رب العين بها، كون مفلس وبائع حيين إلى أخذها، وبقاء كل عوضها في ذمته، لا إن دفع أو أبرىء من بعضه، وكون كلها في ملكه، لا إذا جمع العقد عددًا أو لا، وكان مكيلًا أو موزونًا، كما استوجهه في "الغاية"، فإنه يأخذ مع تعذُّر بعضِه ما بقي، وكون العين بحالها، لم توطأ بِكْر، ولم يجرح قِنٌّ بما ينقص قيمته، ولم تختلط بغير متميز، ولم تتغير صفتها بما يزيل اسمها -كما مر-، من جعل نحو دُهن صابونًا، وكونها لم يتعلق بها حق، كشفعة وجناية ورهن، فإن أسقطه ربه، فكما لو لم يتعلق، وكونها لم تزد زيادة متصلة، كتعلم صنعة -كما قدمنا (١) -. ويصح رجوعه يقول، كرجعت في متاعي، أو أخذته، ولو متراخيًا، بلا حاكم، وهو فسخ لا يحتاج لمعرفة، وقدرة على تسليم، فلو رجع في آبق، صح، وصار له، فإن بأن تلفه حين رجع، بطل استرجاعه، ولا يمنع الرجوعَ نقص، كهزال، وجنون، ونسيان صنعة، ولا صبغ ثوب أو قصره، ولو نقص بهما، كما في "الغاية" (٢)، خلافًا "للإقناع" (٣)، و"المنتهى" (٤)،

стр. 2539

والزيادة بصبغ أو قصر لمفلس، ولو كان الثوب والصبغ لواحد، رجع في الثوب وحده، وضرب له بثمن الصبغ مع الغرماء، وأما الزيادة المنفصلة، كالولد والثمرة والكسب، فلا تمنع الرجوع، وهي لراجع، نص عليه الإمام أحمد في ولد الجارية، ونتاج الدابة، واستظهر في "التنقيح" رواية كونها لمفلس، واستوجه في "الغاية" أنه الصحيح (١). وحمل الإمامُ الموفق النصَّ على بيعهما في حال حملهما فكان مبيعين، وأما إن مات البائع حال كونه مدينًا، أو حجر عليه، فمشترٍ أحقُّ بمبيعه من الغرماء، ولو قبل قبضه، لا إن مات المشتري مفلسًا والسلعةُ بيد بائع (٢). واختُلف عن الإمام مالك والشافعي فيما إذا اقتضى صاحب السلعة من ثمنها شيئًا، فقال ابن وهب وغيره عن مالك: إنْ أحبَّ صاحب السلعة أن يرد ما قبض من الثمن، ويقبض سلعته، كان له ذلك. وقال الشافعي: لو كانت عبدًا، فأخذ نصف ثمنه، ثم أفلس الغريم، كان له نصف العبد، ويبيع النصف الثاني الذي يفي للغرماء، ولا يرد شيئًا مما أخذ. وقد علمت أن معتمد مذهب الإمام أحمد أنه متى أخذ من ثمن السلعة شيئًا، امتنع رجوعه بها. واختلف مالك والشافعي فيما إذا مات المفلس. فقال الإمام مالك -كما قدمناه عن معتمد مذهبنا-: لا رجوع في الموت (٣)، ودليلُه ما قدمنا في حديث عبد الرحمن بن أبي بكر.

