← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

كالطوق في عنقه، ويطول الله عنقه كما جاء في غلظ جلد الكافر، وعظم ضرسه، أو يطوق إثم ذلك، ويلزم كلزومِ الطوق بعنقه. وقال أبو الفرج بن الجوزي: هو من تطويق التكليف، لا من التقليد. قال: وليس ذلك بممتنع، فإنّه صحَّ عن رسول الله ﷺ قال: "لا أُلفيَنَّ أحدَكم يأتي على رقبته بعير أو شاة" (١). (من سبعِ أرضين). وفي حديث يعلى بن مرّة: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "أيُّما رجل ظلم شبرًا من الأرض، كلّفه الله أن يحفره حتى يبلغ سبع أرضين، ثم يطوقه يوم القيامة حتى يُقضى بين الناس" (٢). وفي رواية الشعبي عن أيمن، عنه: "من سرق شبرًا من أرض، أو غلّه، جاء يحمله يوم القيامة على عنقه إلى سبع أرضين" (٣). وفي روايةٍ: "كُلِّف أن يحمل ترابها إلى المحشر" (٤). وفي "الصحيحين" من حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ﵁، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، قال: سمعتُ

стр. 2627

رسول الله ﷺ يقول: "من ظلم من الأرض شبرًا، طُوّقه من سبع أرضين" (١). وفيهما: عن عروة بن الزبير: أنَّ أروى بنتَ أُويس ادّعت على سعيد بن زيد أنَّه أخذ شيئًا من أرضها، فخاصمته إلى مروان بن الحكم، فقال سعيد: أنا كنتُ آخذ من أرضها شيئًا بعد الذي سمعتُه من رسول الله ﷺ قال؟ قال: وما سمعتَ من رسول الله ﷺ ؟ قالل: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من أخذ شبرًا من الأرض ظُلمًا، طُوقه إلى سبع أرضين"، فقال له مروان: لا أسأَلُكَ بيّنةً بعد هذا، فقال: اللهم إن كانت كاذبة، فأَعمِ بصرها، واقتلْها في أرضها. قال: فما ماتت حتى ذهب بصرُها، ثم بينما هي تمشي في أرضها، إذ وقعت في حفرة، فماتت (٢). وقال الكرماني: رُوي أنَّ مروان أرسل إلى سعيد ناسًا يكلمونه في شأن أروى بنتِ أويس، وكانت شَكَتْه إلى مروان في أرض، فقال سعيد: تروني ظلمتها؟ وقد سمعتُ رسول الله ﷺ يقول، الحديث، فتركَ سعيدٌ لها ما ادّعت، وقال: اللهم إن كانت كاذبة، فلا تُمتها حتّى تُعمي بصرها، وتجعل قبرها في بئر، قالوا: فوالله ما ماتت حتى ذهب بصرُها، فجعلت تمشي في دارها، فوقعت في بئرها (٣). وفي "مسند الإمام أحمد"، وأبي يعلى، و"صحيح ابن خزيمة" من

стр. 2628

طريق ابن إسحاق: حدّثني الزهري، عن طلحة بن عبد الله، قال: أتتني أروى بنتُ أويس في نفرٍ من قريش فيهم عبدُ الرحمن بنُ سهل، فقالت: إن سعيدًا انتقص من أرضي إلى أرضه ما ليس له، وقد أحببتُ أن تأتوه فتكلموه، قال: فركبنا إليه وهو بأرضه العقيق، فذكر الحديث (١)، وكان سعيد ﵁ مجابَ الدَّعوة. وفي "الصحيحين" من حديث سعيد بن زيد ﵁: أنَّ أروى خاصمته في بعض داره، فقال: دعوها وإتاها، فإني سمعتُ رسول الله ﷺ ، فذكر الحديث، ثمّ قال: اللهم إن كانت كاذبة، فأَعم بصرها، واجعل قبرها في دارها. قال محمّد بن زيد: فرأيتها عمياء تلتمس الجدر، وتقول: أصابتني دعوةُ سعيد بن زيد، فبينما هي تمشي في الدار، إذ مرّت على بئرٍ في الدار، فوقعت فيها، فكانت قبرها (٢). تنبيهات: الأوّل: مقصود الحافظ المصنف -رحمه الله تعالى- بذكر هذا الحديث في الأحكام مع أنه من أحاديث الترهيب: أنَّ العقار يصحّ غصبه (٣). قال في "شرح المقنع": ويُضمن العقار بالغصب، ويُتصور غصبُ الأرض والدور، ويجب ضمانه على غاصبه. قال: هذا ظاهر مذهب الإمام أحمد، وهو المنصوص عند أصحابه،

стр. 2629

وبه قال مالك، والشافعي، ومحمد بن الحسن. وروى ابن منصور عن الإمام أحمد فيمن غصب أرضًا فزرعها، ثم أصابها غرق من الغاصب: غرم قيمة الأرض، وإن كان سببًا من السماء، لم يكن عليه شيء، فظاهر هذا: أنَّها لا تضمن بالغصب، والمعتمد: بلى، كما علمت. وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: لا يُتصور غصبُها، ولا تُضمن بالغصب، وإن أتلفها، ضمنها بالإتلاف؛ لأنه لا يوجد فيها النقل والتحويل، فلم يضمنها، كما لو حال بينه وبين متاعه، فتلف المتاع، ولأن الغصب إثبات اليد على المتاع عدوانًا على وجهٍ تزول به يد المالك، ولا يمكن ذلك في العقار. ولنا: ما ذكرنا من الأحاديث، وفي بعض ألفاظها: "من غصب شبرًا من الأرض" (١)، وفي بعضها: "من سرق" (٢)، وفي بعضها: "من اقتطع" (٣)، وفي بعضها: "من ظلم" (٤)، وفي بعضها: "من أخذ" (٥)، فأخبر المصطفى ﷺ : أنّه يغصب ويظلم فيه، ولأن ما ضمن في البيع، وجب ضمانه في الغصب، كالمنقول، ولأنه يمكن الاستيلاء عليه على وجهٍ يحول بينه وبين مالكه، مثل أن يسكن الدار، ويمنع مالكها من دخولها، فأشبه ما لو أخذ الدابة والمتاع، وأما إذا حال بينه وبين متاعه، فما استولى على

стр. 2630

ماله، فنظيره ها هنا أن يحبس المالك، ولا يستولي على داره، فأما ما تلف من الأرض بفعله، أو بسبب فعله، كهدم حيطانها، وتغريقه، وكشط ترابها، وإلقاء الحجارة فيها، أو نقصٍ يحصل بغرسِه أو بنائه، فيضمنه، بغير خلاف بين العلماء؛ لأن هذا إتلاف، والعقار يُضمن بالإتلاف من غير اختلاف (١). قلت: ومعتمد المذهب: أنَّ الأرض مادامت في استيلاء الغاصب، فهي وأجرتها وما نقص منها من ضمانه، سواء كان بفعله، أو بسببه، أو بآفةٍ سماويّة؛ لأن العقار مضمونٌ بغصبه. والعَقار -بفتح العين-: الضيعة، والنخل، والأرض، وغير ذلك، قاله أبو السعادات (٢). وقال أبو عبد الله بن مالك في "مثلثه": العقار -بالفتح-: متاعُ البيت، وخيار كل شيء، والمال الثابت، كالأرض والشجر، وهو المراد هنا (٣). وقال الكرماني في "شرح البخاري": وفيه -أي: الحديث-: غصب الأرض؛ أي: دليل على أنّ الأرض تُغصب، ويتأتى عليها ذلك، قال: خلافًا للحنفيّة. قال العيني: رمى الكرماني كلامه جزافًا من غير وقوفٍ على كيفية مذهب الحنفية، فإن مذهبهم فيه خلاف، فعند أبي حنيفة، وأبي يوسف: الغصبُ لا يتحقق إلّا فيما ينقل ويحوَّل؛ لأنّ إزالة اليد بالنقل، ولا نقل في العقار، فإذا غصب عقارًا، فتلف في يده، لا يضمن.

