← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

(قال) أبو أيوب (﵁: قال رسولُ الله ﷺ : إذا أَتيتم)، وفي رواية لهما، وللإمام أحمدَ وغيره: "إذا أتى أحدُكم" (١). (الغائطَ): أصله: المكانُ المطمئنُّ، كانوا ينتابونه للحاجة، فكنوا به عن نفس الحدث، كما يأتي في كلام الحافظ، وإنما فعلوا ذلك؛ كراهيةً لاسمه؛ لأن من عادة العرب التعفُّف في ألفاظها؛ واستعمالُ الكنايات في كلامها، وصونُ الألسنة بما تُصان الأسماعُ والأبصار عنه. وقال بعضهم: كني [به] عن العَذِرة؛ كراهةً لذكرها بخاصِّ اسمها، فصار حقيقةً عرفية غلبت على الحقيقة اللغوية. وقال ابن العربي: غلب هذا الاسم على الحاجة حتى صار فيها أعرفَ منه في مكانها، وهو أحد قسمي المجاز (٢). (فلا تستقبلوا) وفي الرواية الأخرى: "فلا يستقبل" (٣) (القبلةَ) اللام فيها للعهد؛ أي: الكعبة، و (لا) ناهيةٌ. (بغائطٍ) أراد به: الفضلةَ الخارجةَ من الدُّبر، فيكون استعمله في حقيقته، وهو المكان المقصود لقضاء الحاجة، ومجازه، وهو الفضلة الخارجة.

стр. 282

(ولا) تستقبلوا القبلة بـ (بولٍ) هو معروف، جمعه أبوال، والاسم: البِيْلَة -بالكسر- (١). (ولا تستدْبِروها)، أي: القبلة، وفي الرواية الأخرى: "ولا يُوَلِّها ظَهْرَهُ" (٢). قال في "شرح البخاري" لابن حجرٍ: والظاهر من قوله: "ببولٍ": اختصاص النهي بخروج الخارج من العورة، ويكون مثاره: إكرام القبلة من المواجهة بالنجاسة، ويؤيده قوله في حديث جابرٍ: "إذا أَهْرَقْنا الماءَ" (٣). وقيل: مثار النهي: كشف العورة؛ كالوطء مثلاً، ونقله ابن شاس المالكي قولاً في مذهبهم. وكأن قائله تمسكَ بروايةٍ في "الموطأ": "لا تستقبلوا القبلةَ بفروجِكم" (٤)، ولكنها محمولة على المعنى الأول عند الجمهور؛ أي: حال قضاء الحاجة؛ جمعاً بين الروايتين (٥). (ولكنْ شَرِّقوا)؛ أي: استقبلوا جهة المشرق، (أو غَرِّبوا)؛ أي: استقبلوا جهة المغرب.

стр. 283

قال الخطابي: هذا خطابٌ لأهل المدينة، ولمن كان قبلته على ذلك السمت، فأما من كانت قبلته إلى جهة المشرق والمغرب، فإنه لا يغرب ولا يشرق (١). تنبيه: أكثرُ الكتب الصحيحة المعتمدة بإثبات الألف قبل الواو في "أو غربوا"، وذكر العلقمي في "شرح الجامع الصغير" (٢) عن شيخه ولي الدين: أنه قال: ضبطناه في "سنن أبي داود": "وغربوا" بغير ألفٍ (٣). ونقل النووي في "شرح مسلم" عن بعض نسخ أبي داود: "أو غربوا" (٤)، والمعنى صحيحٌ على كل منهما. (قال أبو أيوبَ) ﵁: (فَقَدِمْنا الشامَ) بعد فتحِها، ومراده: ديرةَ الشام، لا خصوصَ دمشق، وسُميت الشام؛ لأن قوماً من بني كنعان تشاءموا إليها؛ أي: تياسروا، أو سمي بسام بن نوح؛ فإنه بالشين بالسريانية، أو لأن أرضها شامات، بيضٌ وحمرٌ وسودٌ، وعلى هذا لا يهمز، وقد يذكَّر (٥).

стр. 284

وحدودُها: ما بين الفرات والعريش شمالاً، وقبلةً، وما بين دومة الجندل والبحر مشرقاً، ومغرباً. (فوجَدْنا مراحيضَ قد بُنيت نحوَ)؛ أي: متوجهة إلى جهة (الكعبةِ، فـ) ـصرنا إذا دخلناها لقضاء حاجتنا فيها (ننحرف) في تلك المراحيض (عنها)؛ أي: عن جهة الكعبة المشرفة. (ونستغفرُ اللهَ ) من ذلك؛ أي: نطلب منه المغفرة؛ لاستقبالنا القبلةَ في حال البراز. وهذا يُشعر بالمنع من ذلك، ولو في البنيان. وهذا إحدى الروايتين عن الإمام أحمد ﵁ نص عليه في رواية الأثرم، وإبراهيمَ بنِ الحارث، فقال: البيوت والصحراء سواءٌ (١). وهو قول أبي أيوب الأنصاري ﵁ كما ذكرناه، وبه قال النخعي، وسفيان الثوري، وأبو حنيفة، واختاره أبو بكرٍ عبدُ العزيز، وشيخُ الإسلام ابنُ تيمية، وتلميذاه ابنُ القيم، وابن قاضي الجبل، وقدَّمه في "الرعايتين"، وجزم به في "الوجيز" (٢). وهذا مرجوح في المذهب، والمعتمد: التفصيل بين البنيان والصحارى، فيحرم في الصحاري دون البنيان. وهذا المذهب بلا ريبٍ؛ وفاقاً لمالكٍ، والشافعي، فلا يمتنع الاستقبال والاستدبار في البنيان.

стр. 285

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: هذا المنصور عند الأصحاب (١). قال في "الفروع": اختاره الأكثر (٢)، وجزم به في "الإيضاح"، و"تذكرة ابن عقيلٍ" (٣) و"الطريق الأقرب" (٤)، و"العمدة" للإمام الموفق، و"المنوَّر" (٥)، وقدمه في "الخلاصة" (٦)، و"المحرَّر" (٧). قال في "الشرح الكبير" للإمام شمس الدين بن أبي عمر: هذا هو الصحيح، لما روت عائشةُ ﵂: أن رسول الله ﷺ ذُكر له أن قوماً يكرهون استقبالَ القبلة بفروجِهم، قال رسول الله ﷺ : "أَوَ قد فعلوها؟! استقبلوا بمقعدتي القبلةَ" رواه أصحاب السنن (٨).

