← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

منه أمره -يعني: يستشيره (فيها) بأن يتصدق بها، أو يوقفها، (فقال) عمرُ ﵁: (يا رسول الله! إنِّي أصبت أرضًا بخيبر)، واسم تلك الأرض: ثَمْغ -بفتح الثاء المثلثة وسكون الميم، فغين معجمة-، وفي "القاموس": ثَمَغَ: خلطَ البياض بالسواد، ورأسَه بالحناء، وثَمْغ -بالفتح-: مال بالمدينة كان لعمر ﵁، انتهى (١). وفي "المطالع": ثَمْغ -بإسكان الميم-، وقيده المهلب -بفتحها-: موضع مال عمر ﵁ المحبس، انتهى (٢). (لم أصب مالًا قط أنفسَ)؛ أي: أجود وأعجب - (عندي منه). وفيه: دليل على ما كان أكابرُ السلف والصالحين عليه من إخراج أنفَسِ الأموال عندهم لله تعالى (٣). (فما تأمرني به؟) أي: بذلك المال النفيس الذي هو الأرض التي أصابها من خيبر، (قال) له النبيُّ ﷺ : (إن شئتَ حَبَّسْتَ أصلَها)؛ يعني: رقبة الأرض. (وتصدقتَ بها)؛ أي: بثمرتها، ويحتمل أن يكون راجعًا إلى الأصل المحبَّس، وهو ظاهر اللفظ. ويتعلق بذلك ما تكلم فيه الفقهاء من ألفاظ التحبيس التي منها الصدقة، ومن قالك منهم بأنه لا بد من لفظ يقترن به يدل على معنى الوقف (٤). قلت: صرح علماؤنا بأن صريح الوقف: وَقَفْت، وحَبَّسْت، وسَبَّلْت،

стр. 2557

ويكفي أحدُها، وكنايته: تصدَّقت، وحرَّمت، وأبَّدت، ولا يصح بالكناية إِلَّا أن ينويه، أو يقرن به أحد الألفاظ الخمسة، بأن يقول مثلًا: تصدقت صدقة موقوفة، أو محبسة، أو مسبلة، أو مؤبدة، أو يصفها بصفات الوقف، فيقول: لا تباع، ولا توهب، ولا تورث، أو يقول: تصدقت بأرضي على فلان، والنظر لي أيام حياتي، أو لفلان، ثم من بعده لفلان، وكذا لو قال: تصدقت به على فلان، ثم من بعده على ولده، أو على فلان، أو تصدقت به على قبيلة كذا، أو طائفة كذا. ولو قال: تصدقت بداري على فلان، ثمّ قال بعد ذلك: أردت الوقف، ولم يصدقه فلان، لم يقبل قول المتصدق في الحكم (١). وإنما قال له ﷺ : "إن شئت"، ليعلمه أنه مخير. وربما استدل بهذا الحديث: أن ظاهر الأمر للوجوب، وإلا لما احتاج إلى قوله: "إن شئت". (قال)؛ أي: ابن عمر ﵄: (فتصدَّقَ)؛ أي: (عمر) ﵁ (بها)؛ أي: بَغلَّتِها، (غير أنه)؛ أي: الشأن والأمر (لا يباع أصلُها) الذي هو رقبة الأرض، وهذا حكم شرعي ثابت للوقف من حيث هو وقف، ويحتمل من حيث اللفظ أن يكون ذلك إرشادًا إلى شرط هذا الأمر في هذا الوقف، فيكون ثبوته بالشرط لا بالشرع (٢). (ولا يورث) أصلها (ولا يوهب). (قال) ابن عمر ﵄: (فتصدق) بها؛ أي: بالأرض المذكورة- (عمرُ) بنُ الخطاب ﵁.

стр. 2558

(في الفقراء) وهم هنا: كل من لا يجد كفايته، فيعم المساكين. (وفي القربى)؛ أي: القرابة في الرحم، وأصل القربى: مصدر، تقول: بيني وبينه قرابة، وقرب، وقربى، ومَقْرَبة (١). (وفي الرقاب)؛ أي: في فك الرقاب، وهم: المكاتَبون يُدفع إليهم شيء من الوقف تُفك به رقابهم، وكذلك لهم نصيب في الزَّكاة (٢). (وفي سبيل الله)، وهو الجهاد عند الأكثرين، ومنهم من عدَّاه إلى الحج. (وابن السبيل)، وهو المسافر، والسبيل: هو الطريق، والقرينة تقتضي حاجته، فلو كان له مال في بلده لا يصل إليه، فهو ابن السبيل أيضًا. (والضيف)، وهو من نزل بقوم، والمراد: قِراه، والقرينة لا تقتضي تخصيصَه بالفقر. وكل هذه المصارف الّتي ذكرها عمر ﵁ مصارفُ خيرات، وهي جهة الأوقاف (٣). (لا جُناحَ)؛ أي: لا إثمَ. (على من وَلِيهَا)؛ أي: أكلُه وإطعامه لا يكون على وجه التموُّل، بل لا يجاوز المعتاد، يعني: إن أكل من ولى التحدث على تلك الأرض، فله (أن يأكل منها)؛ أي: من ريعها. (بالمعروف)؛ أي: بحسب ما يحمل ريع الوقف على الوجه المعتاد.

стр. 2559

(أو)؛ أي: ولا جناح على من وليها أن (يطعم صديقًا) له من ريعها. (غيرَ متمول) حالٌ من قوله: من وليها؛ أي: أكله وإطعامه لا يكون على وجه التمول (١). (فيه)؛ أي: ريع ربح تلك الأرض، بل يتقيد بالمعتاد. (وفي لفظ: غيرَ مُتأَثِّلٍ) -بضم الميم فمثناة فوقية فهمز فمثلثة مشددة فلام- بدل متمول؛ أي غيرَ متخذ من ذلك أصلَ مال، يقال: تأثَّلْتُ المالَ؛ أي: اتخذته أصلًا (٢). قال في "القاموس": تَأَثَّلَ: تَأَصَّلَ، وأَثَّلَ مالَه تأثيلًا: زكَّاه، وأثل الرَّجلُ: كَثُرَ ماله (٣). وقال في "المطالع": في حديث أبي قتادة في قصة الدرع يوم حنين: إنه لأولُ مالٍ تأثَّلته (٤)؛ أي: اتخذته أصلًا. وأَثْلة الشيء -بفتح الهمزة وسكون الثاء-: أصله. ومنه: غير متأثل مالًا، انتهى (٥). وفي بعض طرق البخاري، فقال النبي ﷺ : "تصدق بأصله، لا يباع ولا يوهب ولا يورث، ولكن ينفق ثمره"، فتصدق به عمر (٦). وفيه من حديث ابن عمر ﵄: أن عمر- ﵁

стр. 2560

تصدق بمال له على عهد رسول الله ﷺ ، وكان يقال له: ثَمْغ، وكان نخلًا، الحديث (١) في "الصحيحين". قال ابن عون: أنبأني من قرأ هذا الكتاب: أن فيه: "غير متأثل مالًا" (٢). تنبيهات: * الأول: هذا الحديث فيه دليل على صحة الوقف والحبس على جهة القربات، وهو مشهور متداول النقل بأرض الحجاز خلفًا عن سلف (٣). وقد اتفق الأئمة على جوازه، ثم اختلفوا: هل يلزم من غير حكم حاكم، أو يخرجه مخرج الوصايا؟. فقال الثلاثة: يصح بغير هذين الوصفين، ويلزم. وقال أبو حنيفة: لا يصح إلا بوجود أحدهما (٤). وقال علماؤنا: يصح الوقف بقول وفعل دال عليه، مثل أن يجعل أرضه مقبرة، ويأذن بالدفن فيها، ويبني بنيانًا على هيئة مسجد، ويأذن للناس في الصلاة فيه إذنًا عامًا (٥). * الثّاني: يشترط في الموقوف: أن يكون عينًا معلومة، يصح بيعها، ويمكن الانتفاع بها دائمًا، مع بقاء عينها عرفًا، عقارات كان، أو شجرًا، أو منقولًا، كالحيوان، والأثاث، والسلاح، والمصحف، وكتب العلم، ونحو ذلك.