стр. 2631

وقال محمد: يضمن، وهو قول أبي يوسف الأول، وبه قال زفر، والشافعي، ومالك، وأحمد؛ لأن الغصب عندهم يتحقق في العقار، والخلافُ في الغصب، لا في الإتلاف (١). هذا كلامه، ولا يخفى على منصفٍ أنّ الذي نسبه لكلام الكرماني بكلامه أَجدر، والحقُّ أحقّ أن يُتبع. ثمّ قال العيني ﵀: والاستدلال بحديث الباب على ما ذهبوا إليه غيرُ مستقيم؛ لأنّه ﵇ غصب الأرض التطوُّقَ يوم القيامة، ولو كان الضمان واجبًا، لبينه؛ لأن الضمان من أحكام الدنيا، فالحاجة إليه أمسّ. قال: والمذكورُ جميعُ جزائه، فمن زاد عليه، كان نسخًا، وذلك لا يجوز بالقياس، وإطلاق لفظ الغصب عليه لا يدلُّ على تحقق الغصب الموجب للضمان، كما أنّه ﵇ أطلق لفظَ البيع على الحرّ بقوله: "من باع حُرًّا" (٢)، ولا يدل على ذلك؛ أي: البيع الموجب لحكم، على أنه جاء في "الصحيحين" بلفظ: "أخذ"، فقال: "من أخذ شبرًا من الأرضِ ظلمًا"، فعُلم أنّ المراد من الغصب الأخذُ ظلمًا لا غصبًا موجبًا للضمان، ثم أورد على نفسه حديث: "على اليد ما أخذت حتى ترده" (٣)، وأجاب:

стр. 2632

بأنّ هذا بالمنقول أولى؛ لأن الأخذ حقيقة لا يتصور في العقار؛ لأن حدّ الأخذ أن يصير المأخوذ تبعًا ليده، كذا قال (١). قلتُ: لا يخفى ما في هذا الكلام على من له أدنى إلمام، فإنّ حديث البعير والشاة يدلُّ على ردّ ما ادّعاه من كون التطوق بالأرض جزاء غصبها، وحمله حديث: "على اليد ما أخذت حتى تردّه" على المنقول تحكُّم، والله الموفق. الثاني: في الحديث دليلٌ على أنّ من ملك أرضًا تملك أسفلَها إلى منتهاها، فله أن يمنع من حفر تحتها سربًا، أو بئرًا، سواء أضرّ ذلك بأرضه، أو لا. قال الحافظ ابن الجوزي: لأن حكم أسفلها تبع لأعلاها، وعلى ذلك، فله أن ينزل بالحفر ما شاء، ما لم يضر بأحد. واستدل الداودي على أنّ السبع أرضين بعضها على بعض، لم يفتق بعضها من بعض، قال: لأنها لو فتقت، لم يطوق منها ما ينتفع به غيره. وقيل: بين كل أرض وأرض خمس مئة عام مثل ما بين كل سماء وسماء (٢). وفي الحديث: دليل على أنّ الأرضين سبع كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، وأجاب من خالف ذلك بأنْ حملَ سبعَ أرضين على سبع أقاليم (٣).

стр. 2633

الثالث: لا يحصل الغصب من غير استيلاء، فلو دخل أرضَ إنسان أو دارهَ، لم يضمنها بدخوله، سواء دخلها بإذنه، أو بغير إذنه، وسواء كان صاحبها فيها، أو لم يكن، وقال بعض الشافعية: إن دخلها بغير إذنه، ولم يكن صاحبها فيها، ضمنها، سواء قصد ذلك، أو ظنّ أنّه داره، أو دارٌ أُذن له في دخولها؛ لأن يد الدّاخل تثبت عليها بذلك، فيصير غاصبًا، فإن الغصب إثباتُ اليد العادية، وهذا قد أثبت يده، بدليل أنهما لو تنازعا في الدار، ولا بينة، حكم لمن هو فيها دون الخارج منها. ولنا: أنه غير مستولٍ عليها، فلم يضمنها، كما لو دخلها بإذنه، أو دخل حميراه، ولأنه إنما يضمن بالغصب ما يضمنه بالعارية، وهذا لا تثبت به العارية، ولا يجب به الضمان فيها، فكذلك لا يثبت به الغصب إذا كان بغير إذنه (١)، والله الموفق.

стр. 2634

باب اللقطة قال في "المطلع": اللُّقَطَة: اسمٌ لما يُلقط، وفيها أربع لغات نظمها ابنُ مالك في قوله: [من الرجز] لُقَاطَةٌ وَلُقْطَةٌ وَلُقَطَهْ ... وَلَقْطَةٌ مَا لاقِطٌ قَدْ لَقَطَهْ فالثلاث الأُول: بضم اللام، والرابع: بفتح اللام [تسكين] والقاف. وروي عن الخليل: اللُّقَطة -بضم اللام وفتح القاف-: الكثيرُ الالتقاط، و -بسكون القاف-: ما يُلتَقط (١). قال أبو منصور: وهو قياس اللغة؛ لأن فُعَلَة -بفتح العين- أكثر ما جاء فاعل (٢)، وبسكونها مفعول، كضُحَكَة: للكثير الضحك، وضُحْكة: لمن تضحك منه (٣)، انتهى. وذكر الحافظ -رحمه الله تعالى- في هذا الباب حديثًا واحدًا، وهو ما أشير إليه بقوله:

стр. 2635

عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ ﵁، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ اللُّقَطَةِ، الذَّهَبِ أَوِ الوَرِقِ؟ فَقَالَ: "اعْرِفْ وِكَاءَها وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنةً، فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ، فَاسْتَنْفِقْهَا، وَلْتكُنْ عِنْدَكَ وَدِيعَةً، فَإنْ جَاءَ إِلَيْهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، فَأَدِّهَا إِلَيْهِ"، وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الإِبِل، فَقَالَ: "مَالَكَ وَلَهَا؟! دَعْهَا، فَإِنَّ مَعَهَا حِذاءَهَا وَسِقَاءَها، تَرِدُ المَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حتَّى يَجِدَهَا رَبُّها"، وَسَأَلَهُ عَنِ الشَّاةِ، فَقَالَ: "خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ" (١).