стр. 2540

الثالث: لم يقل الإمام أبو حنيفة بمقتضى هذا الحديث، وكذا إبراهيم النخعي، والحسن البصري، والشعبي في رواية، وكذا أبو يوسف، ومحمد، وزفر، فقال هؤلاء: بائع السلعة له أسوة الغرماء. وقد صح عن عمر بن عبد العزيز: أن من اقتضى من ثمن سلعته شيئًا، ثم أفلس، فهو والغرماء فيه سواء، وهو قول الزهري. قلت: ونحن نلتزم هذا، ونقول به، وقد روي عن علي ﵁ نحوُ ذلك (١). الرابع: دلالة الحديث على الرجوع في الفلس قوية جدًا، حتى قيل: إنه لا تأويل له. وقال الإصطخري -من الشافعية-: لو قضى القاضي بخلافه، نقض حكمه. وقد صرح علماؤنا بذلك. وعبارة "الإقناع": ولو حكم حاكم بكونه أسوةَ الغرماء، نقض حكمه نصًا؛ أي: نص عليه الإمام أحمد ﵁ (٢) -. وقال القرطبي في "المفهم": تعسف بعضُ الحنفية في تأويل هذا الحديث بتأويلات لا تقوم على أساس (٣). وقال النووي: فأولوه بتأويلات ضعيفة مردودة (٤).

стр. 2541

وقال ابن بطال: قالت الحنفية: البائع أسوة الغرماء، ودفعوا حديث التفليس بالقياس، وقالوا: السلعة مال المشتري، وثمنها في ذمته. والجواب: أنه لا مدخل للقياس إلا إذا عدمت السنة، أما مع وجودها، فهي حجة على من خالفها. فإن قال الكوفيون: نؤوِّله بأنه محمول على المودع والمقرض دون البائع. قلنا: هذا فاسد؛ لأنه ﵇ جعل لصاحب المتاع الرجوع إذا وجده بعينه، والمودع أحقُّ بعينه، سواء كان على صفته، أو قد تغير عنها، فلم يجز حمل الخبر عليه، ووجب حمله على البائع؛ لأنه يرجع بعينه إذا وجده بصفته لم يتغير، فإذا تغير، فإنه لا يرجع به. وقال الكرماني: هذا التأويل غير صحيح، إذ لا خلاف أن صاحب الوديعة أحق بها، سواء وجدها عند مفلس، أو غيره، وقد شرط في الحديث الإفلاس (١). والحاصل: أنهم أطالوا في الرد على من خالف هذا الحديث، والله أعلم. الخامس: قد استُدل بهذا الحديث للقول بأن الديون المؤجلة تحل بالحَجْر على المديون، ووجه الاستدلال: أنه يندرج تحت كونه أدرك ماله، فيكون أحق به، ومن لوازم ذلك أن يحل، إذ لا تسوغ المطالبة بالمؤجل. ومعتمد مذهبنا: أنه متى كان الثمن مؤجلًا، رجع في السلعة، فأخذها عند حلول الأجل، فتوقف إليه.

стр. 2542

ومعتمد المذهب: عدم حلول الدين المؤجل بالحجر، فإذا حجر الحاكم على المفلس، فإن كان في الغرماء من له دين مؤجل، لم يحل، ولم يوقف له شيء، ولا يرجع على الغرماء إذا حَلَّ، لكن إن حَلَّ قبل القسمة، شاركهم، وإن حل قبل قسمة البعض، شارك في الباقي، ويضرب في الباقي بجميع الدين المؤجل الذي حل، ولباقي الغرماء ببقية ديونهم، ومن مات وعليه دين مؤجل، لم يحل إذا وثق الورثة أو غيرهم برهن أو كفيل ملي أقل الأمرين من قيمة التركة أو الدين، كما لا تحل الديون التي له بموته، فإن تعذر التوثق، لعدم وارث أو غيره، حل (١)، والله الموفق.

стр. 2543

الحديث الرابع عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، قَالَ: جَعَلَ (١) -وَفِي لَفْظٍ: قَضَى- النَّبِيُّ ﷺ بالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَالٍ لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ، وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ، فَلَا شُفْعَةَ (٢).

