← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

ما يوصي فيه"، الحديث (١)، وفي رواية عند الإمام الشافعي بلفظ: "ما حقّ امرىءٍ مسلم يؤمن بالوصية"، الحديث (٢). قال ابن عبد البر: فسّره ابن عينية: يؤمن بأنها حق (٣). وأخرجه أبو عوانة بلفظ: "لا ينبغي لمسلم أن يبيت ليلتين" الحديث (٤). وأخرجه الإسماعيلي من طريق روح بن عبادة، عن مالك، وابن عون جميعًا، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا، بلفظ: "ما حقّ امرىءٍ مسلم له مال يريد أن يوصي فيه" (٥). وذكره ابن عبد البر من طريق ابن عون بلفظ: "لا يحلُّ لامرىءٍ مسلمٍ" (٦). ففيه حث على الوصية، واحتجتْ بظاهره الظاهرية على أنها واجبة (٧). وقال الزهري: جعل الله الوصية حقًا مما قلّ أو كثر (٨). قيل لأبي مجلز: على كلِّ مَيْتٍ وصية؟ قال: كلُّ من ترك خيرًا (٩).

стр. 2662

وقال ابن حزم: روينا من طريق عبد الرزاق، عن الحسن بن عبد الله، قال: كان طلحة بن عبيد الله، والزبيرُ يشددان في الوصية (١)، وهو قول عبد الله بن أبي أوفى، وطلحةَ بنِ مصرِّف، وطاوس، وغيرهم. قال ابن حزم: وهو قول سليمان، وجميع أصحابنا. وقالت طائفة: ليست الوصية واجبة، سواء كان الموصي موسرًا، أو فقيرًا، وهو قول النخعي، والثوري، ومالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد، وغيرهم (٢). وقال ابن العربي: أما السلف الأول، فلا نعلم أحدًا قال بوجوبها (٣). وفي "شرح المقنع": الوصية بجزءٍ من ماله ليست بواجبة على أحد في قول الجمهور، وبذلك قال الشعبي، وذكر الأئمة الأربعة وغيرهم. وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنّ الوصية غير واجبةٍ إلّا على من عليه دين وحقوق بغير بيّنة، وأمانة بغير إشهاد، إلّا طائفة شذّت فأوجبتها (٤). وقال أبو بكر بنُ عبد العزيز: هي واجبة للأقربين الذين لا يرثون، وهو قول داود، وحكى ذلك عن مسروق، وطاوس، وإياس، وقتادة، وابن جرير، واحتّجوا بالآية، وخبر ابن عمر، قال: نسخت الوصية للوالدين والأقربين الوارثين، وبقيت فيمن لا يرث من الأقربين، وحجّة الجمهور: أنّ أصحاب رسول الله ﷺ أكثرهم لم يوص؛ لأنه لم يُنقل عنهم وصية، ولم يُنقل لذلك نكير، ولو كانت واجبة، لم يُخِلوا بذلك، ولنقل عنهم نقلًا

стр. 2663

ظاهرًا؛ لأنها عطية لا تجب في الحياة، فلا تجب بعد الموت، كعطية الأجانب. فأمّا الآية، فقال ابن عباس ﵄: نسخها قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ (١) [النساء: ٧]، وقال ابن عمر: نسختها آية الميراث (٢)، وبه قال عكرمة، ومجاهد، ومالك، والشافعي. وذهبت طائفةٌ ممن يرى نسخ القرآن بالسنّة إلى أنها نُسخت بقول النبي ﷺ : "إنّ الله قد أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فلا وصية لوارث" (٣)، وحملوا حديت ابن عمر هذا على من عليه واجب، أو عنده وديعة (٤). وفي "شرح البخاري" للبدر العيني: ليس الاستدلال على وجوب الوصية بحديث ابن عمر بصحيح؛ لأنه راوي الحديث، ولم يوص، ومحال أن يخالف ما رواه لو كان واجبًا (٥). وردّ ذلك بأنه (زاد مسلم) في "صحيحه" على البخاري: (قال ابن عمر) ﵄: (ما مرّت عليَّ ليلةٌ) واحدةٌ (منذ سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول ذلك)؛ أي: الذي مرّ، وهو: "ما من امرىءٍ مسلمٍ" الحديث (إلّا وعندي وصيتي) مكتوبة، فهذا

стр. 2664

يدل على أنّه كانت له وصية، وأُجيب بأنه قد عارضه ما أخرجه ابن المنذر وغيره عن حمّاد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، قال: قيل لابن عمر في مرض موته: ألا توصي؟ قال: أمّا مالي، فالله أعلم ما كنتُ أصنع فيه، وأمّا رباعي، فلا أحبُّ أن يشارك ولدي فيها أحد (١)، وجمع بينهما بعضهم بأنه كان يكتب وصيته، ويتعاهدها، ثمّ صار ينجز ما كان يوصي به متعلقًا بموته، وإليه الإشارة بقوله: الله يعلم ما كنت أصنع في مالي، ولعلَّ الحامل له ذلك حديثه: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء" (٢)، فصار ينجز ما يريد التصدق به، فلم يحتج إلى تعليق (٣). ونقل ابن المنذر عن أبي ثور: أن المراد بوجوب الوصية في الآية والحديث يختص بمن عليه حقٌّ شرعيٌّ يخشى أن يضيع على صاحبه إن لم يوص به، كويعة، ودين لله، أو لآدميّ. قال: ويدل على ذلك تقييده بقوله: "له شيء يريد أن يوصي فيه"؛ لأن فيه إشارة إلى قدرته على تنجيزه، ولو كان مؤجلًا، فإنه إذا أراد ذلك، ساغ له (٤). وإن أراد أن يوصي به، ساغ له. وفي الحديث: دليلٌ على جواز الاعتماد على الكتابة والخط، ولو لم

стр. 2665

يقترن ذلك بالشهادة، وبه قال الإمام أحمد، ومحمد بن نصر من الشافعية (١). وقال الشافعي: المراد بهذا الحديث: الحزم والاحتياط للمسلم، إلا أن تكون وصيته مكتوبةً عنده، فيستحب تعجيلها، وأن يكتبها في صحته، ويُشهد عليها فيها، ويكتب فيها ما يحتاج إليه، فإن تجدَّد أمرٌ يحتاج إلى الوصية به، ألحقه (٢). وقال الإمام النووي: قالوا: لا يكلف أن يكتب كلَّ يوم محقرات المعاملات وجزئيات الأمور المتكررة، ولا يقتصر على الكتابة، بل لا يعمل بها، ولا تنفع إلا إذا كان أشهد عليه بها، قال: هذا مذهبنا، ومذهب الجمهور (٣). فإن قيل: من أين اشتراط الإشهاد مع أنّ إضماره فيه بُعد؟ أجاب: بأنه قد استدل عليه بأمرٍ خارج، كقوله تعالى: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾ [المائدة: ١٠٦]، فإنه يدلُّ على اشتراط الإشهاد في الوصية (٤). وقال القرطبي: ذكرُ الكتابة مبالغةٌ في زيادة التوثُّق، وإلّا فالوصية المشهود بها متفق عليها، ولو لم تكن مكتوبة (٥)، انتهى.