стр. 286

قال الإمام أحمد ﵁: أحسنُ ما روي في الرخصة: حديث عائشة هذا، وإن كان مرسلاً؛ لأن عراكَ بنَ مالك رواه عن عائشة. قال الإمام أحمد: ولم يسمع منها (١). وروى أبو داود، عن مروان الأصفر، قال: رأيت ابن عمر ﵄ أناخ راحلته مستقبلَ القبلة، ثم جلس يبول إليها، فقلت: أبا عبد الرحمن! أليس قد نُهي عن هذا؟ قال: بلى، إنما نُهي عن هذا في الفضاء، أما إذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك، فلا بأس (٢)، وفي هذا تفسير لنهي رسول الله ﷺ العامِّ، وفيه الجمعُ بين الأحاديث، فتحمل أحاديثُ النهي على الفضاء، وأحاديث الرخصة على البنيان، فيتعين المصير إليه، والله الموفق (٣). وقيل: يحرم الاستقبالُ دون الاستدبار. وقيل بعدم الحرمة مطلقاً، وهو مذهب عائشةَ، وعروةَ، وغيرِهما. والله أعلم. قال الحافظ المصنف ﵁: (الغائط: الموضعُ المطمئنُّ من الأرضِ)، وهو بخلاف الرابي العالي منها؛ (كانوا) في الزمن الأول (ينتابونه)؛ أي: يقصدونه (لـ) ـلقضاء (الحاجة) مرةً بعد أخرى (فكَنَّوْا به)؛

стр. 287

أي: الغائط (عن نَفْسِ)؛ أي: حقيقة (الحَدَث) الخارجِ من الدبر وذاته، وإنما فعلوا ذلك (كراهيةً) منهم (لذكرهِ بخاصِّ اسمه) (١)، كما قدمناه. والكناية والكنية من قولك: كنيت عن الأمر، وكنوت عنه: إذا وَرَّيْتَ عنه بغيره (٢). قال الحافظ: (والمراحيضُ): يقال: رَحَضْتُ الثوبَ رَحْضاً؛ من باب نفع: غسلته، فهو رحيض (جمعُ مِرْحاضٍ) -بكسر الميم -: موضع الرَّحْض (٣)، (وهو المُغْتَسَلُ)؛ أي: محل الاغتسال. قال: (وهو -أيضاً-) مصدر "آض": إذا رجع؛ كأنه رجع من تحويله عن أصل حقيقتة إلى كونه (كنايةٌ عن موضعِ التخلِّي) من أمكنة الأرض. قال في "القاموس": المِرْحاض: خشبةٌ يُضرب بها الثوبُ، والمُغْتَسَلُ، وقد يكنى بها عن مَطْرَحِ العَذِرَة (٤). وفي "المطالع": المراحيض: المذاهبُ، والخَلَوات، وأصلُه من الرَّحْض، وهو الغسل (٥). والله الموفق. * * *

стр. 288

الحديث الثالث عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵄، قالَ: رَقِيتُ يَوماً عَلَى بَيْتِ حَفْصَةَ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْضِي حاجَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ، مُسْتَدْبِرَ الكَعْبَةِ (١).

стр. 289

(عن عبدِ الله بنِ عمرَ بنِ الخَطَّاب ﵄): هو أبو عبدِ الرحمن القرشيُّ العَدَوِيُّ، وتقدم ذكرُ نسب والدهِ أميرِ المؤمنين ﵁، أسلمَ مع أبيه بمكة وهو صغير. وقيل: أسلم قبل أبيه، ولم يصح هذا القول. وهاجر قبل أبيه، ولم يشهد بدراً، واختُلِف في أُحد، والأصح أن أول مشاهده الخندق، وشَهِدَ ما بعده. وقيل: إنه أول من بايع بيعة الرضوان، والصحيح: سنان بن أبي سنان الأسدي. وكان عامَ الخندق ابنَ خمسَ عشرةَ سنة، وكان ﵁ من أهل العلم والورع والزهد، شديدَ التحري والاحتياط في فتواه. ولد ﵁ قبل الوحي بسنةٍ، ومات بمكة سنة ثلاثٍ وسبعين، بعد قتل ابن الزبير بثلاثة أشهر، وقيل: بستةٍ، ودفن بذي طوى في مقابر المهاجرين، وله أربع وثمانون سنةً، وقيل: ستٌّ وثمانون سنةً، ورجَّحه ابنُ الأثير، وعلى كل، ففيه إشكالٌ، فقد ثبتت الأخبار أنه ﷺ لم يُجِزْهُ يومَ أُحُد، وكان عمره أربعَ عشرةَ سنةً، وكانت أُحُد في الثالثة. وهذا لا يلتئم مع كونه ولد قبل الوحي بسنةٍ - على القول المعتمد - بأنه مكث ﷺ بمكة بعد الوحي ثلاث عشرةَ سنةً، وإنما يلتئم ذلك أن يكون ولد بعد البعثة بسنتين قبل إسلام أبيه بأربع سنين؛ فإنه ﵁ أسلم في السادسة - كما قدمنا -. روى عن عبد الله بن عمر ﵄: أولاده الأربعة: سالم، وحمزة، وعبد الله، وبلال، وخلائقُ من التابعين، ومن الصحابة ممن لا يحصى عددهم.

стр. 290

ومناقبه كثيرة، ومزاياه غزيرة، واعتزل الفتنة، فلم يقاتل في شيءٍ من الحروب التي جرت بين المسلمين، وهو أحد العبادلة الأربعة الذين هم: هو، وابن عباس، وابن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص. وغَلَّطوا مَنْ عدَّ ابنَ مسعودٍ ﵁ فيهم؛ لأنه لم يشتهر هذا الإطلاق عليهم إلا بعده، نص عليه الإمام أحمد ﵁. وأحدُ الفقهاء والمفتين، وأحدُ المكثرين. روي له عن رسول الله ﷺ ألفا حديثٍ، وست مئةٍ وثلاثون حديثاً، اتفقا على مئةٍ وسبعين. وقال الحافظ ابن الجوزي: مئةٍ وثلاثةٍ وستين. قاله البرماوي في شرح "الزهر البسام" (١). قلت: الذي ذكره الحافظ ابن الجوزي في "منتخب المنتخب": أن المتفق عليه منها مئة وثمانيةٌ وستون. وانفرد البخاري بأحد وثمانين، ومسلم بأحد وثلاثين (٢).

стр. 291

(قال) عبدُ الله بن عمر ﵄: (رَقِيتُ)؛ أي: صَعِدْتُ وعَلَوْتُ- (يوماً) من الأيام زمنَ رسول الله ﷺ (على بيتِ) أختي (حفصةَ) أمِّ المؤمنين بنتِ عمرَ بنِ الخطاب ﵂، كانت تحت خُنَيسٍ -بضم الخاء المعجمة وفتح النون ثم مثناه تحتية، فسينٍ مهملةٍ- بنِ حذافةَ، ممن شهد بدراً، فهاجرت معه إلى المدينة، توفي عنها بالمدينة بعد بدرٍ، فتزوجها رسول الله ﷺ في سنة ثلاثٍ، ثم طلقها رسول الله ﷺ واحدةً، ثم راجعها بأمر جبريل؛ وقال: "إنَّ اللهَ يأمُركَ أن تُراجعَ حفصةَ؛ فإنها صَوَّامةٌ قوامةٌ، وزوجَتُك في الجنة" (١). وفي لفظٍ: "إنها صؤوم وقؤوم، وإنها من نسائك في الجنة" (٢). ماتت ﵂ في شعبان سنة خمسٍ وأربعين في خلافة معاوية، ولها ستون سنةً. روي لها عن رسول الله ﷺ ستون حديثاً، اتفقا على ثلاثة، وقال الحافظ ابن الجوزي: أربعة، وانفرد مسلم بستةٍ (٣).