стр. 2544

(عن جابر بنِ عبد الله ﵄، قال: جعل) -وهذا في بعض ألفاظ البخاري- (١)، وفي بعضها: إنما جعل (٢)، (وفي لفظ: قضى النبي ﷺ بالشفعة) -وأسقط الباء في رواية-: جعل (في كل مال) من حائط وربع ونحوهما من سائر العقارات (لم يقسم) بخلاف ما قسم مما كان مشتركًا بين اثنين فصاعدًا، (فإذا) قُسم، و (وقعت الحدود) بينهما، أو بينهم، فصار كل واحد منهم يعرف حد نصيبه. (وصُرِّفَتِ الطرقُ)، فصار كل واحد يعرف طريق نصيبه، (فلا شفعة) لأحد في ملك أحد إذا باعه. قال في "المطلع"، كـ"المطالع": الشُّفعة مأخوذة من الزيادة؛ لأنه يضم ما يشفع فيه إلى نصيبه (٣)، هذا قول ثعلب، فإنه كان وترًا، فصار شفعًا، والشافع: هو الجاعلُ الوترَ شفعًا، والشفيعُ: فعيل بمعنى فاعل (٤). وقال الإمام الموفق: في الشفعة عرفًا: استحقاقُ الشريك انتزاع حصة شريكه المنتقل عنه من يد من انتقلت إليه (٥).

стр. 2545

زاد في "الإقناع": إن كان مثله، أو دونه، بعوض مالي، بثمنه الذي استقر عليه العقد (١). قال علماؤنا: فلا شفعة لكافر حين البيع أسلم بعدُ أو لا على مسلم، ولو ذميًا، خلافًا للثلاثة. قال في "الفروع": ولا شفعة لكافر على مسلم، نص عليه الإمام أحمد ﵁ في وجوه كثيرة (٢). قال في "الإنصاف": وهو المذهب، وعليه الأصحاب، وهو من مفردات المذهب، انتهى (٣). وبه قال الحسن والشعبي. وقيل: بلى، وبه قال مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، لعموم قوله ﵇: "لا يحل له أن يبيع حتى يستأذن شريكه، وإن باعه ولم يؤذنه، فهو أحق به" (٤)، وهو الصحيح من حديث جابر ﵁، ولأنه خيار ثبت لدفع الضرر بالشراء، فاستوى فيه المسلم والكافر، كالعيب. وأما ما روى الدارقطني في كتاب "العلل" عن أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ قال: "لا شفعة لنصراني" (٥)، فهذا يخص عموم

стр. 2546

ما احتجوا به، ولأنه معنى يملك به يترتب على وجود ملك مخصوص، فلم يجب للذمي على المسلم، كالزكاة، ولأنه معنى يختص به العقار، فأشبه الاستعلاء في البنيان، يحققه: أن الشفعة إنما ثبتت للمسلم دفعًا للضرر عن ملكه، فقدم دفع ضرره على دفع ضرر المشتري، ولا يلزم من تقديم دفع ضرر المسلم على المسلم تقديم ضرر الذمي؛ فإن حق المسلم أرجحُ، ورعايته أولى، ولأن ثبوت الشفعة في محل الإجماع على خلاف الأصل، رعاية لحق الشريك المسلم، وليس الذمي في معنى المسلم، فيبقى على مقتضى الأصل، وتثبت الشفعة للمسلم على الذمي، لعموم الأدلة الموجبة، ولأنها إذا ثبتت في حق المسلم على المسلم، مع عظم حرمته ورعاية حقه، فلأنْ تثبت على الذمي مع دناءته أولى وأحرى، قاله في "المغني" (١). تنبيهات: الأول: لا تثبت الشفعة إلا في العقارات، فلا تجب فيما ليس بعقار، كشجر، وحيوان مفردين، وجوهر، وسيف، نعم يؤخذ البناء، والغراس تبعًا (٢). وذهب شذوذ من الناس إلى ثبوتها في المنقولات متعللين بعموم صدر هذا الحديث، مع أن آخره وسياقه يشعر بأن المراد به العقار؛ لأنه الذي تدخله الحدود وصرف الطرق (٣).