стр. 2666

قلتُ: لا يخفى على منصفٍ أن الآية التي فيها الإشهاد ليس فيها ذكر الكتابة، فدلّت الآيات والأحاديث على ثلاث حالات للوصية؛ لأنها إمّا أن تكون مكتوبة، أو لا، وعلى كلٍّ، إمّا أن يكون أشهد عليها، أو لا، فإذا كانت مكتوبة، وقد أشهد عليها، فمتّفق على العمل بها، وكذا إذا كانت غير مكتوبة، ولكنه قد أشهدَ عليها، وأما إذا كانت مكتوبة بخطه المعروف، ولا شهادة عليها، فهي محل نزاع، وأما القسم الرّابع، وهو ألا تكون مكتوبة، ولا إشهاد عليها، فهو غير ملتفت إلى هذا رأسًا. قال صدر الوزراء أبو المظفر عونُ الدين بنُ هبيرةَ ﵀، ورضي عنه-: اختلفوا فيما إذا كتب وصيته بخطه يعلم أنه خطّه، ولم يُشهد فيها، هل يحكم عليه كما لو أشهد بها؛ فقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي: لا يحكم بها. وقال أحمد: من كتب وصيته بخطه، ولم يُشهد فيها، حُكم بها ما لم يعلم رجوعه عنها، انتهى (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في "مختصر الفتاوى المصرية": إذا كان الميت ممن يكتب ما عليه للناس في دفتره، أو كان له وكيلٌ يكتب بإذنه، فإن وصيَّه يرجع في ذلك إلى الكتاب الذي بخطه، أو خطّ وكيله، فما كان مكتوبًا ليس عليه علامة الوفاء، كان بمنزلة إقرار الميِّت، فخطُّ الميت، وإقرارُ الوكيل فيما وُكل فيه، أو خطُّه، مقبولٌ، ولكن على صاحب الدين اليمين أنّه لم يقبض، ولم يبرأ، وأنه يستحقه، انتهى (٢).

стр. 2667

ومعتمد المذهب: اعتبارُ كون الخط خطَّ الموصي، إما بإقرار وارث أنّه خط مورِّثه، أو بيِّنة تشهد أنه خطه (١). تنبيهان: الأوّل: تجب الوصية على مَنْ عليه حقٌّ بلا بيّنة، فيوصي بالخروج منه، وتسن لمن ترك خيرًا -وهو المال الكثير عرفًا- بخُمسه لقريب فقيرٍ، ولعالمٍ، ومسكينٍ، وتُكره في حق فقيرٍ له ورثة، إلا أن يكونوا أغنياء، فإن كانوا كذلك، فتباح إِذًا، وتحرم -ولو لصحيح ممّن يرثه غيرَ زوجٍ وزوجة- بزائد على الثلث لأجنبي، ولوارثٍ بشيء، وتصح، وتقف على إجازة الورثة، وتصح ممّن لا وارث له بنحو رحمٍ بجميع ماله، فلو ورثَهُ زوج أو زوجة، وردَّها بالكلّ، بطلت في قدر فرضه من ثلثيه، فيأخذ وصيّ الثلث، ثمّ ذو الفرض فرضه من ثلثيه، ثمّ تتم الوصية منهما، ولو وصَّى أحدهما للآخر، فله كلّه إرثًا ووصية (٢). الثاني: يُستحب أن يكتب في صدر وصيته: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذا ما أوصى به فلان: أنه يشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمدًا عبده ورسوله، وأن الجنّة حق، والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأنّ الله يبعث مَنْ في القبور، وأوصي من تركتُ من أهلي أن يتقوا الله، ويصلوا ذات بينهم، ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأوصيهم بما أوصى إبراهيم بنيه ويعقوب: ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]. أخرجه سعيد عن فضيل بن عيّاض، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أنس بن مالك -

стр. 2668

رضي الله عنه -، قال أنس: كانوا يكتبون في صدور وصاياهم، فذكره (١). وروي عن ابن مسعود ﵁: أنّه كتب في صدر وصيته: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذا ذكرُ ما أوصى به عبد الله بن مسعود إنْ حدث لي حادثُ الموت من مرضي هذا: أن مرجع وصيتي إلى الله تعالى، ثم إلى الزبير بن العوام، وابنه عبد الله، وأنهما في حلٍّ وبلٍّ ممّا وليا وقضيا، وأنه لا تُزوَّج امرأة من بنات عبد الله إلا بإذنهما (٢). وروى ابن عبد البر، قال: كان في وصية أبي الدرداء: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذا ما وصى به أبو الدرداء: أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأنّ الجنّة حق، وأنّ النّار حق، وأنّ الله يبعث مَنْ في القبور، وأنه يؤمن بالله واليوم الآخر، ويكفر بالطاغوت، على ذلك يحيا ويموت -إن شاء الله تعالى- (٣). تتمة في ذكر أحاديت مما ورد في الحث على الوصية والترهيب من تركها: روى ابن ماجة عن جابر ﵁ مرفوعًا: "من مات على وصيةٍ، مات على سبيلٍ وسنّةٍ، ومات على تقى وشهادة، ومات مغفورًا له" (٤).

стр. 2669

وروى الطبراني في "الصغير، والأوسط" عن ابن عباس ﵄: أنه قال: ترك الوصية عارٌ في الدنيا، ونارٌ وشنار في الآخرة (١). وروى أبو داود، والترمذي وحَسَّنه، وابن ماجة عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إنّ الرجلَ ليعمل -أو المرأة- بطاعة الله ستين سنة، ثم يحضرهما الموت، فيضارّان في الوصية، فتجب لهما النار"، ثم قرأ أبو هريرة ﵁: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ حتى بلغ: ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢) [النساء: ١٢ - ١٣]. ولفظ ابن ماجة: "إنّ الرجل ليعملُ بعملِ أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى، حاف في وصيته، فيختم له بشرِّ عمله، فيدخل النار، وإنّ الرجل ليعملُ بعمل أهل الشر سبعين سنة، فيعدل في وصيته، فيختم له بخير عمله، فيدخل الجنّة" (٣). وروى النسائي عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ : أنّه قال: "الإضرار في الوصية من الكبائر"، ثم تلا: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ (٤) [النساء: ١٣]. وروى أبو يعلى بإسنادٍ حسن عن أنس بن مالك ﵁، قال:

стр. 2670

كنا عند رسول الله ﷺ ، فجاء رجلٌ فقال: يا رسول الله! مات فلان، قال: "أليس كان معنا آنفًا؟ "، قالوا: بلى، قال: "سبحان الله! كأنها أخذةٌ على غضب، المحرومُ من حرم وصيته" (١). ورواه ابن ماجة مختصرًا، قال ﷺ : "المحروم من حرم وصيته" (٢)، والله أعلم.

стр. 2671

الحديث الثاني عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁، قَالَ: جَاءَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتدَّ بِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الوَجَعِ مَا تَرَى، وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُني إلَّا ابنةٌ لِي، أَفَاتَصَدَّقُ بثُلُثَيْ مَالِي، قَالَ: "لا"، قُلتُ: فَالشَّطْرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "لا"، قُلْتُ: فالثُّلُثُ؟ قَالَ: "الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيْرٌ، إِنَّك أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِياءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بهَا وَجْهَ اللهِ، إلَّا أُجِرْتَ بهَا، حَتَى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ"، قَالَ: فَقُلتُ. يَا رَسُولَ اللهِ! أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي؟ فَقَالَ: "إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا تَبْتَغِي بهِ وَجْهَ اللهِ، إلَّا ازْدَدْتَ بهِ دَرجَةً وَرِفْعَةً، وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حتَّى يَنْتَفعَ بكَ أَقْوامٌ، وَيُضَرَّ بكَ آخَرُونَ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ، وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلًى أَعْقَابهِمْ، لَكِنِ البَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَة" يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ مَاتَ بِمَكَّة (١).