стр. 292

قال عبد الله بن عمر: (فرأيتُ النبيَّ) ﷺ بعد رُقيّي على بيتِ أختي حفصة (يَقْضي حاجتَهُ) من البول والغائط، أو أحدهما، حال كونه (مستقبلَ الشامِ، مستدبرَ الكعبةِ). وهذا تصريحٌ بالمفهوم؛ لأن كل من استقبل الشام في المدينة النبوية وما قاربها، يكون قد استدبر الكعبة قطعاً، يعني: جهة مكة؛ لأن المدينة بين مكة والشام. ولم يقصد ابن عمر الإشرافَ على النبيِّ ﷺ في تلك الحالة، وإنما صَعِدَ السطحَ لحاجةٍ له، كما في الرواية الأخرى: فحانت منه التفاتةٌ، كما رواه البيهقي من طريق نافعٍ، عن ابن عمر (١)، نعم لما اتفقت له رؤيته له في تلك الحالة عن غير قصدٍ، أحبَّ ألا يُخلي ذلك عن فائدة، فحفظ هذا الحكمَ الشرعيَّ، وكأنه إنما رآه من جهة ظهره حتى ساغ له تأمل الكيفية المذكورة من غير محذورٍ، ودلَّ ذلك على شدة حرص سيدنا ابن عمر على تتبُّعِ أحوال النبيِّ ﷺ ؛ ليتَّبعها كما هو المعروف من عادته وديدنه ﵁. وسبب إيراد ابن عمر ﵁ هذا الحديث: ما في "الصحيحين" عن واسع بن حَبَّانَ ﵁، قال: كنت أصلي في المسجد، وعبدُ الله بنُ عمر مسندٌ ظهره إلى القبلة، فلما قضيتُ صلاتي، انصرفت إليه بشقي، فقال: عبد الله! يقول أناس: إذا قعدْتَ للحاجة تكون

стр. 293

لك، فلا تقعدْ مستقبلَ القبلةِ ولا بيت المقدس. قال عبد الله: ولقد رقيتُ على ظهر بيتي، فرأيت رسول الله ﷺ قاعداً على لَبِنتين مستقبلَ بيت المقدس لحاجته (١). ولما كان ظاهر حديث أبي أيوب منعَ استقبال القبلة، ولو في البنيان، أورد الحافظ حديث ابن عمر هذا؛ ليخص عمومَ مفهومِ ذاك، فَحُمِلَ المنعُ على التخلي في الفضاء، والإباحةُ على البنيان. فإن قيل: أين البنيان هنا؟ قلت: جاء في رواية عند ابن خزيمة (٢)، قال: فأشرفْتُ على رسول الله ﷺ وهو في خلائه يقضي حاجته محجوباً عليه بلَبِن (٣). وللحكيم الترمذي بسندٍ صحيح: فرأيته في كنيفٍ (٤) -وهو بفتح الكاف وكسر النون، بعدها ياءٌ تحتية ففاء-: ما قدمناه، فانتفى زعمُ مَنْ زعمَ أن ابن عمر كان يرى الجواز مطلقاً، يدل له ما تقدم عنه من بوله إلى ناقته، فانتظم المقصود من الأخبار النبوية على تخصيص المنع بالفضاء، والإباحة بالبنيان -كما قدمنا-. فإن قلت: قد ذكرت أن ابن عمر في الحديث الذي أوردته عنه في "الصحيحين": قال: رقيت على ظهر بيتي. وفي روايةٍ: بيتٍ لنا، وفي

стр. 294

روايةٍ: ظهر بيتنا (١)، والحديث الذي ذكره المصنف ﵀ ورضي عنه - قال: رقيت يوماً على بيت حفصة، فظاهرهما التعدد أو الاختلاف؟! قلت: كلُّ هذه الألفاظِ صحيحةٌ مخرجةٌ في الصحاح وغيرها، ولا اختلافَ ولاتعدُّدَ؛ فإن حفصةَ بنتَ عمرَ شقيقةُ عبدِ الله بنِ عمرَ ﵃، فإما أن يكون أضافَ البيت إليه على سبيل المجاز؛ لكونها أخته، فله منه سبب، أو حيث أضافه إلى حفصة، فباعتبار أنه البيت الذي أسكنها النبيُّ ﷺ فيه، واستمرَّ بيتَها إلى أن ماتت، فورثه عنها، فأضافه إلى نفسه بحسب ما آل إليه الحال؛ لأنه ورِثَ حفصة دون إخوته؛ لكونه شقيقَها، ولم تتركْ من يحجُبه عن الاستيعاب. وهذا ظاهرٌ لاخفاءَ فيه، كما نبه عليه الحافظ ابنُ حجرٍ في "شرح البخاري" (٢)، وغيره، والله أعلم. فائدة: قيل: إن لواسعِ بنِ حَبَّانَ رؤيةً للنبيِّ ﷺ ، وأنه ذُكر بذلك في الصحابة، والمشهور: أنه تابعي، وأبوه حَبَّان -بفتح الحاء المهملة وبالموحدة-، ولحبان ولأبيه منقِذِ بنِ عمرٍو صحبةٌ، كما في "الفتح" (٣). * * *

стр. 295

الحديث الرابع عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ ﵁، قالَ: كانَ رَسُولُ الله ﷺ يَدْخُلُ الخَلاءَ، فَأَحْمِلُ أَنا وغُلامٌ نَحْوِي إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ، وعَنَزَةً، فَيَسْتَنْجِي بِالماءِ (١). العَنَزَةَ: الحَرْبَةُ. * * * (عن أنسِ بنِ مالكٍ) خادمِ رسول الله ﷺ النجاريِّ (﵁

стр. 296

قال) أنس ﵁: (كان رسول الله ﷺ يدخل الخلاء) لأجل قضاء الحاجة، (فأحمل أنا وغلام نحوي)؛ أي: مثلي. ولفظ البخاري: و"غلام منا" بدل "نحوي". وفي كلام الحافظ ابن حجر: أن البخاري دلَّ ظاهرُ صنيعه على أن الغلامَ المذكورَ في حديث أنسٍ، هو ابنُ مسعودٍ. قال: ولفظ الغلام يطلق على الصغير والكبير، وقد قال النبي ﷺ لابن مسعودٍ بمكة وهو يرعى الغنم: "إنك لَغُلامٌ مُعَلَّمٌ" (١). قال: وعلى هذا؛ فقول أنس: وغلامٌ منا؛ أي: من الصحابة، أو من خَدم النبي ﷺ . قال: وأما رواية الإسماعيلي التي فيها: "من الأنصار"، فلعلها من تصرف الراوي؛ حيث رأى في الرواية: "منَّا"، فحملها على القبيلة، فرواها بالمعنى، فقال: "من الأنصار". وإطلاقُ الأنصار على جميع الصحابة سائغٌ، وإن كان العرف خصَّه بالأوس والخزرج. لكنْ يبعده وصفُ أنس له بالصغر؛ كما في حديثه: "وتَبِعَهُ غلام، ومعه ميضأة، وهو أصغرنا" (٢). وهذا يبعد كونَه ابنَ مسعود.

