ثم إنَّ الشّارع قد جوّز العقد في الإجارة على المنافع المعدومة، فلم لا يجوز على الثمرة المعدومة مع الحاجة؟
ثم إنّ القياس إنّما يكون في إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه والمجمع عليه، فأمّا إبطالُ نص، وخرقُ إجماع بقياس نصٍّ آخر، فلا سبيل إليه، وأما تخصيص ذلك بالنخل أو بالكرم، فيخالف عموم قوله: عاملَ رسولُ الله ﷺ أهلَ خيبر بشطرِ ما يخرج منها من زرعٍ أو ثمرٍ، وهذا عامٌّ في كلّ ثمر، ولا تكاد بلدة ذاتُ أشجار تخلو من شجرٍ غير النخيل.
وقد جاء في لفظِ بعض الأخبار: أنّ النبي ﷺ عاملَ أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من النخل والشجر، رواه الدارقطني (١)، ولانه شجر يثمر كلَّ حول، فأشبه النخل والكرم؛ ولأن الحاجة تدعو إلى المساقاة عليه كالنخل وأكثر، لكثرته، فأشبه النخل، ووجوب الزكاة ليس من العلة المجوزة للمساقاة، ولا أثر له فيه، وإنما العلّة ما ذكرنا.
وأما ما لا ثمر له، كالصفصاف والحور، أو له ثمر غير مقصود، كالصنوبر والأرز، فلا يجوز المساقاة عليه، وبه قال مالك والشافعي.
قال الشارح: ولا نعلم فيه مخالفًا؛ لأنه غير منصوص عليه، ولا هو في معنى المنصوص، اللهم إلا أن يكون يقصد ورقه أو زهره، كالتوت والورد، فالقيالس يقتضي جواز المساقاة عليه؛ لأنه في معنى الثمرة، لكونه مما يتكرر كل عام، ويمكن أخذه والمساقاة عليه بجزء منه، فيثبت له حكمه، انتهى (٢).
стр. 2592
قلت: اختار هذا الإمامُ الموفق وجمعٌ.
قال في "الإقناع": وعلى قياسه شجرٌ له خشب يُقصد، كحورٍ وصفصاف، وقد صرّح الموفق بعدم صحتها، والله أعلم.
وتصح المساقاة على ثمرةٍ موجودةٍ لم تكمل، وعلى زرعٍ نابت ينمى بالعمل، فإن بقي من العمل ما لا تزيد به الثمرة، كالجذاذ ونحوه، لم تصح، وإذا ساقاه على وَدِيِّ نخلٍ، وهو صغاره، أو صغار شجرٍ إلى مدّةٍ يحمل فيها غالبًا بجزء من الثمرة، صحّ. وإن ساقاه على شجرٍ يغرسُه ويعمل عليه حتى يثمر بجزءٍ معلوم من الثمرة أو من الشجر، أو منهما، وهي المغارسة والمناصبة، صحّ إن كان الغرسُ من ربّ المال (١)، هذا ما استقر عليه مذهب الإمام أحمد، خلافًا لهم.
الثاني: المزارعة: وهي مفاعَلَةٌ من الزرعِ (٢).
وتعريفها: دفع أرضٍ وحَبٍّ لمن يزرعه ويقوم عليه، أو مزرع لمن يعمل عليه بجزء مشاع معلوم من المتحصّل من الزرع (٣).
فإن كان في الأرضِ شجر، فزارعه الأرض، وساقاه على الشجر، صحّ (٤).
قال الإمام شمس الدين في "شرح المقنع": تجوز المزارعة بجزءٍ معلوم يُجْعَل للعامل من الزرع في قول أكثر أهل العلم.
стр. 2593
قال البخاري: قال أبو جعفر: ما بالمدينة أهلُ بيتٍ إلا ويزرعون على الثلث والربع، وزارعَ عليٌّ، وابن مسعود، وسعد، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم، وعروة، وآلُ أبي بكر، وآل علي، وابنُ سيرين (١).
وهذا قول سعيد بن المسيب، وطاوس، وعبد الرحمن بن الأسود، وموسى بن طلحة، والزهري، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وابنه، وأبي يوسف، ومحمد، ويروى ذلك عن معاذ، والحسن، وعبد الرحمن بن زيد.
قال البخاري: وعامل عمر ﵁ على أنّه إن جاء عمرُ بالبذر من عنده، فله الشطرُ، وإن جاؤوا بالبذر، فلهم كذا (٢).
وكرهها عكرمة، ومجاهد، والنخعي، ومالك، وأبو حنيفة.
وروي عن ابن عباس: الأمران جميعًا.
وأجازها الشافعي في الأرض بين النخل إذا كان بياضُ الأرض أقل، فإن كان أكثر، فعلى وجهين، ومنعها في الأرض البيضاء، لما روى رافعُ بن خديج ﵁، قال: كنا نخابر على عهد رسول الله ﷺ ، فذكر أن بعض عمومته أتاه، فقال: نهى رسول الله ﷺ عن أمرٍ كان لنا نافعًا، وطواعيةُ رسول الله ﷺ أنفع، قال: قلنا: ما ذاكَ؟ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كانت له أرضٌ، فليزرعها، ولا يكريها بثلثٍ ولا بربعٍ ولا بطعامٍ مسمًّى" (٣).
стр. 2594
وفي "الصحيح" من حديث ابن عمر ﵄: نهى رسول الله ﷺ عن المخابرة (١)، وهذه أحاديثُ صِحاحٌ (٢).
والمخابرة: هي المزارعة، واشتقاقها من الخبار، وهي الأرض اللّينة، والخبير: الأَكَّار، وقيل: المخابرة: معاملة أهل خيبر.
وقد جاء حديث جابر مفسرًا، روى البخاري عن جابرٍ، قال: كانوا يزرعونها بالثلث والربع والنصف، فقال النبي ﷺ : "من كانت له أرضٌ، فليزرعها، أو ليمنحها، فإن لم يفعل، فليمسك أرضه" (٣).
قلتُ: ورواه الإمام أحمد، ومسلم بلفظِ: "من كانت له أرضه، فليزرعها، [أ] وليحرثها أخاه، وإلّا فليدعها" (٤).
ولنا: ما في الحديث المتقدم، وما نقله أبو جعفر محمدٌ الباقرُ من فعل الخلفاء الراشدين، ثم أهلوهم يعطون الثلث والربع، قال: وهذا أمرٌ صحيح مشهور، عمل به رسول الله ﷺ حتى ماتَ، ثم خلفاؤه الراشدون حتى ماتوا، ثم أهلوهم من بعدهم، ولم يبق بالمدينة أهلُ بيتٍ إلّا عمل به، وعمل به أزواجُ رسول الله ﷺ من بعده.
فروى البخاري عن ابن عمر: أن النبي ﷺ عاملَ خيبر بشطر ما يخرج منها من زرعٍ أو ثمرٍ، فكان يعطي أزواجه مئة وسق: ثمانون وسقًا تمرًا،
стр. 2595
وعشرون وسقًا شعيرًا، فقسم عمر خيبر، فخيّر أزواجَ رسول الله ﷺ أن يقطع لهنّ من الماء والأرض، أو يمضي لهن الأوسق، فمنهنّ من اختار الأرض، ومنهنّ من اختار الوسق، فكانت عائشة ﵂ ممن اختار الأرض.
فإن قلتَ: حديث خيبر منسوخ بخبر رافع.