стр. 2672

(عن) أبي إِسحاق (سعدِ بنِ أبي وقّاصٍ ﵁) واسمُ أبي وقاص: مالكُ بن وُهيب، ويقال: أُهيب بنُ عبدِ منافِ بنِ زهرةَ بنِ كلابِ بنِ مرةَ، القرشيُّ، الزهريُّ، وأمه حَمْنَةُ بنت سفيان، وقيل: بنت أبي سفيان بنِ عبدِ شمسِ بنِ عبدِ منافٍ. أسلم قديمًا على يد الصدّيق الأعظم وهو ابن سبع عشرة سنة، وقال:

стр. 2673

كنتُ ثالث الإسلام (١)، وأنا أول من رمى بسهمٍ في سبيل الله (٢)، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنّة، شهد المشاهدَ كلَّها مع رسول الله ﷺ ، كان قصيرًا غليظًا ذا هامةٍ، شثنَ الأصابع، آدَمَ، أفطسَ، أشعرَ الجسد، مات في قصره بالعقيق قريبًا من المدينة، فحُمل على رقاب الرجال إلى المدينة، وصلّى عليه مروان بن الحكم، وهو يومئذٍ والي المدينة، ودُفن بالبقيع سنة خمس وخمسين، وقيل: سبع وخمسين، وقيل: ثمان وخمسين، وله بضع وسبعون سنة، وقيل: اثنتان وثمانون سنة، وهو آخر العشرة موتًا، ولّاه عمر وعثمان ﵃ الكوفة. روى عنه: عبد الله بن عمر، وجابر، وسمرة، وعامر، ومحمد، ومصعب بنوه، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وابن المسيب، وأبو عثمان النهدي (٣). (قال) سعد بن أبي وقاص ﵁: (جاءني رسول الله ﷺ

стр. 2674

يعودني) جملةٌ وقعت حالًا (عام حجّة الوداع)، وسعد ﵁ يومئذٍ بمكة (من وَجَعٍ اشتدَّ بي)، وفي لفظٍ: "من وجعٍ أشفيت منه على الموت" (١)، واتفق أصحاب الزهري على أنّ ذلك كان في حجّة الوداع، إلّا ابن عيينة قال: في فتح مكة، أخرجه الترمذي (٢) وغيره، واتفق الحفاظ على أنه وهم فيه، على أنه قد ورد ما يؤيد كلام ابن عيينة، فقد أخرج الإمام أحمد، والبزار، والطبراني، والبخاري في "التاريخ"، وابن سعد من حديث عمرو بن القاري: أنّ رسول الله ﷺ قدِم، فخلف سعدًا مريضًا، حيث خرج إلى حنين، فلما قدم من الجعرانة معتمرًا، دخل عليه وهو مغلوب، فقال: يا رسول الله! إنّ لي مالًا، وإني أورث كَلالَةً، أفأوصي بمالي؟ الحديث (٣)، ويمكن الجمع بأنّ ذلك وقع مرّتين، وأنه في الفتح لم يكن له وارث من الأولاد (٤)، فإن لم يحمل على التعدد، وإلّا فالصحيح ما في "الصحيح"، والله أعلم. قال سعد: (فقلتُ: يا رسولَ الله! قد بلغ بي من الوجع ما ترى) فيه دليل على عيادة الإمام أصحابه، ودليلٌ على ذكر شدّة المرض لا في معرض الشكوى (٥)، (وأنا ذو مال) جملة حالية، وفيه التحدث بما أنعم الله عليه، (ولا يرثني إلا ابنة لي) جملة وقعت حالًا، وابنة سعد هذه تسمى عائشة، ولم يكن له يومئذٍ غيرها، ثم عوفي من ذلك المرض، ورزق أولادًا كثيرًا،

стр. 2675

منهم: محمد، وإبراهيم، وعامر، ومصعب، وإسحاق، وعمر، ويعقوب، ويحيى، وذكر من أولاده أيضًا: إسحاق الأكبر، وأم الحكم الكبرى، وحفصة، وأم القاسم، وكلثوم، وغيرهم، وكلّهم تابعيون. وأما عائشة المتقدم ذكرها، فروت عن أبيها سعد، ويقال: إنها رأت ستًا من أزواج النبي ﷺ ، روى عنها: أيوب السختياني، وغيره، أخرج لها: أبو داود، والترمذي، والنسائي (١)، (أفأتصدق)، وفي رواية عامر بن سعد عنه: كما في "البخاري": قلت: يا رسول الله! أوصي بمالي كلّه؟ قال: "لا" (٢). وفي رواية عائشة بنت سعد عنه: كما في الطب من "البخاري"، وكذا في "مسلم": [أفأتصدق] (٣) (بثلثي مالي؟)، وكذا وقع في رواية الزهري، والمراد بقوله: أفأتصدق؟ أي: صدقة معلقة بالموت، فلا مخالفة بين أوصي وأتصدق في المعنى، وكأنه سأل أولًا عن الكل، ثم سأل عن الثلثين (٤)، (قال) له النبي ﷺ : (لا)؛ أي: لا تتصدق بالكل، ولا بالثلثين. وقد روى الطبراني في "الكبير": أن رسول الله ﷺ دخل على سعد بن مالك يوم الفتح، الحديث، وفيه: فقال سعد: يا رسول الله! إنّ مالي كثير، وإنني أُورث كلالة، أفأتصدق بما لي كلّه؟ قال: "لا"، قال: أفأتصدق

стр. 2676

بثلثيه؟ قال: لا، الحديث (١)، (قلتُ: فالشطر؟)؛ أي: النصف. قال الكرماني: هو بالجر أو الرفع، انتهى. فالجر بأن يكون معطوفًا على قوله: بثلثي مالي، والرفع على تقدير حذف الرافع تقديره: [فيجوز الشطرُ] ونسب إلى الزمخشري جوازُ النصب على تقدير: أعني: الشطرَ (يا رسول الله) (٢)، (قال: لا)؛ أي: لا يجوز أن توصي بالشطر، فـ (قلتُ: فالثلث؟) بالأوجه الثلاثة كما في الشطر، (قال) ﷺ : (الثلث) بالنصب على الإغراء، ويجوز الرفع على أنه فاعل؛ أي: يكفيك الثلث، (والثلث كثير) مبتدأ وخبر، وأكثر الروايات بالثاء المثلثة، وفي بعضها: "كبير" -بالياء الموحدة (٣) (إِنَّك أَنْ تذر) قال النووي: -بفتح همزة "أنّ" وكسرها-، فبالفتح تكون للتعليل، وبالكسر تكون للشرط (٤). وقال القرطبي: لا معنى للشرط هنا؛ لأنه يصير لا جواب له، ويبقى خبر لا رافع له، وعلى تقدير كونها شرطية، فالجزاء محذوف، تقديره: فهو خير (٥). قال ابن مالك: من خصّ هذا الحكم بالشعر، فقد ضيّق الواسع. وقال الإمام ابن الجوزي: سمعناه من رواة الحديث بالكسر، وأَنكره شيخنا عبد الله بن أحمد -يعني: ابن الخشاب الحنبلي أحد أئمة النحو-،