стр. 2547

الثاني: لا بد من كون المبيع شِقْصًا مشاعًا مع شريك -ولو مكاتبًا- من عقار ينقسم قسمة إجبار، فأما المقسوم المحدود، فلا شفعة فيه -كما يأتي-، فلا تجب الشفعة فيما لا تجب قسمته، كحمام صغير، وبئر، وطريق، وعراص ضيقة (١). وقال أبو حنيفة: تثبت فيه الشفعة. وحجة الجمهور: قوله ﵇: "إنما قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم. . . . إلخ". وهذه الصيغة في النفي تشعر بقبول القسمة، فيقال للبصير: لم تبصر كذا، ويقال للأكمه: لا تبصر كذا، وإن استعمل أحد الأمرين في الآخر، وذلك للاحتمال، فعلى هذا يكون في قوله: "فيما لم يقسم" إشعار بأنه قابل للقسمة، فإذا دخلت "إنما" المفيدة للحصر، اقتضت انحصار الشفعة في القابل، ذكره ابن دقيق العيد (٢). ولِما روي عن النبي ﷺ : أنه قال: "لا شفعة في فناء، ولا طريق، ولا منقبة"، والمنقبة: الطريق الضيق بين دارين لا يمكن أن يسلكه أحد، ذكره أبو الخطاب في "رؤوس المسائل"، وأبو عبيد في "الغريب" (٣). وروي عن عثمان ﵁: أنه قال: لا شفعة في بئر، ونخل (٤).

стр. 2548

ولأن إثبات الشفعة في هذا يضر بالبائُع؛ لأنه لا يمكنه أن يتخلص من إثبات الشفعة في نفسه بالقسمة (١). الثالث: يؤخذ من قوله ﷺ : "فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق، فلا شفعة": عدمُ ثبوت الشفعة للجار، وهذا معتمد مذهب الإمام أحمد، ومالك، والشافعي. وقال الإمام أبو حنيفة: تجب الشفعة للجار. وهي رواية عن الإمام أحمد؛ إِلا أنها مرجوحة بالمرة. واستدل لقول أبي حنيفة بقوله ﷺ : "جار الدار أحقُّ بدار الجار" رواه النسائي، وأبو يعلى في "مسنده"، وابن حبّان من حديث أنس (٢)، ورواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي من حديث سمرة بن جندب (٣)، ورواه الطبراني من حديث سمرة بلفظ: "جار الدار أحق بالشفعة" (٤). وبما روى ابن سعد عن الشريد بن سويد مرفوعًا: "جارُ الدار أحقُّ بالدار من غيره" (٥).

стр. 2549

وبما روى البخاري، وأبو داود، والنسائي عن أبي رافع مرفوعًا: "الجار أحقُّ بصقبه" (١). وبما روى الإمام أحمد، وأصحاب السنن من حديث جابر مرفوعًا: "الجار أحقُّ بشفعة جاره ينتظر بها، وإن كان غائبًا، بأن كان طريقهما واحد" (٢). والمانعون أجابوا عن هذه الأحاديث بأجوبة: أما ما في "البخاري" من قوله: "أحق بصقبه"، فقد أبهم الحق، ولم يصرح به، فلم يجز أن يحمل على العموم في مضمر؛ لأن العموم يستعمل في المنطوق به دون المضمر. قال الخطابي (٣)، وابن الأثير (٤): الصقب -بالسين والصاد- وفي الأصل: القرب. وقال في "القاموس": الجار أحق بصقبه؛ أي: بما يليه ويقرب منه (٥). وقال العلّقمي في "حاشية الجامع الصغير": يحتج بهذا الحديث من أوجب الشفعة للجار.