فالجواب: أنّ مثل هذا لا يجوز أن ينسخ؛ لأنّ النسخ يكون في حياة رسول الله ﷺ ، فأمّا شيء عمل به إلى أن مات، ثم عمل به خلفائه بعده، وأجمعت الصحابة ﵃ عليه، وعملوا به، ولم يخالف فيه منهم أحد، فكيف يجوز نسخه؟ ومتى نسخ؟ فإن كان في حياة رسول الله ﷺ ، فكيف عمل به مع نسخه؟ وكيف خفي نسخه علي الخلفاء مع اشتهار قصة خيبر وعملهم فيها؟ وأين كان رواي النسخ حتّى لم يذكروه ولم يخبرهم به؟
فأمّا ما احتجّوا به من حديث رافع، فقد رُوي من عدة أوجه، وقد فسر حديث النهي في حديثه بما لم يختلف في فساده (١)، وهو الذي أعقبه المصنف الحافظ لهذا الحديث، وهو:
المَاذِيَانَاتُ: الأَنْهَارُ الْكِبَارُ، وَالجَدَاوِلُ: النَّهْرُ الصَّغِيرُ.
* * *
(عن رافع بن خديج) -بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة والجيم- بنِ رافعِ بنِ عديِّ بنِ زيدِ بنِ عمرَ بنِ يَزِيد -بفتح المثناة تحت وكسر الزاي-، الحارثيِّ، الأنصاريِّ، الأوسيِّ، من أهل المدينة، لم يشهد بدرًا؛ لأن النبي ﷺ ردّه يومئذٍ لصغره، ثمّ أجازه يومَ أُحُد، وأصابه سهمٌ يومَها، فقال له رسولُ الله ﷺ : "أنا أشهدُ لك يوم القيامة" (١)، ثم انتقضت جراحته في زمن عبد الملك بن مروان، فمات سنة ثلاث وسبعين، وقيل: سنة أربع، بالمدينة، وله ست وثمانون سنة، وقيل: ماتَ في أيّام معاوية.
روي له عن رسول الله ﷺ ثمانية وسبعون حديثًا، اتفقا على خمسة، وانفرد مسلم بثلاثة، ويكنى: أبا عبد الله (٢) (﵁، قال: كنّا) معشرَ بني حارث من الأوس (أكثرَ الأنصار)، وهم الأوس والخزرج وحلفاؤهم (حقلًا) جمع حقلة، ومنه: لا ينبت البقلَـ[ـة] إلّا الحقلةُ (٣).
стр. 2598
قال في "القاموس": الحقل: قراح طيب يزرع فيه، كالحقلة (١).
وفي "المطالع": المحاقل: المزارع، وقيل: الحقل: الزرع مادام أخضر، وقيل: أصلها أن يأخذ أحدهما حقلًا من الأرض لحقل له آخر (٢).
(فكنا نكري الأرض على أنّ لنا هذه)؛ أي: ما يخرج من هذه الحقلة، (ولهبهم)؛ أي: العاملين عليها (هذه)؛ أي: ما يخرج من الحقلة الأخرى من الطعام، (فربما أخرجت هذه) التي لنا، (ولم تخرج هذه) التي صارت لهم، وربما صار الأمر بالعكس، (فنهانا) ﷺ (عن ذلك)، لما فيه من الغرر والضرر، (فأمَّا الوَرِق) من الفضة، وكذا الذهب المعلوم المقدار، (فلم ينهنا عنه) ﷺ .
وفي لفظٍ للبخاري: كنا أكثرَ أهل الأرض مُزْدَرَعًا، كنا نكري الأرض بالناحية منها تسمى لسيد الأرض، قال: فربما يُصاب ذلك، وتسلم الأرض، وربما تصابُ الأرض، ويسلم ذلك، فنُهينا، فأمّا الذهب والورق، فلم يكن يومئذٍ (٣).
(و) في لفظٍ (لمسلم عن حنظلة) -بفتح الحاء المهملة وسكون النون وبالظاء المعجمة- (بنِ قيسِ) بنِ عمرَ بنِ حصنٍ، المدنيِّ، الزرقيِّ، نسبةً إلى جدٍّ له يسمى: زُريق -بتقديم الزاي- الأنصاريِّ.
قال في "جامع الأصول": هو من ثقات أهل المدينة وتابعيهم، سمع رافعَ بنَ خديج، وأبا هريرة، وابن الزبير، وكذا رَوَى عن عمر،
وعثمان، كما في "شرح الزهر" للبرماوي، وعنه: الزهريُّ، وربيعةُ بنُ
стр. 2599
أبي عبد الرحمن، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وهو ثقة، أخرج له الجماعة إلّا الترمذي.
قال ابن سعد: كان ثقةً، قليلَ الحديث (١).
(قال: سألتُ رافعَ بنَ خديج ﵁ عن كراء الأرض بالذَّهب والورق) المعلومين المقدار، (فقال)؛ أي: رافع بن خديج: (لا بأس)؛ أي: لا حرجَ، ولا إثمَ (به)؛ أي: بكراء الأرض بذلك (إنما كان الناسُ يؤاجرون على عهد رسول الله ﷺ بما على الماذِيانات) -بالذال المعجمة المكسورة فمثناة تحتية بعدها ألف فنودن فألفٌ ومثناة ففوقية- جمع ماذيان، وهو النهر الكبير، كما يأتي في كلام المصنف ﵀، وليست بعربية، وهي سوادية كما في "النهاية" (٢)؛ أي: بالذي يخرج على حافَتَي ذلك، (و) بما يخرج على (أقبال)؛ أي: أطراف (الجداول).
قال في "النهاية": في قوله: وأقبال الجداول، الأقبال: الأوائل والرؤوس، جمع قبل، والقبل: رأس الجبل، والأكمة، وقد تكون جمع قَبَل -بالتحريك-، وهو الكلأ في مواضع من الأرض، والقبل أيضًا: ما استقبلك من الشيء (٣)، (و) بـ (أشياء من الزرع) المعيَّن له، (فيهلكُ هذا)؛ أي: فربما يهلك هذا الذي للعامل، لما يصيبه من الجوائح، (ويسلم هذا)
стр. 2600
الذي لرب الأرض، (و) ربما (يسلم هذا) الذي للعامل، (ويهلك هذا) الذي لرب الأرض، (ولم يكن للناس) يومئذٍ (كراء)؛ أي: أجرة (إلا هذا)، فلم يكن ذهب ولا فضة، (فلذلك)؛ أي: لكونه ربما سلم منه جانب، وعطب جانب، فيتضرر الذي عطب بالجانب الذي صار له دون ذاك (زجر) ﷺ ؛ أي: نهى (عنه، فأما) بـ (شيء) من الذهب أو الفضة أو الطعام (معلومٍ) لكلٍّ منهما (مضمونٍ) على العامل لرب الأرض، (فلا بأس)؛ أي: لا إثم ولا حرج (به) على واحدٍ منهما.
قال الحافظ -رحمه الله تعالى-: (الماذيانات) في الحديث: هي (الأنهار الكبار)، وتقدم أما ليست بعربية، (والجداول): جمع جدول، كجعفر: (النهر الصغير) (١).