стр. 2677

وقال: لا يجوز الكسر؛ لأنه لا جواب له، لخلو لفظ "خير" من الفاء (١)، واعترض عليه بأن حذف الفاء من الجزاء سائغ شائع غيرُ مختص بالضرورة -كما قدّمنا- (٢)، ومعنى تذر: تترك، وفي لفظ: "أن تدع (ورثتك) " (٣)، قيل: إنما عبّر بلفظ الورثة، ولم يقل: أن تذر بنتك، مع أنه لم يكن له يومئذٍ إلا ابنة واحدة، لكون الوارث حينيذٍ لم يتحقق؛ لأن سعدًا لما قال ذلك بناءً على موته في ذلك المرض، وبقائها بعده حتى ترثه، فأجابه ﵇ بكلامٍ كلّي مطابق لكل حالة، وهو قوله: "ورثتك"، ولم يخص بنتًا من غيرها. وقيل: إنما عبّر بالورثة؛ لأنه اطلع على أن سعدًا سيعيش، ويأتيه أولاد غير البنت المذكورة، فكان الأمر كذلك، فكان له عدة بنين وبنات ما يزيد على خمسة وعشرين، أزيد من خمسة عشر ذكرًا، واثنتي عشرة ابنة. وقيل: لأن ميراثه لم يكن منحصرًا في ابنته، فقد كان لأخيه عتبة بن أبي وقاص أولاد إذ ذاك، لذاك، منهم: هاشم بن عتبة الصحابي الذي قتل بصفين (٤) (أغنياء) عن المسألة وتكفف الناس (خير) لك عند الله (من أن تذرهم)؛ أي: تتركهم (عالة)؛ أي: فقراء، وهو جمع عائل، وهو الفقير، من عال يعيل: إذا افتقر (٥) (يتكففون) التكفف ببسط الكف للسؤال، أو سأل الناس كفافًا من الطعام، أو ما يكف الجوعة، أو بمعنى: يسألون

стр. 2678

(الناس) بالكف (١)، وفي بعض الروايات: "يتكففون النالس في أيديهم" (٢)؛ أي: بأيديهم، أو المعنى: يسألون بالكف لإكفاء في أيديهم (٣). ففي هذا: دليلٌ على استحباب الصدقة لذوي الأموال، ومبادرة الصّحابة الكرام، وشدة رغبتهم في الخيرات، فإن سعدًا ﵁ طلب التصدق بالأكثر. وفيه: دليل على تخصيص الوصية، وأن الثلث في حدّ الكثرة في باب الوصية (٤)، ويأتي له تتمة. (وإنك) يا سعد، والمراد به: العموم (لن تنفق نفقة) كثيرة أو قليلة (تبتغي)؛ أي: تقصد (بها)؛ أي: بتلك النفقة (وجهَ الله) تعالى، وفي لفظٍ: "وإنّكَ مهما أنفقتَ من نفقة (٥) (إلّا أُجرت بها) "، دلّ هذا القيد على أنّ الثواب في الإنفاق مشروطٌ بصحةِ النيّة في ابتغاء وجه الله تعالى، والدار الآخرة، وهذا دقيق عسر إذا عارضه مقتضى الطبع والشهوة، فإن ذلك يفوت الفرض المقصود من الثواب، فضلًا عن شائبة الرياء والمباهاة حتى يبتغي به وجه الله ويَشُقُّ تخليص هذا المقصود بما يشوبه من مقتضى الطبع والشهوة. وفيه: دليلٌ على أنّ الواجبات المالية إذا أُدِّيت على قصد أداء الواجب، ابتغاء وجه الله، من تصحيح النيّة، أُثيبَ عليه (٦)، ولهذا قال ﷺ : (حتى

стр. 2679

ما تجعل) "حتى" هذه ابتدائية (في في امرأتك)؛ أي: في فم امرأتك، وفي رواية: "حتى اللقمة" (١). ووجه تعلق هذا بقضية الوصية: أنّ سؤال سعد ﵁ يشعر بأنه رغب في تكثير الأجر، فلمّا منعه الشارع من الزيادة على الثلث، قال له على سبيل التسلية: إنّ جميع ما تفعله في مالك من صدقةٍ ناجزة، ونفقة -ولو واجبة- تؤجر بها إذا ابتغيت بها وجه الله، ولعله خصّ المرأة بالذكر؛ لأن نفقتها مستمرة (٢). قلت: فالذي يظهر لي أنّ وجه التنصيص على المرأة يشعر بحصول الثواب في غيرها من بابٍ أولى؛ لأن نفقتها في مقابلة الاستمتاع بها، فإذا كان مع كونه في مقابلة عوض، وهو تمتعه بها، يحصل له الثواب، فغيرها من بقية من ينفق عليه ويعوله لا في مقابله شيء أولى، فـ "حتى" ها هنا تقتضي المبالغة في تحصيل هذا الأجر بالنسبة إلى المعنى، كما يقال: جاء الحاجُّ حتى المشاة، ومات الناس حتى الأنبياء، فلما كان ربما توهم أنّ أداء الواجب قد يشعر بأن لا يقتضي غير إسقاطه عمن أدّاه، وأنه لا يزيد على براءة الذمّة، دفع هذا الوهم بأنه يحصل له ما نواه، فإن المباح إذا قُصد به وجه الله تعالى، صار طاعة، وأُثيب عليه (٣). (قال) سعد ﵁: (فقلتُ: يا رسول الله! أُخَلَّفُ بعدَ أصحابي؟).

стр. 2680

قال: القاضي عياض: معناه: أُخلف بمكة بعدَ أصحابي؟ قاله: إمّا إشفاقًا من موته بمكة، لكونه هاجر منها، وتركها لله، فخشي أنّ يقدح ذلك في هجرته، أو في ثوابه عليها، أو خشي بقاءه بمكة بعد انصراف النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة، وتخلف عنهم بسبب المرض، وكانوا يكرهون الرجوع فيما تركوه لله، ولهذا جاء في رواية: أخلف عن هجرتي؟ (١). قال: القاضي: كان حكم الهجرة باقيًا بعد الفتح، لهذا الحديث، وقيل: إنّما كان ذلك لمن هاجر قبل الفتح، وأما من هاجر بعده، فلا (٢)، (فقال) له ﷺ : (إنّك لن تخلَّفَ فتعملَ عملًا) المراد بالتخلف هنا: طول العمر، والبقاء في الحياة بعد جماعاتٍ من أصحابه (٣)، (تبتغي به)؛ أي: بذلك العمل (وجهَ الله) الكريم ومرضاته (إلا ازددت به)؛ أي: بذلك التخلف الذي عملت فيه العمل المذكور (درجةً) عند الله عاليةً، (ورفعةً) عظيمة وافية. وفيه: فضيلةُ طول العمر للازدياد في العمل الصالح، والكدح الناجح، والحثّ على إرادة وجه الله تعالى بالأعمال الصالحة (٤)، (ولعلك)، وفي رواية: "ثم لعلّك" (٥) (أنّ تخلف حتى ينتفع بك أقوام)، وفي رواية: "عسى الله أن يرفعك" (٦)؛ أي: يطيل عمرك، وكذلك اتفق، فإنه عاش بعد ذلك أزيدَ من أربعين سنة، بل قريبًا من خمسين عامًا، مات سنة خمسٍ