стр. 2636

(عن) أبي عبد الرحمن (زيدِ بنِ خالدٍ الجُهَنِيِّ) الصحابي (﵁)، والجُهَني -بضم الجيم وفتح الهاء- نسبة إلى جُهينةَ بنِ زيدِ بنِ ليثِ بنِ سُود -بضم السين المهملة- بن أسلُم -بضم اللام- ابنِ الحافِ بنِ قضاعةَ. وكان زيد حامل لِواء جهينة يومَ الفتح، توفي بالمدينة كما قال النووي، وقيل: في الكوفة سنة ثمان وستين، وقيل: سنة اثنتين وسبعين، ويقال: مات في آخر خلافة معاوية، وهو ابن خمسٍ وثمانين سنة. رُوي له عن رسول الله ﷺ أحدٌ وثمانون حديثًا، اتفقا على خمسة، وانفرد مسلم بثلاثة (١). (قال) زيدُ بنُ خالدٍ المذكورُ: (سُئل رسولُ الله ﷺ ). قال البرماوي: قال الضيعي شارح "العمدة": إنّ هذا السائل هو بلالُ بنُ رباحٍ مؤذِّنُ رسول الله ﷺ ، ثم نظر فيه البرماوي بما في بعض روايات البخاري، قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فسأله عمّا يلتقطه، الحديث، وبلال لا يقال فيه: جاء أعرابي، انتهى. وقال غيره: زعم ابن بشكوال أنَّ هذا السائل هو بلال، وعزاه لأبي داود (٢).

стр. 2637

وردّ عليه الحافظ ابن حجر في "الفتح" بأنه ليس في نسخ أبي داود شيء من ذلك، قال: وفيه بُعد أيضًا؛ لأنه لا يوصف بأنه أعرابي، ثم قال: فإن أبا داود روى هذا الحديث بطرقٍ كثيرةٍ، وليس فيه ما عزاه ابن بشكوال إليه، وإنما لفظه: أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ ، وفي رواية: أن رسول الله ﷺ سئل عن اللقطة، وليس لبلال ذكر أصلًا. ثمّ قال: الحافظ: ثم ظفرتُ بتسمية السائل، وذلك فيما أخرجه الحُميدي، والبغوي، وابن السَّكن، والباوردي، والطبراني، كلهم من طريق محمد بن معن الغفاري، عن ربيعة، عن عقبة بن سويد الجهني، عن أبيه، قال: سألتُ رسول الله ﷺ عن اللقطة، فقال: "عرفها سنة، ثم أوثق وعاءها"، الحديث (١)، قال: وهو أَولى ما فسرّ به هذا المبهم، لكونه من رهط زيد بن خالد الجهني (٢)، وتعقبه البدر العيني بما لا طائل تحته (٣). (عن اللقطة الذهب أو الورق) متعلق بسُئل، وتقدم أنّ الورق المراد به: الفضة، وهو -بكسر الراء وقد تسكن-، وفي حديث عرفجة لمّا قطع أنفه اتخذ أنفًا من وَرِقٍ، فأنتن، فاتّخذ أنفًا من ذهب (٤)، وقد حكى القتيبي عن

стр. 2638

الأصمعي: أنّه إنّما اتّخذ أنفًا من وَرَق -بفتح الراء- أراد: الورق الذي يُكتب فيه، قال: لأنّ الفضة لا تنتن، قال القتيبي: وكنت أحسب أن قول الأصمعي: إنّ الفضة لا تنتن صحيحٌ حتى أخبرني بعض أهل الخبرة أن الذهب لا يُبليه الثرى، ولا يصدئه الندى، ولا تنقصه الأرض، ولا تأكله النار، فأمّا الفضة، فإنها تبلى، وتصدأ، ويعلوها السواد، وتنتن (١). ثم إن الذهب والفضة في الحديث ليس بقيد، بل هو كالمثال، فإنَّ حكمَ غيرهما كحكمِهما، وقد وقع في رواية لأبي داود: سُئل عن النفقة (٢)، (فقال) ﷺ للسائل: (اعرفْ وِكاءَها) -بكسر الواو وبالمد-، وهو الخيطُ الذي يُشد به رأس الكيس أو الصرّة أو غيرهما، يقال: أوكيته إيكاء، فهو مُوكًى -بلا همز- (٣). زاد في حديث أُبي بن كعب ﵁ عندهما: قال: أخذتُ مرّة مئة دينار، فأتيت النبي ﷺ ، الحديث، وفيه: فقال: "احفظ وعاءها وعددها ووكاءها" (٤)، فالوعاء -بكسر الواو، وقد تُضم، وبالمد-، وقرأ الحسن بالضم من قوله تعالى: ﴿وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ (٥) [يوسف: ٧٦]، وقرأ سعيد بن

стр. 2639

جبير: ﴿إعاء أخيه﴾ بقلب الواو همزة مكسورة (١)، والوعاء: ما يُجعل فيه الشيء، سواء كان من جلد، أو خِرَق، أو خشب، أو غير ذلك، ويقال: الوعاء: هو الذي تكون فيه النفقة، وقال ابن القاسم: هو الخرقة (٢). وقال في "المطلع": ما يجعل فيه المتاع (٣). (وعِفاصها) -بكسر العين المهملة وتخفيف الفاء، وبالصاد المهملة-. قال في "شرح المقنع": العِفاص: الوعاء الذي هي فيه من خرقة أو قرطاس أو غيرهما، قاله أبو عبيد (٤)، قال: والأصل في العفاص أنه الجلد الذي يلبسه رأس القارورة (٥). وقال البدر العيني: العِفاص: الوعاء الذي تكون فيه النفقة، سواء كان من جلدٍ، أو خرقة، أو حرير، أو غيرهما، واشتقاقه من العفص، وهو الثني والعطف؛ لأن الوعاء يُثنى على ما فيه (٦). ووقع في "زوائد المسند" للإمام عبد الله بن الإمام أحمد، عن طريق الأعمش، عن سَلَمة من حديث أُبي بن كعب ﵁: "وخرقتها" (٧) بدل "عفاصها". والحاصل: أنّ تفسير العفاص بالوعاء أصح وأثبت، وهو الذي تدل عليه الأحاديث.

стр. 2640

(ثم) بعد معرفة ما ذكر (عرفها سنةً) نهارًا متواليًا، ويكون بعد أخذها على الفور بالنداء عليها بنفسه، أو نائبه، في مجامع للناس، كالأسواق، والجماعات، وأبواب المساجد، أدبار الصلوات، ويُكره في المساجد، ويُكثر منه في موضع وجدانها، وفي الوقت الذي يلي التقاطها حولًا كاملًا نهارًا كلّ يوم مرّة أسبوعًا، ثمّ مرّة من كل أسبوع من شهر، ثم مرّة في كل شهر، ولا يصفها، بل يقول: من ضاع منه شيء أو نفقة؟ (١) وكون التعريف حَوْلًا هو ما رُوي عن عمر، وعلي، وابن عبّاس ﵃، وبه قال ابن المسيب، والشعبي، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. وقيل: بل يعرفها ثلاثة أعوام؛ لأن أُبي بن كعب عرفها ثلاثة أعوام بأمر النبي ﷺ (٢). والجواب عنه: أن الراوي قال: لا أدري، ثلاثة أعوام، أو عام واحد؟ قال أبو داود: شك الراوي في ذلك (٣). وقال ابن بطال: لم يقل أحد من أئمة الفتوى بظاهره بأن اللقطة تعرّف ثلاثة أحوال (٤)، (فإن لم تُعرَف) اللقطة -بضم التاء المثناة فوق، مبنيًا لما لم يسم فاعله-؛ أي: إن لم يعرفها أحد (فاستنفِقْها) استفعالٌ من الإنفاق، وباب الاستفعال للطلب، لكن الطلب على قسمين: صريح، وتقديري،