стр. 2561

ويصح وقف المشاع اتفاقًا، وأن يكون على بر، من مسلم وذمي، كالفقراء، والمساكين، والحج، والغزو، وكتابة الفقه والعلم والقرآن، والسقايات، والقناطر، وإصلاح الطرق والمساجد والمدارس والبيمارستانات، والأقارب من مسلم وذمي، فلا يصح على مباح ومكروه ومعصية، فإن وقف على ذمي -ولو غير قريب-، صح، وشرط استحقاقه ما دام ذميًا لاغٍ، بل يستمر له إذا أسلم، فلا يصح الوقف على كنائس وبيوت نار، وبيع وصوامع، وديورة ومصالحها، ولو كان الوقف من ذمي، بل على من ينزلها من مار ومجتاز بها فقط، ولو كان من أهل الذمة. ولا يصح على كتابة التوراة والإنجيل، ولو من ذمي. ولا على جنس الأغنياء وقطاع الطريق والفسقة. وأن يقف على معين يملك ملكًا مستقرًا، فلا يصح على مجهول، كرجل، ومسجد، ولا على ميت، ولا على معدوم أصلًا، كعلى من سيولد لي، ويصح تبعًا. وأن يقف ناجزًا، فإن علقه بشرط غير موته، لم يصح، وإن قال: هو وقف بعد موتي، صح، وكان لازمًا، ويعتبر خروجُه من ثلث ماله. وأن يكون الواقف ممن يصح تصرفه في ماله، وهو المكلف الرشيد، فإن كان الوقف على غير معين، كالمساكين، ومن لا يتصور منه القبول، كالمساجد والقناطر، لم يفتقر إلى القبول من ناظرها، ولا غيره. وكذا إن كان على آدمي معين، ولا يبطل برده، كسكوته. ويزول ملك الواقف عن العين الموقوفة، وينتقل الملك فيها إلى الله تعالى إن كان الوقف على نحو مسجد، وإلى الموقوف عليه إن كان آدميًا،

стр. 2562

أو جمعًا محصورًا، فينظر فيه هو أو وليه بشرطه (١)، وهذا مذهبنا كمالك. وقال أبو حنيفة: يزول عن ملك الواقف لا إلى ملك، وهو محبوس على مالكه، حتى يعتبر شرطه، ومنه ينتقل إلى الله. وللشافعي ثلاثة أقوال: أحدها: كمذهب مالك وأحمد. الثاني: هو على ملك الواقف. الثالث: ينتقل إلى الله (٢). * الثالث: في الحديث دليل على ذكر الشروط في الوقف واتباعها، وينبغي أن تكتب كلها في كتاب الوقف، وقد كتب سيدنا عمر ﵁ كتاب وقفه، كتبه مُعيقيب، وكان كاتبه، وشهد عبدُ الله بن الأرقم، وكان هذا في زمن خلافته؛ لأن معيقيبًا كان يكتب له في خلافته، وقد وصفه بأمير المؤمنين، وكان عمر ﵁ قد وقفه في زمن النبي ﷺ . وقد روى أبو داود بإسناده إلى يحيى بن سعيد عن صدقة عمر ﵁، قال: نسخها لي عبدُ الحميد بنُ عبد الله بنِ عمرَ بنِ الخطاب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. هذا ما كتب عبدُ الله بنُ عمر في ثَمْغ، فقص من خبره نحو الحديث المشروح. وفيه: غير متأثل مالًا مما عفي عنه من ثمره، فهو للسائل والمحروم، وساق القصة.

стр. 2563

وفيه: فإن شاء ولي ثمغ، اشترى من ثمرة رقيقًا يعمله. كتبه معيقيب وشهد عبد الله بن الأرقم ﵄ (١) -. ومعيقيب من فضلاء الصحابة ﵁ وعنهم أجمعين-، وكان مجذومًا. * الرابع: اتفق الأئمة الأربعة على أن الوقف إذا خرب، لم يعد إلى ملك الواقف. ثم اختلفوا في جواز بيعه، وصرف ثمنه في مثله، وإن كان مسجدًا. فقال أحمد: يجوز بيعه وصرف ثمنه في مثله. وقال مالك والشافعي: لا يباع، ويبقى على حاله. ولا نص لأبي حنيفة فيها. واختلف صاحباه، فقال أبو يوسف كقول مالك والشافعي، وقال محمد: يعود إلى مالكه الأول (٢). قال علماؤنا: الوقف عقد لازم لا يجوز فسخُه بإقالة ولا غيرها، ويلزم بمجرد القول بدون حكم حاكم -كما تقدم-، ولا يصح بيعه ولا هبته ولا المناقلة به، نصًا، إلا أن تتعطل منافعه المقصودة منه بخراب أو غيره، بحيث لا يرد شيئًا، أو شيئًا لا يعد نفعًا، وتتعذر عمارته وعود نفعه، ولو مسجدًا حتى بضيقه على أهله، وتعذر توسيعه، أو خراب محلته، أو كان موضعه قذرًا، فيصح بيعه، وبيعُ شجرة يبست، وجذع انكسر، أو بلي، أو

стр. 2564

خيف الكسر أو الهدم، وبيع ما فضل من نجارة خشبه ونحاتته، ولو شرط عدمه إذن، فشرط فاسد، ويصرف ثمنه في مثله، أو بعض مثله لجهته، وهي مصرفه، فإن تعطلت، صرف في جهة مثلها. وجاز نقل آلة مسجد يجوز بيعه وأنقاضه إلى مثله إن احتاجها، وهو أولى من بيعه، ويصير حكم المسجد للثاني. ويصح بيع بعض الوقف لإصلاح ما بقي إن اتحد الواقف، كالجهة إن كان عينين أو عينا، ولم تنقص القيمة بتشقيص، وإلا بيع الكل (١)، والله تعالى الموفق.

стр. 2565

الحديث السادس عَنْ عُمَرَ ﵁، قَالَ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سبِيلِ اللهِ، فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ، فَظَنَنْتُ أَنّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: "لَا تَشْتَرِهِ، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ، وَإنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ، فَإنَّ العَائِدَ فِي هِبَتِهِ كَالعَائِدِ فِي قَيْئهِ" (١). وَفِي لَفْظٍ: "فَإنَّ الَّذِي يَعُودُ في صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئهِ" (٢).