стр. 2681

وخمسين من الهجرة، وقيل: سنة ثمان وخمسين، وهو المشهور، فيكون عاش بعد حجة الوداع خمسًا وأربعين، أو ثمانيًا وأربعين (١)، وفي لفظ: "فينتفع بك ناسٌ" (٢)، (ويُضر بك آخرون)؛ أي: ينتفع بك المسلمون بالغنائم مما سيفتح الله على يديك من بلاد الشرك، ويضر بك المشركون الذين يهلكون على يديك، فإن سعدًا ﵁ عاش حتّى فتح العراق وغيره، وانتفع به أقوامٌ في دينهم ودنياهم، ومن ذلك ما رواه الطحاوي، قال: سُئل عامرُ بنُ سعدٍ عن معنى قول النبي ﷺ هذا، فقال: لما أمر سعد على العراق، أتي بقوم ارتدُّوا، فاستتابهم، فتاب بعضهم، وامتنع بعضهم، فقتلهم، فانتفع به من تاب، وحصل الضرر للآخرين. وزعم ابن التين: أنّ المراد بالنفع به: ما وقع من الفتوح، كالقادسية وغيرها، وبالضرر: ما وقع من تأمير ولده عمر بن سعد على الجيش الذين قتلوا الحسين بن علي ﵄ ومن معه. ورده الحافظ ابن حجر، لتكلفه لغير ضرورةٍ تحملُ على إرادة الضرر الصادر من ولده (٣). قال العيني: لا ينظر فيه من هذا الوجه، بل فيه معجزة من معجزات النبي ﷺ ، حيث أخبر بذلك بالإشارة قبل وقوعه (٤). قال بعض العلماء: لفظة "لعل" وإن كانت للترجي، لكنها من الله للأمر

стр. 2682

الواقع، وكذلك إذا وردت على لسان رسول الله ﷺ غالبًا (١). (اللهم)؛ أي: يا ألله! (أمض لأصحابي)؛ أي: المهاجرين منهم (هجرتَهم، ولا تردَّهم على أعقابهم). قال: القاضي: استدل بعضهم على أنّ بقاء المهاجر بمكة -كيف كان- قادحٌ في هجرته، قال: ولا دليل فيه عندي؛ لأنه دعا لهم دعاءً عامًا، ومعنى: "أمض لأصحابي هجرتهم"؛ أي: أتمّها، ولا تبطلها، ولا تردّهم على أعقابهم بترك هجرتهم، ورجوعهم عن مستقيم حالتهم المرضية (٢)، (لكنِ البائسُ): الذي يبدو عليه أثر البؤس، وهو الفقر والقلّة (سعدُ بنُ خَولة)، وهو أبو سعيد، من بني عامر بن لؤي، من أنفسهم، وقيل: هو حليفٌ لهم، وقيل: هو مولى أبي رُهْمِ بنِ عبد العزى العامري، وقيل: هو من اليمن، وقيل: من عجم القدس، قاله ابن الأثير في "جامع الأصول" (٣)، قال رسول الله ﷺ ما قال فيه (يرثي له رسول الله ﷺ أن مات بمكة) الرثاء -بكسر الراء وبالمثلثة والمد- يطلق على التوجع والتحزن، وهو المباح، وعلى مدحِ الميّت وذكرِ محاسنه، وهو المنهيِّ عنه في حديث الإمام أحمد وغيره (٤)، وعلّته أنّ ذلك باعث على تهييج الحزن، وتجديد

стр. 2683

اللّوعة (١). وخولة -بفتح الخاء وسكون الواو-. تنبيهات: الأول: قال: النووي: قال: العلماء: هذا من كلام الراوي، وليس هو من كلام النبي ﷺ -يعني: قوله: يرثي له. . . إلخ-، بل انتهى كلام النبي ﷺ بقوله: "لكن البائس سعد بن خولة"، فقال الراوي في تفسير هذا الكلام: إنه يرثيه به النبي ﷺ ، ويتوجع له، ويرق عليه، لكونه ماتَ بمكة. واختلفوا في تأويل هذا الكلام ممن هو؟ فقيل: هو من سعد بن أبي وقاص. وقد جاء مفسرًا في بعض الروايات، قال القاضي: وأكثر ما جاء أنه من كلام الزهري (٢). قال ابن عبد البر: زعم أهل الحديث أنّ قوله: يرثي. . . إلخ، من كلام الزهري (٣). وقال: الحافظ ابن الجوزي، وغيره: هو مدرج من كلام الزهري، وكأنهم استندوا إلى ما وقع في رواية أبي داود الطيالسي عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري (٤)، فإنه فصل ذلك، لكن وقع في "البخاري" في الدعوات: "لكن البائس سعد بن خولة"، قال سعد: رثى له رسول الله ﷺ (٥)، فهذا ينافي

стр. 2684

إدراجه، فلا ينبغي الجزم به كما نبّه عليه الحافظ ابن حجر (١). وقال البرماوي: القائل: يرثي له، في هذا الحديث، مختلفٌ فيه، فقيل: هو سعد بن أبي وقاص، وقيل: من قول الزهري، فكان ينبغي للمصنف الحافظ -رحمه الله تعالى- أن يذكر الزهري لذلك؛ لأنه الراوي عن سعد هذا الحديث، فالاحتياطُ ذكره، إلّا أن يكون المصنف ﵀ ممن يرى بأن القائل هو سعد، فلا حاجة حينيذٍ لذكر الزهري، والله الموفق. واختلفوا في البائس سعد بن خولة، فقيل: لم يهاجر من مكة حتى مات بها، قاله عيسى بن دينار، وغيره. وذكر البخاري: أنه هاجر، وشهد بدرًا، ثم انصرف إلى مكة، ومات بها. وقال ابن هشام: إنه هاجر إلى الحبشة الهجرةَ الثانية، وشهد بدرًا وغيرها، وتوفي بمكة في حجة الوداع سنة عشر، وقيل: توفي بها سنة سبع في الهدنة، خرج مختارًا من المدينة إلى مكة (٢). قال في "الفتح": وجزم الليث بن سعد بأن سعد بن خولة مات في حجة الوداع، وهو الثابت في "الصحيح"، خلافًا لمن قال بأنه مات في مدة الهدنة مع قريش سنة سبع، انتهى (٣). قال النووي: فعلى أنه توفي في سنة سبع، فبؤسه سقوطُ هجرته، لرجوعه مختارًا إلى الأرض التي هاجر منها، وموته بها، وعلى القول