стр. 297

وفي حديث جابرٍ عند مسلم: أن النبيَّ ﷺ انطلق لحاجته، فاتبعه جابرٌ بإداوة (١)، فيحتمل أن يفسر به المبهم، ولا سيما وهو أنصاري. ووقع في رواية الإسماعيلي من طريق عاصم بن علي، عن شعبة: فأتبعُه وأنا غلامٌ -بتقديم الواو- فتكون حاليةً. ولكن تعقبه الإسماعيلي: بأن الصحيح: أنا وغلامٌ، بواو العطف (٢)، ولا سيما مع قوله في رواية مسلم: نحوي. (إداوةٌ من ماء): "الإِداوة" -بالكسر-: المِطْهَرة، وجمعُها: أَداوي؛ كفتاوي، كما في "القاموس" (٣). وقال غيره: الإداوة -بكسر الهمزة-: إناءٌ صغيرٌ من جلدٍ يُتخذ فيه الماء كالسَّطيحة (٤). والمَطهْرَةَ -بكسر الميم وفتحها-: إناءٌ يُتطهر به (٥). (وعَنَزَةٌ، فيستنجي) ﷺ (بالماءِ). وهذا المقصود الأكبر من هذا الحديث؛ حيث صرح بالاستنجاء بالماء، وكأن المقصود الردُّ على ما يروى عن سعيد بن المسيب: أن الاستنجاء بالماء يختص بالنساء (٦). وعن غيره من السلف ما يُشعر بذلك -أيضاً-.

стр. 298

والسنَّة دلت على الاستنجاء بالماء في هذا الحديث وغيره، فهي أولى بالاتباع، ولعل سعيداً - رحمه الله تعالى - فهم من أحدٍ غُلُوّاً في هذا الباب، بحيث يمنع الاستجمار بالحجارة، فقصد في مقابلته أن يذكر هذا اللفظ لإزالة ذلك الغلو، فإنه لما سُئل عن الاستنجاء بالماء، قال: إنما ذلك وضوء النساء؛؛ مبالغةً بإيراده إياه على هذه الصيغة. وقد ذهب ابن حبيبٍ من أصحاب مالكٍ إلى أن الاستجمار بالحجارة إنما هو عند عدم الماء. وإذا ذهب إليه بعض الفقهاء، فلا يبعد أن يقع لغيرهم ممن في زمن سعيدٍ - رحمه الله تعالى -، قاله ابن دقيق العيد (١). قال الحافظ ﵁: (العَنَزَة) -بفتح النون-: عَصًا أقصرُ من الرمح، [وقيل]: هي (الحَرْبَة) الصغيرة (٢). وفي "القاموس": هي رُميحٌ بين العصا والرمح، فيه زُجٌّ (٣). ووقع في رواية كريمة من "صحيح البخاري": "العنزة": عصًا عليها زُجٌّ - بزاي مضمومة ثم جيمٍ مشددة-؛ أي: سِنان. وفي "الطبقات" لابن سعدٍ: أن النجاشي كان أهداها للنبي ﷺ (٤).

стр. 299

وهذا يؤيد كونها على صفة الحربة؛ لأنها من آلات الحبشة (١). وصرح ابن الأثير في "النهاية" بذلك، فقال: العنزةُ مثلُ نصف الرمح، أو أكبر شيئاً، وفيها سنانٌ مثل سنان الرمح، والعكازة قريبٌ منها، وقد تكرر ذكرها في الحديث، انتهى (٢). فإن قلت: أي مناسبةٍ لذكر العنزة في تعاطي التخلي؟ فالجواب: ما أشار إليه الحافظ ابن حجرٍ: أن المراد بـ (الخلاء) في هذا الحديث: الفضاءُ الواسع، يؤيده ما في بعض الروايات: كان إذا خرج لحاجته (٣)، ولقرينة حمل العنزة مع الماء؛ فإن الصلاة إلى العنزة إنما تكون حيث لاسترة غيرها، وأيضاً أخليةُ البيوتِ، وكأن خدمته ﷺ فيها متعلقة بأهله. قال الحافظ ابن حجرٍ: وفهم بعضهم من تبويب البخاري؛ أنها كانت تحمل ليستتر بها عند قضاء الحاجة، وفيه نظرٌ؛ لأن ضابط السترة في هذا ما يستر الأسافل، والسترة ليست كذلك. نعم، يحتمل أن يركزها أمامه، ويضع عليها الثوب، أو يركزها بجنبه لتكون إشارة إلى منع من يروم المرور بقربه، أو تحمل لِنَبْشِ الأرض الصلبة، أو منع ما يعرض من هوام الأرض؛ لكونه ﷺ كان يبعد عند قضاء الحاجة، أو كانت تحمل لأنه كان إذا استنجى، توضأ، وإذا توضأ، صلى. واستظهر هذا على غيره في "الفتح" (٤)، والله أعلم. * * *

стр. 300

الحديث الخامس عَنْ أبي قَتَادَةَ الحَارِثِ بْنِ رِبْعِيٍّ الأَنْصَارِيِّ ﵁: أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "لا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُولُ، وَلا يَتَمَسَّحْ مِنَ الخَلاءِ بِيَمِينِهِ، وَلايَتنفَّسْ في الإِنَاءِ" (١).