стр. 2641

والمراد هنا: الطلب التقديري، كذا قال العيني (١). قلتُ: المراد بالأمر هنا: الإباحة. قال علماؤنا ومن وافقهم: وإذا عرّفها فلم تُعرف، دخلت في ملكه بعد الحول حكمًا، كالميراث، ولو عروضًا، كأثمان، ولو لقطة الحرم، أو كان سقوطها من صاحبها بعُدْوان غيره. قالوا: لا يجوز التصرف فيها حتى يعرف وعاءها، وهو ظرفُها، كيسًا كان أو غيره، ووكاءها، وهو الخيط الذي تُشد به، وعِفاصَها، وهو الشد والعقد؛ أي: صفتهما وقدرهما، وجنسها، وصفتها؛ أي: يجب معرفة ذلك عند إرادة التصرف فيها، ويسن ذلك عند وجدانها، وإشهاد عدلين عليها، لا على صفتها، فمتى جاء طالبها، فوصفها، لزم دفعُها إليه إن كانت عنده، ولو بلا بينة ولا يمين، ظن صدقه، أو لا، فإن وجدها قد خرجت عن الملتقِط ببيعٍ أو بغيره بعد ملكها، فلا رجوع، وله بدُلها، فإن أدركها مبيعةً بيعَ خيار للبائُع، أولهما في زمنه، وجب الفسخ، أو مرهونةً، وجب انتزاعها، ويأخذها ربُّها بنمائها المتصلِ، فأما المنفصلُ قبل مضي الحول، فلمالكها، وبعدَه لواجدها. ووارثُ ملتقِطٍ كهو في تعريف وغيره. وإن تلفت أو نقصت أو ضاعت قبل مضي الحول، لم يضمنها بلا تفريط؛ لأنها في يده أمانة، وبعده يضمنها -وإن لم يفرّط- بمثل مثلية، وقيمة متقومة (٢).

стр. 2642

قال في "الإقناع": وإن كان لا يرجى وجود صاحب اللقطة، لم يجب تعريفها في أحد القولين (١)، نظرًا إلى أنه كالعبث. وظاهر كلام "التنقيح" (٢)، و"المنتهى" (٣)، وغيرهما: يجب، وكذا قال مالك والشافعي: تُملك جميع اللقطات بعد حول التعريف، سواء كان غنيًا، أو فقيرًا، وسواء كانت اللقطة أثمانًا، أو عروضًا. وقال مالك: هو بالخيار من أن يتركها في يده أمانة، وإن تلفت، فلا ضمان عليه، وبين أن يتصدّق بها بشرط الضمان، وتصير دينًا في ذمته. وقال: أبو حنيفة: لا يملك شيئًا الملتقط من اللقطات، قال: ولا يُنتفع بها إذا كان الملتقط غنيًا، فإن كان فقيرًا، جاز له الانتفاع بها بشرط الضمان، فأمّا الغني، فإنه يتصدق بها بشرط الضمان (٤). وشرط كون الفقير من غير ذوي القربى، واستدل بما روى أبو داود، والنسائي، وابن ماجة من حديث عياض بن حمار المجاشعي ﵁: أنّ النبي ﷺ قال: "من وجد لقطة، فليُشهد عليها ذَوَي عدل، ولا يكتم، ولا يغيب، فإن وجد صاحبها، فليردّها عليه، وإلّا، فهي مال الله يؤتيه من يشاء" (٥)، قالوا: وما يضاف إلى الله تعالى إنما يتملكه من يستحق الصدقة.

стр. 2643

ونقل حنبل عن الإمام أحمد مثلَ هذا، وأنكره الخلال، وقال: ليس هذا مذهبًا لأحمد (١). (ولتكن) اللقطةُ بعد حول التعريف (عندَك) أيها الملتقِط لها (وديعةً) بعد استنفاقك لها، وتسميتُها حينيذٍ بذلك مجاز، فإنها تدل على الأعيان، وإذا استنفق اللقطة، لم تكن عينًا، فتجوز بلفظ الوديعة عن كون الشيء بحيث يُرد إذا جاء ربه (٢)، وقد شك يحيى بن سعيد الأنصاري في قوله: "ولتكن عندك وديعة"، وفي لفظ: "وكانت وديعة عنده" (٣)؛ أي: الملتقط، هل هو من كلام النبي ﷺ ، أو لا؟ ثمّ جزم يحيى بأنه من كلام النبي ﷺ ، وقد أشار البخاري إلى ثبوتها من حديثه ﷺ مترجمًا بقوله: "إذا جاء صاحب اللقطة بعد سنة، ردّها عليه؛ لأنها وديعة عنده" (٤)، (فإن جاء إليها)؛ أي: اللقطة، وفي لفظ: "فإن جاء ربُّها" (٥)، وفي آخر: "فإن جاء صاحبها" (٦)، وفي آخر: "فإن جاء من يُعرّفها" (٧) (يومًا من الدهر)؛ أي: يومًا من أيام الزمان، سواء كان قبل مضي حول التعريف، أو بعده،

стр. 2644

(فأدّها)؛ أي: اللقطة (إليه) حيث تبين كونه صاحبَها بوصفه لأماراتها التي عرفها الملتقط. قال ابن بطال: إذا جاء صاحب اللقطة بعد الحول، لزم ملتقطَها أن يردها إليه، وعلى هذا إجماع أئمة الفتوى. قال: وزعم بعض من نسب نفسه إلى العلم: أما لا تؤدَّى إليه بعد الحول، استدلالًا بقوله ﵊: "فشأنك بها"، قال: فهذا يدل على ملكها. قال: وهذا القول يؤدي إلى تناقض السنن، إذ قال: "فأدّها إليه" (١). والمراد: أنه إذا استنفقها، أو تلفت عنده بعد دخولها في ملكه، فإنه يضمنها لصاحبها إذا جاء، ويدل عليه ما في رواية بسر بن سعيد عن زيد بن خالد ﵁: "فإن جاء صاحبها. . . إلخ" بعد قوله: "كلها" (٢) يقتضي وجوب ردّها بعد أكلها، فيحمل على ردّ البدل، وفي لفظ: "فإذا جاء صاحبها، فأدّه"، فأمره ﵇ بأدائها بعد الهلاك، لدخولها في ملكه، وأما قبل حول التعريف، فلا يضمنها إن هلكت من غير تعدٍّ ولا تفريط؛ لأنها أمانة كالوديعة (٣). وفيه دليل على التقاطها، ووجوب نيّة الرّد على المالك إذا تبين كونه صاحبها (٤). واختلف الفقهاء هل يتوقف وجوب ردّ اللقطة على من جاء، فزعم أنه

стр. 2645

ربّها، على إقامة بينة؟ أو يكتفى بوصفه لأمارتها؟ (١) فمعتمد مذهب الإمام أحمد: أنه إذا وصفها بصفاتها المذكورة، دفعها إليه، سواء غلب على ظنه صدقُه، أو لم يغلب، وبهذا قال مالك. وقال الشافعي: لا يجبر على ذلك إلّا ببيّنة، ويجوز له دفعها إليه إذا غلب على ظنه صدقه. وقال أصحاب الرأي: إن شاء دفعها إليه، وأخذ كفيلًا بذلك. ولنا: قوله ﷺ : "فإن جاءك أحد يخبرك بعددها ووعائها ووكائها، فادفعها إليه" (٢). قال ابن المنذر: هذا الثابت عن رسول الله ﷺ ، وبه أقول. وفي حديث أبي بن كعب، وهو في "الصحيحين" زيادة لمسلم: "فإن جاءك أحد يخبرك بعددها ووعائها ووكائها، فأعطها إياه" (٣)، والأحاديث في مثل ذلك متعددة، ولم يذكر النبي ﷺ البيّنة في شيء منها، ولو كانت شرطًا للدفع، لم يجز الإخلال به، والأمر بالدفع بدونه، ولأن إقامة البيّنة على اللقطة يتعذّر؛ لأنها إنما تسقط بحال الغفلة والسهو، فتوقفُ دفعِها إلى البيّنة منعٌ لوصولها إلى صاحبها أبدًا، وبه يفوت مقصود الالتقاط، ويفضي إلى تضييع أموال الناس، وما هذا سبيله يسقط اعتبار البيّنة فيه، كالإنفاق على اليتيم، ويلزم القائلَ بهذا أَلَّا يحيى الالتقاط؛ لأنه يكون حينيذٍ تضييعًا لمال المسلم يقينًا، وإتعابًا لنفسه بالتعريف الذي لا يفيد، والمخاطرة بدِينه