стр. 2566

(عن) أميرِ المؤمنين أبي حفص (عمرَ) بنِ الخطاب (﵁، قال: حملتُ) رجلًا (على فرس في سبيل الله)؛ أي: تصدقت به، ووهبته له بأن يقاتل عليه في سبيل الله تعالى؛ أي: جعلته حمولة لمن لم تكن له حمولة من المجاهدين، والمراد: مَلَّكه إياه (١)، وكان اسم الفرس فيما ذكره ابن سعد في "الطبقات": الورد، وكان لتميم الداري، فأهداه للنبي ﷺ ، فأعطاه لعمر (٢)، ولم يعرف الحافظ ابن حجر اسم الرجل المعطَى، وكذا البرماوي في "مبهمات الزهر" لم يسمه، وسمى الفرسَ كما ذكرنا، وفي رواية القعنبي في "الموطأ": على فرسٍ عتيقٍ (٣)، والعتيقُ: الكريم (٤)، (فأضاعه) الرجل (الذي كان عنده) بترك القيام فيه من الخدمة والعلف والسقي وإرساله للمرعى حتى صار كالشيء الهالك (٥)، وقيل: أي: لم يعرف مقداره، فأراد بيعه بدون قيمته (٦)، (فأردتُ أن أشتريه، فظننت)، وفي نسخة: وظننت -بالواو بدل الفاء (٧) - (أنه يبيعه برخص، فسألت النبيَّ ﷺ ) عن ذلك، (فقال) ﵊: (لا تشتره)

стр. 2567

بإثبات الضمير، وفي بعض نسخ البخاري بحذفه، ولابن عساكر: "لا تشتريه" بإشباع كسرة الراء والياء. وظاهر النهي: التحريم. وقال الكرماني: إنه للتنزيه. قال القسطلاني: وظاهر النهي: التحريم، ولكن حمله الجمهور على التنزيه (١). قال العيني: وحمله قومٌ على التحريم، وليس بظاهر (٢). انتهى. قال علماؤنا: يحرم على مزكٍّ ومتصدّق شراءُ زكاته أو صدقتِه، ولا يصح الشراء، لحديث عمر، يعني: هذا، حسمًا لمادة استرجاع شيءٍ منها حيًا، أو طمعًا في مثلها، أو خوفًا ألا يعطيه بعد، فإن عادت إليه بنحو إرثٍ أو وصيةٍ أو هبةٍ أو دينٍ، حلّت (٣). وفي "الفروع" للعلامة ابن مفلح: يحرم شراء زكاته، نص عليه، وهو أشهر. قال صاحب "المحرر": صرح جماعة من أصحابنا وأهل الظاهر بأن البيع باطل، واحتج الإمام أحمد بقوله ﷺ : "لا تشتره" (٤)، (ولا تعد في صدقتك) لا بطريق الابتياع، ولا غيره، فهو من عطف العام على الخاص، (وإن أعطاكه)؛ أي: الفرسَ الذي تصدقَت به وحملته عليه (بدرهم) متعلق

стр. 2568

بقوله: "لا تشتره"؛ أي: لا ترغب فيه أَلبتة، ولا تنظر إلى رخصه، ولكن انظر إلى أنه صدقتك (١). قال في "الفروع": ولأنه وسيلة إلى استرجاع شيء منها؛ لأنه يسامحه رغبة أو رهبة. وعنه -أي: الإمام أحمد-: يكره، اختاره القاضي وغيره، وفاقًا لمالك والشافعي، لشراء ابن عمر ﵄، وهو راوي الحديث. وعنه: يباح، وفاقًا لأبي حنيفة، كما لو ورثها، نص عليه اتفاقًا، وعلله جماعة بأنه رجوعٌ إليه بغير فعله، فيؤخذ منه أن ما كان بفعله كالبيع، وفاقًا للشافعي، ونصوص الإمام أحمد إنما هي في الشراء. وصرح في رواية علي بْن سعيد: أن الهبة كالميراث، ونقل حنبل: ما أراد أن يشتريه فلا إذا كان شيء جعله لله، فلا يرجع فيه، وظاهر كلام الإمام أحمد ﵁: أنه لا فرق بين أن يشتريها ممن أخذها منه، أو من غيره، وهو المذهب بلا ريب، وهو ظاهر الخبر، وقاله الشافعية، ونقله أبو داود في فرسٍ حميلٍ، وظاهرُ التعليل، بأنه يسامحه يقتضي الفرق. ونقل حنبل: وما أراد أن يشتريه، أو شيئًا من نتاجه، فلا، قال النبي ﷺ : "لا تشترها، ولا شيئًا من نسلها"، نهى عمر عن ذلك. قال: في "الفروع": ولم أجد في حديث عمر النهيَ عن شراء نسلها، قال: والصدقة كالزكاة، جزم به جماعة، نقل أبو طالب وغيره -يعني: عن الإمام أحمد-: أنه قال: إذا تصدق بصدقة، لا يرجع فيها، إنما يرجع بالميراث.

стр. 2569

ونقل حنبل: لا يجوز أن يعود في صدقته، واحتج بقوله ﷺ : "لا ترجع، ولا تشترها"، كلُّ ما كان من صدقة، فهذا سبيله، فإن رجع بإرث، جاز. وظاهر كلامهم: له الأكل منه. ونقل ابن الحكم فيمن يتصدق على قريبه بدارٍ أو خادمٍ أو شيءٍ: إن أكل منه قبل أن يرثه، فلا، قال عِمرانُ بنُ حصين: لا أُجيزه له (١). تنبيه: أورد ابن المنير على قوله ﷺ : "لا تشتره وإن أعطاكه بدرهم" بأن الابتداء في النهي عادته أن يكون بالأخف أو الأدنى، كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣]، ولا خفاء بأن إعطاءه إياه بدرهم أقربُ إلى الرجوع في الصدقة مما إذا باعه بقيمته، وبهم الرسول ﷺ هو الحجة في الفصاحة. وأجاب: بأن المراد: لا تغلب الدنيا على الآخرة، وإن وفرها معطيها، فإذا زهد فيها وهي موفرة، فلأن يزهد فيها وهي مقترة أحرى وأولى، فهذا على وفق القاعدةُ، انتهى (٢). ثم علل النهي بالرجوع في صدقته بقوله ﷺ : (فإن العائد في هبته) التي وهبها لغيره وقبضها بإذنه (كالعائد في قيئه) الفاء للتعليل؛ أي: كما يقبح أن يقيء ثم يأكل قيئه، كذلك يقبح أن يهب شيئًا، أو يتصدق بشيء، ثم يرجع به، ويجره إلى نفسه بوجه بيع أو نحوه. (وفي لفظٍ) عند الشيخين: (فإن الذي يعود في صدقته) بعد أن تصدق بها وأقبضها لمن أخذها (كالكلب