فإذا كان هذا ثابتًا من حديث رافع بن خديج، وقد علمتُ ثبوته، وأنه في "الصحيحين"، فليس هو من محل النزاع، فإن هذا الذي ذكره لا خلاف في فساده، وحينيذٍ لا تعارض بين الحديثين، فإن لم يحمل حديث رافع على هذا الذي فسره من نفسه وبيَّنه بيانًا شافيًا، وإلا فليحمل على الكراء بثلث أو ربع، والنزاع في المزارعة، ولم يدل حديثه عليها أصلًا، وحديثه الذي في المزارعة يحمل على الكراء أيضًا؛ لأن القصة واحدة أتت بألفاظٍ مختلفة، فيجب تفسير أحد اللفظين بما يوافق الآخر، فإن لم يحمل لا على هذا ولا على هذا، وتمادى الخصم مع ظاهر بعض ألفاظ حديثه بوهم النهي عن المزارعة، قلنا: لا جرم أن حديث رافع هذا ورد بألفاظٍ وروايات مضطربة جدًا، مختلفة اختلافًا كثيرًا يوجب ترك العمل بها لو انفردت، فكيف تُقدم على مثلِ حديثنا؟
стр. 2601
قال الإمام أحمد ﵁: حديث رافع ألوان.
قال ابن المنذر: قد جاءت الأخبار عن رافع من عدة روايات مختلفة مضطربة، وقد أنكر حديثه فقيهان من فقهاء الصحابة ﵃:
أحدهما: زيدُ بن ثابت ﵁، قال عن حديث رافع لمّا بلغه: أنا أعلم بذلك منه، وإنما سمع النبيُّ في رجلين قد اقتتلا، فقال: "إن كان هذا شأنكم، فلا تكروا المزارع" رواه أبو داود (١).
والثاني: ما روى البخاري عن عمرو بن دينار، قال: قلتُ لطاوس: لو تركتَ المخابرةَ، فإنهم يزعمون أن النبيَّ ﷺ نهى عنها، فقال: إن أعلمهم -يعني: ابن عباس ﵄ أخبرني: أنّ النبي في لم ينه عن ذلك، ولكن قال: " [لَـ]ـأَنْ يمنح أحدكم أخاه [أرضه] خيرٌ له من أن يأخذ عليه خراجًا معلومًا"، ورواه الإمام أحمد، وابن ماجة، وأبو داود (٢).
وروى الترمذي، وصححه عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ لم يحرم المزارعة، ولكن أمر برفق بعضهم ببعض (٣).
стр. 2602
ثم إن أحاديث رافع:
- منها ما يخالف الإجماع، وهو النهي عن كراء المزارع بالإطلاق.
- ومنها ما لا يختلف في فساده، كما قد بيّنا.
- وتارةً يحدث عن عمومته.
- وتارةً عن سماعه.
- وتارةً عن ظهير بن رافع.
فإذا كانت أخبار رافع هكذا، فطرحُها أولى وأحرى من الأخبار الواردة في شأن خيبر الجارية مجرى التواتر التي لا اختلاف فيها، وقد عمل بها الخلفاء الراشدون وغيرهم، فلا معنى لتركها بمثل هذه الأحاديث المضطربة.
ولمّا كان الإمام أحمدُ أعلم الناس بالمنقوله، وأحفظَهم لأحاديث الصحابة والرسوله، لم يعرِّجْ على خبر رافع، ولم يلوِ إليه عِنانه، لعلمه بثبوت أحاديث المزارعة، وعدمِ ما يقاومها من الأحاديث المخالفة لها.
وأَمّا حملُ الشافعية أحاديثَ المزارعة على الأرض التي بين النخيل، وأحاديثَ النهي على الأرض البيضاء، جمعًا بينها، فهذا بعيد جدًا، فإنه يبعد أن يكون بلدٌ كبيرةٌ يأتي منها أربعون ألف وسق ليس فيها أرضٌ بيضاء.
ثم إنّ هذا تحكم لا طائل تحته.
ثم إنّ موافقة الخلفاء الراشدين وأهليهم، وفقهاءِ الصحابة، وهم الأعلمُ بأحاديث رسول الله ﷺ وسنّته ومعانيها أولى وأحرى من قول من خالفهم.
стр. 2603
وقد نقل الإمام أبو جعفر الإجماعَ على ما ذهبنا إليه، فإجماعُ السلف أولى بالاتباع، بل لا مندوحة للقول بخلافه.
وأيضًا: فإن القياس يقتضي ذلك، فإنّ الأرض عين تنمى بالعمل، فجازت المعاملة عليها ببعض نمائها، كالمال في المضاربة، والنخل في المساقاة، والله تعالى أعلم (١).
تنبيهات:
الأول: تجوز المزارعة بجزءٍ مشاعٍ معلوم يُجعل للعامل من الزّرع -كما تقدم-، ويشترط كون البذر من ربّ الأرض، ولو أنه العامل، وبقر العمل من الآخر، ولا تصحّ إذا كان البذر من العامل، أو منهما، أو من أحدهما، والأرض لهما، أو الأرض والعمل من الآخر، أو البذر من ثالث، أو البقر من رابع.
وعن الإمام أحمد ﵁: أنّه لا يُشترط كون البذر من ربّ الأرض.
واختار هذا الإمامُ الموفق، والمجد، والشارح، وابن رَزين، وأبو محمد الجوزي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وابن قاضي الجبل في "الفائق"، وصاحب "الحاوي الصغير" (٢).
قال الإمام الموفق في "المغني": وهو الصحيح، وعليه عمل الناس (٣).
стр. 2604
قال في "الإنصاف": وهو أقوى دليلًا (١).
قال الإمام شمس الدين بن أبي عمر في "شرح المقنع": اختلفت الرواية عن الإمام أحمد ﵁ في هذه المسألة، فروي عنه: اشتراطُ كون البذر من ربِّ الأرض، نصّ عليه في رواية جماعة، وهو اختيار الخرقي، وعامة الأصحاب، وهو قول ابن سيرين، وإسحاق؛ لأنه عقدٌ يشترك ربُّ المال والعامل في نمائه، فوجب أن يكون رأس المال كلّه من عند أحدهما، كالمساقاة والمضاربة.
قال: وروي عنه ما يدل على أنّ البذر يكون من العامل، فإنّه قال في روايةٍ مهنّا في الرجل تكون له الأرض فيها نخلٌ وشجرٌ، يدفعها إلى قومٍ يزرعون الأرض، ويقومون على الشجر على أن له النصف ولهم النصف، فلا بأس بذلك، قد دفع النبي ﷺ خيبر على هذا، فأجازَ دفعَ الأرضِ ليزرعها من غيرِ ذكر البذر، فعلى هذا أيهما أخرج البذر، جاز، وروي نحو ذلك عن عمر ﵁، وهو قول أبي يوسف وطائفة من أهل الحديث.
قال: وهو أصح -إن شاءَ الله تعالى-.
وروي ذلك عن سعد، وابن مسعود، وابن عمر: أنَّ البذر من العامل، ولعلّهم أرادوا به: يجوز أن يكون من العامل، فيكون كقول عمر ﵁.
قال: ولا يكون قولًا ثالثًا.
قال: والدليل على ذلك قولُ ابن عمر: دفع رسولُ الله ﷺ إلى يهود خيبرَ نخلَ خيبر وأرضَها على أن يعملوها من أموالهم، ولرسول الله ﷺ
стр. 2605
شطرُ ثمرها، وفي لفظٍ: "أن يعملوها ويزرعوها، ولهم شطر ما يخرج منها" رواه أبو داود، ورواه مسلم -أيضًا- (١)، وتقدم.
قال: المجد في "المنتقى": وظاهر هذا أن البذر منهم، وأنّ تسمية نصيب العامل تغني عن تسمية نصيب ربّ المال، ويكون الباقي له، انتهى (٢).