стр. 2550

وقال: ومن لم يثبتها للجار، تأول الجار على الشريك. ويحتمل أن يكون المراد: أحق بالبر والمعونة وما في معناهما، بسبب قربه من جاره (١). وأجابوا عن حديث سمرة: بأن أهل الحديث اختلفوا في لقاء الحسن له، ومن أثبت لقاءه، قال: إنّه لم يَروِ عنه إِلَّا حديثَ العقيقة، وقد رواه الحسن عن سمرة. وعن حديث: "الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها، وإن كان غائبًا" بأن شعبة قال: سها فيه عبد الملك بن سليمان الذي الحديثُ في روايته. قال الإمام أحمد: هذا الحديث منكر. قال ابن معين: لم يروه غير عبد الملك، وقد أنكر عليه. قال الإمام المجد: ويقوَّى ضعفُه بحديث جابر (٢) -يعني: الذي نحن بصدد شرحه-. قال بعض الحنفية: يلزم الشّافعية القائلين بحمل اللفظ على حقيقته مجازًا أن يقولوا بشفعة الجوار؛ لأن الجار حقيقةٌ في المجاور، ومجازٌ في الشريك. وأجيب عنه: بأن محله عند التجرد، وقد قامت القرينة هنا للمجاز، فاعتبر للجمع بين حديثي جابر وأبي رافع، فإن حديث جابر صريح في اختصاص الشفعة بالشريك، وحديث أبي رافع مصروف الظاهر اتفاقًا؛ لأنه يقتضي أن يكون الجار أحقَّ من كل أحد، حتى من الشريك، والذين قالوا

стр. 2551

بشفعة الجوار قدموا الشريك مطلقًا، ثم المشارك في الطريق، ثم الجار على من ليس بمجاور (١). قلت: وتوسط شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال: تثبت الشفعة للجار مع الشركة في الطريق، واختاره تلميذه ابن قاضي الجبل في "الفائق"، لما روى الترمذي من حديث جابر مرفوعًا: "الجار أحق بشفعة جاره، ينتظر بها إذا كان غائبًا، بأن كان طريقهما واحدًا"، قال: وهذا ظاهر كلام الإمام أحمد في رواية أبي طالب، وقد سأله عن الشفعة، فقال: إذا كان طريقهما واحدًا شركاء لم يقتسموا، فإذا طرقت الطرق، وعرفت الحدود، فلا شفعة. قال: الحارثي من علمائنا: ومن النَّاس من قال بالجواز، لكنه يقيد الشركة في الطريق. وذكر كلام الإمام أحمد في رواية أبي طالب، ثمّ قال: وهذا الصحيح الذي يتعين المصير إليه، ثم ذكر أدلته، وقال: وفي هذا المذهب جمع بين الأخبار، فيكون أولى بالصواب (٢). الرابع: يشترط للأخذ بالشُّفعَةِ -مع ما تقدم-: المطالبةُ بها على الفور، وأخذ جميع المبيع، وأن يكون للشفيع ملك الرقبة سابقًا. وعن أبي حنيفة: لا بد من طلبها على الفور، حتى إن علم وسكت هنيهة، ثم طلب الشفعة، فليس له ذلك، وعنه: رواية أخرى: ما دام قاعدًا في ذلك المجلس، فله أن يطالب بالشفعة ما لم يصدر منه ما يدل على الإعراض، من نحو قيام، واشتغال بشغل آخر.

стр. 2552

وعن مالك: أنها لا ينقطع استحقاقه بسكوته عن الطلب إلا بعد سنة. وعنه: لا تنقطع إلا أن يأتي عليه من الزمان ما يعلم به أنه تارك لها، فأما طلبها عنده، فعلى التراخي. وقال الشافعي في القديم: إنها على التراخي، وقال في الجديد: إنها على الفور، فمتى أخر الطلب من غير عذر، فلا شفعة له. قال الإمام أحمد -كما في رواية أبي طالب-: الشفعة بالمواثبة ساعةَ يعلمه، ودليله حديثُ عمر ﵁ عن رسول الله ﷺ : "الشفعة كحلِّ العِقال" (١). وفي لفظ: "الشفعة كنشطة العِقال، إن قيدت، ثبتت، وإن تركت، فاللوم على من تركها". قال في "المغني": رواه الفقهاء في كتبهم (٢). الخامس: لا يحل الكذبُ والتحيل على إسقاط حق المسلم من الشفعة وغيرها، ويجب على المشتري تسليمُ الشَّقص بالثّمن الذي وقع باطنًا، والتحيلُ على إسقاطها بعد وجوبها حرامٌ بالاتفاق، كما في "مختصر فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية"، قال: والنزاع في الاحتيال عليها قبل الوجوب، ومن صور الاحتيال لإسقاطها: أن تكون قيمة الشقص مئة، وللمشتري