стр. 2646

بتركه الواجب من تعريفها، وما هذا سبيله يجب أن يكون حرامًا، فكيف يكون مباحًا، فضلًا عن كونه فاضلًا؟ وتعلل القائلون بالبيّنة بعموم قوله ﷺ : "البيّنة على المدّعي" (١)، وهذا مدّعي. قلنا: أجل، ولكن جعل ﷺ بيّنةَ اللقطة وصفَها، فإذا وصفها، فقد أقام بيّنته، فإنّ البيّنة تختلف، فإن وصفها اثنان، أقرع بينهما، فمن وقعت له القرعة، حلف أما له، وسُلّمت إليه، وهكذا إن أقاما بيِّنتين. وقال أبو الخطّاب: فيما إذا وصفها اثنان، تقسم بينهما؛ لأنهما تساويا فيما يستحقانه تساويًا فيها كما لو كانت في أيديهما. والمذهب: الأول، وإن وصفها اثنان، فأقام آخر بيّنة أما له، فهي لصاحب البيّنة؛ لأنها أقوى من الوصف. فإذا كان الواصف قد أخذها، انتُزعت منه، ورُدّت إلى صاحب البيِّنة؛ لأنا تبيّنا أما له، فإن كانت قد هلكت، فلصاحبها تضمين من شاء من الواصف والدافع إليه، وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي. وقيل: لا يلزم الملتقطَ شيء، وهو قول أبي القاسم صاحب الإمام مالك، وأبي عبيد (٢). قال زيد بن خالد الجهني: (وسأله)؛ أي: سأل السائل المتقدم ذكره النبيَّ ﷺ (عن ضالة الإبل)؛ أي: عن حكم التقاطها، يعني: هل يجوزُ التقاطها أم لا؟ ومثلُ الإبل كلُّ حيوان يقوى على الامتناع من صغار السباع،

стр. 2647

ويقدر على ورود الماء، (فقال) له ﷺ : (مالكَ ولها؟) يعني: ليس لك هذا، ويدل عليه ما في الرِواية الأخرى: "فذرها حتى يلقاها ربّها" (١) (دعها) عنك، ولا تعرض لها، (فإن معها) ضالة الإبل، والفاء لتعليل القول (حِذاءها) -بكسر الحاء المهملة وبالذال المعجمة، ممدودًا-؛ أي: خُفَّها، (وسقاءها) -بكسر السين المهملة-، وهو في الأصل ظرف الماء من الجلد، والمراد هنا جوفها، وذلك لأنها إذا شربت يومًا، فإنها تصبر أيامًا على العطش، وقيل: المراد: عنقها؛ لأنها تتناول المآكيل بغير تعب، لطول عنقها، فلا تحتاج إلى ملتقط (٢). قال في "شرح المقنع": كل حيوان يقوى على الامتناع من صغار السباع، وورود الماء لا يجوز التقاطه، ولا التعرض له، سواء كان لكبر جثته، كالإبل والخيل والبقر، أو لطيرانه، كالطيور كلّها، أو لسرعته، كالظباء والصيود، أو بنابه، كالكلاب والفهود (٣). وقال الحافظ ابن الجوزي: الخيل والإبل والبقر والبغال والحمر والظباء لا يجوز عندنا التقاطها، إلا أن يأخذها الإمام للحفظ (٤). قال في "شرح المقنع": قال عمر ﵁: من أخذ ضالة، فهو ضال؛ أي: مخطىء، وبهذا قال الشافعي، والأوزاعي، وأبو عبيد. وقال مالك، والليث في ضالَّة الإبل: من وجدها في القرى، عرفها،

стр. 2648

ومن وجدها في الصحراء، لا يقربها، ورواه المزني عن الشافعي، وكان الزهري يقول: من وجد بدنة، فليعرفها، فإن لم يجد صاحبها، [فلينحرها] (١). وقال أبو حنيفة: هي لقطة يباح التقاطها؛ لأنها لقطة أشبهت الغنم (٢). قال البدر العيني في "شرح البخاري": واختلف العلماء في ضالة الإبل هل تؤخذ؟ على قولين: أحدهما: لا يأخذها، ولا يعرفها، قاله مالك، والأوزاعي، والشافعي، لنهيه ﵇ عن ضالة الإبل. الثاني: أخذها وتعريفها أفضل، قاله الكوفيون؛ لأن تركها سبب لضياعها. وفيه قولٌ ثالث: إن وجدها في القرى، عرّفها، وفي الصحراء لا يعرّفها (٣)؛ أي: ولا يأخذها. قال في "شرح المقنع": قد قال ﷺ لمّا سُئل عن هوامي الإبل: "ضالّة المسلم حرق النار" رواه النسائي، وابن ماجة (٤)، وروي عن جرير بن عبد الله ﵁: أنه أمر بطرد بقرةٍ لحقت ببقرهِ حتى توارت،

стр. 2649

وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يأوي الضالة إلّا ضال" رواه أبو داود، ورواه النسائي، وابن ماجة (١). قلت: وفي "صحيح مسلم" من حديث زيد بن خالد الجهني عن رسول الله ﷺ ، قال: "من آوى ضالّة، فهو ضال ما لم يعرّفها" (٢). ولا يخفى أنّ حديث "الباب" كغيره من الأحاديث صرّحت بعدم التقاط ضالة الإبل، فقياسهم يعارضه صريحُ النّص، وكيف يجوز تركُ نصّ النبي ﷺ وصريحُ قوله بقياس نصّه في موضع آخر، على أنّ الإبل تفارق الغنم، لضعفها، وقلة صبرها عن الماء، قاله في "شرح المقنع" (٣). وقد نصّ الإمام أحمد على أنّ البقر كالإبل، وهو قول الشافعي، وأبي عبيد. وحكي عن مالك: أنّ البقرة كالشاة. وقال ابن القاسم صاحب مالك: هي ملحقة بالإبل (٤). قال في "شرح المقنع": ألحقَ أصحابنا بما لا يجوز التقاطُه الحمرَ؛ لأنّ لها أجسامًا عظيمة، فأشبهت البغال والخيل؛ لأنها من الدواب، فأشبهت البغال، قال: والأولى إلحاقها بالشاة؛ لأن النبي ﷺ علل الإبل بأن معها