قال شمس الدين: فجعل عملَها من أموالهم، وزرعَها عليهم، ولم يذكر شيئًا آخر، وظاهره: أن البذر من أهل خيبر.
قال: والأصل المعمول عليه في المزارعة قصةُ خيبر، ولم يذكر النبي ﷺ أنّ البذر على المسلمين، فلو كان شرطًا، لما أخلّ بذكره، ولو فعله النبي ﷺ وأصحابه، لنقل، ولم يجز ترك نقله، ولأن عمر ﵁ فعل الأمرين جميعًا، فروى البخاري عنه: أنّه عامل الناس على أنّه إن جاء بالبذر من عنده، فله الشطر، وإن جاؤوا بالبذر، فلهم كذا، وتقدّم (٣).
وظاهر هذا: أنّ ذلك اشتهر، فلم ينكر، فكان إجماعًا.
فإن قيل: هذا بمنزلة بيعيتن في بيعة، فكيف يفعله عمر؟
قلنا: يُحمل على أنّه قال ذلك ليخبرهم في أيّ العقدين شاؤوا، فمن اختار عقدًا، عقده معه معيّنًا، كما لو قال في البيع: إن شئتَ بعتُك بعشرةٍ صحاح، وإن شئتَ بأحدَ عشرَ مكسرة، فاختار أحدهما، فقد وقع البيعُ عليه معيّنًا. انتهى (٤).
стр. 2606
وفي "مختصر فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية": المزارعة على الأرض بشطر ما يخرج منها جائز، سواء كان البذر من ربِّ الأرض، أو من العامل، هذا هو الصواب الذي دلت عليه سنّة رسول الله ﷺ ؛ لأنّه زارعَ أهلَ خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمرٍ وزرعٍ على أن يعملوها من أموالهم.
قال: والمزارعة على الأرض البيضاء مذهبُ الثوري، وابن أبي ليلى، والإمام أحمد، وأبي يوسف، ومحمد، والمحققون (١) من أصحاب الشافعي العلماء بالحديث، وبعض أصحاب مالك، وغيرهم.
قال: ونهيُه ﷺ عن المخابرة هو أنّهم كانوا يعملون ويشرطون للمالك بقعة معينة من الأرض، وهذا باطل بالاتفاق، انتهى (٢).
الثاني: حكم المساقاة كالمزارعة في ذلك، فيصحّ على هذا القول أن يكون الغراس من مُساق ومُناصب (٣).
قال الإمام المنقح علاء الدين في "تنقيحه": وعليه العمل (٤).
قال الإمام شمس الدين في "شرح المقنع": ولو دفع إلى رجل أرضه يغرسها على أن الشجر بينهما، لم يجز، ويحتمل الجواز بناء على المزارعة، فإن المزارع يبذر في الأرض، فيكون بينه وبين صاحب الأرض، وهذا نظيره.
стр. 2607
فأما إن دفعها على أن الأرض والشجر بينهما، فذلك فاسدٌ، وجهًا واحدًا، وبه قال مالك، والشافعي، وأبو يوسف، ومحمد، ولا نعلم فيه مخالفًا؛ لأنه يشترط اشتراكهما في الأصل، ففسد، كما لو دفع إليه الشجر والنخيل ليكون الأصل والثمرة بينهما.
ويدل لصحة كونِ الغراس من العامل قولُ الإمام أحمد ﵁ في رواية المروذي: من قال لرجلٍ: اغرس في أرضي هذه شجرًا أو نخلًا، فما كان من غلّةٍ، فلكَ بعملك كذا وكذا، فأجازه، واحتجّ بحديث خيبر في الزرع والنخل، لكن يشترط أن يكون الغرس من ربِّ الأرض، كما يشترط في المزارعة كون البذر من ربِّ الأرض، فإن كان من العامل، خرجَ على الروايتين في المزارعة إذا شرط البذر من العامل (١)، وقد علمت الخلاف في ذلك.
الثالث: دلَّ الحديث على جواز كراء الأرض بالذهب والورق المعلومين، فلا يصح كون الأجرة بشيء غير معلوم المقدار عند العقد، لما دلَّ الحديث على عدم اغتفار جهالة الأجرة، ويستدل به أيضًا على جواز كراء الأرض بطعامٍ مضمون.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومن استأجر أرضًا بجزءٍ معلومٍ من زرعها، فظاهر المذهب صحتها، سواء سميِّت إجارة، أو مزارعة، فإن لم تزرع الأرض، وصححناها، ضمنت بالمسمى الصحيح (٢).
قال في "الإقناع": وتصحُّ إجارةُ أرضٍ بنقدٍ وعُروضٍ، وبجزءٍ مُشاعٍ معلومٍ مما يخرج منها.
стр. 2608
قال: وتصحُّ إجارتُها بطعامٍ مَعلومٍ من جنسِ الخارجِ منها، ومن غير جِنسِه.
وفيه -أيضًا-: وتصحُّ -يعني: المساقاةَ- بلفظِ مُساقاة، ومُعاملةٍ، ومُفالحةٍ، وبكلِّ لفظٍ يؤدِّي معناها، وتصحُّ هي ومزارعةٌ بلفظِ إجارة (١). والله تعالى الموفق.
لَفْظٍ: "أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ، وَلَا تُفْسِدُوهَا، فَإنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى، فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَهَا حَيًّا ومَيِّتًا، وَلِعَقِبِه" (١).
* * *
(عن) أبي عبد الله (جابرِ بنِ عبد الله ﵄، قال: قضى النبيُّ ﷺ بالعُمْرَى) -بضم العين المهملة وسكون الميم، مقصورًا- مأخوذة من العمر.
قال في "المطلع": قال أبو السعادات: يقال: أعمرتُه الدارَ عُمرى؛ أي: جعلتها له يسكنها مدة عمره، فإذا ماتَ، عادت إليَّ، كذا كانوا يفعلونه في الجاهلية، فأبطل ذلك النبيُّ ﷺ ، وأعلمهم أن من أعمرَ شيئًا وأرقبه في حياته، فهو لورثته من بعده (٢).
وفي "شرح البخاري" للبدر العيني: العُمْرَى -بضم العين المهملة وسكون الميم، مقصورًا، وحكي بضم العين والميم جميعًا، وبفتح العين وسكون الميم-.
стр. 2611
وقال ابنُ سيده: العُمْرى: مصدرٌ، كالرُّجْعى، وأصلها مأخوذ من العمر، والرقبى: بوزن العُمْرى، كلاهما على وزن فُعْلَى (١)، وأصل الرقبى من المراقبة (٢).
قال في "المطلع": أرقبتكها؛ أي: أعطيتكها رقبى.
قال ابن [الـ] قطاع: أرقبتك: أعطيتك الرقبى، وهي هبة ترجع إلى المُرْقِب إن ماتَ المُرْقَب، وقد نَهَى عنه، والفاعل منهما مُعْمِر ومُرْقِب -بكسر الميم والقاف-، والمفعول -بفتحهما- (٣).
وقد روى النسائي بإسناد صحيح عن ابن عباس ﵄ موقوفًا: العمرى والرقبى سواء (٤)؛ يعني: في الحكم.
(لمن وُهبت)؛ أي: العمرى، وكذا الرقبى (له)؛ أي: حكمَ ﷺ بصحة هبة العمرى للشخص الذي وُهبت له.