стр. 2553

عرض قيمته مئة، فيبيعه العرض بمئتين، ثم يشتري الشقص منه بمئتين، فيتقاصان، والله أعلم (١). السادس: ظاهر صنيع المؤلف أن هذا الحديث من متفق الشيخين، وليس كذلك، بل هو بهذا اللفظ من أفراد البخاري (٢).

стр. 2554

الحديث الخامس عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ يسْتأْمِرُهُ فِيهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إنَّي أَصَبْتُ أَرْضًا بخَيْبَرَ، لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ، فَمَا تَأْمُرُني بهِ؟ قَالَ: "إِنْ شِئْتَ، حَبَّسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا"، قَالَ: فَتَصَدَّقَ عُمَرُ بِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلَا يُورَثُ، وَلَا يُوهَبَ، قَالَ: فَتَصَدَّقَ عُمَرُ فِي الفُقَرَاءِ، وَفي القُرْبَى، وَفِي الرِّقَاب، وَفِي سَبِيلِ اللهِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، والضَّيْفِ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَها أَنْ يَأْكلَ مِنْهَا بالمَعْرُوفِ، أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فيهِ، وفي لفظ: غَيْرَ مُتأَثِّلٍ (١).

стр. 2555

(عن) أبي عبد الرحمن (عبدِ الله بنِ) أمير المؤمنين (عمَر) بنِ الخطاب (﵄، قال) أبو عبد الله بنُ عمَر: (أصاب عمرُ) ﵁ (أرضًا بخيبَر) -بالخاء المعجمة فتحتية فموحدة، وزن جعفر-: هي اسم ولاية مشتملة على حصون ومزارع ونخل كثير على ثلاث مراحلَ من المدينة النبوية -على ساكنها الصلاة والسلام-، وذلك ثمانية بُرُد، والبريدُ أربعة فراسخ، وكل فرسخ ثلاثةُ أميال، على يسار الحاجِّ من الشام، تُسامت هدية إلى جهة الشرق. قال في "السيرة الشامية": والخيبر بلسان اليهود: الحصن، ولذا يقال لها: خيابر -أيضًا-. وقيل: إنها سميت بذلك باسم أول من نزلها، وهو خيبر أخو يثرب ابنا قانية بن مهلايل بن إِرم بن عبيد، وهو أخو عاد (١). وعمر ﵁ أصاب الأرض التي ذكرها لما فتحها النبيُّ ﷺ ، فاستحق سهمه، وكان فتوحها في أول السابعة على ما رجحناه في "المعارج شرح النونية". قال ابن عمر ﵁: (فأتى النبيَّ ﷺ يستأمِرُه) -أي: يطلب