стр. 301

(عن أبي قتادةَ) هذه كنيتهُ -واسمه (الحارِثُ بنُ رِبْعي) - بكسر الراء وسكون الموحدة، وبالعين المهملة وتشديد المثناة تحت -، وهذا الأصح في اسم أبي قتادة واسم أبيه. وقيل: اسمُه: النعمانُ بنُ ربعي. وقيل: النعمانُ بنُ عمرٍ و، وربعيٌّ: ابنُ بَلْدَمَةَ -بفتح الباء الموحدة وسكون اللام وفتح الدال المهملة-، ويقال: بُلْدُمَة - بالضم فيهما -، ويقال: بإعجام الذال مضمومةً، (الأنصاريِّ) السَّلَمِيِّ -بفتح السين المهملة - نسبةً إلى أحد أجداده كعبِ بنِ سَلَمة ﵁، وكان يقال له: فارس رسول الله ﷺ . شهد أُحُداً وما بعدها، وفي شهوده بدراً خلافٌ، والصحيح: أنه مات بالمدينة سنة أربعٍ وخمسين. وقيل: مات في خلافة علي بالكوفة سنة ثمانٍ وثلاثين، وكان شهد معه صِفِّينَ وغيرَها، ولما مات، صلَّى عليه عليٌّ، وكَبَّرَ عليه سبعاً، وعمرُه يومَ مات سبعون سنةً، وهو ممن غلبت عليه الكنية. روي له عن رسول الله ﷺ مئةُ حديثٍ وسبعون حديثاً، اتفقا على أحد عشر، وانفرد البخاري بحديثٍ، ومسلمٌ بثمانية (١).

стр. 302

فمن المتفق عليه: مارواه (﵁: أَنَّ رسولَ الله ﷺ قال: لا يُمْسِكَنَّ)؛ "لا" ناهية، و"يمسكن": فعلٌ مضارعٌ مبنيٌّ على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، و (أحدكم) فاعل، و (ذَكَرَهُ) مفعولٌ، و (بيمينِهِ) متعلقٌ بيمسك، وجملة (وهو يبولُ) من المبتدأ والخبر جملةٌ حاليةٌ؛ أي: في حال بوله، فيقتضي النهي عن مس الذكر باليمين في حال البول، فيكون ما عداه مباحاً. وقال بعض العلماء: بل يكون ممنوعاً -أيضاً- من باب الأولى؛ لأنه إذا نُهي عن ذلك مع مَظِنَّة الحاجة في تلك الحال، ففي سواها أولى. وتعقبه ابن أبي جمرة بأن مظنة الحاجة لا تختص بحال الاستنجاء، وإنما خص النهي بحال البول من جهة أن مجاور الشيء يُعطى حكمه، فلما مُنع الاستنجاء باليمين، مُنع مسُّ آلته حسماً للمادة، انتهى (١). وقد جاء في رواية: النهيُ عن مس الذكر باليمين مطلقاً من غير تقييد بحال البول (٢). قال في "الفروع": نقل صالح -يعني: عن أبيه الإمام أحمد ﵁: أكره أن يمسَّ فرجَه بيمينه، فظاهره: مطلقاً، وذكره صاحب "المحرر" -يعني: المجد (٣) -، وهو ظاهر كلام الشيخ -يعني: الموفق (٤).

стр. 303

قال في "الفروع": وحمله أبو البركات ابنُ مُنجَّى على وقت الحاجة؛ لسياقه فيها، وترجم الخَلاَّل روايةَ صالح كذلك، انتهى (١). واستدل ابنُ أبي جمرةَ على إباحة مسِّ الذكر باليمين في غير حال البول، بقوله ﷺ لطلقِ بنَ عليٍّ حين سأله عن مس ذكره: "إنما هو بَضْعَةٌ منكَ" (٢)، فدل على الجواز في كل حالٍ، فخرجت حالة البول بهذا الحديث الصحيح، وبقي ما عداها على الإباحة، انتهى. والحديث الذي أشار إليه صحيحٌ أو حسنٌ. وقد يقال: حملُ المطلَق على المقيد غيرُ متفقٍ عليه بين العلماء، ومن قال به اشترط فيه شروطاً (٣). لكن نبه ابنُ دقيق العيد على أن محلَّ الاختلاف إنما هو حيث تتغاير مخارجُ الحديث بحيث يعد حديثين مختلفين، فأما إذا اتحد المخرج، فكأن الاختلاف فيه من بعض الرواة، فيبقى حملُ المطلق على المقيد بلا خلافٍ؛ لأن القيد حينئذٍ يكون زيادةً من عدلٍ، فتقبل (٤). (ولا يتمسح من) إتيانِ (الخلاء بيمينه) من بولٍ ولاغائطٍ، في قُبل ولا دبرٍ. قال البهاء البغدادي في "شرح الوجيز": فإن كان من غائطٍ، أخذ الحجر

стр. 304

بشماله، فمسح به، وإن كان من بولٍ، وكان الحجر كبيراً، أخذ ذكره بشماله، فمسح به. وقال صاحب "المحرر": يتوخى الاستنجاء بجدارٍ، أو موضع ناتىء من الأرض، أو حجرٍ ضخم لا يحتاج إلى إمساكه، فإن اضطر إلى الحجارة الصغار، جعل الحجر بين عقبيه، أو بين أصابعه، وتناول ذكرَه بشماله، فمسحه بها، فإن لم يمكنه، أمسك الحجر بيمينه، ومسح بشماله؛ لأنه موضع حاجة، فأشبه الاستعانة بها في الاستنجاء بالماء. وقيل: يمسك ذكره بيمينه، ويمسح بشماله؛ ليكون المسح بغير اليمين (١). والأول أولى؛ لقوله ﷺ : "لا يمسَّ أحدُكم ذكرَه بيمينه"، فإذا أمسك الحجر باليمنى، ومسح الذكر عليه باليسرى، لم يكن ماسحاً ولا ممسكاً للذكر، وعلى كل يحرك اليسرى، وتكون اليمنى قارَّةً؛ لأن الاستجمار بالمتحركة (٢). تنبيهات: الأول: النهي في الحديث عن مس الذكر باليمنى وعن التمسح بها للكراهة. قال في "الفروع": ويكره بيمينه؛ وفاقاً للشافعي، وقيل بتحريمه، وإجزائه في الأصح، انتهى (٣).

стр. 305

قال في "الإنصاف": الكراهةُ المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحاب، وجزم به في "المستوعب" (١)، و"النظم"، و"الوجيز"، و"الحاوي الكبير"، و- "تذكرة ابن عبدوس"، وغيرهم. قال: وجزم في "التلخيص" (٢) للفخر بن تيمية بالتحريم، وعلى كلا القولين يجزيه الاستجمار، انتهى (٣). قال في "شرح البخاري": القرينة الصارفة للنهي من التحريم: أنه أدبٌ من الآداب. قال: وبكونه للتنزيه قال به الجمهور. وذهب أهل الظاهر إلى أنه للتحريم. قال: وفي كلام جماعةٍ من الشافعية ما يُشعر به، لكن قال النووي: مرادُ من قال منهم: لا يجوز الاستنجاء باليمين؛ أي: لا يكون مُباحاً يستوي طرفاه، بل هو مكروهٌ راجحُ الترك (٤). قال: ومع القول بالتحريم، فمن فعل، أساءَ، وأجزأه. قال: وقال أهل الظاهر وبعض الحنابلة: لا يجزىء.