قال علماؤنا ومن وافقهم: لا يصح توقيت الهبة، كقوله: وهبتك هذا سنة، إلا العمرى والرقبى، وهما نوعان من أنواع الهبة يفتقران إلى ما يفتقر إليه سائر الهبات، كقوله: أعمرتك هذه الدار، أو الفرس، أو الجارية، أو أرقبتكها، أو جعلتها لك عمرك، أو حياتك، أو ما حَييتَ، أو ما عشتَ، أو نحو هذا، أو عمرى، أو رقبى ما بقيت، أو أعطيتكها عمرك، ويقبلُها، فتصح، وتكون للمُعْمَر -بفتح الميم-، ولورثتِه من بعده لتَصريحه.
وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي في العمرى، فقالوا: إن كان له ورثه،
стр. 2612
سواء قال المعمِر للمعمَر: هي لك ولعقبك، أو أطلق، فإن لم يكن له وارث، فلبيت المال، ولا تعود إلى معمِر (١).
وفي "البخاري": أعمرتُه الدارَ، فهي عمرى: جعلتُها له (٢).
قال أبو عبيد: العمرى: أن يقول الرجل للرجل: داري لك عمرَكَ، أو يقول: داري هذه لك عمري (٣)، فإن قال ذلك، وسلّمها إليه، كانت للمعمَر، ولم ترجع إليه؛ أي: المعمِر إن مات، وكذا إذا قال: أعمرتك هذه الدار، وجعلتُها لك حياتَك، أو ما بقيتَ، ونحو ذلك (٤).
(وفي لفظٍ) عند مسلم من حديث جابرٍ ﵁: (من أعمر عمرى له ولعقبه) بأن قال مثلًا: أعمرتك داري هذه لك ولعقبك، (فإنها)؛ أي: العُمرى للشخص (الذي أُعمرها)، وهو المعمَر -بفتح الميم- (لا ترجع إلى الذي أعطاها) بعد موت المعمَر (لأنه) أي: المعمِر -بكسر الميم- (أعطى) المعمَر -بفتحها- (عطاء) ملكه مدةَ حياته، وبعد موته (وقعت فيه)؛ أي: في ذلك الشيء المعطى (المواريثُ).
وقد روى سعيد: حدَّثنا هشيم، أنبأنا حميد، حدثنا الحَسن: أنَّ رجلًا أعمر فرسًا حياته، فخاصمه بعد ذلك إلى النبي ﷺ ، فقال ﷺ : "من ملك شيئًا حياته، فهو لورثته بعده" (٥).
стр. 2613
قال في "الفروع": حديث: "من ملك شيئًا حياته، فلورثته بعد موته" نقله الإمام أحمد والترمذي (١).
قال البدر العيني في "شرح البخاري": العمرى على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يقول: أعمرتُكَ هذه الدَّار، فإذا متَّ، فهي لعقبكَ، أو ورثتكَ، فهذه صحيحة عند عامّة العلماء.
ونقل النووي أنَّه لا خلاف في صحتها (٢)، وإنما الخلاف هل يملك الرقبة أو المنفعة فقط؟
الثاني: ألا يذكر ورثتَهُ، ولا عقبَهُ، بل يقول: أعمرتك هذه الدار، وجعلتُها لك، أو نحوَ هذا، ويطلق، ففيها أربعة أقوال: أصحها: الصحة له ولورثته من بعده، وهو قول الشافعي في "الجديد"، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد، وسفيان الثوري، وأبو عُبَيد، وآخرون.
وقال الشافعي في "القديم": إنها لا تصحّ؛ لأنَّه تمليك مؤقت، أشبه ما لو وهبه أو باعه إلى وقتٍ معين، وحكي عنه في "القديم" -أيضًا-: أما تصح، وتكون للمعمَر في حياته فقط، فإذا ماتَ، رجعت إلى المعمِر، أو إلى ورثته إن كان قد مات.
وقيل: إنَّها عارِيَّة يستردها المعمِر متى شاء، فإذا مات، عادت إلى ورثته.
الثالث: ألَّا يذكر العقب، ولا الورثة، ولا يقتصر على الإطلاق، بل يقول: فإذا متَّ، رجعت إليَّ، أو إلى ورثتي إن كنتُ متُّ، فهي الرقبى (٣).
стр. 2614
قال علماؤنا ومن وافقهم: وإن اشترط رجوعها بلفظ الإِرقاب وغيره إلى المعمِر -بكسر الميم- عند موته، أو إليه إن مات قبله، أو إلى غيره، فهي الرقبى، أو رجوعها مطلقًا، أو إلى ورثته، أو قال: هي لآخرنا موتًا، صحَّ العقد دون الشرط، وتكون للمعمَر -بفتح الميم-، ولورثته من بعده كالأوله، ولا ترجع إلى المعمِر والمرقِب (١)، وهذا هو الأصح عند الشافعية.
قال: الإمام عون الدين صدر الوزراء أبو المظفر بن هبيرة: وأما الرقبى، فحَكَمَ بها حُكمَ العمرى: الشّافعيُّ، وأحمدُ، وهي أن يقول: أرقَبتُك داري، أو جعلتها لك حياتك، فإن متَّ قبلي، رجعتْ إليَّ، وإن متُّ قبلك، رجعتْ إليك.
وقال: أبو حنيفة ومالك: الرقبى باطلة.
إِلَّا أنَّ أبا حنيفة قال: تبطل المُطْلَقة دون المقيدة، وصفة المطلقة عنده: أن يقول: هذه الدار رقبى، انتهى (٢).
تنبيه:
قال: الإمام مالكٌ في العمرى: هي تمليكُ المنافع، وإذا مات المعمَر، رجعت العمرى؛ يعني: للمعمِر -بكسر الميم-، وإن ذكر في الإعمار عقبَه، رجعت إليهم، فإذا انقرض عقبُه، رجعتْ إلى المعمِر، فإذا أطلق، لم ترجع إليهم، بل إلى المعمِر، فإن لم يكن المعمِر موجودًا، عادت إلى ورثته، نقله ابنُ هبيرة في "خلاف الأئمة" (٣).
стр. 2615
قال: البدر العيني: وأما الرقبى، فهي أن يقول الرَّجل للرجل: أرقبتُكَ داري، إن متُّ قبلك، فهي لك، وإن متَّ قبلي، فهي لي، وهو مشتق من الرقوب، فكأن كل واحد منهما يترقب موتَ صاحبه (١).
وقال: أبو عيسى الترمذي: ذهب أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أنَّ الرقبى جائزة مثل العمرى، قال: وهو قول أحمد، وإسحاق.
وفرق بعض أهل العلم من أهل الكوفة وغيرهم بين العمرى والرقبى، فأجازوا العمرى، ولم يجيزوا الرقبى (٢).
وقال صاحب "الهداية" من الحنفية: والرقبى باطلة عند أبي حنيفة، ومحمد، ومالك.
وقال: أبو يوسف: جائزة (٣)، وبه قال الشّافعيّ، وأحمد (٤).
(وقال جابر) أيضًا ﵁: (إنما العُمْرَى التي أجازها النبيُّ ﷺ : أن يقول) المعمِر -بكسر الميم- للمعمَر -بفتحها-: (هي)؛ أي: (لعمرى (لك) مدّةَ حياتك (ولعقبِك) بعد وفاتك.
(فأما إذا قال) له: (هي لكَ ما عشتَ)؛ أي: مدّة عَيشِكَ، ونحوه، (فإنها)؛ أي: العمرى والحالةُ هذه (ترجع إلى صاحبها)؛ يعني: المعمِر -بكسر الميم-.