стр. 2570

يعود في قيئه) الذي يقذفه من داخل جوفه، فشبه بأخسّ الحيوانات في أخسّ أحواله، تصويرًا للتهجين، وتنفيرًا منه. قال في "المصابيح": وفي ذلك دليل على المنع عن الرجوع في الصدقة، لما اشتمل عليه من التنفير الشديد، من حيث شبه الراجع بالكلب، والمرجوع فيه بالقيء، والرجوع في الصَّدقة برجوع الكلب في قيئه، انتهى (١). وقد جزم جمعٌ محققون بالحرمة. قال قتادة: لا نعلم القيء إلا حرامًا (٢). وقالت الشافعية: إن ذلك للتنزيه؛ لأن فعل الكلب لا يوصف بتحريم، إذ لا تكليف عليه، فالمراد: التنفير من العود بتشبيهه بهذا المستقذر (٣). وقلتُ: ولا يخفى مافي هذا. وقد ترجم البخاري باب: لا يحل لرجل أن يرجع في هبته وصدقته (٤). قال ابن بطال: جعل رسول الله ﷺ الرجوعَ في ذلك كالرجوع في القيء، وهو حرام، فكذا الرجوع في الهبة، ثم أجاب بمثل ما تقدم (٥)، مع أنه جاء في حديث: "لا يحل لواهب أن يرجع في هبته"، ولفظه عن ابن عمر، وابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: "لا يحل لرجل أن يعطي لرجل عطية، أو يهب هبة، ثم يرجع فيها، إِلا الوالد فيما يعطي

стр. 2571

ولده، ومثلُ الذي يرجع في عطيته أو هبته كالكلب يأكل، فإذا شبع، قاء، ثم عاد في قيئه" رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وقال الترمذي: حديثٌ حسن صحيح (١). ولا يخفى أن المقصود من هذه الأحاديث المبالغةُ في الزجر عن العودة في الصدقة، كقوله ﷺ : "من لعب بالنردشير، فكأنما غمس يده في لحم خنزير" (٢)، وأمثاله مما فيه مزيد الزجر والتحذير. يرشدك حديث ابن عباس، وهو في "الصحيحين" وفي بعض طرق البخاري ما لفظه: عن ابن عباس ﵄، قال: قال النبي ﷺ : "ليس لنا مثل السوء" مثل الذي يعود في هبته، كالكلب يرجعُ في قيئه" (٣)، فقوله: "ليس لنا مثل السوء" يعني: لا ينبغي لنا، يريد ﷺ نفسه والمؤمنين أن نتصف بصفةٍ ذميمة يشابهنا فيها أخسُّ الحيوانات في أخسِّ أحوالها، وقد قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]. ولا يخفى ظهور هذا المثل في تحريم الرجوع في الهبة والصدقة بعد إقباضها (٤).

стр. 2572

قال ابن دقيق العيد في الحديث المشروح: إنّه يقتضي منع رجوع الواهب مطلقًا، وإنما يخرج الوالد في الهبة لولده بدليل خاص، قال: وأبو حنيفة أجاز رجوع الأجنبي في الهبة، ومنع من رجوع الوالد في الهبة لولده، عكس مذهب أحمد، والشافعي (١)، والله تعالى أعلم.

стр. 2573

الحديث السابع عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "العَائِدُ في هِبَتِهِ كَالعَائِدِ في قَيْئهِ" (١). * * * (عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: العائد)؛ أي:

стр. 2574

بشراء أو نحوه (في هبته) بعد أن وهبها، وقبضها الموهوب له بإذنه (كالعائد في قيئه)، ولا شك أن عود الآدميّ في قيئه حرامٌ، فهنا رجع الضمير للعائد في هبته، وزاد أبو داود في آخر هذا الحديث: قال همام، قال قتادة: ولا أعلم القيء إِلَّا حرامًا (١)، والله أعلم.

стр. 2575

الحديث الثامن عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄، قَالَ: تَصَدَّقَ عَلَيَّ أَبِي بِبَعْضِ مَالِهِ، فَقَالَتْ لَهُ أُمِّي -عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ-: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَانْطَلَقَ أَبِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لِيُشْهِدَهُ عَلَى صَدَقَتِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَفَعَلْتَ هَذَا بوَلَدِكَ كلِّهِمْ؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "اتَّقُوا اللهَ، وَاعْدِلُوا فِي أَوْلَادِكُمْ"، فَرَجَع أَبِي، فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ (١). وَفِي لَفْظٍ قَالَ: "فَلَا تُشْهِدْنِي إذَنْ، فَإنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ" (٢). وَفِي لَفْظٍ: "فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي" (٣).

стр. 2576

(عن) أبي عبدِ الله (النعمانِ بنِ بَشيرٍ) -بفتح الموحَّدة وكسر الشين المعجمة- بنِ سعدِ بنِ ثعلبةَ، الخزرجيِّ، الأنصاريِّ، وهو أولُ مولود ولد للأنصار من المسلمين بعدَ الهجرة، وهو وأبوه صحابيان ﵄، وأمه عَمرة بنتُ رواحة. قيل: لما مات النبي ﷺ ، كان عمر النعمان ثمان سنين؛ لأن مولده في الثانية من الهجرة على رأس أربعة عشر شهرًا منها، كما قاله النووي، ثم قال: وقيل في مولده غير ذلك؛ أي: من كونه في الرابعة، أو نحو ذلك، وبعض أهل الحديث يصحح سماعه من رسول الله ﷺ ؛ لأنه صرّح بذلك في حديثين أو ثلاثة. قتل في الشام بقرية من قرى حمص في ذي الحجة سنة أربع وستين، وكان قد استعمله معاوية على حمص، ثم على الكوفة، واستعمله عليها يزيد بن معاوية. وقال ابن الأثير: إنه حين كان واليًا بحمص بعدَ الكوفة، دعا لعبد الله بن الزبير، فطلبه أهل حمص، فقتلوه. روي له عن رسول الله ﷺ مئة وأربعة عشر حديثًا، اتفقا على خمسة،

стр. 2577

وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بأربعة، وكان جوادًا شاعرًا (١). (﵄ قال) النعمانُ: (تصدق عليَّ أبي) بشيرُ بنُ سعدٍ المذكور، شهد العقبة الثانية، وبدرًا، وأُحدًا، والخندق، والمشاهد كلها بعدها مع رسول الله ﷺ . قيل: إنه أول من بايع الصدّيق الأعظم بالخلافة من الأنصار، واستشهد مع خالد بن الوليد يوم عين التمر بعد انصرافه من اليمامة سنة اثنتي عشرة من الهجرة، وهو الذي ثبت في "الصحيح" أنه قال: يا رسول الله! أُمرنا أن نصلي عليك؟. . الحديث (٢). (ببعض ماله) متعلق بتصدق، وكان ذلك غلامًا كما جاء مفسرًا في "الصحيحين" وغيرهما. ففي بعض الألفاظ: أن بشيرًا قال: إنِّي نحلتُ ابني هذا غلامًا كان لي (٣)، وفي بعضها: أعطاه أبوه غلامًا، فقال له النبي ﷺ : "ما هذا الغلام؟ "، قال: أعطانيه أبي. . . الحديث (٤)، وفي بعض الألفاظ: قالت امرأةُ بشيرٍ: انحلْ ابني غلامك، وأشهدْ لي رسولَ الله ﷺ (٥)، (فقالت له)؛ أي: لأبي؛ يعني: بشير بن سعد (أُمي) فاعل قالت (عمرة بنت رواحة)