стр. 2685

الآخر، سبب بؤسه موته بمكة، على أي حال كان، وإن لم يكن باختياره، لما فاته من الأجر والثواب الكامل بالموت في دار هجرته والغربة عن وطنه الذي هجره لله (١). قال القاضي: وقد روي في هذا الحديث: أنّ النبي ﷺ خلف مع سعد بن أبي وقاص رجلًا، وقال له: "إن توفي بمكة، فلا تدفنه بها" (٢)، انتهى (٣). الثاني: الأولى للموصي أَلَّا يستوعب بالوصية الثلث، وإن كان غنيًا، لقول النبي ﷺ : "والثلث كثير"، ولقول ابن عباس ﵄ كما يأتي: لو أن الناس غضوا من الثلث، فإن النبي ﷺ قال: ١ "الثلث كثير" متفق عليه (٤). قال: القاضي أبو يعلى، وأبو الخطاب الكلوذاني: إن كان غنيًا، استحب الوصية بالثلث، ويردّ عليه قوله ﷺ : "الثلث كثير" مع إخبار سعد بكثرة ماله وقلة عياله، وفي النسائي: عن سعد: أن النبي في قال له: "أوصيت؟ "، قال: نعم، قال: "بكم؟ "، قلت: بمالي كله للفقراء في سبيل الله، قال: "فما تركتَ لولدك؟ "، وفيه: "أوص بالعشر"، قال: فما زال يناقصني وأناقصه حتى قال: "أوص بالثلث، والثلث كثير"، أو "كبير" (٥) يعني: بالمثلثة أو بالموحدة، وهو شك من الراوي، وأكثر الروايات بالمثلثة.

стр. 2686

والحاصل: أن الإجماع منعقد على أنّ الوصية بالثلث لغير وارث جائزة، وأنها لا تفتقر إلى إجازة ورثة، وأن ما زاد على الثلث إذا أوصى به من ترك بنين أو عصبة، فإنه لا ينفذ إلا الثلث، والباقي موقوف على إجازة الورثة، فإن أجازوه، نفذ، وإن أبطلوه، بطل، وأن المستحب للموصي أن يوصي بدون الثلث مع إجازتهم له الوصية به (١). والمستحب عندنا للغني الوصية بالخمس ونحوه كما يروى عن أبي بكر الصدّيق ﵁، وعلي بن أبي طالب ﵁ وهو ظاهر قول السلف وعلماء أهل البصرة (٢). قال الصدّيق ﵁: إن الله تعالى رضي من غنائم المؤمنين بالخمس، وقال: وصيت بما رضي الله لنفسه، يعني: قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (٣) [الأنفال: ٤١]. وروي أنّ أبا بكر وعليًّا - رضوان الله عليهما - أوصيا بالخمس (٤). وعن عليّ ﵁: لأن أوصي بالخمس أحبُّ إليّ من الربع (٥). وعن الشعبي، قال: كان الخمس أحبّ إليهم من الثلث (٦).

стр. 2687

وقال إسحاق بن راهويه: السنّة الربع، إلّا أن يكون رجلًا يعرف في ماله شبهات أو غيرها، فله استيعاب الثلث (١). وفي "مسند الإمام أحمد" عن ابن عباس ﵄: وددت أنّ الناس غضوا من الثلث -بالمعجمتين (٢) -؛ أي: نقصوا. ويروى عن عمر بن الخطاب ﵁: أنه جاءه شيخ، فقال: يا أمير المؤمنين! أنا شيخٌ كبير، ومالي كثير، ويرثني أعراب موالي كلالة منزوح نسبهم، أفأوصي بمالي كله؟ قال: لا، فلم يزل يحطّ حتى بلغ العشر (٣). والمعروف من مذهب الشافعي استحباب النقص من الثلث (٤). وفي "شرح مسلم" للإمام النووي: إن كان الورثة فقراء، استحب أن ينقص، وإلّا فلا (٥). الثالث: إنما تُستحب الوصية بجزءٍ من المال لمن ترك خيرًا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠]، فنسخ الوجوب، وبقي الاستحباب في حق من لا يرث (٦). وقد روى ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 2688

"يا بن آدم! جعلت لك نصيبًا من مالك حين أخذت بكفيك لأطهرك" (١). وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم" رواه ابن ماجة (٢). وقال الشعبي: من أوصى بوصية، ولم يَجُر، ولم يحف، كان له من الأجر مثل ما لو أعطاها وهو صحيح (٣). فإن كان الموصي فقيرًا له ورثة فقراء، فلا تستحب له الوصية بشيء من ماله؛ لأن الله تعالى يقول في الوصية: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠]، وقال النبي ﷺ لسعد: "إنّك أن تدع ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تدعهم عالة يتكففون الناس"، وقال ﷺ : "ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول" (٤)، وقال علي لرجل أراد أن يوصي: "إنك لن تدع طائلًا، إنما تركتَ شيئًا يسيرًا، فدع لورثتك" (٥). قال في "شرح المقنع": من ترك ستين دينارًا، فما ترك خيرًا، وقال طاوس: الخير ثمانون دينارًا، وقال الإمام أحمد: إذا ترك دون الألف، فما ترك خيرًا (٦). قال في "شرح المقنع": والذي يقوى أنه متى كان المتروك لا يفضل عن غنى الورثة فلا تستحب الوصية؛ لأن النبي ﷺ علل المنع في الوصية بقوله:

стр. 2689

"أن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة"، ولأن إعطاء القريب المحتاج خير من إعطاء الأجنبي، فمتى لم يبلغ الميراث غناهم، كان تركه لهم كعطيتهم إياه، فيكون ذلك أفضل من الوصية به لغيرهم، فحينيذٍ يختلف الحال باختلاف الورثة كثرةً وقلةً وغَناء وحاجة، فلا يتقيد بقدر من المال (١). قلت: هذا حيث لا شبهة في المال، وأما إن كان فيه شبهة، أو زكاة مجهولة مما يشغل ذمّته، فالمتعين عليه إبراء ذمّته؛ لأنه من البداءة بنفسه، والله تعالى الموفق.

стр. 2690

الحديث الثالث عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: لَوْ أَنَّ النَّاسَ غَضُّوا مِنَ الثُّلُثِ إِلَى الرُّبُعِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "الثُّلُثُ، وَالثُلُثُ كثيرٌ" (١). * * * (عن) أبي العباس (عبدِ الله بنِ عباسٍ ﵄، قال: لو أنّ الناسَ غَضُّوا) -بمعجمتين، الأولى مفتوحة، والثانية مضمومة مثقلة-؛ أي: نقصوا (٢)، وفي لفظٍ: غضّ النَّاس (٣)، وفي "مسند الإمام أحمد":

стр. 2691

وددتُ أنّ الناسَ غضّوا (١) (من الثلث إلى الربع). زاد الحميدي: في الوصية (٢). كلمة "لو" في هذا الخبر للتمني، فلا تحتاج إلى جواب، وإن قلت: إنها شرطيّة، يكون جوابها محذوفًا، تقديره: لكان أولى، ونحوه. ووقع في رواية ابن أبي عمر في "مسنده" عن سفيان: فكان أحبّ إليّ، فإنّ الفاء تعليلية، وفي رواية: (فإنَّ رسول الله ﷺ ): هذا تعليل لما اختاره من التنقيص عن الثلث، وكأن ابن عباس ﵄ أخذ ذلك من وصفه ﷺ الثلث بالكثرة (٣)، حيث (قال: الثلث، والثلث كثير)، وتقدم الكلام على ذلك، وأنه روي بالمثلثة والموحدة. فائدة: أول من أوصى بالثلث في الإسلام البراءُ بنُ معرور -بمهملات- أوصى به للنبي ﷺ ، وكان قد مات قبل أن يدخل النبي ﷺ المدينة بشهر، فقبله النبي ﷺ ، وردّه على ورثته، أخرجه الحاكم، وابن المنذر من طريق يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، عن جده (٤)، وتقدم تفصيل ذلك، والله الموفق.