واعلم: أن مسلمًا قد روى حديث جابر بألفاظٍ مختلفةٍ، وأسانيدَ متباينة، ولم يخرج البخاري عن جابر في العمرى سوى اللفظ الأول،
стр. 2616
فروى مسلم عنه: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "أيُّما رجلٍ أعمرَ عمرى له ولعقبه، فإنَّها للذي أُعطيها" الحديث (١).
وعنه قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من أعمر رجلًا عُمْرى له ولعقبه، فقد قطع [قولُه] حقّهُ فيها، وهي لمن أُعمر ولِعَقبِهِ" (٢).
وعنه -أيضًا-: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "أيما رجل أعمرَ رجلًا عمرى له ولِعَقِبِهِ، فقال: قد أعطيتُكها وعقبَكَ ما بقي منكم أحدٌ، فإنَّها لمن أُعطيها وعقبه، وإنَّها لا ترجع إلى صاحبها، من أجل أنَّه أعطاها عطاءً وقعتْ فيه الموَريثُ" (٣).
وعنه: أنَّ رسول الله ﷺ قضى فيمن أعمرَ عمرى له ولعقبه، فهي له بَتْلَةٌ (٤) لا يجوز للمعطي فيها شرط ولا ثُنيا. قال أبو سلمة بنُ عبد الرحمن بنِ عوف: لأنَّه أعطى عطاء وقعتْ فيه المواريثُ، فقطعت المواريثُ شرطه (٥).
(وفي لفظٍ) من حديث جابر، لمسلم ممّا أخرجه من رواية أبي الزبير عن جابر، يرفعه إلى النبي ﷺ ، قال: (أَمسكوا عليكم أموالكم، ولا تُفسدوها) بإعمارها لغيره (فإنّه)؛ أي: الشأن والأمر (مَنْ أعمرَ عُمرى فهي)؛ أي: العمرى التي أعمرها لغيره ملكٌ للشخص (الذي أُعْمِرها) -بضم الهمزة وسكون العين المهملة مبنيًا للمجهول- (حيًّا وميّتًا)، يعني: أنّها تكون بعد
стр. 2617
موته تركةً له كسائر مخلّفاته، (و) إذا كانت من جملة مخلّفاته، فهي (لِعَقِبِهِ) من بعده على حسب الإرث الشرعي.
وعنه: قال: جعل الأنصار يُعْمِرون المهاجرين، فقال رسول الله ﷺ : "أَمسكوا عليكم أموالكم"، فذكره (١).
وعن أبي الزبير عن جابر، قال: أَعمرت امرأة بالمدينة حائطًا لها ابنًا لها، ثم تُوفي، وتُوفيت بعده، وترك ولدًا له، وله إخوة وبنون للمعمِرة، فقال ولد المعمِرة: رجع الحائط إلينا، وقال بنو المعمر؛ أي: -بفتح الميم-: بل كان لأبينا حياته وموته، فاختصموا إلى طارق مولى عثمان، فدعا جابرًا، فشهد على رسول الله ﷺ بالعمرى لصاحبها، فقضى بذلك طارق، ثم كتب إلى عبد الملك، فأخبره بذلك، وأخبره بشهادة جابر، فقال عبد الملك: صدق جابر، فأمضى ذلك طارق بأنّ ذلك الحائط لبني المعمَر حتى اليوم (٢).
وغير ما ذكرنا من الألفاظ.
وبمجموع ما ذكرنا احتجّ الجمهور على أنَّ المعمَر -بفتح الميم- يملك العمرى ملكًا تامًا يتصرف فيها تصرُّفَ المُلاّك، واشترطوا فيها القبض على أُصولهم في الهبات (٣)، نعم، روي عن الإمام أحمد ﵁ عدمُ وطء الجارية المعمرة، فقد نقل يعقوب وابن هانىء عن الإمام أحمد: من يعمر الجارية أيطأُ؟ قال: لا أراه، وحمله القاضي على الورع (٤).
стр. 2618
قال في "المغني": عن الإمام أحمد في الرجل يعمر الجارية: فلا أرى له وطأها، قال: القاضي: لم يتوقف أحمد عن وطء الجارية لعدم الملك فيها، لكن على طريق الورع؛ لأن الوطء استباحة فرج، وقد اختلف في صحة العمرى، وجعلها بعضهم تمليك المنافع، فلم يحيى له وطأها، لهذا، ولو وطئها، كان جائزًا (١).
وذهب القاسم بن محمّد، ويزيد بن قسيط، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والليث بن سعد، ومالك: إلى أنَّ العمرى جائزة، ولكنها
ترجع إلى الذي أعمرها، واحتّجوا لذلك بقوله ﵇: "المسلمون عند شروطهم" أخرجه أبو داود، والطحاوي من حديث أبي هريرة ﵁ (٢).
وأجاب عنه الطحاوي: بأنّ هذا محمول على الشروط التي قد أباح الكتاب اشتراطها، وجاءت بها السنة، وأجمع عليها المسلمون، وما نَهَى عنه الكتاب، ونهت عنه السنّة، فهو غير داخل في ذلك، ألا ترى أنَّ رسول الله ﷺ قال في حديث بَريرة: "كل شرط ليس في كتاب الله، فهو باطل، وإن كان مئة شرط" (٣)؟.
стр. 2619
الحديث الثاني عشر
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَمْنَعَنَّ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ"، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: مَالِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟! وَاللهِ! لأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكتَافِكُمْ (١).
* * *
(عن أبي هريرةَ) عبد الرحمنِ بنِ صخر (﵁: أنَّ
стр. 2620
رسول الله ﷺ قال: لا يمنعنَّ) نهي مؤكد بالنون الثقيلة. وفي لفظٍ: "لا يمنعْ" -بالجزم- على أنَّ كلمة "لا" ناهية، وفي رواية: بالرفع على أنَّ "لا" نافية خبرٌ بمعنى النّهي (١) (جارٌ) -بالرفع- فاعلُ يمنع (جارَه) بالنصب مفعولٌ (أن يغرز)؛ أي: بأن يغرز، وكلمة (أن) مصدرية؛ أي: يغرز (خَشَبه) -بفتح الخاء والشين المعجمتين- جمعُ خشبة، ويجمع أيضًا على
خُشْب -بضم الخاء وسكون الشين-، و-بضمتين-، وخشبان (٢)، وقد روي في الحديث بالإفراد، وأنكر ذلك الحافظُ عبد الغني بن سعيد، فقال: الناسُ كلّهم يقولونه بالجمع، إلّا الطحاوي (٣) (في جداره)؛ أي: حائطه، وفي قول أبي هريرة ﵁ بعد إيراده للحديث عن النبي ﷺ ما قال، يُشعر بوجوب ذلك (٤)؛ فإن الراوي، وهو الأعرجُ قال: (ثمّ يقول أبو هريرة ﵁: مالي أراكم عنها)؛ أي: عن هذه المقالة، أو عن هذه السنّة، وفي رواية أبي داود عن ابن عُيينة، عن الزهري، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا
استأذنَ أحدكم أخاه أن يغرز خشبة في جداره، فلا يمنعه"، فنكسوا، فقال أبو هريرة: مالي أراكم قد أعرضتم (٥)؟!
وفي رواية الإمام أحمد: فلما حدّثهم أبو هريرة بذلك، طأطؤوا رؤوسهم (٦) (معرضين) غير عاملين بمضمونها، ولا ممتثلين لها، (واللهِ
стр. 2621
لأرمينَّ بها)، وفي رواية: "لأرمينّها" (١)، وفي رواية أبي داود: لألقينّها (٢) (بين أكتافكم).