стр. 2578

-بفتح الراء- الأنصارية، لها صحبة، زوجة بشير، وهي أخت عبدِ الله بنِ رواحة (١): (لا أرضى) بذلك. وفي مسلم من رواية الشعبي: حدثني النعمان بن بشير: أنّ أمّه ابنةَ رواحةَ سألت أباه بعضَ الموهوبة لي -بمعنى الهبة، مصدر ميمي- من ماله، فالتوى بها سنة -أي: مطلَها-، ثم بدا له (٢)، وفي رواية ابن حبان من هذا الوجه: بعدَ حولين (٣)، والتوفيق بين الروايتين بأن يقال: إن المدة كانت سنة وشيئًا، فجبر الكسر تارة، وأُلغي أخرى (٤) (حتى تُشهد) عليه؛ أي على الموهوب له، أو المتصدَّق به عليه (رسولَ اللهِ ﷺ ) قطعًا للنزاع، وحسمًا لمادة الخصام، (فانطلق أبي) بشيرٌ ﵁ (إلى رسولِ اللهِ ﷺ ). وفي رواية: أنه قال: إن أباه أتى به النبيَّ ﷺ (٥). وفي رواية عند مسلم: فأخذ أبي بيدي وأنا يومئذٍ غلام (٦). وفي أخرى: انطلق بي أبي يحملني إلى رسول الله ﷺ (٧). والتوفيق بينهما بأن يقال: إنه أخذ بيده، فمشى به بعض الطريق،

стр. 2579

وحمله في بعضها، لصغر سنه (١)، (ليشهده) ﷺ (على صدقتي) التي تصدّق بها عليّ، وهو الغلام، (فقال له) أي: لبشير والدِ النعمان (رسولُ الله ﷺ : أفعلتَ هذا) استفهامٌ منه ﷺ (بولدك)؛ أي: تصدّقتَ عليهم ووهبتهم (كلِّهم) مثلَ الذي فعلته بالنعمان؟ (قال) بشيرٌ: (لا)، ما فعلت بهم كلهم ذلك، ولا بواحد منهم سوى هذا. وقد روى ابنُ حبان، والطبرانيُّ من حديث الشعبي: أنّ النعمان خطب بالكوفة، فقال: إنّ والدي بشيرَ بنَ سعد أتى النبيَّ ﷺ ، فقال: إنّ عمرةَ بنتَ رواحة نُفِست بغلام، وإني سمَّيته النعمان، وإنّها أبت أن تربيه حتى جعلتُ له حديقة من أفضل مالٍ هو لي، وإنها قالت: أشهدْ على ذلك رسول الله ﷺ ، وفيه قوله ﷺ : "لا أشهدُ على جَوْر" (٢). ووفق ابنُ حبان بين الروايتين بالحمل على واقعتين: إحداهما: عند ولادة النعمان، وكانت العطية حديقة. والأخرى: بعد كبره، وكانت العطية عبدًا (٣). واستبعد بعضهم نسيان بشير بن سعد -مع جلالته- الحكمَ في المسألة حتى يعود يستشهد النبيَّ ﷺ على العطية (٤). وأجاب غيره: بأنّ الإنسان يغلب عليه النسيان، حتى قيل: إنّه مأخوذ من النسيان (٥).

стр. 2580

(قال) الرسول المرشد ﷺ : (اتقوا الله)؛ أي: عذابه وغضبه ومقته المرتب على عدم العدل بين الأولاد، (واعدلوا في أولادكم) بالتسوية بينهم، وعدم اختصاص بعضِهم دون بعضهم بشيء، اللهم إلا أن يكون سبب أوجب لذلك. قال النعمان بن بشير ﵄: (فرجع أبي، فردَّ تلك الصدقةَ) التي كان تصدّقها عليّ. وفي لفظٍ: قال رسول الله ﷺ : "فارجعه" (١)، وفي آخر: "فاردده" (٢)، وفي لفظٍ في البخاري: "فرجع فردّ عطيته" (٣)، (وفي لفظٍ: قال) -يعني: النبي ﷺ : (فلا تُشهدني إذًا)؛ أي: حيث لم تعدل بين كل أولادك في العطيّة؛ لأنّ ذلك يكون جورًا، (فإني لا أشهد على جور)، وفي لفظٍ آخر: "ألك بنون سواه؟ "، قال: نعم، قال: "أكلهم وهبتَ له مثل هذا؟ "، قال: لا، قال: "فلا تشهدني إِذًا فإني لا أشهد على جور" (٤)، وفي آخر: "فلا تشهدني على جور" (٥)، (وفي لفظ) آخر: (فأشهد على هذا غيري)، ثم قال: "أيسرك أن يكونوا مواليك في البر سواء؟ "، قال: بلى، قال: "فلا إِذًا" (٦)، وفي

стр. 2581

لفظٍ: "أكلَّ ولدك أعطيته مثل هذا؟ "، قال: لا، قال: "أليس تريد منهم البِرَّ مثلَ ما تريد منه؟ "، قال: بلى، قال: "فإني لا أشهد" (١)، وفي آخر قال: "فليس يصلح هذا، وإني لا أشهد إلا على حق" (٢)، وكل هذه الألفاظ في "الصحيح"، والجور: هو الظلم والحيف والميل عن الحق. قال علماؤنا -رحمهم الله تعالى-: يجب على الأب والأم وغيرهما التعديلُ بين حق من يرث بقرابة من ولد وغيره في عطيتهم، لا في شيء تافه بقدر إرثهم منه إلا في نفقة وكسوة، فتجب الكفاية (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: لا يجب على المسلم التسوية بين أولاده الذمة (٤)، انتهى. قال في "الإقناع": وله التخصيص بإذن الباقي، فإن خصّ بعضهم، أو فضله بلا إذن، أثم، وعليه الرجوع، أو أعطى الآخر، ولو في مرض الموت حتى يستووا، كما لو زوّج أحدَ بنيه في صحته، وأدّى عنه الصداقَ، ثم مرض الأبُ، فإنّه يعطي ابنَه الآخرَ كما أعطى الأول، ولا يحسب من الثلث؛ لأنه تدارك للوجوب أشبه قضاء الدين. وإن مات قبل التسوية، ثبت معطى، ما لم تكن العطيّة في مرض الموت. والتسوية هنا: القسمة للذكر مثل حظ الأنثيين، والرجوع المذكور يختص به الأب دون الأم وغيرها.