стр. 306

قال: ومحل هذا الاختلاف حيث كانت اليد تباشر ذلك بآلة غيرها، كالماء وغيره، أما بغير آلةٍ، فحرامٌ غير مجزىءٍ، بلا خلافٍ، واليسرى في ذلك كاليمنى، انتهى (١). قلت: كأنه أخذ ما نقله من فحوى كلام بعضهم، ومفهومِه، وإلا، فلا أعلم قائلاً به في المذهب، وعبارة "الإنصاف" إن قلنا بالكراهة، أجزأه الاستنجاء والاستجمار، وإن قلنا بالتحريم، أجزأه -أيضاً- على الصحيح من المذهب. وقيل: لا يجزىء. قال في "مجمع البحرين": قياس قولهم في الوضوء في الفضة أنه لا يجزئه هنا. وقيل: يجزىء الاستنجاءُ دونَ الاستجمار. وجزم ابنُ تميمٍ بصحة الاستنجاء، وأطلقَ على الوجهين في الاستجمار، فنقل الخلاف في الجملة، ولم يبين قائله، والله أعلم (٢). الثاني: قوله: "ولا يتمسَّحْ" بالجزم بلا الناهية. وقال الحافظ ابن حجر: وروي بالضم فيها، وفي "يتنفس"، على أن "لا" نافية (٣). الثالث: التنصيص على الذَّكَر لا مفهوم له، بل مثلُه الدُّبر وفرجُ المرأة، وإنما خص الذَّكَرَ بالذِّكْرِ؛ لكون الرجال في الغالب هم المخاطبون، والنساءُ شقائق الرجال في أحكام التكليف، إلا ما خص الرجال. الرابع: استنبط بعض العلماء من الحديث: منعَ الاستنجاء باليد التي فيها الخاتم المنقوش فيه اسم الله - تعالى -؛ لكون النهي عن ذلك لتشريف اليمين، فيكون ذلك من بابٍ أولى.

стр. 307

وما وقع في "الغنية" عن مالك من عدم الكراهة، قد أنكره حذاقُ أصحابه. وقيل: الحكمة في النهي؛ لكون اليمين معدةً للأكل بها، فلو تعاطى ذلك بها، لأمكن أن يتذكره عند الأكل، فيتأذى بذلك (١). (ولا يتنفس في الإناء)؛ أي: الوعاء. وهذه جملةٌ جزئيةٌ مستقلةٌ إن كانت "لا" نافية، وإن كانت "لا" ناهية، فمعطوفةٌ، لكن لا يلزم من كون المعطوف عليه مقيداً بقيدٍ أن يكون المعطوف مقيداً به؛ لأن التنفس لا يتعلق بحالة البول، وإنما هو حكمٌ مستقل، ويحتمل أن تكون الحكمة في ذكره هنا: أن الغالب من أخلاق المؤمنين التأسي بأفعال النبي ﷺ ، وقد كان إذا بال يتوضأ، وثبتَ أنه شرب فضل وضوئه، فالمؤمن بصدد أن يفعل ذلك، فعلمه أدب الشرب مطلقاً لاستحضاره (٢). والنهي عن التنفس في الإناء مختصٌّ بحالة الشرب كما دل عليه سياق الرواية؛ ففي "الصحيحين" عن أبي قتادة: نهى رسولُ الله ﷺ أن يتنفس في الإناء (٣). وفي حديث أنس عندهما: "أن رسول الله ﷺ كان يتنفس في الإناء ثلاثاً" (٤).

стр. 308

فظاهر هذه الأحاديث: المدافعة، وليس كذلك، وإنما المقصود في أحاديث النهي: أَلاَّ يتنفس داخل الإناء، إذ قد يخرج مع النفس بصاقٌ أو مخاطٌ، أو بخار رديء، فيكسبه رائحة كريهة، فيستقذر منه هو أو غيره، فيترك شربه. وعند الحاكم، من حديث أبي هريرة: "لا يتنفسْ أحدُكم في الإناء إذا كانَ يشربُ منه" (١). والمقصود في أحاديث الأمر: أن يشربَ، ثم يُبِينَ الإناءَ عن فيه، فيتنفسَ خارجَ الإناء ثلاثاً. ففي حديث لأنسٍ عند مسلمٍ وأصحاب السنن: كان رسول الله ﷺ يتنفَّس في الشر اب ثلاثاً، ويقول: "إنه أَرْوى، وأَمْرَأ، وأَبْرَأُ"-، وفي رواية أبي داود: "أهنأُ" بدل "أروى" -. قال أنس: وأنا أتنفس في الشراب ثلاثاً (٢). قال الحافظ ابن حجرٍ في "شرح البخاري": تقديره: كان يتنفس في حالة الشرب من الإناء. وقال الإسماعيلي: المعنى: أنه كان يتنفس على الشراب، لا فيه داخلَ الإناء.

стр. 309

قال: وإن لم يحمل على هذا، صار الحديثان مختلفين، وكان أحدهما منسوخاً لا محالة، والأصلُ عدم النسخ، والجمعُ مهما أمكن أولى. وفي حديث أبي هريرة عند ابن ماجه مرفوعاً: "إذا شربَ أحدُكم، فلا يتنفَّسْ في الإناء، فإن أراد أن يعودَ، فلينحِّ الإناَء، ثم ليعدْ إن كان يريدُ" (١). قال الأثرم: اختلاف الرواية في هذا دال على الجواز، وعلى اختيار الثلاث. والمراد بالنهي عن التنفس في الإناء: أَلَّا يجعل نَفَسَه داخل الإناء، وليس المراد أَلَّا يتنفس خارجه طلباً للراحة، انتهى ملخصاً (٢). تتمة: كما أنَّ التنفس في الشراب مكروهٌ، كذلك النفخُ، فإنه مكروهٌ. وفي حديث أبي قتادة: النهي عن النفخ في الإناء. وله شاهدٌ من حديث ابن عباسٍ عند أبي داود، والترمذي: "أن النبيَّ ﷺ نهى أن يتنفَّسَ في الإناء، وأن ينفخَ فيه" (٣). وجاء في النهي عن النفخ في الإناء عدةُ أحاديث؛ لأن العلة التي لأجلها كره التنفس في الإناء -من مَظِنَّةِ تغيير المشروب بالنفس-، موجودة في النفخ بالأولى، فإن النفخ أشد من التنفس. قال المهلب: النهي عن التنفس في الشراب، والنهي عن النفخ في الطعام والشراب؛ من أجل أنه قد يقع فيه شيءٌ من الريق، فيعافه الشارب،