قال ابنُ عبد البَر: رويناه في "الموطأ" بالتاء المثناة، وبالنون، يعني: بالوجهين (٣)، فأكتافكم جمع كتف -بالتاء-، وبأكنافكم -بالنون- جمع كَنَف، وهو الجانب (٤)
قال الخطابي: معناه: إن لم تقبلوا هذا الحكم، وتعملوا به راضين، لأجعلنّها؛ أي: الخشبة على رقابكم كارهين، وأراد بذلك المبالغة، ووقع ذلك من أبي هريرة حين كان يلي أمر المدينة لمروان، ووقع في رواية عند ابن عبد البر من وجه آخر: لأرمينّ بها بين أعينكم وإن كرهتم (٥)، ولا يخفى ما في هذا من مزيد التشديد المقتضي بأن ذلك حقٌّ على الجارِ للجار من غرز خشبه في الجدار، لكن بشروطٍ معلومةٍ، واعتبارات مفهومة.
تنبيه:
اختلف العلماء في معنى هذا الحديث، فقال قومٌ: معناه: الندب إلى بِرِّ الجار، وليس على الوجوب، وبه قال أبو حنيفة، ومالك.
وروى ابن عبد الحكم عن مالك، قال: ليس يقضى على رجلٍ أن يغرز
стр. 2622
خشبه في جدار جاره، وإنما نرى أنَّ ذلك كان من رسول الله ﷺ على الوصاة بالجار (١)، قال: وأكثر علماءِ السلف أن ذلك على الندب، وقال قوم: هو واجب إذا لم يكن في ذلك مضرة على صاحب الجدار، وهو مذهب الإمام أحمد، وبه قال الشافعي في "القديم"، وأبو ثور، وداود، وجماعة من أصحاب الحديث، وهو قول عمر بن الخطاب، فقد روى
الشافعي عن مالك بسند صحيح: أن الضحاك سأل محمدَ بنَ مسلمةَ أن يسوق خليجًا له، فيمر به في أرض محمّد بن مسلمة، فامتنع، فكلمه عمر ﵁ في ذلك، فأبى، فقال: والله! ليمرنّ به ولو على بطنك (٢)، فحمل عمر الأمر على ظاهره، وعدَّاه إلى كل ما يحتاج الجار الانتفاع به من جداره وأرضه (٣).
وقال الحافظ في "الفتح": قد قوى الشافعي في "القديم" القول بالوجوب بأنَّ عمر ﵁ قضى به، ولم يخالفه أحدٌ من أهل عصره، فكان اتفاقًا منهم على ذلك (٤)، واعترضه العيني بأن ما ذكره مجردُ دعوى تحتاج إلى إقامة دليل (٥).
قلتُ: ولا يخفى على منصف أن الدّليل على مثبت الخلاف بين الصحابة الكرام، إذ النفْي مصحوب بالأصل، والله أعلم.
стр. 2623
قال علماؤنا ومن وافقهم: وليس للجار وضع خشبه على حائط جاره،
أو المشترك إلّا عند الضرورة (١).
وفي "المغني": إلا للحاجة، نص عليه (٢).
قال في "الإقناع": بأن لا يمكنه التسقيف إلّا به، فيجوز، ولو ليتيم ومجنون، ما لم يتضرر الحائط، وليس له منعه منه إذن، فإن أبى، جبره الحاكم، وإن صالحه عنه بشيء، جاز، وكذا حكمُ جدار مسجد.
ومن ملك وضع خشبه على حائط، فزال بسقوطه، أو قلعه، أو سقوط الحائط، فله إعادته بشرط ألا يمكن تسقيف إلا به بلا ضرر.
وإن قلنا: له وضع خشبه على جدار جاره، لم يملك إجارته، ولا إعارته، ولا بيعه، ولا المصالحة عنه للمالك، ولا لغيره؛ لأنه أبيح له من حق غيره لحاجته، ولو أراد صاحب الحائط إعارته، أو إجارته على وجهٍ يمنع هذا المتستحق من وضع خشبه، لم يملك ذلك، وكذا لو أراد هدم الحائط لغير حاجة.
ولو أذن صاحب الحائط لجاره في البناء على حائطه، أو وضع سترة أو خشبة عليه في الموضع الذي لا يستحق وضعه، جاز، وصارت عارية لازمة، وإن أذن له في ذلك بأجرة، جاز، سواء كانت إجارة، أو صلحًا على وضعه على التّأبيد، ومتى زال، فله إعادته، لكن لا بد من معرفة البناء، والعرض والطول، والسُّمك، والآلات من الطين واللَّبِن وما أشبهَ ذلك (٣)، كما هو مفصل في فروع الفقه، والله الموفق.
стр. 2624
الحديث الثالث عشر
عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الأَرْضِ، طُوَّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ" (١).
* * *
(عن) أم المؤمنين (عائشةَ) الصدّيقة بنتِ الصدّيق (﵂) وعن أبيها: (أنَّ رسول الله ﷺ قال: من ظلم) أصلُ الظلم: الجور، ومجاوزة الحدّ، ومعناه الشرعي: وضع الشيء في غير موضعه الشرعي، وقيل: التصرف في ملك الغير بغير إذنه، والمظالم: جمع مظلمة، مصدر ميمي من ظلم يظلم ظلمًا، والمظلمة -أيضًا-: اسمُ ما أُخِذَ منكَ بغيرِ حقّ،
стр. 2625
والظلم: أخذ مالِ الغير بغيرِ حقّ (١) (قيد) -بكسر القاف-؛ أي: قدر.
قال في "المطلع" في قوله: "قيدَ رمح": يقال: قِيد رمح، وقِيس رمح، وقِدّ رمح -بكسر قافات الثلاثة-، وقاد رمح، وقاسُ رمح، خمس لغات بمعنى: قدر رمح، انتهى (٢).
(شبرٍ) بالجر بإضافته إلى "قيد"، وهو ما بين أعلى الإبهام وأعلى الخنصر، مذكر، وجمعه أشبار (٣)، والمراد: من اغتصب شيئًا (من الأرض)، وذكرُ الشبر على التنزُّل، والمقصود: من استولى على شيء من الأرض بغيرِ حقٍّ، سواء كان شبرًا، أو نحوه، أو دونه.
وقال: ابن دقيق العيد: قيَّده بالشبر مبالغة، ولبيان أنَّ ما زاد على مثله أولى منه، انتهى (٤).
وفي حديث سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: قال: النبي ﷺ : "من أخذ من الأرضِ شيئًا بغيرِ حقٍّ، خُسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين" رواه البخاري (٥). فقوله: "شيئًا" يتناول القليل والكثير من الأرضِ، (طُوِّقَهُ)؛ أي: جُعل طوقًا له، وهو -بضم الطاء المهملة- على بناء المجهول.
وقال: الخطابي: له وجهان:
أحدهما: أن يكلف ما ظلم منها في القيامة إلى المحشر، فتكون
стр. 2626
كالطوق في عنقه، ويطول الله عنقه كما جاء في غلظ جلد الكافر، وعظم ضرسه، أو يطوق إثم ذلك، ويلزم كلزومِ الطوق بعنقه.
وقال أبو الفرج بن الجوزي: هو من تطويق التكليف، لا من التقليد.
قال: وليس ذلك بممتنع، فإنّه صحَّ عن رسول الله ﷺ قال: "لا أُلفيَنَّ أحدَكم يأتي على رقبته بعير أو شاة" (١).
(من سبعِ أرضين).