стр. 2582

قال: وتحرم الشهادة على التخصيص والتفضيل تحملًا وأداءً، ولو بعد موت المخصص والمفضل إن علم، وكذا كل عقد مختلف فيه فاسد عند الشاهد. وقيل: إن أعطاه لمعنى فيه، من حاجة، أو زمانة، أو عمًى، أو كثرة عائلة، أو لاشتغاله بالعلم ونحوه، أو منع بعض ولده، لفسقه، أو بدعته، أو لكونه يعصي الله بما يأخذه، جاز التخصيص، اختاره الإمام الموفق وغيره (١)، انتهى. وفي كتاب الإمام المحقق ابن القيّم "بدائع الفوائد": عطية الأولاد المشروع أن تكون على قدر مواريثهم؛ لأن الله تعالى منع ما يؤدي إلى قطيعة الرحم، والتسويةُ بين الذكر والأنثى محالة، لما وضعه الشرع من التفضيل، فيفضي ذلك إلى العداوة، ولأن الشرع أعلمنا بمصالحنا، فلو لم يكن الأصلح التفضيل بين الذكر والأنثى، لما شرعه، ولأن حاجة الذكر إلى المال أعظم من حاجة الأنثى، ولأن الله جعل الأنثى على النصف من الذكر في الشهادات والميراث والدِّيات وفي العقيقة بالسنّة، ولأن الله جعل الرجال قوّامين على النِّساء، فإذا علم الذكر أنَّ الأب زاد الأنثى على العطيّة التي أعطاها الله، وسوّاها بمن فضَّله الله عليها، أفضى ذلك إلى العداوة والقطيعة، كما إذا فضّل عليه من سوّى الله بينه وبينه، فأيّ فرقٍ بين أن يفضل من أمر الله بالتسوية بينه وبين أخيه، ويسوي بين من أمر الله بالتفضيل بينهما؟ قال: واعترض ابن عقيل على ذلك التفضيل، فقال: بناء العطيّة حال الحياة والصحة والمال لاحق لأحد فيه، ولهذا يجوز له الهبات والعطايا

стр. 2583

للوارث، وما زاد على الثلث للأجانب عبرة بحال صحته، وقطعًا له عز حال مرض الموت، فضلًا عن الموت، وكذا يعطي الإخوان مع وجود الابن والأب، وإن لم يكن لهم حقٌّ في الإرث، وتلك عطية من الله على سبيل التحتم، لا اختيار لأحدٍ فيه، وهذه عطيّة من مكلّف غيرِ محجور عليه، فكانت على حسب اختياره من تفضيل وتسوية. قال: وهذا هو القول الصحيح عندي، انتهى. قال الإمام ابنُ القيّم: وهذه الحجة ضعيفة جدًا باطلة بما سلمه من امتناع التفضيل بين الأولاد المتساوين في الذكورة والأنوثة، وكيف يصح قوله: إنّها عطيةٌ من مكلّف غير محجور عليه، فجازت على حسب اختياره، وأنتَ قد حجرتَ عليه في التفضيل بين المتساويين، انتهى (١). تنبيهات: * الأول: اختلف الأئمة في هبة الأولاد هل الأفضل والمشروع فيها التسوية، أم للذكر مثل حظ الأنثيين، فقال الثلاثة: السنّة: التسوية بينهم على الإطلاق، ذكورًا كانوا أو إناثًا، أو ذكورًا وإناثًا. وقال الإمام أحمد: إن كانوا كلهم ذكورًا، أو كلهم إناثًا، فالتسوية، وإن كانوا ذكورًا وإناثًا، فللذكر مثلُ حظ الأنثيين -كما قدّمنا-. واتفقوا على أنّ تخصيص بعضهم بالهبة مكروه. وكذلك اتفقوا على أن تفضيل بعضهم على بعض مكروه. واختلفوا في التحريم: فقال أبو حنيفة، والشافعي بعدم الحرمة.

стр. 2584

وقال مالك: يجوز أن ينحل الرجل بعضَ ولده ببعض ماله، ويُكره أن ينحله جميعَ ماله، وإن فعل ذلك، نفذ إذا كان في الصحّة (١). وقد علمت أنّ مذهب الإمام أحمد حرمة ذلك. قال ابن دقيق العيد: التفضيل يؤدي إلى الإيحاش والتباغض، وعدم البر من الولد لوالده، أعني: الولدَ المفضّلَ عليه، قال: وقد ذهب بعضهم إلى أنّه محرّم بقوله ﷺ : "لا تُشهدْني على جور"، فسمّاه جَورًا، وأمره بالرجوع فيه، لاسيّما إذا أخذ بظاهر هذا الحديث أنّه كان صدقة، فإنّ الصدقة على الولد لا يجوز الرجوع فيها، فإنّ الرجوع يقتضي أنها وقعت على غير الموقع الشرعي حيث نقضت بعد لزومها، انتهى (٢). وقال بالحرمة في التخصيص والتفضيل: البخاري، وهو قول طاوس، والثوري، وإسحاق بن راهويه، وقال به بعض المالكية. ثم المشهور عند هؤلاء: أنها باطلة، وعند الإمام أحمد: تصح، ويجب عليه أن يرجع، أو يساوي، كما تقدم، وقال أبو يوسف: تجب التسوية إن قصد بالتفضيل الإضرار. ومن ذهب إلى أن التسوية مستحبّة حمل الأمر في قوله ﷺ : "فارجعه"، وفي لفظ: "فاردده، واتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم" على التنزيه، مع أن قوله ﷺ : "اتقوا الله" يؤذن بأن اختلاف التسوية ليس بتقوى الله، وأن التسوية تقوى (٣).

стр. 2585

واستدل بعض من لم يقل بالمنع بالرواية التي فيها: "أَشهدْ على هذا غيري"، فإنها تقتضي إباحة إشهاد الغير، ولا يباح إشهاد الغير إلا على أمرٍ جائزٍ، فيكون امتناع النبي ﷺ من الشهادة على وجه التنزيه. ولا يخفى ما في هذا من التهافت، فإن الصيغة، وإن كان ظاهرها الإذن، إلا أما مشعرة بالتنفير الشديد عن ذلك الفعل، حيث امتنع الرسول من المباشرة، فهذه الشهادة معللة للامتناع؛ لأنها جور، فلا جرم أن الصيغة تخرج من ظاهر الإذن بهذه القرائن، وقد استعملوا مثل هذا اللفظ في مقصود التنفير، ومنه: ﴿فَاعْبُدُواْ مَا شِئْمُ﴾ (١) [الزمر: ١٥]. * الثاني: الهبة، والعطية، والصدقة، والهدية، والنِّحلة، معانيها متقاربة تجري فيها أحكام الهبة، لكن المعطي إن قصد بإعطائه ثوابَ الآخرة فقط، فصدقة، وإن قصد إكرامًا وتوددًا ومكافأةً، فهديّة، وإلا يقصدْ توددًا ولا مكافأة، فهي هبة، وعطيّة، ونحلة، وهي مستحبة إذا قصد بها وجه الله تعالى، كالهِبَة للعلماء، والفقراء، والصالحين، وما قصد به صلة رحم، لا مباهاةً ورياءً وسمعة (٢). قال شيخ الإسلام: والصدقةُ أفضل من الهبة، إلّا أن يكون في الهبة معنًى تكون به أفضل من الصدقة، مثل الإهداء لرسول الله ﷺ محبّةً له، والإهداء لقريب يصل به رحمه، أو أخٍ له في الله، فهذا قد يكون أفضل من الصَّدقة (٣). * الثالث: لا يجوز لواهب، ولا يصح أن يرجع في هبته -ولو صدقة