стр. 2650

حذاءها وسقاءها يريد: شدّةَ صبرها عن الماء، لكثرة ما توعي في بطونها منه، وقوتها على وروده، والحمرُ مساوية للشاةِ في علتها، فإنها لا تمتنع من الذئب، وتفارق الإبل في علّتها، فإنها لا صبر لها عن الماء، ولهذا يضرب المثل لقلّة صبرها عنه، فيقال: ما بقي من مدّته إلا ظِمْءُ حمار. وإلحاقُ الشيء بما ساواه في علّة الحكم، ولو فارقه في الصورة، أولى من إلحاقه بما يقاربه في الصورة، وفارقه في العلّة (١). وهذا اختيار الإمام الموفق كما نبَّه عليه في "الإقناع" (٢)، و"الفروع" (٣). وقد بيّن ﷺ علّة عدم جواز التقاط الإبل بقوله: (ترد) الإبلُ الضالّةُ (الماء) بنفسها، يعني: ترد مناهل الماء غير مبالية من السباع، لعظم جثتها، ونفور صغار السباع منها، (وتأكل الشجر)؛ أي: تأكل من أوراق الشجر وأغصانه ما يكفيها ويقوم بها، ولا تزال كذلك (حتى)؛ أي: إلى أن (يجدها ربها)؛ أي: مالكُها. فيه: دليل على جواز أن يقال لمالك السلعة: ربّ السلعة، والأحاديث بذلك متضافرة، والأخبار به متظاهرة، إلّا أنّه قد نهى عن ذلك في العبد والأمة في الحديث الصحيح، فقال: "لا يقلْ أحدُكم: ربّي" (٤). وقد اختلف العلماء في ذلك، فكرهه بعضهم مطلقًا، وأجازه بعضهم

стр. 2651

مطلقًا، وفرق قوم في ذلك بين ما له روحٌ، وما لا روح له، فكره أن يقال: ربّ الحيوان، ولم يكره ذلك في الأمتعة. وصوّب البدر العيني تقييد الكراهة أو التحريم بجنس المملوك من الآدميين، فأما غير الآدمي، فقد ورد في عدّة أحاديث (١)، والله أعلم. (وسأله) ﷺ (عن الشاة)، تقدَّمَ أنّ الشاة من الغنم، تذكر وتؤنّث، وفي لفظ: فضالّة الغنم؟ (٢) أي: ما حكم ضالّة الغنم؟ (فقال) ﷺ للسائل: (خذها) إذا وجدتها ضالّة، ثمّ علل ذلك بقوله: (فإنّما هي)؛ أي: الضالّة إذا وجدتها وأخذتها فهي (لك) إن أخذتها بشرط قصد تعريفها، فعرفتها، فلم تجد صاحبها (أو) هذه للتقسيمِ والتشريع (لأخيك) الذي هو مالكها، فإن وجدها عندك، وأراد به: الأخ في الدين، (أو الذئب)، يعني: إن تركتها ولم تأخذها لا أنت ولا غيرك، فهيْ طُعمة للذئب غالبًا؛ لأنها لا تحمي نفسها، وذكرُ الذئبِ مثالٌ، وليس بقيد، والمراد: جنسُ ما يأكل الشاة من السِّباع (٣). فإن قلت: في الحديث التصريح بالأمر بالأخذ، مع أنّ الأفضل عند إمامكم ترك الالتقاط. قلت: هي مسألة خلاف بين الأئمة ﵃: قال إمامنا ﵁: الأفضل تركُ الالتقاط، وقد رُوي معنى ذلك عن ابن عباس، وابن عمر ﵃، وبه قال جابر بن زيد،

стр. 2652

والربيع بن خثيم، وعطاء، ومرّ شريح بدرهم، فلم يعرض له (١)، والأمرُ محمول على الإباحة كما قدّمنا في أول الحديث. وقال في "شرح المقنع" معللًا لما اختاره الإمام أحمد: هو قول ابن عباس، وابن عمر، ولا نعرف لهما مخالفًا في الصحابة، ولأنه تعريض لنفسه لأكل الحرام، وتضييع الواجب من تعريفها وأداء الأمانة فيها، فكان تركه أولى وأسلم، كولاية مال اليتيم. قال: واختار أبو الخطاب: أنه إن وجدها بمضيعة، وأمن نفسه عليها، فالأفضل أخذُها، وهذا قول الشافعي، وحكي عنه قولٌ آخر: أنه يجب أخذها، لقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]، فإذا كان وليّه، وجب عليه حفظُ ماله. وممن رأى أخذها: سعيدُ بن المسيب، والحسن بن صالح، وأبو حنيفة. وأخذها من الصحابة ﵃: أبي بن كعب، وسويد بن علقمة. وقال مالك: إن كان شيئًا له بالٌ وخطر يأخذه أحبُّ إليَّ من تركه، حفظًا على صاحبه، ويعرّفه؛ لأن فيه حفظَ مال المسلم عليه، فكان أولى من تضييعه، كتخليصه من الغرق (٢). وإن كان شيئًا يسيرًا من الدراهم، أو يسيرًا من المأكول، فهذا لا فائدة في أخذه، وإن أخذه، جاز.

стр. 2653

ومن حجة القائلين بأن الترك أفضل: ما رواه الطحاوي عن الجارود ﵁، فإنه صحابي، واسمه بشر بن معلى العبدي، ولقب بالجارود؛ لأنه أغار في الجاهلية على بكر بن وائل، فأصابهم، وجرّدهم، وقدم على رسول الله ﷺ في العاشرة في وفدِ عبد قيس، فأسلم، وكان نصرانيًا، ففرح النبي ﷺ بإسلامه، وأكرمه، وقرّبه، قال الجارود: قال رسول الله ﷺ : "ضالّة المسلم حرق النار"، وأخرجه النسائي، والطبراني (١). وأجاب من استحبَّ أخذها عن الحديث بحمله على أخذها لغير التعريف، وقد بيّن ذلك ما روي عن الجارود -أيضًا-، قال: قد كنا أتينا رسول الله ﷺ ونحن على إبلٍ عِجاف، فقلنا: يا رسول الله! إنا قد نمر بالجرف، فنجد إبلًا، فنتركها، فقال: "إنَّ ضالّة المسلم حرق النار"، فكان سؤالهم عن أخذها لركبها لا لتعريفها، فأجابهم بأن قال: "ضالّة المسلم حرق النار"، كذا قال: الطحاوي (٢)، وهذا على جواز التقاط الضوال من الإبل ونحوها، كما هو مذهب أبي حنيفة، وقد علمتَ نهي النبي ﷺ عن التقاطها، وتوعد عليه. تنبيهات: منها: لو وُجد محرَّمٌ التقاطُه بمهلكة، كأرض مسبعة، أو قريبًا من دار حرب، أو بموضع يستحل أهله أموالنا، أو ببريّة لا ماء فيها ولا مرعى،

стр. 2654

فالأولى جواز أخذه لحفظه، استنقاذًا لا لقطة (١). وفي "الإنصاف": لو قيل: بوجوبه إِذًا، لكان له وجهٌ (٢). وفي "شرح المقنع": الأولى جواز أخذها للحفظ، ولا ضمان على آخذها؛ لأن فيه إنقاذها من الهلاك، فأشبه تخليصها من غرقٍ أو حريق، فإذا حصلت في يده، سلمها إلى نائب الإمام، وبرىءَ من ضمانها، ولا يملكها بالتعريف؛ لأن الشرع لم يرد بذلك فيها (٣). ومنها: أنّ من ترك دابة، لا عبدًا ومتاعًا بمهلكة أو فلاة تركَ إياس، لانقطاعها، أو عجزه عن علفها، ملكها آخذها، وبه قال الليث، والحسن بن صالح، وإسحاق، لا إن تركها ليرجع إليها، أو ضلّت منه. وقال مالك: هي لمالكها، والآخرُ متبرع بالنفقة، لا يرجع بشيء؛ لأنه ملك غيره، فلم يملكه بغير عوض من غير رضاه، كما لو كانت في غير مهلكة، ولا يملك الرجوع؛ لأنه أنفق على مال غيره بغير إذنه، فلم يرجع بشيء، كما لو بنى داره. ولنا: ما روى الشعبي: أنّ رسول الله ﷺ قال: "من وجد دابّة قد عجز عنها أهلها فسيبوها، فأخذها فأحياها، فهي له". قال عبدُ الله بنُ حُميدِ بنِ عبد الرّحمن: فقلت -يعني: للشعبي-: من حدّثك بهذا؟ قال: غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ ، رواه أبو داود بإسناده (٤).