стр. 2556

منه أمره -يعني: يستشيره (فيها) بأن يتصدق بها، أو يوقفها، (فقال) عمرُ ﵁: (يا رسول الله! إنِّي أصبت أرضًا بخيبر)، واسم تلك الأرض: ثَمْغ -بفتح الثاء المثلثة وسكون الميم، فغين معجمة-، وفي "القاموس": ثَمَغَ: خلطَ البياض بالسواد، ورأسَه بالحناء، وثَمْغ -بالفتح-: مال بالمدينة كان لعمر ﵁، انتهى (١). وفي "المطالع": ثَمْغ -بإسكان الميم-، وقيده المهلب -بفتحها-: موضع مال عمر ﵁ المحبس، انتهى (٢). (لم أصب مالًا قط أنفسَ)؛ أي: أجود وأعجب - (عندي منه). وفيه: دليل على ما كان أكابرُ السلف والصالحين عليه من إخراج أنفَسِ الأموال عندهم لله تعالى (٣). (فما تأمرني به؟) أي: بذلك المال النفيس الذي هو الأرض التي أصابها من خيبر، (قال) له النبيُّ ﷺ : (إن شئتَ حَبَّسْتَ أصلَها)؛ يعني: رقبة الأرض. (وتصدقتَ بها)؛ أي: بثمرتها، ويحتمل أن يكون راجعًا إلى الأصل المحبَّس، وهو ظاهر اللفظ. ويتعلق بذلك ما تكلم فيه الفقهاء من ألفاظ التحبيس التي منها الصدقة، ومن قالك منهم بأنه لا بد من لفظ يقترن به يدل على معنى الوقف (٤). قلت: صرح علماؤنا بأن صريح الوقف: وَقَفْت، وحَبَّسْت، وسَبَّلْت،

стр. 2557

ويكفي أحدُها، وكنايته: تصدَّقت، وحرَّمت، وأبَّدت، ولا يصح بالكناية إِلَّا أن ينويه، أو يقرن به أحد الألفاظ الخمسة، بأن يقول مثلًا: تصدقت صدقة موقوفة، أو محبسة، أو مسبلة، أو مؤبدة، أو يصفها بصفات الوقف، فيقول: لا تباع، ولا توهب، ولا تورث، أو يقول: تصدقت بأرضي على فلان، والنظر لي أيام حياتي، أو لفلان، ثم من بعده لفلان، وكذا لو قال: تصدقت به على فلان، ثم من بعده على ولده، أو على فلان، أو تصدقت به على قبيلة كذا، أو طائفة كذا. ولو قال: تصدقت بداري على فلان، ثمّ قال بعد ذلك: أردت الوقف، ولم يصدقه فلان، لم يقبل قول المتصدق في الحكم (١). وإنما قال له ﷺ : "إن شئت"، ليعلمه أنه مخير. وربما استدل بهذا الحديث: أن ظاهر الأمر للوجوب، وإلا لما احتاج إلى قوله: "إن شئت". (قال)؛ أي: ابن عمر ﵄: (فتصدَّقَ)؛ أي: (عمر) ﵁ (بها)؛ أي: بَغلَّتِها، (غير أنه)؛ أي: الشأن والأمر (لا يباع أصلُها) الذي هو رقبة الأرض، وهذا حكم شرعي ثابت للوقف من حيث هو وقف، ويحتمل من حيث اللفظ أن يكون ذلك إرشادًا إلى شرط هذا الأمر في هذا الوقف، فيكون ثبوته بالشرط لا بالشرع (٢). (ولا يورث) أصلها (ولا يوهب). (قال) ابن عمر ﵄: (فتصدق) بها؛ أي: بالأرض المذكورة- (عمرُ) بنُ الخطاب ﵁.