стр. 2586

وهدية ونحلة - بعد لزومها، إلّا الأب الأقرب، ولو أسقط من الرجوع كما في "الإقناع" (١)، خلافًا لما في "المنتهى" (٢)، ومشى عليه في "الغاية" (٣)؛ لأن الحق له، وقد أسقطه، فسقط. ويشترط لرجوع الأب ثلاثة شروط: أحدها: أن تكون عينًا باقيةً في ملك الابن، فلا رجوع في دينه على الولد بعد الإبراء، ولا في منفعةٍ أباحها له بعد الاستيفاء، كسكنى ونحوها، فإن خرجت العين عن ملك الولد ببيع أو هبة أو وقفٍ أو غير ذلك، ثم عادت إليه بسببٍ جديدٍ، كبيعٍ أو وصيّةٍ أو إرثٍ أو نحوه، لم يملك الرجوع، ولا يمنع الرجوع إن عادت إلى ملكه بنحو فسخ. الثاني: أن تكون العين باقية في تصرف الولد، فإن تلفت، فلا رجوع في قيمتها، وإن رهن العين، أو أفلس، وحجر عليه، فكذلك، ومتى زال المانع، ملك الرجوع. الثالث: ألا تزيد زيادة متصلة تزيد في قيمتها، كالسِّمَن، والكبر، وتعلُّم صنعة، وإن زاد ببرئه من مرض أو صمم، منع الرجوع، فإن اختلف الأب وولده في حدوث زيادة، فقول أب (٤). والقول بأنّ الأب يملك الرجوع فيما وهب لولده قولُ الثلاثة. وقال أبو حنيفة: ليس له الرجوع بحالٍ.

стр. 2587

لكن قال مالك: للأب أن يرجع فيما وهب للابن على جهة الصلة، لا على جهة الصدقة (١). ومعتمد المذهب: منعُ الأم من الرجوع وفاقًا لأبي حنيفة. وقال مالك: تملك الأم الرجوع على الابن في حياة الأب. وقال: الشافعي: تملك مطلقًا. وأما الجد، فلا يملكه عند الثلاثة. وقال الشافعي: بلى (٢). وفرّق الإمام أحمد بين الأب والأم بأن له أن يتملك من مال ولده، بخلافها، لحديث: "أنت ومالك لأبيك" رواه الطبراني في "معجمه" مطولًا (٣)، ورواه غيره، وزاد: "إن أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من أموالهم" (٤)، وعن عائشة مرفوعًا: "إنّ أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإنّ أولادكم من كسبكم" أخرجه سعيد، والترمذي، وحسنّه (٥)، والله أعلم.

стр. 2588

الحديث التاسع عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ (١). * * * (عن) أبي عبد الرحمن (عبد الله بنِ) أمير المؤمنين (عمرَ- رضي الله

стр. 2589

عنهما -: أنّ رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر) اليهودَ بعدما فتحها (بشطر ما يخرج منها)؛ أي: من الأرض والنخل (من ثمرٍ أو زرعٍ). فهذا الحديث أشار إلى بابين: الأول: المساقاة: مفاعلة من السقي، سميت بذلك؛ لأن أكثر أهل الحجاز أكثر حاجة شجرهم إلى السقي، لكونهم يسقون من الآبار، وهي أن يدفع إنسان شجره إلى آخر ليقوم بسقيه وسائر ما يحتاج إليه بجزء معلوم من الثمرة (١). وقد أجمع المسلمون على جواز ذلك، ومستنده حديث ابن عمر المذكور، رواه الإمام أحمد (٢)، والشيخان، وأصحاب السنن (٣)، وغيرهم. وفي "الصحيحين" من حديث ابن عمر ﵄ أيضًا: أن النبي ﷺ لمّا ظهر على خيبر، سألته اليهود أن يُقرّهم بها على أن يكفوه عملها، ولهم نصفُ الثمرة، فقال لهم: "نقرُّكم على ذلك ما شئنا" (٤)، وهي حجّة في أنّها عقدٌ جائز. قال الإمام شمس الدين في "الشرح الكبير": قال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃: عاملَ

стр. 2590

رسولُ الله ﷺ أهل خيبر بالشطر، ثم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃ إلى اليوم يعطون الثلث والربع. وهذا عمل به الخلفاء الراشدون مدةَ خلافتهم، واشتهر ذلك، فلم ينكره منكِر، فكان إجماعًا، فتجوز المساقاة في النخل، وفي كل شجر له ثمر مأكول ببعض ثمرته، هذا قول الخلفاء الراشدين ﵃، وبه قال سعيد بن المسيب، وسالم، ومالك، والأوزاعي، وأبو يوسف، ومحمد، وإسحاق، وأبو ثور. وقال داود: لا يجوز إلا في ثمر النخل؛ لأن الخبر إنما ورد [بها] (١) فيه. وقال: الشافعي: لا تجوز إلا في النخل والكرم؛ لأن الزكاة تجب في ثمرتها، وفي سائر الشجر قولان. وقال أبو حنيفة وزفر: لا تجوز بحال؛ لأنها إجارة بثمرة لم تخلف، أو إجارة بثمرة مجهولة، أشبه إجارته بغير ثمر الشجر الذي يسقيه. ولنا: ما ذكرنا من الحديث، والإجماع، ولا يجوز التعويل على ما خالفهما، ولأن المعى يدلُّ على ذلك، فإن كثيرًا من أهل النخيل والشجر يعجز عن عمارته وسقيه، ولا يمكنه الاستئجار عليه، وكثير من الناس لا شجر لهم، ويحتاجون إلى الثمر، وفي تجويز المساقاة دفع الحاجتين، وتحصيلُ المنفعة للفئتين، فجاز، كالمضاربة بالأثمان، فأما قياسهم، فيبطل بالمضاربة، فإنه يعمل في المال بجزء من نمائه، وهو معدومٌ مجهول، وقد جاز بالإجماع، وهذا في معناه.

стр. 2591

ثم إنَّ الشّارع قد جوّز العقد في الإجارة على المنافع المعدومة، فلم لا يجوز على الثمرة المعدومة مع الحاجة؟ ثم إنّ القياس إنّما يكون في إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه والمجمع عليه، فأمّا إبطالُ نص، وخرقُ إجماع بقياس نصٍّ آخر، فلا سبيل إليه، وأما تخصيص ذلك بالنخل أو بالكرم، فيخالف عموم قوله: عاملَ رسولُ الله ﷺ أهلَ خيبر بشطرِ ما يخرج منها من زرعٍ أو ثمرٍ، وهذا عامٌّ في كلّ ثمر، ولا تكاد بلدة ذاتُ أشجار تخلو من شجرٍ غير النخيل. وقد جاء في لفظِ بعض الأخبار: أنّ النبي ﷺ عاملَ أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من النخل والشجر، رواه الدارقطني (١)، ولانه شجر يثمر كلَّ حول، فأشبه النخل والكرم؛ ولأن الحاجة تدعو إلى المساقاة عليه كالنخل وأكثر، لكثرته، فأشبه النخل، ووجوب الزكاة ليس من العلة المجوزة للمساقاة، ولا أثر له فيه، وإنما العلّة ما ذكرنا. وأما ما لا ثمر له، كالصفصاف والحور، أو له ثمر غير مقصود، كالصنوبر والأرز، فلا يجوز المساقاة عليه، وبه قال مالك والشافعي. قال الشارح: ولا نعلم فيه مخالفًا؛ لأنه غير منصوص عليه، ولا هو في معنى المنصوص، اللهم إلا أن يكون يقصد ورقه أو زهره، كالتوت والورد، فالقيالس يقتضي جواز المساقاة عليه؛ لأنه في معنى الثمرة، لكونه مما يتكرر كل عام، ويمكن أخذه والمساقاة عليه بجزء منه، فيثبت له حكمه، انتهى (٢).