стр. 310

ويستقذزه؛ إذ كان التقذرُ في مثل ذلك عادةً غالبةً على طباع أكثر الناس. قال: ومحل هذا: إذا أكل أو شرب مع غيره، أما لو أكل وحده، أو مع أهله، أو مع من يعلم أنه لا يقذر شيئاً مما يتناوله، فلا بأس. واعترضه الحافظ ابن حجرٍ: بأن الأولى: تعميمُ المنع؛ لأنه لا يؤمَنُ مع ذلك أن يفضل فضلة، أو يحصل التقذر من الإناء، أو نحو ذلك. وقال ابن العربي: قال علماؤنا: هو من مكارم الأخلاق، ولكن يحرم على الرجل أن يناول أخاه ما يقذره، فإن فعَلَهُ في خاصَّةِ نفسه، فجاء غيرُه فناوله إياه، فليُعْلِمْه، فإن لم يُعلمه، فهو غش، والغش حرامٌ. كذا قال (١). تنبيه: أومأ بعضُ العلماء أن التنفس في الإناء من خصائصه ﷺ . ويردُّه ما ذكرناه من قول أنسٍ ﵁، ولأنَّ محملَه على ما ذكرنا، لا ما توهمه من ظن المعارضة، وقد أخرج الطبراني في "الأوسط " بسندٍ حسنٍ عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ كان يشرب في ثلاثة أنفاسٍ، إذا أدنى الإناء إلى فيه، سمى الله، فإذا أخره، حَمِدَ الله، يفعل ذلك ثلاثاً (٢). وأصله في ابن ماجه (٣)، وله شاهدٌ من حديث ابن مسعودٍ عند البزار، والطبراني (٤).

стр. 311

وأخرج الترمذي في حديث ابن عباسٍ ﵄: "وسَمُّوا إذا أنتم شربتم، واحْمَدُوا (١) إذا أنتم رفعتُم" (٢). قال الحافظ ابنُ حجرٍ: وهذا يحتمل أن يكون شاهداً لحديث أبي هريرة المذكور، ويحتمل أن يكون المراد به في الابتداء والانتهاء فقط، والله أعلم (٣). * * *

стр. 312

الحديث السادس عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بقَبْرَيْنِ، فقالَ: "إِنَّهُما لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذبَانِ في كبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُما، فَكَانَ لاَ يَسْتَنْزِهُ مِنَ البَوْلِ، وأَمَّا الآخَرُ، فَكَانَ يَمْشِي بالنَّميمَةِ"، فأخذَ جَريدَةً رَطْبَةَ، فَشَقَّها نِصْفَين، فَغَرَزَ في كُلِّ قبرٍ واحِدَةً، فَقالوا: يا رسولَ الله! لِمَ فعلتَ هذا؟ قالَ: "لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُما مَالَمْ يَيْبَسَا" (١).

стр. 313

(عن عبد الله بن عباسٍ ﵄): عبدُ الله بنُ عباسِ بنِ عبد المطلبِ ابنُ عمِّ رسول الله ﷺ ، حبرُ هذه الأمة، يكنى: أبا العباس، وأمه لُبَابة -بضم اللام وتخفيف الموحدة - بنتُ الحارث، أختُ ميمونة زوجِ النبيِّ ﷺ ، ولد في الشِّعْب، وبنو هاشمٍ محصورون قبلَ الهجرة بثلاث سنين، وتوفي النبيُّ ﷺ وله ثلاثَ عشرةَ سنةً. ورجَّح الإمام أحمدُ أن عمره كان خمسَ عشرةَ سنةً، واستشكل بأن إقامته ﷺ بالمدينة عشر سنين. قلت: يمكن بجبر الكسرين، والله أعلم. دعا له ﷺ بالحكمة والفقه والتأويل، وحنَّكه ﵊ بريقه حين ولد، فمن أجل هذا كان يسمى: البحر؛ لِسَعَةِ علمه ﵁، ورأى جبريلَ مرتين. قال مسروقٌ: كنتُ إذا رأيت ابن عباس، قلت: أجملُ الناس، فإذا تكلم، قلتُ: أفصحُ الناس (١). وكان سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ يقرِّبه، ويُدنيه، ويشاوره مع جلَة الصحابة.

стр. 314

وهو أحد المُكثرين؛ فإنه روي له عن النبي ﷺ ألف حديثٍ، وست مئة وستون حديثاً، اتفقا على خمسة وسبعين، وانفرد البخاري بمئةٍ وعشرة، ومسلم بتسعةٍ وأربعين، وهو أحد المفتين، والأئمةِ المتبوعين؛ فإنه كان له أتباعٌ يقولون بمذهبه ﵁. مناقبه أكثرُ من أن تذكر، وأشهر من أن تشهر، وأزيد من أن تحصر. توفي- رضوان الله عليه - بالطائف سنة ثمانٍ وستين في أيام ابن الزبير ﵃، وهو ابن إحدى وسبعين سنةً، وكُفَّ [بصره] في آخر عمره، وهو القائل ﵁: [من البسيط] إِنْ يَأْخُذِ اللهُ مِنْ عَيْنَيَّ نُورَهُمَا ... فَفِي لِسَانِي وَقَلْبي مِنْهُمَا نُورُ قَلْبِي ذَكِيٌّ وعَقْلِي غَيْرُ ذِي دَخَلٍ ... وَفِي فَمِي صَارمٌ كَالَسَّيْفِ مَشْهُورُ (١) (قال) ابنُ عباسٍ ﵄: (مَرَّ النبيُّ ﷺ بقَبْرَين)، وفي روايةٍ: "على قبرين" (٢)، (فقال) ﵊: (إنهما)، وفي

стр. 315

لفظٍ: "أما إنهما" (١) يعني: صاحبي القبرين (لَيعذَّبان). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (٢). لا يعلمون سواء نَمَّها أولم ينمَّها. وفي "الصحيحين": "لا يدخلُ الجنةَ نَمَّامٌ" (٣)، وفي رواية: "قتَّاتٌ" (٤). قال الحافظ المنذري: النمامُ والقَتَّاتُ بمعنى واحد، وقيل: النمامُ: الذي يكون مع جماعةٍ يتحدثون حديثاً، فينمُّ عليهم، والقَتَّاتُ: الذي يتسمَّع عليهم وهم لا يعلمون، ثم ينمُّ، انتهى (٥). وفي "النهاية": "لا يدخلُ الجنةَ قتَّاتٌ": هو النمام، يقال: قَتَّ بالحديثِ، يقُتُّه: إذا زَوَّرَهُ، وهَيَّأه، وسَوَّاه. قال: والقَشَّاش: الذي يسأل عن الأخبار، ثم ينمُّها (٦). (فأخذَ) النبيُّ ﷺ (جريدةً) هي سَعَفُ النخل وأغصانُه التي يخرج فيها خوصها (رَطْبَةً) غير جافة.