стр. 2558

(في الفقراء) وهم هنا: كل من لا يجد كفايته، فيعم المساكين. (وفي القربى)؛ أي: القرابة في الرحم، وأصل القربى: مصدر، تقول: بيني وبينه قرابة، وقرب، وقربى، ومَقْرَبة (١). (وفي الرقاب)؛ أي: في فك الرقاب، وهم: المكاتَبون يُدفع إليهم شيء من الوقف تُفك به رقابهم، وكذلك لهم نصيب في الزَّكاة (٢). (وفي سبيل الله)، وهو الجهاد عند الأكثرين، ومنهم من عدَّاه إلى الحج. (وابن السبيل)، وهو المسافر، والسبيل: هو الطريق، والقرينة تقتضي حاجته، فلو كان له مال في بلده لا يصل إليه، فهو ابن السبيل أيضًا. (والضيف)، وهو من نزل بقوم، والمراد: قِراه، والقرينة لا تقتضي تخصيصَه بالفقر. وكل هذه المصارف الّتي ذكرها عمر ﵁ مصارفُ خيرات، وهي جهة الأوقاف (٣). (لا جُناحَ)؛ أي: لا إثمَ. (على من وَلِيهَا)؛ أي: أكلُه وإطعامه لا يكون على وجه التموُّل، بل لا يجاوز المعتاد، يعني: إن أكل من ولى التحدث على تلك الأرض، فله (أن يأكل منها)؛ أي: من ريعها. (بالمعروف)؛ أي: بحسب ما يحمل ريع الوقف على الوجه المعتاد.

стр. 2559

(أو)؛ أي: ولا جناح على من وليها أن (يطعم صديقًا) له من ريعها. (غيرَ متمول) حالٌ من قوله: من وليها؛ أي: أكله وإطعامه لا يكون على وجه التمول (١). (فيه)؛ أي: ريع ربح تلك الأرض، بل يتقيد بالمعتاد. (وفي لفظ: غيرَ مُتأَثِّلٍ) -بضم الميم فمثناة فوقية فهمز فمثلثة مشددة فلام- بدل متمول؛ أي غيرَ متخذ من ذلك أصلَ مال، يقال: تأثَّلْتُ المالَ؛ أي: اتخذته أصلًا (٢). قال في "القاموس": تَأَثَّلَ: تَأَصَّلَ، وأَثَّلَ مالَه تأثيلًا: زكَّاه، وأثل الرَّجلُ: كَثُرَ ماله (٣). وقال في "المطالع": في حديث أبي قتادة في قصة الدرع يوم حنين: إنه لأولُ مالٍ تأثَّلته (٤)؛ أي: اتخذته أصلًا. وأَثْلة الشيء -بفتح الهمزة وسكون الثاء-: أصله. ومنه: غير متأثل مالًا، انتهى (٥). وفي بعض طرق البخاري، فقال النبي ﷺ : "تصدق بأصله، لا يباع ولا يوهب ولا يورث، ولكن ينفق ثمره"، فتصدق به عمر (٦). وفيه من حديث ابن عمر ﵄: أن عمر- ﵁

стр. 2560

تصدق بمال له على عهد رسول الله ﷺ ، وكان يقال له: ثَمْغ، وكان نخلًا، الحديث (١) في "الصحيحين". قال ابن عون: أنبأني من قرأ هذا الكتاب: أن فيه: "غير متأثل مالًا" (٢). تنبيهات: * الأول: هذا الحديث فيه دليل على صحة الوقف والحبس على جهة القربات، وهو مشهور متداول النقل بأرض الحجاز خلفًا عن سلف (٣). وقد اتفق الأئمة على جوازه، ثم اختلفوا: هل يلزم من غير حكم حاكم، أو يخرجه مخرج الوصايا؟. فقال الثلاثة: يصح بغير هذين الوصفين، ويلزم. وقال أبو حنيفة: لا يصح إلا بوجود أحدهما (٤). وقال علماؤنا: يصح الوقف بقول وفعل دال عليه، مثل أن يجعل أرضه مقبرة، ويأذن بالدفن فيها، ويبني بنيانًا على هيئة مسجد، ويأذن للناس في الصلاة فيه إذنًا عامًا (٥). * الثّاني: يشترط في الموقوف: أن يكون عينًا معلومة، يصح بيعها، ويمكن الانتفاع بها دائمًا، مع بقاء عينها عرفًا، عقارات كان، أو شجرًا، أو منقولًا، كالحيوان، والأثاث، والسلاح، والمصحف، وكتب العلم، ونحو ذلك.
следующие страницы →