стр. 2692

كتاب الفرائض جمع فريضة، وهي في الأصل اسم مصدر من فرض وافترض، ويسمى البعير المأخوذ في الزكاة وفي الدّية: فريضة، فعيلة بمعنى مفعولة (١). قال الجوهري: الفرض: ما أوجبه الله تعالى، سميّ بذلك؛ لأن له معالم وحدودًا، والفرض: العطية الموسومة، وفرضت الرجل، [وأفرضته] (٢): إذا أعطيته، والفارض، والفرضي: الذي يعرف الفرائض، وتسمى قسمةُ المواريث: فرائض (٣). والفريضة: نصيب مقدر شرعًا لمستحقه، لا ينقص إلا بالعول، ولا يزيد إلا بالرد (٤). وذكر المصنف الحافظ -رحمه الله تعالى- في هذا الكتاب أربعة أحاديث.

стр. 2693

الحديث الأول عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَلْحِقُوا الفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ، فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ" (١). وفي رواية: "اقْسِمُوا المَالَ بَيْنَ أَهْلِ الفَرَائِضِ عَلَى كِتَابِ اللهِ، فَمَا تَرَكتِ الفَرَائِضُه، فَلأوْلَى رَجُلٍ ذَكرٍ" (٢).

стр. 2694

(عن) أبي العباس (عبدِ الله بنِ عباسٍ ﵄، عن النبيِّ ﷺ ، قال: ألحقوا الفرائض بأهلها)؛ أي: الأنصبة المقدرة في كتاب الله -تعالى-، وهي النصف ونصفه ونصف نصفه، والثلثان ونصفهما ونصف نصفهما، ومن عباراتهم في ذلك: الثلث والربع وضعفُ كل، ونصف كل ومنهما السدس والثمن وضعفهما وضعف ضعفهما (١). والحاصل: أنّ الفروض المقدرة: الثلثان، والثلث، والسدس، والنصف، والربع، والثمن (٢). ودلّ الحديث على أنّ قسمة المواريث تكون البدأة فيها بأهل الفرض، وبعد ذلك ما بقي فللعصبة (٣)، وهو معنى قوله ﷺ : "بأهلها". فأهل النصف خمسة: الزوج عند عدم الفرع الوارث بالإجماع، والأنثى من الأولاد، وهي البنت عند انفرادها عمن يساويها من الإناث، أو يعصبها من الذكور، وبنت الابن عند فقد الولد، ومن يساويها في درجتها من الإناث أو من يعصبها من الذكور، والأخت الشقيقة حيث لا ولد للميت، ولا ولد ابن، ولا في درجتها من يساويها من الإناث، ولا من يعصبها من الذكور، والأخت للأب حيث فقد من مرَّ ذكرهم، ولا ثَمَّ من يساويها من الإناث، ولا من يعصبها من الذكور. وأما الربع، ففرض الزوج مع فرع وارثٍ للميّت، وفرض الزوجة فأكثر حيث لا فرع له وارث. وأما الثمن، ففرض الزوجة فأكثر حيث كان للميّت فرعٌ وارث.

стр. 2695

وأما الثلثان، ففرض أربعة أصناف: فرض البنتين فصاعدًا، وفرض بنتي الابن فصاعدًا، وفرض الشقيقين، وفرض الأختين للأب فصاعدًا بالشروط المعتبرة. وأمّا الثلث، ففرض الأم بشرطين عدميين: أحدهما: حيث لا ولد للميّت، ولا ولد ابن. والثاني: حيث لا عدد من الإخوة والأخوات، سواء كان الإخوان فصاعدًا أشقاء، أو لأبٍ، أو لأمٍ، أو مختلفين، وسواء كانا ذكرين، أو أنثيين، أو مختلفين، ولا فرق في الإخوة بين كونهم وارثين، أو محجوبين، أو بعضهم، والمراد: حجب شخص، وأمّا المحجوب بالوصف، فوجوده كعدمه، وقد لا ترث الأم حقيقة مع عدمِ مَنْ ذُكر في مسألتين يسميان بالغرَّاوين، وبالعمريتين، وهما: زوج وأم وأب، فلها ثلث الباقي بعد فرض الزوج. وزوجة وأم وأب، فلها ثلث الباقي بعد فرض الزوجة. وهذا مذهب الجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة. والثلث أيضًا فرض الأخوين للأم فصاعدًا، يستوي فيه الذكر والأنثى منهم، وتسقط الإخوة للأم بالولد، ذكرًا كان أو أنثى، وبولد الابن كذلك، وبالأب والجد. وقد يرث الجد في بعض أحواله مع الإخوة، وكذلك ربما ورث معهم في بعض أحواله ثلث الباقي. وأما السدس، ففرض سبعة: فرض الأب مع الفرع الوارث، وفرض الأم معه أيضًا، أو مع عدد من الإخوة والأخوات، وفرض بنت الابن فأكثر

стр. 2696

مع البنت الواحدة، وكذا كلّ بنت ابن نازلة مع بنت ابن واحدة أعلى منها، وجَدٍّ مع الفرع الوارث، وكذا في حالٍ من أحواله مع الإخوة، وفرض الأخت للأب مع الأخت الشقيقة الواحدة، وفرض الجدّة فأكثر، وفرض ولد الأم الواحد ذكرًا كان أو أنثى. والمجمع على توريثهم من الذكور عشرة: الابن وابنه وإن نزل، والأب وأبوه وإن على، والأخ من كلّ جهة، وابن الأخ لا من الأم، والعم وابنه كذلك، والزوج ومولى النعمة (١). ومن الإناث سبع: للبنت وبنت الابن وإن سفل أبوها، والأم، والجدّة، والأخت، من كلّ جهة، والزوجة، ومولاة النعمة. تنبيه: جاءت الأخبار وصحت الآثار بالحثّ على تعلم علم الفرائض، والاعتناء به، وعدم إهماله، فروى أبو داود بإسناده عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أنّ رسول الله ﷺ قال: "العلم ثلاثة، وما سوى ذلك فهو فضل: آيةٌ محكمة، [أ] وسنّةٌ قائمة، فريضةٌ عادلة" (٢). وعن أبي هريرة ﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: "تعلّموا الفرائضَ وعلّموها الناسَ، فإنه نصف العلم، وهو يُنسى، وهو أول علم يُنزع من أمّتي" رواه ابن ماجة (٣).