стр. 2655

وفي لفظٍ عن الشعبي، عن رسول الله ﷺ ، قال: "من ترك دابّة بمهلكة، فأحياها رجل، فهي لمن أحياها" (١)، ولأنه لما أحياها وأنقذها من الهلاك، ملكها، حفظًا للمال عن الضياع، ومحافظةً على حرمة الحيوان، وفي القول بأنها لا تملك تضييع لذلك كله من غير مصلحة تحصل، ولأنه تركه رغبةً عنه، وعجزًا عن أخذه، فملكه آخذه، كالساقط من ابن السبيل، وسائرِ ما ينبذه الناس رغبةً عنه، بخلاف ما إذا كان المتروك متاعًا، فخلصه إنسان، فإنه لا يملكه؛ لأنه لا حرمة له في نفسه، ولا يخشى عليه التلف، كالخشبة، وأما الحيوان، فإنه يموت إذا لم يطعم ويسق، وتأكله السباع، والمتاعُ يبقى حتى يرجع إليه صاحبه، وفيما إذا كان المتروك عبدًا، فإنه لا يملك بأخذه أيضًا؛ لأن العبد في العادة يمكنه التخلص إلى الأماكن التي يعيش فيها، بخلاف البهيمة، وله أخذ العبد والمتاع ليخلصه لصاحبه، وله أجر المثل، نصّ عليه الإمام أحمد في تخليص المتاع، وقيس عليه العبد (٢). ومعتمد المذهب: لا يسوغ له الرجوع إلّا بأجرة حمل متاع، وبنفقة واجبة حيث نوى الرجوع. ومنها: لو أخذ ما يلقى في البحر خوفًا من الغرق، فهل يملكه آخذه؛ لأنه نُبذ وتُرك تركَ إياس، أو لا؟ قال في "الإقناع": لا يملكه آخذه (٣). وقال الحارثي: نصّ عليه.

стр. 2656

وقيل: يملكه آخذه، قدّمه في "الفائق"، و"الرعايتين"، وصححه في "النظم"، وقطع به في "التنقيح" (١)، و"المنتهى" (٢)، و"الغاية" (٣)، وأشار لخلاف "الإقناع". قلت: كلام صاحب "الإقناع" -في آخر إحياء الموات- صريح بأنه لا يملكه آخذه (٤)، وأما في أول باب اللقطة، فإن ظاهره: أنه يملكه، حيث قال: وإن ترك دابّة بمهلكة أو فلاة تركَ إياس. . . إلخ، ملكها آخذها إلّا أن يكون تركها ليرجع إليها، أو ضلّت عنه، وكذا ما ألقي خوف الغرق (٥)؛ أي: في البحر، فيملكه آخذه؛ لأن مالكه ألقاه باختياره، فأشبه المنبوذ رغبةً عنه، كما في "التنقيح" (٦)، و"المنتهى" (٧)، وغيرهما، فهو مخالف لما قدّمه في إحياء الموات، ويحتمل أنه أراد التشبيه المستثنى، فلا مخالفة حينيذٍ، قاله في "شرحه" (٨)، وعلى كل، فالمعتمد: أنه يملكه آخذه، والله الموفق.

стр. 2657

باب الوصايا جمع وصية. قال ابن القطاع: يقال: وَصَيْتُ إليه وِصاية، ووَصيَّة، ووَصَّيته، وأوصيته، وإليه، ووصَيْتُ الشيء بالشيء وصيًا: وصلته. قال الأزهري: سُميت الوصية وصيةً؛ لأن الميت لما وصى بها، وصل ما كان فيه من أيام حياته بما بعده من أيام مماته، يقال: وصَّى، وأوصى بمعنى (١)، والاسم: الوصية والوصاة (٢). وهي شرعًا: الأمر بالتصرف بعد الموت، وبمال التبرع به بعد الموت (٣). وذكر الحافظ المصنف -رحمه الله تعالى- في هذا الباب ثلاثة أحاديث:

стр. 2658

الحديث الأول عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَا حَقُّ امْرىءٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ، إِلَّا وَوَصيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ" (١). زَادَ مُسْلِمٌ: قَالَ ابنُ عُمَر: مَا مَرَّتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ، إِلَّا وَعِنْدِي وَصِيَّتِي (٢).

стр. 2659

(عن) أبي عبد الرحمن (عبدِ الله بنِ) أمير المؤمنين (عمرَ ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: ما حقُّ امرىءٍ مسلم) كلمة (ما) بمعنى: ليس، هكذا وقع في أكثر الروايات بلفظ: مسلم، وليست هذه اللفظة في رواية الإمام أحمد عن إسحاق بن عيسى، عن مالك (١)، والوصف بالمسلم هنا خرج مخرج الغالب، فلا مفهومَ له، أو ذكر للتهييج، لتقع المبادرة لامتثاله، لما يشعر به من نفي الإسلام عن تارك ذلك (٢) (له شيء) قلّ أو جلّ، فهو واقع صفة لامرىءٍ (يوصي فيه) جملة فعليه صلةٌ لشيء (يبيتُ ليلتين) جملة فعلية وقعت صفة أخرى لامرىءٍ. وقال الحافظ في "الفتح": (يبيتُ) كأن فيه حذفًا تقديره: أن يبيت، وهي كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤]، انتهى (٣). واعترضه البدر العيني بأنه قياسٌ فاسدٌ، وفيه تغيير المعنى أيضًا، وإنّما قدّر "أنْ" في قوله: ﴿يُرِيكُمُ﴾؛ لأنه في موضع الابتداء؛ لأن قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ في موضع الخبر، والفعل لا يقع مبتدأ، فيقدر "أنْ" فيه حتى يكون في معنى المصدر، فيصح حينيذٍ وقوعه مبتدأ، كذا قال (٤).