стр. 2592

قلت: اختار هذا الإمامُ الموفق وجمعٌ. قال في "الإقناع": وعلى قياسه شجرٌ له خشب يُقصد، كحورٍ وصفصاف، وقد صرّح الموفق بعدم صحتها، والله أعلم. وتصح المساقاة على ثمرةٍ موجودةٍ لم تكمل، وعلى زرعٍ نابت ينمى بالعمل، فإن بقي من العمل ما لا تزيد به الثمرة، كالجذاذ ونحوه، لم تصح، وإذا ساقاه على وَدِيِّ نخلٍ، وهو صغاره، أو صغار شجرٍ إلى مدّةٍ يحمل فيها غالبًا بجزء من الثمرة، صحّ. وإن ساقاه على شجرٍ يغرسُه ويعمل عليه حتى يثمر بجزءٍ معلوم من الثمرة أو من الشجر، أو منهما، وهي المغارسة والمناصبة، صحّ إن كان الغرسُ من ربّ المال (١)، هذا ما استقر عليه مذهب الإمام أحمد، خلافًا لهم. الثاني: المزارعة: وهي مفاعَلَةٌ من الزرعِ (٢). وتعريفها: دفع أرضٍ وحَبٍّ لمن يزرعه ويقوم عليه، أو مزرع لمن يعمل عليه بجزء مشاع معلوم من المتحصّل من الزرع (٣). فإن كان في الأرضِ شجر، فزارعه الأرض، وساقاه على الشجر، صحّ (٤). قال الإمام شمس الدين في "شرح المقنع": تجوز المزارعة بجزءٍ معلوم يُجْعَل للعامل من الزرع في قول أكثر أهل العلم.

стр. 2593

قال البخاري: قال أبو جعفر: ما بالمدينة أهلُ بيتٍ إلا ويزرعون على الثلث والربع، وزارعَ عليٌّ، وابن مسعود، وسعد، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم، وعروة، وآلُ أبي بكر، وآل علي، وابنُ سيرين (١). وهذا قول سعيد بن المسيب، وطاوس، وعبد الرحمن بن الأسود، وموسى بن طلحة، والزهري، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وابنه، وأبي يوسف، ومحمد، ويروى ذلك عن معاذ، والحسن، وعبد الرحمن بن زيد. قال البخاري: وعامل عمر ﵁ على أنّه إن جاء عمرُ بالبذر من عنده، فله الشطرُ، وإن جاؤوا بالبذر، فلهم كذا (٢). وكرهها عكرمة، ومجاهد، والنخعي، ومالك، وأبو حنيفة. وروي عن ابن عباس: الأمران جميعًا. وأجازها الشافعي في الأرض بين النخل إذا كان بياضُ الأرض أقل، فإن كان أكثر، فعلى وجهين، ومنعها في الأرض البيضاء، لما روى رافعُ بن خديج ﵁، قال: كنا نخابر على عهد رسول الله ﷺ ، فذكر أن بعض عمومته أتاه، فقال: نهى رسول الله ﷺ عن أمرٍ كان لنا نافعًا، وطواعيةُ رسول الله ﷺ أنفع، قال: قلنا: ما ذاكَ؟ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كانت له أرضٌ، فليزرعها، ولا يكريها بثلثٍ ولا بربعٍ ولا بطعامٍ مسمًّى" (٣).

стр. 2594

وفي "الصحيح" من حديث ابن عمر ﵄: نهى رسول الله ﷺ عن المخابرة (١)، وهذه أحاديثُ صِحاحٌ (٢). والمخابرة: هي المزارعة، واشتقاقها من الخبار، وهي الأرض اللّينة، والخبير: الأَكَّار، وقيل: المخابرة: معاملة أهل خيبر. وقد جاء حديث جابر مفسرًا، روى البخاري عن جابرٍ، قال: كانوا يزرعونها بالثلث والربع والنصف، فقال النبي ﷺ : "من كانت له أرضٌ، فليزرعها، أو ليمنحها، فإن لم يفعل، فليمسك أرضه" (٣). قلتُ: ورواه الإمام أحمد، ومسلم بلفظِ: "من كانت له أرضه، فليزرعها، [أ] وليحرثها أخاه، وإلّا فليدعها" (٤). ولنا: ما في الحديث المتقدم، وما نقله أبو جعفر محمدٌ الباقرُ من فعل الخلفاء الراشدين، ثم أهلوهم يعطون الثلث والربع، قال: وهذا أمرٌ صحيح مشهور، عمل به رسول الله ﷺ حتى ماتَ، ثم خلفاؤه الراشدون حتى ماتوا، ثم أهلوهم من بعدهم، ولم يبق بالمدينة أهلُ بيتٍ إلّا عمل به، وعمل به أزواجُ رسول الله ﷺ من بعده. فروى البخاري عن ابن عمر: أن النبي ﷺ عاملَ خيبر بشطر ما يخرج منها من زرعٍ أو ثمرٍ، فكان يعطي أزواجه مئة وسق: ثمانون وسقًا تمرًا،

стр. 2595

وعشرون وسقًا شعيرًا، فقسم عمر خيبر، فخيّر أزواجَ رسول الله ﷺ أن يقطع لهنّ من الماء والأرض، أو يمضي لهن الأوسق، فمنهنّ من اختار الأرض، ومنهنّ من اختار الوسق، فكانت عائشة ﵂ ممن اختار الأرض. فإن قلتَ: حديث خيبر منسوخ بخبر رافع. فالجواب: أنّ مثل هذا لا يجوز أن ينسخ؛ لأنّ النسخ يكون في حياة رسول الله ﷺ ، فأمّا شيء عمل به إلى أن مات، ثم عمل به خلفائه بعده، وأجمعت الصحابة ﵃ عليه، وعملوا به، ولم يخالف فيه منهم أحد، فكيف يجوز نسخه؟ ومتى نسخ؟ فإن كان في حياة رسول الله ﷺ ، فكيف عمل به مع نسخه؟ وكيف خفي نسخه علي الخلفاء مع اشتهار قصة خيبر وعملهم فيها؟ وأين كان رواي النسخ حتّى لم يذكروه ولم يخبرهم به؟ فأمّا ما احتجّوا به من حديث رافع، فقد رُوي من عدة أوجه، وقد فسر حديث النهي في حديثه بما لم يختلف في فساده (١)، وهو الذي أعقبه المصنف الحافظ لهذا الحديث، وهو:
следующие страницы →