стр. 2697

ويروى عن عبد الله ﵁: أنّ النبي ﷺ قال: "تعلموا الفرائض وعلّموها الناس، فإني امرؤٌ مقبوض، وإنّ العلم سيُقبض حتى يختلف الرجلان في الفريضة، فلا يجدان من يفصل بينهما" (١). وقال عمر ﵁: تعلّموا الفرائض، فإنها من دينكم (٢)، والله أعلم. (فما بقي) بعد أن أخذ ذو الفرض فرضه (فهو)؛ أي: الباقي بعد الفريضة (لأَولى)؛ أي: لأقرب (رجلٍ) من عصبات الميّت. (ذَكَرٍ) احترز به عن الخنثى في الجملة. قال الإمام الحافظ ابن رجب في "شرح الأربعين": المراد: أعطوا الفروض المقدرة لمن سمّاه الله لهم، فما بقي بعد هذه الفروض، فيستحقه أولى الرجال، والمراد بالأولى: الأقرب كما يقال: هذا يلي هذا؛ أي: يقرب منه، فأقرب الرجال هو أقرب العصبات، فيستحق الباقي بالتعصيب، وبهذا المعنى فسّر الحديثَ جماعة من الأئمة، منهم: الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، نقله عنهما إسحاقُ بنُ منصور، وعلى ظاهر هذا فإذا اجتمع بنت وأخت وعم، أو ابن عم أو ابن أخ، فينبغي أن يأخذ الباقي بعد نصف البنت العصبة، وهذا قول ابن عباس ﵄، وكان يتمسك بهذا الحديث، ويقرّ بأن الناس كلهم على خلافه، وذهبت الظاهرية إلى قوله أيضًا، وقال إسحاق: إذا كان مع البنت والأخت عصبة، فالعصبة

стр. 2698

أولى، وإن لم يكن معهما أحد، فالأخت لها الباقي. وحكي عن ابن مسعود: أنه قال: الأخت عصبةُ من لا عصبةَ له، ورد هذا بأنه لم يصح عن ابن مسعود، وكان ابن الزُّبير ومسروق يقولان بقول ابن عبّاس، ثم رجعا عنه. ومذهب جمهور العلماء: أن الأخت مع البنت عصبة، لها ما فضل، منهم: عمر، وعلي، وعائشة، وزيد، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وتابعهم سائر العلماء، ومن حجّتهم ما في "صحيح البخاري" عن أبي قيس الأودي، عن هُزَيْل بن شرُحبيل، قال: جاء رجلٌ إلى أبي موسى ﵁، فسأله عن ابنة وابنة ابنٍ وأختٍ لأبٍ واحدٍ، فقال: للابنة النصف، وللأخت ما بقي، فأئى ابنَ مسعود، فسيتابعني، فأتى ابنَ مسعود، فذكر له ذلك، فقال: لقد ضللتُ إِذًا وما أنا من المهتدين، أقضي فيها بقضاء رسول الله ﷺ : للابنة النصف، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت، قال: فأتينا أبا موسى، فأخبرناه بقول ابن مسعود، فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم (١). وفي "البخاري" -أيضًا- عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود بن يزيد، قال: قضى فينا معاذ بن جبل على عهد رسول الله ﷺ : النصف للابنة، والنصف للأخت، ثم ترك الأعمش ذكر عهد رسول الله ﷺ ، فلم يذكره (٢)، وخرجه أبو داود من وجهٍ آخر، وفيه: ونبيّ الله ﷺ يومئذٍ حيّ (٣).

стр. 2699

واستدل ابن عباس ﵄ لمذهبه بقوله -تعالى-: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، وكان يقول: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠]؟ يعني: أنّ الله لم يجعل لها النصف إِلَّامع عدم الولد، وأنتم تجعلون لها النصف مع الولد، وهو البنت، والصواب قول عمر والجمهور، ولا دلالة في هذه الآية على خلاف ذلك؛ لأن المراد بقوله: ﴿فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَك﴾ [النساء: ١٧٦] بالفرض، وهذا مشروطٌ بعدم الولد بالكلية، ولهذا قال بعده: ﴿فَإِن كَانَتَا اْثنَتَين فَلَهُمَا الْثلثُانِ مِمَّا تَرَك] [النساء: ١٧٦] يعني: بالفرض، والأخت الواحدة إنما تأخذ النصف مع عدم وجود الولد الذكر والأنثى، وكذلك الأختان فصاعدًا إنما يستحقان الثلثين مع عدم وجود الولد الذكر والأنثى، فإن كان هناك ولد، فإن كان ذكرًا، فهو مقدم على الإخوة مطلقًا، وإن لم يكن هناك ولد ذكر، بل أنثى، فالباقي بعد فرضها يستحقه الأخ مع أخته بالاتفاق، فإذا كانت الأخت لا يسقطها أخوها، فكيف يسقطها من هو أبعد منه من العصبات، كالعم وابنه، وإذا لم يكن العصبة الأبعد مسقطًا لها، فيتعين تقديمها عليه، لامتناع مشاركته لها، فمفهوم الآية أن الولد يمنع أن يكون للأخت النصف بالفرض، وهذا حقٌّ، لا أن مفهومها أنّ الأخت تسقط بالبنت، ولا تأخذ ما فضل عن ميراثها، يدل عليه قوله -تعالى-: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦]، وقد أجمعت الأمة على أن الولد الأنثى لا يمنع الأخ أن يرث من مال أخته ما فضل عن البنت أو البنات، وإنما وجود الولد الأنثى يمنع أن يحوز الأخ ميراث أخته كلّه، فكما أن الولد إن كان ذكرًا منع الأخ من الميراث، وإن كان أنثى، لم يمنعه الفاضل من ميراثها، وإن منعه حيازة الميراث، فكذلك الولد إن كان ذكرًا،

стр. 2700

منع الأخت الميراث بالكليّة، وإن كان أنثى، منعت الأخت أن يفرض لها النصف، ولم تمنعها أن تأخذ ما فضل عن فرضها (١). (وفي رواية) لمسلم من حديث ابن عباس ﵄: " (اقسموا المال) المخلف عن الميّت، يعني: تَرِكته (بين أهل الفرائض)؛ أي: المستحقين لها (على) حكم (كتاب الله) -تعالى-، (فما)؛ أي: أَيَّ شيء (تركت الفرائض)؛ أي: الذي تركته الفرائض، يعني: فضل عنها، فـ (هو لأولى)؛ أي: أقرب (رجل) من عصبات الميت (ذكر). قال الحافظ ابن رجب: قد قيل: إنّ المراد به العصبة البعيدة خاصّة، كبني الإخوة والأعمام وبنيهم، دون العصبة القريب، بدليل أن الباقي بعد الفروض يشترك فيه الذكر والأنثى إذا كان العصبة قريبًا، كالأولاد والإخوة بالاتفاق، وكذلك الأخت مع البنت بالنصّ الدّال عليه، وأيضًا فإنه يخص منه هذه الصور بالاتفاق، وكذلك يخص منه المعتقة مولاة النعمة بالاتفاق، فيخصّ منه صورة الأخت مع البنت بالنّص. وقال بعضهم: المراد بقوله: "ألحقوا الفرائض بأهلها": ما يستحقه ذَوو الفروض في الجملة، سواء أخذوه بفرض، أو بتعصيب طرأ لهم، والمراد بقوله: "فما بقي فلأولى رجل ذكر": العصبة الذي ليس لها فرض بحال، ويدل عليه أنّه روي الحديث باللفظ الذي أخرجه مسلم، فقوله: "اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله تعالى" يدخل فيه كلّ من كان من أهل الفروض بوجهٍ من الوجوه، وعلى هذا، فما تأخذه الأخت مع أخيها أو ابن عمها إذا عصبها هو داخل في هذه القسمة؛ لأنها من أهل الفرائض في الجملة، فكذلك ما تأخذه الأخت مع البنت.
следующие страницы →