стр. 316

قال في "القاموس": الرطبُ: ضدُّ اليابس، ومن الغصن والريش وغيره: الناعمُ، انتهى (١). وفي لفظٍ من حديث ابن عباس ﵄ في "الصحيحين": "فدعا بِعَسيبٍ رَطْبٍ" (٢). العسيبُ: الجريدةُ من النخل، وهي السَّعفةُ مما لا ينبت عليه الخوص، كذا في "النهاية" (٣). والمراد به هنا: مجرد الجريدة. قال في "القاموس": العَسيبُ: جريدةٌ من النخل مستقيمةٌ يُكْشَط خوصُها، والذي لم ينبت عليه الخوص من السعف، انتهى (٤). قلت: فالعسيبُ يطلق على الشيئين معاً، والمراد هنا: الجريدة وخوصُها عليها لم يُكشط. (فشقَّها)؛ أي: شقَّ النبيُّ ﷺ تلك الجريدةَ الرطبةَ (نصفين). وفي لفظٍ: "فدعا بعسيبٍ رَطْبٍ، فشقَّه باثنينِ" (٥)؛ يعني: جعله شقين متساويين، والنصفان تثنية نصف، وفيه أربع لغات، نِصف -بكسر النون وفتحها وضمها -، ونَصيف -بفتح النون وزيادة الياء (٦)، ومنه حديث: "لو أنفقَ أحدُكم مثلَ أُحُدٍ ذهباً، ما أدَركَ مُدَّ [أحدِ] هِمْ ولا نَصيفَهُ" (٧).

стр. 317

(فغرزَ) ﷺ ، وفي لفظٍ: "غرسَ" (١) (في كل قبرٍ) من القبرين (واحدةً) من القطعتين، وفي لفظٍ: "ثم غرسَ على هذا واحداً، وعلى هذا واحداً" (٢). (فقالوا: يا رسول الله! لم فعلت هذا؟) فيه: أنهم كانوا يبحثون عن العلة والسبب، ولم يكتفوا بمجرد المعاينة. (قال) ﷺ مجيباً لهم عن سؤالهم عن العلة والسبب الحامل له على فعله الذي فعله: (لعلَّه)؛ أي: هذا الذي فعلتُه (يُخَفَّفُ) -بضم أوله مبنياً للفاعل، ويحتمل بناؤه للمفعول، ويكون الضمير ضمير الشأن- (عنهما)؛ أي: صاحبي القبرين من عذابهما، (ما لم يَيْبَسا) أي: الجريدتان. وفي حديث أبي أمامة ﵁ عند الإمام أحمد: "ليخففن عنهما" (٣). ومن حديث أبي هريرةَ ﵁ في "صحيح ابنِ حِبَّان": فدعا بجريدتين من جرائدِ النخل، فجعلَ في كلِّ قبرٍ واحدة، قلنا: وهل ينفعهم ذلك؟ قال: "نعم، يُخَفَّفُ عنهما ما دامتا رَطْبتين" (٤). قال الخطابي: هذا عند أهل العلم محمولٌ على أن الأشياء ما دامت

стр. 318

على أصل خلقتها أو خضرتها وطراوتها، فإنها تسبح الله حتى تجفَّ رطوبتها، أو تحول خضرتها، أو تُقْطَعَ من أصلها. قال: فإذا خُفف عن الميت بوضعه ﷺ الجريدةَ على قبره؛ لكونها تسبح الله، فبطريق الأولى والأحرى أن تُخَفِّفَ القُرَبُ، على اختلاف أسبابها، وإنَّ أعظمَ القُرَبِ كلامُ ربِّ العالمين الذي نزلَ به الروحُ الأمين على قلب أشرف المرسلين (١). وقد أوصى بريدة ﵁ أن يُجْعَلَ جريدة على قبره، ذكره البخاري (٢). وقد استحبَّ ذلك جماعة من العلماء من أصحابنا وغيرهم، وأنكره آخرون. وقال الإمام النووي في "شرح مسلم": ذُكر أن العلماء استحبوا القراءة؛ لخبر الجريدة؛ لأنه إذا رُجي التخفيفُ لتسبيحها، فالقراءة أولى، انتهى (٣).

стр. 319

تنبيهات: الأول: قال قتادة: عذابُ القبر ثلاثةُ أثلاثٍ: ثلثٌ من الغيبة، وثلثٌ من النميمة، وثلثٌ من البول، رواه الخلال (١). وقد ذكر بعضهم السرَّ والمناسبةَ في تخصيص الغيبة والنميمة والبول بعذاب القبر: وهو أن القبر أولُ منازل الآخرة، وفيه أنموذجُ ما يقع في يوم القيامة من العقاب والثواب، والمعاصي التي يعاقَبُ عليها يوم القيامة نوعان: حقٌّ لله، وحقٌّ لعباده، وأول ما يقضى فيه يوم القيامة من حقوق الله الصلاةُ، ومن حقوق العباد الدماءُ، والبرزخُ مقدمة عذاب الآخرة، فيقضى فيه في مقدمات هذين الحقين ووسائلهما؛ فمقدمة الصلاة: الطهارة من الحدث والخبث، ومقدمة الدماء: النميمة والوقيعة في الأعراض بالغيبة، وهي من أيسر أنواع الأذى، فيبدأ في البرزخ بالمحاسبة والعقاب عليهما، فيبدأ بالأخف فا لأخف، ويؤخر الأثقل إلى الأثقل. نبه على هذا الحافظ ابن رجب، وتلميذُه البقاعي، والحافظُ ابنُ حجرٍ في "شرح البخاري" (٢)، والحافظُ السيوطي في "البدور السافرة" (٣)، وغيرُهم. الثاني: قال الإمام ابن القيم في كتابه "الروح": قد أخبر رسولُ الله ﷺ عن الرجلين اللذين رآهما يعذبان في قبورهما يمشي أحدهما بالنميمة بين الناس، ويترك الآخرُ الاستبراءَ من البول.

стр. 320

فهذا تركَ الطهارة الواجبة، وذلك ارتكبَ السببَ الموقع للعداوة بين الناس بلسانه، وإن كان صادقاً. وفي هذا تنبيهٌ على أن الموقع بينهم العداوةَ بالكذب والزور والبهتان أعظمُ عذاباً، كما أن في ترك الاستبواء من البول تنبيهاً على أن من ترك الصلاةَ التي الاستبواءُ من البول بعضُ واجباتها وشروطها، فهو أشد عذاباً، انتهى (١). الثالث: قال الإمام ابن القيم في كتاب "الروح ": اختلف الناس في هذين -يعني: صاحبي القبرين اللذين يعذبان-: هل كانا كافرين، أو مؤمنين؟! فقيل: كانا كافرين، وقوله: "وما يعذبان في كبيرٍ"، يعني: بالإضافة إلى الكفر والشرك. قالوا: ويدل عليه أن العذاب لم يرتفع عنهما، وإنما خفف، وأيضاً: فإنه خفف مدةَ رطوبة الجريدة فقط. وأيضاً: فإنهما لو كانا مؤمنين، لشفع النبي ﷺ فيهما، ودعا لهما، فرفع عنهما العذاب بشفاعته. وأيضاً: ففي بعض طرق الحديث: أنهما كانا كافرين (٢)، وهذا
следующие страницы →