وفي حديث يعلى بن مرّة: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "أيُّما رجل ظلم شبرًا من الأرض، كلّفه الله أن يحفره حتى يبلغ سبع أرضين، ثم يطوقه يوم القيامة حتى يُقضى بين الناس" (٢).
وفي رواية الشعبي عن أيمن، عنه: "من سرق شبرًا من أرض، أو غلّه، جاء يحمله يوم القيامة على عنقه إلى سبع أرضين" (٣).
وفي روايةٍ: "كُلِّف أن يحمل ترابها إلى المحشر" (٤).
وفي "الصحيحين" من حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ﵁، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، قال: سمعتُ
стр. 2627
رسول الله ﷺ يقول: "من ظلم من الأرض شبرًا، طُوّقه من سبع أرضين" (١).
وفيهما: عن عروة بن الزبير: أنَّ أروى بنتَ أُويس ادّعت على سعيد بن زيد أنَّه أخذ شيئًا من أرضها، فخاصمته إلى مروان بن الحكم، فقال سعيد: أنا كنتُ آخذ من أرضها شيئًا بعد الذي سمعتُه من رسول الله ﷺ قال؟ قال: وما سمعتَ من رسول الله ﷺ ؟ قالل: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من أخذ شبرًا من الأرض ظُلمًا، طُوقه إلى سبع أرضين"، فقال له مروان: لا أسأَلُكَ بيّنةً بعد هذا، فقال: اللهم إن كانت كاذبة، فأَعمِ بصرها، واقتلْها
في أرضها. قال: فما ماتت حتى ذهب بصرُها، ثم بينما هي تمشي في أرضها، إذ وقعت في حفرة، فماتت (٢).
وقال الكرماني: رُوي أنَّ مروان أرسل إلى سعيد ناسًا يكلمونه في شأن أروى بنتِ أويس، وكانت شَكَتْه إلى مروان في أرض، فقال سعيد: تروني ظلمتها؟ وقد سمعتُ رسول الله ﷺ يقول، الحديث، فتركَ سعيدٌ لها ما ادّعت، وقال: اللهم إن كانت كاذبة، فلا تُمتها حتّى تُعمي بصرها، وتجعل قبرها في بئر، قالوا: فوالله ما ماتت حتى ذهب بصرُها، فجعلت تمشي في دارها، فوقعت في بئرها (٣).
وفي "مسند الإمام أحمد"، وأبي يعلى، و"صحيح ابن خزيمة" من
стр. 2628
طريق ابن إسحاق: حدّثني الزهري، عن طلحة بن عبد الله، قال: أتتني أروى بنتُ أويس في نفرٍ من قريش فيهم عبدُ الرحمن بنُ سهل، فقالت: إن سعيدًا انتقص من أرضي إلى أرضه ما ليس له، وقد أحببتُ أن تأتوه فتكلموه، قال: فركبنا إليه وهو بأرضه العقيق، فذكر الحديث (١)، وكان سعيد ﵁ مجابَ الدَّعوة.
وفي "الصحيحين" من حديث سعيد بن زيد ﵁: أنَّ أروى خاصمته في بعض داره، فقال: دعوها وإتاها، فإني سمعتُ رسول الله ﷺ ، فذكر الحديث، ثمّ قال: اللهم إن كانت كاذبة، فأَعم بصرها، واجعل قبرها في دارها.
قال محمّد بن زيد: فرأيتها عمياء تلتمس الجدر، وتقول: أصابتني دعوةُ سعيد بن زيد، فبينما هي تمشي في الدار، إذ مرّت على بئرٍ في الدار، فوقعت فيها، فكانت قبرها (٢).
تنبيهات:
الأوّل: مقصود الحافظ المصنف -رحمه الله تعالى- بذكر هذا الحديث في الأحكام مع أنه من أحاديث الترهيب: أنَّ العقار يصحّ غصبه (٣).
قال في "شرح المقنع": ويُضمن العقار بالغصب، ويُتصور غصبُ الأرض والدور، ويجب ضمانه على غاصبه.
قال: هذا ظاهر مذهب الإمام أحمد، وهو المنصوص عند أصحابه،
стр. 2629
وبه قال مالك، والشافعي، ومحمد بن الحسن.
وروى ابن منصور عن الإمام أحمد فيمن غصب أرضًا فزرعها، ثم أصابها غرق من الغاصب: غرم قيمة الأرض، وإن كان سببًا من السماء، لم يكن عليه شيء، فظاهر هذا: أنَّها لا تضمن بالغصب، والمعتمد: بلى، كما علمت.
وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: لا يُتصور غصبُها، ولا تُضمن بالغصب، وإن أتلفها، ضمنها بالإتلاف؛ لأنه لا يوجد فيها النقل
والتحويل، فلم يضمنها، كما لو حال بينه وبين متاعه، فتلف المتاع، ولأن الغصب إثبات اليد على المتاع عدوانًا على وجهٍ تزول به يد المالك، ولا يمكن ذلك في العقار.
ولنا: ما ذكرنا من الأحاديث، وفي بعض ألفاظها: "من غصب شبرًا من الأرض" (١)، وفي بعضها: "من سرق" (٢)، وفي بعضها: "من اقتطع" (٣)، وفي بعضها: "من ظلم" (٤)، وفي بعضها: "من أخذ" (٥)، فأخبر المصطفى ﷺ : أنّه يغصب ويظلم فيه، ولأن ما ضمن في البيع، وجب ضمانه في الغصب، كالمنقول، ولأنه يمكن الاستيلاء عليه على وجهٍ يحول بينه وبين مالكه، مثل أن يسكن الدار، ويمنع مالكها من دخولها، فأشبه ما لو أخذ الدابة والمتاع، وأما إذا حال بينه وبين متاعه، فما استولى على
стр. 2630
ماله، فنظيره ها هنا أن يحبس المالك، ولا يستولي على داره، فأما ما تلف من الأرض بفعله، أو بسبب فعله، كهدم حيطانها، وتغريقه، وكشط ترابها، وإلقاء الحجارة فيها، أو نقصٍ يحصل بغرسِه أو بنائه، فيضمنه، بغير خلاف بين العلماء؛ لأن هذا إتلاف، والعقار يُضمن بالإتلاف من غير اختلاف (١).
قلت: ومعتمد المذهب: أنَّ الأرض مادامت في استيلاء الغاصب، فهي وأجرتها وما نقص منها من ضمانه، سواء كان بفعله، أو بسببه، أو بآفةٍ سماويّة؛ لأن العقار مضمونٌ بغصبه.
والعَقار -بفتح العين-: الضيعة، والنخل، والأرض، وغير ذلك، قاله أبو السعادات (٢).
وقال أبو عبد الله بن مالك في "مثلثه": العقار -بالفتح-: متاعُ البيت، وخيار كل شيء، والمال الثابت، كالأرض والشجر، وهو المراد هنا (٣).
وقال الكرماني في "شرح البخاري": وفيه -أي: الحديث-: غصب الأرض؛ أي: دليل على أنّ الأرض تُغصب، ويتأتى عليها ذلك، قال: خلافًا للحنفيّة.
قال العيني: رمى الكرماني كلامه جزافًا من غير وقوفٍ على كيفية مذهب الحنفية، فإن مذهبهم فيه خلاف، فعند أبي حنيفة، وأبي يوسف: الغصبُ لا يتحقق إلّا فيما ينقل ويحوَّل؛ لأنّ إزالة اليد بالنقل، ولا نقل في العقار، فإذا غصب عقارًا، فتلف في يده، لا يضمن.