стр. 2660

(إلا ووصيته مكتوبةٌ عنده)، وفي لفظٍ عند مسلم: "ما حقُّ امرىءٍ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيتُ ليلتين" (١)، وفي رواية: "ثلاث ليال" (٢)، فقوله: "إلا ووصيته" مستثنى، وهو خبر "ما" التي هي بمعنى ليس، والواو فيه للحال. قال صاحب "المظهر": قيدُ ليلتين تأكيد لا تحديد، يعني: لا ينبغي له أن يمضي عليه زمان، وإن كان قليلًا، إلا ووصيته مكتوبة. وقال الطيبي: وتخصيص ليلتين تسامحٌ في إرادة المبالغة؛ أي: لا ينبغي أن يبيت ليلة، وقد سامحناه في هذا المقدار، فلا ينبغي أن يتجاوز عنه (٣). وقال الإمام النووي في "شرح مسلم": وفي رواية: "ثلاث ليال" (٤)؛ أي: وهي رواية مسلم، والنسائي (٥). والحاصل: أن ذكر الليلتين أو الثلاث لرفع الحرج، لتزاحم أشغال المرء التي يحتاج إلى ذكرها، ففسح له هذا المقدار، ليتذكر ما يحتاج إليه (٦). وفي رواية عند الإمام أحمد: "حقٌ على كلّ مسلم أن لا يبيت ليلتين وله

стр. 2661

ما يوصي فيه"، الحديث (١)، وفي رواية عند الإمام الشافعي بلفظ: "ما حقّ امرىءٍ مسلم يؤمن بالوصية"، الحديث (٢). قال ابن عبد البر: فسّره ابن عينية: يؤمن بأنها حق (٣). وأخرجه أبو عوانة بلفظ: "لا ينبغي لمسلم أن يبيت ليلتين" الحديث (٤). وأخرجه الإسماعيلي من طريق روح بن عبادة، عن مالك، وابن عون جميعًا، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا، بلفظ: "ما حقّ امرىءٍ مسلم له مال يريد أن يوصي فيه" (٥). وذكره ابن عبد البر من طريق ابن عون بلفظ: "لا يحلُّ لامرىءٍ مسلمٍ" (٦). ففيه حث على الوصية، واحتجتْ بظاهره الظاهرية على أنها واجبة (٧). وقال الزهري: جعل الله الوصية حقًا مما قلّ أو كثر (٨). قيل لأبي مجلز: على كلِّ مَيْتٍ وصية؟ قال: كلُّ من ترك خيرًا (٩).

стр. 2662

وقال ابن حزم: روينا من طريق عبد الرزاق، عن الحسن بن عبد الله، قال: كان طلحة بن عبيد الله، والزبيرُ يشددان في الوصية (١)، وهو قول عبد الله بن أبي أوفى، وطلحةَ بنِ مصرِّف، وطاوس، وغيرهم. قال ابن حزم: وهو قول سليمان، وجميع أصحابنا. وقالت طائفة: ليست الوصية واجبة، سواء كان الموصي موسرًا، أو فقيرًا، وهو قول النخعي، والثوري، ومالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد، وغيرهم (٢). وقال ابن العربي: أما السلف الأول، فلا نعلم أحدًا قال بوجوبها (٣). وفي "شرح المقنع": الوصية بجزءٍ من ماله ليست بواجبة على أحد في قول الجمهور، وبذلك قال الشعبي، وذكر الأئمة الأربعة وغيرهم. وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنّ الوصية غير واجبةٍ إلّا على من عليه دين وحقوق بغير بيّنة، وأمانة بغير إشهاد، إلّا طائفة شذّت فأوجبتها (٤). وقال أبو بكر بنُ عبد العزيز: هي واجبة للأقربين الذين لا يرثون، وهو قول داود، وحكى ذلك عن مسروق، وطاوس، وإياس، وقتادة، وابن جرير، واحتّجوا بالآية، وخبر ابن عمر، قال: نسخت الوصية للوالدين والأقربين الوارثين، وبقيت فيمن لا يرث من الأقربين، وحجّة الجمهور: أنّ أصحاب رسول الله ﷺ أكثرهم لم يوص؛ لأنه لم يُنقل عنهم وصية، ولم يُنقل لذلك نكير، ولو كانت واجبة، لم يُخِلوا بذلك، ولنقل عنهم نقلًا

стр. 2663

ظاهرًا؛ لأنها عطية لا تجب في الحياة، فلا تجب بعد الموت، كعطية الأجانب. فأمّا الآية، فقال ابن عباس ﵄: نسخها قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ (١) [النساء: ٧]، وقال ابن عمر: نسختها آية الميراث (٢)، وبه قال عكرمة، ومجاهد، ومالك، والشافعي. وذهبت طائفةٌ ممن يرى نسخ القرآن بالسنّة إلى أنها نُسخت بقول النبي ﷺ : "إنّ الله قد أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فلا وصية لوارث" (٣)، وحملوا حديت ابن عمر هذا على من عليه واجب، أو عنده وديعة (٤). وفي "شرح البخاري" للبدر العيني: ليس الاستدلال على وجوب الوصية بحديث ابن عمر بصحيح؛ لأنه راوي الحديث، ولم يوص، ومحال أن يخالف ما رواه لو كان واجبًا (٥). وردّ ذلك بأنه (زاد مسلم) في "صحيحه" على البخاري: (قال ابن عمر) ﵄: (ما مرّت عليَّ ليلةٌ) واحدةٌ (منذ سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول ذلك)؛ أي: الذي مرّ، وهو: "ما من امرىءٍ مسلمٍ" الحديث (إلّا وعندي وصيتي) مكتوبة، فهذا

стр. 2664

يدل على أنّه كانت له وصية، وأُجيب بأنه قد عارضه ما أخرجه ابن المنذر وغيره عن حمّاد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، قال: قيل لابن عمر في مرض موته: ألا توصي؟ قال: أمّا مالي، فالله أعلم ما كنتُ أصنع فيه، وأمّا رباعي، فلا أحبُّ أن يشارك ولدي فيها أحد (١)، وجمع بينهما بعضهم بأنه كان يكتب وصيته، ويتعاهدها، ثمّ صار ينجز ما كان يوصي به متعلقًا بموته، وإليه الإشارة بقوله: الله يعلم ما كنت أصنع في مالي، ولعلَّ الحامل له ذلك حديثه: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء" (٢)، فصار ينجز ما يريد التصدق به، فلم يحتج إلى تعليق (٣). ونقل ابن المنذر عن أبي ثور: أن المراد بوجوب الوصية في الآية والحديث يختص بمن عليه حقٌّ شرعيٌّ يخشى أن يضيع على صاحبه إن لم يوص به، كويعة، ودين لله، أو لآدميّ. قال: ويدل على ذلك تقييده بقوله: "له شيء يريد أن يوصي فيه"؛ لأن فيه إشارة إلى قدرته على تنجيزه، ولو كان مؤجلًا، فإنه إذا أراد ذلك، ساغ له (٤). وإن أراد أن يوصي به، ساغ له. وفي الحديث: دليلٌ على جواز الاعتماد على الكتابة والخط، ولو لم

стр. 2665

يقترن ذلك بالشهادة، وبه قال الإمام أحمد، ومحمد بن نصر من الشافعية (١). وقال الشافعي: المراد بهذا الحديث: الحزم والاحتياط للمسلم، إلا أن تكون وصيته مكتوبةً عنده، فيستحب تعجيلها، وأن يكتبها في صحته، ويُشهد عليها فيها، ويكتب فيها ما يحتاج إليه، فإن تجدَّد أمرٌ يحتاج إلى الوصية به، ألحقه (٢). وقال الإمام النووي: قالوا: لا يكلف أن يكتب كلَّ يوم محقرات المعاملات وجزئيات الأمور المتكررة، ولا يقتصر على الكتابة، بل لا يعمل بها، ولا تنفع إلا إذا كان أشهد عليه بها، قال: هذا مذهبنا، ومذهب الجمهور (٣). فإن قيل: من أين اشتراط الإشهاد مع أنّ إضماره فيه بُعد؟ أجاب: بأنه قد استدل عليه بأمرٍ خارج، كقوله تعالى: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾ [المائدة: ١٠٦]، فإنه يدلُّ على اشتراط الإشهاد في الوصية (٤). وقال القرطبي: ذكرُ الكتابة مبالغةٌ في زيادة التوثُّق، وإلّا فالوصية المشهود بها متفق عليها، ولو لم تكن مكتوبة (٥)، انتهى.
следующие страницы →